صفحة 1 من 1

مجموعة قصص قصيرة للكاتب الكبير نجيب محفوظ

مشاركةمرسل: الثلاثاء مايو 29, 2007 10:41 pm
بواسطة noooooooooooor
الصعود الى القمر


تم الهدم و بقيت الأنقاض . تجلت أرض البيت القديم مساحة شبه مربعة فى الفضاء خالية من أى معنى و بلا رموز . و قلت للمهندس و هو أيضا صديقى :
1 أنظر كم هى صغيرة .
فقال و هو يتأملها متفكرا :
1 كان فيها الكفاية لإيواء أسرة ما شاء الله كبيرة .
و استغرق فى تأملاته ثم استطرد :
- لا جدوى اقتصادية من بناء مسكن أو عمارة صغيرة ..
- قلت لك اننى لا أفكر فى ذلك .
- لكن ما تفكر فيه خيال خارق ، اليك مشروعا طريفاً و مفيداً ، أن بنبى مشربا لبيع العصائر و الحلوى ، و سوف يكون تحته فى هذا المكان الأثري ، و الف من يتقدم لاستئجاره اذا عرض للاءيجار فى الوقت القريب .
فابتسمت قائلا : - فكرة طيبه و لكننى لم أقصدك الا لتنفيذ ما فى رأسى ..
2 انه خيال أشبه باللعب
فقلت باصرار :
3 أريد أن أعيد البيت القديم كما كان أول مرة دون أدنى تغيير حاذفا الزمن من الوجود .
و خلوت اليه فى مكتبه و أصغى الى بعناية و يده لا تكف عن الرسم و التخطيط . و دار نقاش مرات فعندما وصفت له المدخل و السلم قال :
- أسلوب فج . و يصدم القادم بوجوده دون أى تمهيد ، دعنى ...
فقاطعته باصرار :
4 ما أريد الا أن يرجع البيت الى أصله ..
و فى لحظة أخرى قال :
- المسكن لن يزيد عن حجرتين أكبرهما صغيرة ..
- أنا عارف .
- و تضيع نصف المساحة لبناء حمام يتسع لخزان لتطهير الزهر و الورد ، و بناء فرن بلدى ، أى زهر و ورد و خبز .. !!
- هذا ما أريد ، و لا تنسى السطح ، فيه حجرة صغيرة صيفيه ، و حجرات لتربية الكتاكيت و الأرانب .
و ضحك صديقى طويلا و لكن يده لم تكف عن التخطيط . انه يعلم جيدا أنى لا أفكر فى الاستثمار . و كان مرجوى أن أقيم استراحة شعبية لبناتها الذكريات و الأحلام ، و تنفع مهربا من هموم الحياة و ضغوطها ، و عندما يتم تأثيثه و تزيينه من من محال خان الخليلى سيكون تحفة ، و لكن بمعنى آخر غير ما قصده صديقى المهندس من بناء المشرب و اعداده للسياح و الأهالى . و لعله أساء الظن .. حذرنى قائلا :
- ستكون فى قلب حى عريق فحذار من تجاوز التقاليد
فضحكت و قلت له :
5 لو فكرت فى شيء مما تعنى لوجدت سبيلي دون حاجة الى هدم و بناء !
و تم بناء البيت أو إعادة بنائه على ما اتفقنا عليه و كنت أتابع خطوات البناء الأولى ثم انقطعت عنه لأستمتع برؤية شكله الجديد و كأنها مفاجأة سعيدة . و قال لى المهندس :
- تم كل شيء كما تريد فأرجو ألا تندم ..
و ذهبت معه لالقاء نظرة أخيرة و التسلم . و عندما أقبلت من أقصى الطريق تراءت المشربيتان كما كانتا تترائيان فى الزمن القديم . و كعينين ترمقان دعتانى للدخول ، قام البيت بين البيوت القديمة على ناحيتيه التى بقيت على حالها دون أي تغيير خارجى ، أما سكانها القدامى - جيران الزمان الأول – فقد تلاشوا فى غياهب المدينة و لم يتردد لأحد منهم ذكر الا فى صفحة الوفيات ، و جعل قلبى يخفق . و رأيت المطرقة معلقة بالباب فرأيت الأيدى العزيزة تقبض عليها . و قال المهندس كالمعتذر :
كان على أن أتخذ الاستعدادات لإدخال المياه و الكهرباء .
فقلت له :
6 فى نيتي أن استعمل المصباح الغازي ..
7 ستكون جاهزة اذا احتجت اليها حتى تفيق من الخيال .
ولكننى أمعنت فى الخيال و أنا أرتقي فى السلم العالي . و حال بلوغي الطابق المعد جذبت الى الوراء البعيد بشدة . غاب عنى صوت المهندس ن كدت أنساه تماما . ها هو الفرن . لكن أين حرارة الدفء و اللهب و المجلس السعيد ؟ و تقت الى عبق الخبيز . و ها هو الحمام بمنوره المزركش و خزانه العريض و الحوض المفعم بالزهر و الورد . و ها هى أنابيب التقطير تكاد تسيل بالرائحة الذكية ، و جلست أراقب اليدين فى نشاطهما العذب و أستمع الى التلاوة . و اندفعت أجرى فى الدهليز بين الحجرتين تطوقني الأصوات المحذرة . و اختلط التهديد بالضحكات العالية ، و اعترضنا الذى يضع على وجهه قناعا من الكرتون رسمت عليه صورة الشيطان ، و جاء صوت معاتباً : " لا ترعبه فالرعب لا يزول " ، و صعدت الى السطح فهالني أن أجد الحجرة الصيفية خالية من غطاء اللبلاب و الياسمين و أن أرض السطح خالية من السلم الخشبي و حبال الغسيل ، و جذبنى صياح الديك الى حجرة الدجاج فهرعت اليها ، و فردت جلبابى و أمسكت بطرفه لجمع فيه البيض .
و صحت فيمن يرافقني : " انظر " و أشرت الى لون المساء الهابط على الحى من خلف القباب و المآذن . و طلع البدر فى خيلاء من وراء البيوت العتيقة فتطلعت اليه بشغف . عند ذاك رفعت فوق الكتف و همس لى الصوت الحنون : " خذه ان قدرت " ، فمددت يدى بمنتهى الحب و الأمل الى البد الساطع ... !!

