• اخر المشاركات

تاريخ العار

أملنا أن تصبح مشاكل المرأة شيئا من الماضي ..

المشرفون: noooooooooooor, Eiad Mashhara

تاريخ العار

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الخميس ديسمبر 27, 2007 12:54 am

تاريخ العار

بقلم:د. عبدالله إبراهيم (كاتب عراقي)..إذا نظر إلي التاريخ بصورة موضوعية، ظهرت مفارقة لا يمكن قبولها، ولا السكوت عليها، وهي استبعاد المرأة، والتحيز للرجل، وهو تحيز فرضته ظروف ثقافية واجتماعية وضعت المرأة في مقام أدني بكثير من مقام الرجل، إن لم نقل أنه أخرجها من دائرة صنع التاريخ، وكأن تاريخ المرأة عار ينبغي طمسه، وخطيئة يجب عدم الاعتراف بها. وفي حركة احتجاجية لا تخفي ظهرت الحركة النسوية لإحداث نوع من التوازن، فاتخذت طابعاً عملياً ونظرياً، وتعددت اتجاهاتها، وانتجهت معجماً خاصاً بالاصطلاحات المتداولة في مجال الفكر النسوي، وتركز كثير من الاهتمام علي الجنوسة فالدراسات النسوية فرقت بين النوع البيولوجي Sex و النوع الاجتماعي Gender ب الجنوسة التي يقصد بها التنميط الاجتماعي والثقافي الذي يضع المرأة في موقع أدني من موقع الرجل في الأدوار والوظائف والمسؤوليات فقط لأنها امرأة. وتعزو الدراسات النسوية ذلك إلي أن الثقافة الذكورية انتقصت المرأة، وافترضت أنها دون الرجل في كل شيء، وعليه فإن تفكيك الثقافة الذكورية، وامتصاص التحيزات التي استوطنتها، ورد الاعتبار للأنثي بوصفها كائناً إنسانياً مناظراً للذكر، كفيل بتحويل العلاقة بين المرأة والرجل من علاقة تبعية إلي علاقة شراكة .تقوم النسوية علي فرضية نقد التباين بين الذكور والإناث، وتهدف بعض اتجاهاتها إلي تشكيل هوية أنثوية متميزة عن الهوية الذكورية، ومن الضروري التفريق بين كتابة النساء، والكتابة النسوية، فالأولي تتم بمنأي عن الرؤية الأنثوية إلا بما يتسرب دون قصد، والثانية تتقصد التعبير حال المرأة استناداً إلي رؤية أنثوية للذات والعالم، وتتم في إطار الفكر النسوي، وتستفيد من فرضياته وتصوراته ومقولاته. ومن أجل كشف الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الفكر النسوي، فلابد من الوقوف أولاً علي مفهوم النسوية وتكاد تتفق الأدبيات النسوية علي أن هذا المفهوم يحيل علي تصور ثقافي عام مفاده الاعتقاد بأن المرأة لا تعامل علي قدم المساواة- لا لأي سبب سوي كونها امرأة- في مجتمع تنظم شؤونه، وتحدد أولوياته، حسب رؤية الرجل واهتماماته. وتذهب المصادر الأساسية للفكر النسوي إلي أنه في ظل النموذج الثقافي الأبوي تصبح المرأة هي كل ما لا يميز الرجل، أو كل ما لا يرضاه لنفسه، فالرجل يتسم بالقوة والمرأة بالضعف، والرجل بالعقلانية والمرأة بالعاطفية، والرجل بالفعل الإيجابي والمرأة بالسلبي.. إلخ، وذلك المنظور يقرن المرأة في كل مكان بالسلبية، وينكر عليها حق الانخراط في ميادين الحياة العامة علي قدم المساواة مع الرجل، ومن هنا يمكن القول بأن النسوية هي حركة تعمل علي تغيير هذه الأوضاع لتحقيق تلك المساواة الغائبة بين المرأة والرجل.
وعلي هذا تكون النسوية: كل جهد نظري أو عملي يهدف إلي مراجعة أو مساءلة أو نقد أو تعديل النظام السائد في البنيات الاجتماعية، الذي يجعل الرجل هو المركز، وهو الإنسان، والمرأة جنساً ثانياً، أو كائنا آخر في منزلة أدني، فتفرض عليها حدود وقيود، وتمنع عنها امكانات المشاركة لأنها امرأة، وتبخس خبراتها لأنها أنثي، لتبدو الحضارة في شتي مناحيها انجازاً ذكورياً خالصاً، يؤكد ويوطد سلطة الرجل، وتبعية أو هامشية المرأة. ولكي يعرض مفهوم النسوية بوضوح، يلزم كشف طبيعة المفهوم المعارض له، وهو الأبوية الذي يشير إلي علاقات القوة التي تخضع في إطارها مصالح المرأة لمصالح الرجل، وتتخذ هذه العلاقات صوراً متعددة بدءاً من تقسيم العمل علي أساس الجنس والتنظيم الاجتماعي لعملية الانجاب إلي المعايير الداخلية للأنوثة، وتستند السلطة الأبوية إلي المعني الاجتماعي الذي تم إضفاؤه علي الفروق البيولوجية بين الجنسين. وتري يمني طريف الخولي أن النسوية فلسفة نقدية للحضارة، لا توضع إلا في سياق نقد الحضارة الغربية. من هنا كان ارتباط النسوية الجديدة بفلسفة ما بعد الحداثة، التي هي في جوهرها موقف شكي نقدي من منطلقات الحداثة، فالموجة النسوية الأولي إحدي تجليات الحداثة التنويرية بمثلها العقلانية التي تجسد الذكورية، فعملت علي طمس خصوصيات المرأة والاقتراب بها من هذا النموذج الذكوري لكي تنال بعض حقوق الإنسان / الرجل.