مشاركةمرسل: الثلاثاء مايو 29, 2007 10:42 pm
بواسطة noooooooooooor
الطاحونة

كانوا ثلاثة قيل انهم خرجوا الى الدنيا فى يوم واحد . و حديث الأعمار يبوح بأسراره فى حارتنا عند الحوار بين الأمهات حتى بلغوا السادسة . عند ذاك حجزت البنت لتصبح خفية وراء الجدران و استمر الصديقان فى اللعب و التذكر . أما رزق فيتذكرها كلما احتاجوا الى ثالث فى لعبة من الألعاب ، و أما عبده فحتما منذ تلك المبكرة كان يشعر بها حبيبة للقلب على نحو ما . و منذ تلك السن المبكرة أيضا أدرك أن عليه أن ينتظر عشر سنوات قبل أن يحقق أمله المشروع.
و كان عبده من الذين يملكون، أما رزق فممن لا يملكون. و تزاملا في الكتاب كما تزاملا في اللعب . و انقطع رزق عن التعليم بحكم فقره و واصله عبده حتى نال الابتدائية. و منذ ذلك الزمن البعيد و رزق يتشكل في وجدان عبده مثالا فائقا في القوة و الجرأة و المهارة فاحترمه و أعجب به و تبعة رغم فارق الغنى و الفقر.
و لما مات والد عبده حل الفتى محل أبيه في مطحن البن الذي ورثه . و كان الأب قد دربه ، كما أن العمال القدامى أخلصوا له أيما إخلاص ، و لكنه سرعان ما ضم صديقه رز إلى المطحن كمعاون له ، و كان كل ما حصله كل منهما في التعليم كافيا له في عمله ، و تجلت ألمعيه رزق في متابعة العمل من شرائه كـ (بن)
أخضر الى تحميصه و طحنه و تعبئته و توزيعه . و قال لأسرته مفسرا قراره بتعيين رزق :
1 أنا لا أجد الطمأنينة الا معه .
ذلك حق . لم يتخل عن خدمته قط . يدفع أى أذى الصبيه . يسارع الى نجدته كلما احتاج الى نجدة . يسعفه بالرأى و المشورة . و لما ضمه الى المحل قال له :
2 كن فى العمل ما كنته فى الحارة ، عينى و أذن و يدى ..
و فى وقت قصير استحق أن يلقب بالوكيل . انه الرقيب بين العمال الدائب على رعاية الطاحونه ، و أنشط من قام بتوزيع البن فى الدكاكين و المقاهى . يا له من طاقة لا تخمد . و أصبح هو لا يدرى كبيرة أو صغيرة من محلة الا عن طريقة . بالمقارنه أصبح هو لا شىء و الآخر كل شىء .
و كان ارتياحه لذلك أضعاف ضيقه به لما طبع عليه من كسل و حب الحياة اليسيرة و الميل الى الاستمتاع بالسهر كل ليلة فى المقهى أو الغرزة . و كان العملاء يقصدون رزق لعقد الصفقات و كأنه مالك كل شىء . و لاحظ خال عبده ذلك و هو فى غاية من الاستياء و لكن الشاب قال له :
- بكلمة واحده منى يتغير كل شىء ، أريد أن تجرى الأمور على ما تجرى عليه ، و أنا يا خالي أحب المال و لا أحب العمل ، و رزق أمين ، و هو هدية ربنا الى ..
و مضت الأمور فى طريقها المرسوم حتى قال عبده لرزق يوما :
- آن لى أن أفكر بالزواج قبل أن يسرقنا الوقت .
و لم يبد على رزق أنه فوجىء و سأله :
- هل فاتحت أحدا فى الموضوع ؟
- انت أول واحد أفاتحه فيما يهمني ..
- أحسنت ، فالطريق المعتاد الى الزواج هو أردأ الطرق ، فدعنى اتحرى بأسلوبى الخاص و الله يهدينا سواء السبيل ..
هكذا سلمه شئون قلبه ضمن اختصاصاته ن و لم يكن هو رأى ظريفة طيلة السنين الا مرات معدودة ن و لكنه لم يحب من جنس النساء سواها ، غير أنه قال كالمعترض :
3 أسرتها طيبه و حسنة السمعة و لا حاجة بنا الى التحريات .
4 هذا كلام الناس الطيبين و لكننا لن نخسر بالسؤال شيئا ..
و انتظر عبده و هو يزداد قلقا و توترا ، و يتساءل فى حنق :
متى تنتهي تلك التحريات المشئومة . و التقت عيناه بعيني صاحبه اذ هما فى المقهى فقرأ فيهما ما أثار خواطره و سأله :
5 ماذا وراءك ؟
فقال بحزن شديد :
6 ليس خيرا
فهتف :
8 يا خبر أسود ،ماذا قلت ؟
9 هى الحقيقة للأسف ..
10 لكن ظريفة ملاك .
11 إنها ليست ملاكا
فغمغم بعد تردد :
12 أنا أريد البنت :
فقال الآخر بادى الامتعاض :
13 انت حر .
و انطوى على نفسه يفكر و يفكر . و يتردد بين الإقدام و الإحجام ، و ضاعف من تعاسته أن رزق اعتكف فى بيته لمرض طارىء . و ذات أصيل و هو منفرد بنفسه فى المطحن ترامت الى أذنه زغرودة . و جاءه عامل ليخبره بأن رزق كتب على ظريفة فى حفل خاص و نفر من أهله .
و ثار عبده ثورة جعلته يبدو بين عماله كالمجنون حقيقة لا مجازاً
و زاره قريب لرزق يحمل اليه اعتذره و قوله انه فعل ما فعل لينقذه من شر كبير كان حتما سيقع فيه . و ضاعف الاعتذار من جنونه و أعلن طرده من المطحن و توعده بشر من ذلك .
و لكن الذى حدث غير ذلك . و قال لى شيخ الحاره - و هو راوي قصة عبده و رزق و ظريفة- ان عبده عاد مع الأيام الى رشده . و غرق فى عمله لا يدرى ماذا يفعل فاقتنع بأنه لا غنى عن رزق . و عفا عنه و أعاده الى مركزه السابق .
و الأعجب من ذلك كله أنه فاجأنا ذات يوم بالزواج من أم ظريفة !

العشق فى الظلام

مشاركةمرسل: الثلاثاء مايو 29, 2007 10:44 pm
بواسطة noooooooooooor
العشق فى الظلام

عندما يغلق باب المقهى لا يبقى ساهرا فوق أرض الحارة الا الخفير . لتفقد أبواب الدكاكين ، و يذهب و يجيء ما بين الميدان و ممر القرافة سائرا فى ظلام دامس متلمسا طريقه بغريزته المكتسبة من العمل و معلقا بندقيته بمنكبه و بين حين و آخر يطلق نذيره الحلق الذى يشق الظلمه .
أطلق عليه منذ بدء خدمته : "أبو الهول" بما يرمز له الاسم فى الذاكرة الشعبية من الجلال و الرهبة ، الواقع أنه ذو طول مؤثر و عرض لا يتناسب مع ذلك الطول ، أما شاربه فيقف عليه الصقر ، و أما رأسه فصغير و قلبه طيب لا يتوافق مع أغراض وظيفته ، والحق أنه مضى يهزل و برق و تتجمع فى عينيه سحابة حزن ، و تساءلت القلة التى تراه و هو يبدأ عمله الليلى عن السر . و تجرأ أحدهم فقال له :
1 لست على ما يرام يا خفير بندق .
فأجاب بغموض قائلا :
1 هى الدنيا يا معلم .
انه يعاشر الظلام ، و لا يعرف من أهل الحارة الا الراجعين قبيل الفجر من الحشاشين و السكيرين و الخباصين ، و لعله لا تصل الى مسمعيه فى صمت الليل الا الأنات الشاكية ، و قيل انه سيهزل و يهزل حتى تعجز الأعين عن رؤيته .
و لكن الأنات الشاكية لم تكن الأصوات الوحيده التى تزحم أذنيه . هناك الصوت الذى يتسلل من نافذه بدروم البيت القائم أمام السبيل
أسمعه أنين الحب و أنغامه . كل ليلة عقب عودة النجار من سهرته ، يترنح و يدندن ثم يهبط الى مسكنه ، و بعد فتره وجيزة تتسلل الأنغام من منافذ النافذة ، كل ما استطاع أ، يعرفه أن البدروم مسكن للنجار و امرأته ست بطه ، و لكنه لم يرها أبدا . انها تقضى شئونها فى غرفتها . عرفها من صوتها آخر الليل ، و لم يكن من أهل الحارة و لكنه عشق الصوت ، و هام به هياما حتى نبض فى قلبه. و تردد فى أنفاسه . يسمعه ليله بعد أخرى و يتشربه ساعة بعد أخرى و يخلق من ترنيماته و تهويماته صورة جامعة لمحاسن نساء الريف و المدن ، يناجيه فى سهرته الطويلة و يستغيث به فى وحدته ، و تجسد له مرات فحاوره و دعاه و قال له لا يعرف الألم الدفين الا خالقه و لا يغيظه شىء كما يغيظه دندنة النجار و هو عائد مترنحا . و خطر له أنه لو أعياه السطول ليله فسقط لحمله الى الداخل ليرى ست بطه .
و رن سوته فى القبر مرة و هو يغنى :
(( باسمع نغم الليل عشق الحبايب هدنى الحيل))
و أعجبه صدى صوته داخل القبو فأعاد الغناء و فاض به الحنين فتساءل :
- و ايش بعد الغناء يا بندق ؟؟
و جاء صوت من وراء باب الحصن الأثرى :
- ما بعد الغناء الا العمل ..
فارتعد متذكرا ما يقوله أهل الحارة عن سكان القبو . و لكنه تشجع ضاغطا بذراعه على بندقيته و سأل بلهجة ميرى :
2 من أنت ؟ ... كيف دخلت الحصن ؟
فأجاب بصوت باسم :
4 أنا شيطان يا خفير بندق ، و لولا الشيطان ما كان الانسان .
و سرى الصوت فى كيانه بقوة فلم يشك أنه بحضرة شيطان حقيقى . حاول أن يتلو سورة و لكن رأسه أفرغت من محفوظاتها القليلة ، و سأله مستسلما :
- ماذا تريد؟
- ماذا تريد أنت ؟؟
- ما أريد الا أداء واجبى .
- أنت كذاب .
و ترامت اليه دندنة النجار و هو راجع فخفق قلبة و قال الصوت من وراء الباب المغلق:
- أعطنى بندقيتك ...
لم يذعن و لم يرفض و لكنه شعر بالبندقية تنزع من حول منكبة . و فجاءة دوت طلقة نارية فمزقت مخالبها ستار الليل ، نام ثوان فحلم ثم صحا . و لما صحا رأى شفافية الضياء الباكر تهبط فى مركبة سماوية و رأى لمة تحيط بجثة يتدفق الدم من فيها و انكبت فوق الجثة امرأة و هى تصرخ و تبكى و تندب أبا العيال و ندت عنه حركة فاتجهت اليه الابصار و أكثر من صوت سأل :
5 من قتل الرجل يا خفير بندق ؟؟
فتراجع حتى استند الى شرفة السبيل و هو يحدق فيهم
6 لابد أنك رأيت كل شىء .. فمن قتل الرجل ؟
فأجاب بذهول :
7 قتله الشيطان ...!
و كان يرى ست بطة لأول مرة ، و لآخر مرة .

مشاركةمرسل: الثلاثاء مايو 29, 2007 10:47 pm
بواسطة noooooooooooor
الهتاف


ذات صباح رجع أبو عبده الى حارته . عرفه كثيرون رغم طلاء الأبهة ، رغم العباءة و العمامة و العصا والمركوب .. يا للغرابة يا أبو عبده . ماذا أرجعك ؟ عاش فى الركن الذى كان يقيم فيه بين أسرته و تلفت حوله فى حيرة . و اتجه نحو دكان شيخ الحارة الذى كان يراقبة بامتعاض و حياه و سأله عن أهله
و سأله شيخ الحارة بخشونه :
- ما معنى هذه العودة ؟
فقال أبو عبدة الذى لم يكن يتوقع استقبال أفضل :
1 جئت لزيارة الأهل
فقال الرجل بغلظة :
1 مات من مات و رحل من رحل هربا من كلام الناس .
ثم بعد فتره صمت مشحون باللوم :
2 و أنت أدرى بالحكاية و أصلها
فقال أبو عبده بلهجة لم تخل من تحد :
4 ها أنا أعود يا شيخ حارتنا ، و سوف ترانى سيدا يعيش بين السادة
فقال شيخ الحاره بضيق :
6 اختر لنفسك ما يحلو ، أما أنا فلا يهمنى الا الأمن العام . و سرى الخبر فى الحارة مثيرا أكبر قدر من الاشمئزاز .
و بأكبر سرعة ممكنة راحت خربة تتحول الى سراى لينزل به ذلك الرجل الذى غادر الحارة الى أطراف الحى و جمع ثروة ضخمة من أحط السبل و أحملها للعار حتى صار مضغة للأفواه و مرغ اسم حارتة فى التراب .
و سأل امام الزاوية شيخ الحارة :
- ألم يجد فى الدني الواسعة مكانا لمسكنة بعيدا عن الحارة ؟
فقال شيخ الحارة ك
7 انه يؤمن بأن نقوده تستطيع أن تفعل المستحيل .
و تلهف أبو عبده مع إعداد السراي ليبدأ ممارسة سيادته .
و لكن طوال مدة العمل لم يعن أحد بالنظر اليه . كان يشعر بالاحتقار كظله و الكراهيه مع أنفاسه .
و تساءل فى توجس : ترى هل أقيم لنفسي سجنا و أنا لا أدرى ؟
و نصحة شيخ الحارة قائلاً :
- انه مشروع فاشل
فقال بإصرار :
- بل سوف تلمس نجاحه و تنوه مع الآخرين بأعمالي الخيرية .
فضحك شيخ الحارة رغما عنه فقال أبو عبده :
8 و سأستعين بك فى مشروعى الخيرى .
فرمقه بريبه فقال :
9 أنت تعرف متبولى الأعمى .. كنت مقترضا منه خمسة قروش حين غادرت الحارة فانصحه بأن يذكرنى بها ..
فأدرك شيخ الحاره مقصده ، لم يتحمس و لم يرفض . و قال لامام الزاوية :
10 اذا أراد أن يكفر عن منكره فليكفر ..
فقال الامام :
11 ان الأعمال بالنيات و هو ذو نية سوداء دائما .
غير أن سعى شيخ الحر باء بالاخفاق و قال ل (أبو عبده ) :
12 متبولى يرفض المطالبة بدينه القديم ..
و انزعج أبو عبده . لكنه لم ييأس . صمم على أن يجعل من واقعه رد الدين لمتبولى حادثا يسيل له لعاب الفقراء فى الحارة فيكسب جبهتهم بضربة واحدة .
و انتظر صابرا كظيما يوم السوق . و ارتدى فاخر الثياب ايمانا منه بولع أهل حارته بالمظاهر . و ذهب بقدمين ثابتتين يشق طريقة فى الزحام الى حيث يقرفص عم متبولى إمام مقطفه .
قال بصوت جهير :
13 أحيى صديق العهد القديم ..
فرفع متبولى اليه عينيه الضعيفتين و تحركت شفتاه دون أن يصدر عنهما صوت . و انتبه اليه أناس فتابعوا ما سيحدث باهتمام و دون أن يفارق الفتور وجوههم . و همس إمام الزاوية فى أذن شيخ الحارة :
14 أدعو الله أن يمر اليوم على خير .
أما أبو عبده فقال :
15 لك دين فى عنقي وجئتك الآن لأسدده .
و أخرج من عبة رزمة أورق مالية لا ترى فى الحارة الا كل حين و مين و وضعها بين يدي الرجل لضيف مقطفه . و ساد صمت ثقيل ، و تركزت على الرزمة الأبصار .. حتى همس شيخ الحارة فى أذن الإمام :
- اذكر هذه اللحظه التعسة فقد تكون بدء تاريخ طويل من الفساد فى حارتنا الطيبة ..
و ابتسم أبو عبده فى إغراء ، و لا ترامى الزمن دون حركة تحولت الابتسامة الى توسل ، و لكن متبولى أزاح النقود بمقطفه نحو صاحبها و صاح بصوت سمعه الجميع :
- خذ نقودك يا قذر ..
عند ذلك هتف الجميع بصوت واحد : الله أكبر .. و ليحيا الجدعان ....

مشاركةمرسل: الثلاثاء مايو 29, 2007 10:49 pm
بواسطة noooooooooooor
حديقة الورد

حدث ذلك فى زمن مضى . و مما يذكر أن شيخ حارة حكاه لى و نحن جلوس فى حديقة الورد . فقد عثر على حمزة قنديل بعد اختفاء طويل و هو جثة هامده فى الخلاء .
وجد مطعونا فى عنقة بآلة حادة . مخضب الجلباب و العباءة بالدم المتجمد ، عمامته مطروحه على مبعدة يسيرة من الجثة،
أما ساعته و نقودة فلم تمس ، مما يقطع بأن الجريمة لم ترتكب من أجل السرقة . و تولت الجهات الرسمية الفحص و التحقيق ، و انفجر الخبر فى الحارة و ذاع بسرعة النار و نشارة الخشب .
و ترامى الصوات من بيته و جاوبته الجارات بالمشاركة الواجبة و تبادل الناس النظرات ، و ساد جو من التوتر و الرهبة ، و لم تخل بعض السرائر من ارتياح خفى ، و أيضا مما يشبه الشعور بالذنب ، و أفصح عن شىء من ذلك عم دكرورى بياع اللبن حين همس لامام الزاوية :
- القتل أكبر مما يتوقعه أحد ، رغم عناده و ثقل دمه !
فقال الامام :
- يفعل الله ما يشاء .
و سألت النيابة عن أعدائه ، فكشف السؤال عن جو متحفظ غامض . أرملته قالت : أنها لا تعرف شيا عن علاقاته فى الخارج . و لم يشهد أحد بوجود عداوة بين القتيل و بين أحد من أهل حارته . بل لم يدل أحد بشهادة نافعة . و نظر المأمور الى شيخ الحارة متسائلا فقال :
- كل ما لاحظته أنه لم يكن له أصدقاء !
و لما سئل عن أسباب ذلك قال :
- كانوا يستثقلون دمه و لم أهتم بمعرفة السبب .
و دلت التحريات على أن الخلاء كان طريق ذهابة الى عملة فى التربيعة و عودته منه . و لم يكن يصحبه أحد فى ذهابه أو ايابه . و أما السؤال التقليدى عما اذا كانوا يشكون فى أحد أجابوا بالنفى القاطع ، و لم يكن احد يصدق أحدا ، و لكن هكذا جرت الأمور . و لكن لماذا لم يكن لحمزة قنديل صديق فى الحارة ؟ ..
و هو ما يرجح بأنها كانت تضمر له العداء ؟ . قال شيخ الحارة : أنه كان ممن سبقوا الى شىء من التعليم ، فكان يجلس فى المقهى يحدث الناس عن عجائب الدنيا التى يطلع عليها فى الصحف فيثير الدهشه و يجذب الانتباه . هكذا صار قعر كل مجلس يكون فيه ، و اتحل مركزا لا يراه الناس لائقا الا برجال الحكومه أو الفتوات ، فحنقوا عليه و تابعوه بقلوب مليئه بالسخط و الحسد . و بلغ الأمر نهايته من التوتر عندما تكلم ذات يوم عن القرافه كلاما عد خارجا عن حدود العقل . و ذلك عندما قال فى أثناء حديث له :
- أنظروا الى القرافه ، انها تقع فى أجمل موضع فى حينا !
و تساءل الناس عما يريد فقال :
- تصورا شمالها حيا سكنيا ، و جنوبها حديقة !
و غضب الناس غضباً لم يغضبوه من قبل و انهالوا عليه لوما و تعنيفا ، و ذكروه بحرمة الأموات و واجب الولاء لهم ،
و كان بيومى زلط على رأس الهائجين فحذره من العودة الى حديث القرافة و صرخ قائلاً :
- نحن نعيش فى بيوتنا سنين معدودة و نلبث فى قبورنا الى يوم يبعثون
و تساءل قنديل :
- و الناس اليس من حقهم أيضا ..
و لكن زلط قاطعه هائجاً :
- حرمة الأموات من حرمة الدين
بذلك أفتى زلط الذي لم يعرف كلمة واحده عن الدين . و لم تكد المعركة تهدأ بعض الشيء حتى حمل شيخ الحارة فى ذلك الوقت قراراً من المحافظة ينذر بإزالة القرافة بعد مهلة معينه داعيا الناس لإقامة مقابر جديدة فى عمق الخلاء ... لم يكن ثمة علاقة بين كلام قنديل و القرار ، و لكن البعض ظن – و بعض الظن اثم – و الأكثرية قالت : ان قنديل أهون من أن يؤثر فى الحكومة ، و لكنة شؤم على أي حال ، و رغم ذلك حمله الجميع تبعة ما حدث . و هو من ناحيته لم يخف سروره بالقرار . فضاعف من غيظ الناس و حنقهم ، و تجمعوا أمام شيخ الحارة بين صياح الرجال و عويل النسوة وطالبوه بأن يبلغ الحكام بأن قرار الحكومة باطل و حرام و ضد الدين ضد كرامة الأموات . و قال لهم شيخ الحارة أنه لا يقل عنهم غيرة على كرامة الأموات . و لكنهم سينتقلون من مكان الى مكان مع المحافظة الكاملة على الحرمة و الكرامة ، فقالوا فى اصرار : ان هذا يعنى أن اللعنه ستحيق بالحارة و من فيها . و صارحهم الرجل بأن قرار الحكومة نهائى و أن الأولى بهم أن يتأهبوا للتنفيذ . و انصرف عنهم و زلط يقول بصوت كالنهيق :
1 ما سمعنا عن شىء مثل ذلك منذ عهد الكفار !!
2 و اختلط السخط على الحكومة بالسخط على قنديل فصار سخطا واحدا . و رجع بيومى زلط من سهرة ذات ليلة مخترقا طريق المقابر . و عند السبيل الصغير برز له هيكل عظمى متلفعا بكفن ، فتسمر زلط و طار ما فى دماغة من دماغة .
3 قال الهيكل :
4 الويل لمن ينسى موتاه أو يتهاون فى أثمن ما يملك و هو القبر .
و رجع زلط الى الحارة و قد امتلاء بهمسات الموت . و الحق أنه لم يخف على أحد أنه قاتل قنديل . و لم يبح بشره أحد خوفا و انحيازا . و قيل : ان تلك الحقيقة ترامت الى مأمور القسم ، و لكنه كان أيضا ضد نقل القرافه المدفون فيها أجداده ، و قيدت القضية ضد مجهول و رح دم قنديل هدرا.
ختم شيخ الحارة حديه معي بنغمة آسفة و نحن جلوس فى حديقة الورد التى كانت ذات يوم قرافة حيْنا العتيق

مشاركةمرسل: الثلاثاء مايو 29, 2007 10:50 pm
بواسطة noooooooooooor
ذاكرة الجيران

فى ليلة وقفة رمضان لعام من الأعوام البعيدة الماضية قامت خناقة مالها الا النبى بين أسرتي برغوث و عميرة .
و كالمألوف فى تلك الظروف اضطراب استقرار الحارة فأغلقت الدكاكين و صوتت النساء و زاطت الصبية ، و وقف إمام الزاوية و هو يصيح بأعلى صوته :
1 وحدوا الله ... ما هكذا يستقبل الشهر الفضيل ..
و لكن لم يتمكن أهل الخير من التخليص بين الأسرتين قبل أن يصاب منهما رجلان مهمان هما : محمود البرغوتى و الناصح عميرة . و ساءت حالتهما و تدهورت ففارقا الحياة فى يومين متعاقبين ، و هلّ رمضان فى جو من الوجوم و الأسى و قال الناس ان هذا لا يرضى الله و لا خلقه ، و انه يجب وضع حد لتلك العداوة المتوارثة ، خاصة بعد أن اندفع تيارها فى مجرى جديد لم يعد يقنع بالجرحى و لكنه سجل أول ضحيتين له من الموتى و قالوا انه على صاحب نفوذ أن يتدخل و أن يبذل ما يملك من قوة لإقرار الصلح بين المتخاصمين منذ الزمن السحيق . و بناء على بلاغة إمام الزاوية و ضغوط الأهالى قرر شيخ الحارة أن يتحرك . دعا الى دكانه كبيري الأسرتين : على برغوث و خليل عميرة ، و قدم لهما القهوة و طلب منهما أن يقرءا الفاتحة و يصليا على النبى .
- لنطرد الشيطان عن مجلسنا ..
و قلب عينيه بين الرجلين ثم قال :
- ما بينكما قديم ، و ضحاياه من الجرحى لا يحصون على المدى الطويل ، و لكن بالأمس القريب مات رجلان و لا كل الرجال ، و الموت يدفع الى الموت و المسألة لم تعد محتملة و الجميع يريدون لها أن تنتهى ، فلنحتكم الى العقل و الدين لنصفى الحساب القديم و نبدأ حياة جديدة .. فتوارى كل منهما وراء صمته و عكست الأعين صلابة و ضيقا ، فقال الشيخ :
- لنطرح أسباب الخصام أمامنا ، و ان لزمت دية دفعت أو كانت خطيئة كفر عنها .. لا داء بلا علاج .. و لا بد للشر من نهاية ..
و لما أنس منها رفضا و عنادا راح يصارحهما بأن أسرتيهما صارتا تسلية الماجنين من أهل حارتنا ، يضربون بهما المثل فيقولون لبرغوث و عميرة كما يقال عن القط و الفأر . يتقابل الكهلان الوقوران منكم فيتبادلان الشتائم ، تتراءى المرأتان فيدور الردح و التشليق ، أما لقاء الشباب فالعنف و الدم . و من عجب أننى لم أعثر على شخص فى حارتنا يعرف لخصومتكما سببا ، أكان زواجا أو طلاقا أو صفقة خاسرة أو جريمة ؟
الظاهر أن السبب ذب فى مخزن التاريخ . و بقيت العداوة وحدها ..
4 و لكنكما كبيرا الأسرتين و لابد أنكما تعرفان السر ، فلنطرح السبب بيننا ، و ان لزمت دية دفعت ، أو كانت خطيئة كفر عنها .
ظل جدار الصمت قائما بينهما و بينه فهدهد غيظه و تساءل :
6 يا معلم على .. ماذا تريد لترضى ،و انت يا معلم خليل .. ماذا تريد لترضى ؟
و بإزاء الصمت المستمر هتف : " يا صبر أيوب " .. ثم وجه خطابه لهما :
7 اكشفا لى عن سبب الخصام .
ثم بعد فترة يسيرة قال برجاء :
8 حلفتكما بالحسين أن تتكلما .
لكنهما لم ينبسا بكلمة ، و فى الوقت نفسه قلقت نظرة حيرة فى أعينهما فاسترد نبرته الحازمة و قال :
10 لا بد من الكلام ، و الا دعوت الشرطة و النيابة للتدخل فى الشئون التى تعودنا أن نعالجها بأنفسنا .
و لما قرأ الاعياء فى وجهيهما فض الاجتماع و هو يتمتم :
"لنا عودة" .
و مرت بشيخ الحارة فترة بحث و تقصٍ فسأل الكثيرون من أفراد الأسرتين عن سبب الخصام و لكنه لم يظفر بجواب ، بل وضح له أنهم يجهلون السبب تماما ، و كما قال لإمام الزاوية فانهم يذكرون العداوة جيدا و لكنهم لا يعرفون علة لها . و ركبه التصميم فقرر أن يزور الدفتر خانة ثم دعا الى دكانه كبيرى الأسرتين : على برغوث و خليل عميرة . و قال لهما بثقة هذه المرة :
- لا أحد يعرف السبب سواكما ، و ان كنتما تجهلانه كالآخرين فانى على أتم الاستعداد لكشفه لكما ..
فسأله المعلم على بحدة :
11 من أين لك تلك المعرفة ؟
فأجاب بهدوء الواثق :
12 فتشت عن ذلك فى دفاتر شيوخ الحارة المعاصرين للأجداد و قرأت فى دفتر أحدهما .. و وقع نزاع فاضح بين برغوث و عميرة .
عند ذاك صرخ المعلم خليل :
13 كفى .
فسكت شيخ الحارة قليلاً ثم قال :
15 لم يكن الأمر فاضحا بهذه الدرجة فى الزمن القديم و لكن جرى الزمن و تغيرت القيم فأصبح سبب النزاع مما يوجب الستر ، فأجمع المتخاصمون على إغفاله حتى نسى و بقيت الخصومة وحدها تتوارثها الأجيال . و ابتسم فى وجهيهما ليخفف من وقع حديثه و قال برقة :
16 - معذرة .. ان هدفى الوحيد هو الكف عن الأذى و العودة الى حياة الجيران .

مشاركةمرسل: الثلاثاء مايو 29, 2007 10:51 pm
بواسطة noooooooooooor
مدد

عرف عبدين يوماً بحكايته التى جرت على كل لسان ، ورث دكان العطارة الصغيرة عن أبيه ، فيسرت له رزقاً موفورا ، و عاش مع أمه بعد زواج اخوته فى بيتهم القائم أمام الزاوية و تميز بين شباب الحارة برشاقة القوام و وداعة القسمات ، و دماثة الخلق و حسن العلاقات مع المعارف و الاصدقاء ، أما أول ما اشتهر به من الطبائع و ألصقها بعقله و قلبه فهو إيمانه بالعرافين و ولعه بزيارة أضرحة الأولياء ، و لم يكن يخطو خطوة حتى يستخبر أهل الذكر ، و يستعطف القدر ،كان لعبدين جيران ، صاروا لطول الجيرة و حسن السيرة و كأنهم من صميم الأهل ، و كانت لهم بنت تدعى شمائل ولدت بعد عبدين بعامين ، فعرفها منذ كانا يلعبان فى الحارة أو تجمعهما زفة الفوانيس فى رمضان ، و عرفت شمائل باشراق الوجه وحسن التكوين ، و جمال الأدب ، و أتقنت منذ فترة شئون البيت ، و ما يلزم ربة البيت من ضرورات و كماليات ، و حتى الخط كانت تفكه ، فتكتب اسمها كما كانت تكتب بسم الله الرحمن الرحيم .
و كان من المتفق عليه و المعروف فى الحارة أن شمائل هى عروس عبدين ، و أن عبدين هو عريس شمائل ، و فضلا عن ذلك فقد ربط الحب بينهما ، و مهدت البسمات لمعجزة اليوم الموعود .
و لما اقترب الوقت المناسب تحرك طبع الفتى الدفين ، و قال :كيف لا يفوتنى سؤال الشيخ لدى كل حركة عادية أو تافهة و لا أقصده فى مصير حياتى ، و أخذ بعضه و ذهب الى شيخه العارف بالله الشنوانى بحجرته بأم الغلام ، و طرح سؤاله و الآخر يقبض على يده و يشم عرقه ، ثم قال له الشيخ : اذهب الآن الى حارتك و انتظر عند مدخلها ، و سلم أمرك لأول بنت تخرج منها ، هى التى تحمل لك سعادتك المقسومة لك فى هذه الدنيا ، و لن تحظى بخير الا فى الآخرة.
و رجع الى حارته و هو فى غاية من التوقع و التوتر ، و كان على شبه يقين من البنت التى سيراها ، و لكن أين تذهب شمائل فى ساعة الغروب؟ و كان سرحان الأعمى أول من خرج من الحارة ، و تلاه غلام يسوق الطوق و يغنى " على باب حارتنا حسن القهوجى" ، و اشتد قلق عبدين فقال فى سره : " سلمت اليك أمرى يا رب العالمين " ، و اذا بصوت ينادى " عال الجوافة " و ظهرت عربة يد فوقها هرم من الجوافة تدفعها حليمة ، ذهل ، لم يحول عينيه عنها ، و ضحكت هى لما رأته و قالت مداعبة :
" واقف مثل غفير الدرك " ، و مضت نحو الميدان ، سار و هو يقول لنفسه : " يا رب لطفك و رحمتك "
أيعنى الشيخ حقا حليمة بنت أم حليمة بياعة المخلل و ابنة المرحوم أحمد المكارى ؟ لا أحد فى حارتنا يجهل حليمة ، و هى أيضا تتعامل مع الجميع ، و لكنه كما تقول أمها مفاخرة : "رجل بين الرجال " ، رغم رشاقة عودها و ثرائه . و كانت مقبولة الوجه و جذابة أيضا رغم قوة نظرتها النافذة ، و خلا عبدين الى نفسه يتفرغ للحيرة ، و يذهب مع خياله و يجىء بين شمائل و حليمة ، و شكا سره الى صديقه الذهبى فقال له :
2 أى وجه للمقارنة بين شمائل و حليمة ! و