أما الموجة الثانية، أي النسوية الجديدة، نسوية ما بعد الحداثة، فأبرز ما يميزها هو نقد النموذج العقلاني الذكوري للإنسان ورفض انفراده بالميدان كمركز للحضارة الغربية التي جعلها المد الاستعماري أنموذجاً للحضارة المعاصرة بأسرها. إنها تختلف بأن تتناقض مع الموجة الأولي في تأكيدها علي اختلاف النساء عن الرجال والعمل علي اكتشاف وإبراز وتفعيل مواطن الاختلاف، وما يميز الأنثي والخبرات الخاصة بالمرأة التي طال حجبها مما أدي إلي خلل أصاب الحضارة، فالنسوية الجديدة اكتشاف وبلورة للأنثوية، ورفض مركزية النموذج الذكوري للإنسان التنويري الحداثي العاقل، وهو الوجه الآخر للمركزية الغربية التي سادت العالم. وتتلخص في أن مركزية العقل الذكوري الغربي قهرت المرأة، والطبيعة، والشعوب خارج المجال الأوروبي.
وكان لمفهوم الكتابة الأنثوية الفضل في تحويل النقاش النسوي من البحث عن الكاتبات أنفسهن، إلي كشف الأسباب وراء التحيز ضد النساء، إذ فتحت ناقدات من أمثال: هيلين سيسو، ولوسي ايريجاري، وجوليا كريستيفا، باب الجدل حول قضايا الهوية والذات. ومن أقدم ما يشار إليه في هذا المجال، ما يعرف ب النسوية الفرنسية وهو اتجاه ركز اهتمامه علي هذا المفهوم، وربطه بمفهوم الكتابة الأنثوية، فمن الضروري في النسوية الفرنسية أن تكرس المرأة كتابتها لذاتها الأنثوية، واختيار اللغة التي تعتمدها في تمثيل نفسها، فالاهتمام بالهوية الأنثوية، وبالكتابة الأنثوية، يقصد منها زحزحة الهيمنة الذكورية المتغلغلة في الثنائيات المتضادة السائدة: الرجل/ المرأة، العقل/ العاطفة، القوة/ الضعف، إذ تضفي الثقافة السائدة قيمة أعلي علي الطرف الأول من تلك الثنائية، وتخفض أهمية الطرف الثاني.
وتصر كريستيفا علي أن الذكورة و الأنوثة مواقع معينة للذات تشكلت بفعل عوامل اجتماعية، ولا علاقة لها بالاختلافات البيولوجية. وتري إيلين شوالتر أن كتابات المرأة تشبه الكتابات النابعة من أي ثقافة أخري تابعة، وأنها تمر بثلاث مراحل من التطور محاكاة الأشكال السائدة للتقاليد الأدبية المهيمنة و الاعتراض علي هذه المعايير والقيم وأخيراً اكتشاف الذات أي البحث عن الهوية . علي أن كريستيفا تتطلع إلي تأسيس مفهوم للهوية النسوية من خلال الربط بينها وبين الدوافع الفوضوية التي تتعرض للكبت في ظل النظام السائد المنظم لهذه الدوافع، والذي تسميه بالنظام السيميوطيقي، فهذا المفهوم لا يؤدي إلي نشأة ذات مستقرة، بل إلي نشأة ذات مائعة مؤقتة غير محددة المعالم.
وثمة مجموعة كبيرة من الاتجاهات المختلفة داخل النسوية تهتم بالكيفية التي تصاغ بها الهوية من خلال اللغة، علي أساس أن اللغة نسق يؤدي إلي تشفير هوية الذكر. لا هوية الأنثي. ولذلك تطرح هيلين سيسو فكرة الكتابة الأنثوية وتطرح لوسي إريجاري فكرة الكلام المؤنث كنقيض للتراكيب اللغوية التقليدية، بينما تدعو ديل سبندر النساء إلي رفض دورهن الصامت في إطار ما تسميه باللغة التي صنعها الرجل . وكثيراً ما نجد أن السرديات المكتوبة بضمير المتكلم مثل السيرة الذاتية تقدمها كاتبتها علي أنها وسيلة لصياغة إحساس أكثر صدقاً بالذات عن طريق تسجيل تجارب المرأة التي تظل محجوبة عن التعبير في المجتمع العنصري أو المتحيز للرجل. وهذه الأسس النظرية للفكر النسوي مهمة جداً، ولا يمكن تجاهلها لمن أراد الخوض في هذا الفكر الذي طرح نفسه بقوة منذ منتصف القرن العشرين ليصحح العار التاريخي للجنس البشري.

صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

العودة إلى قضايا المرأة السورية و العربية

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron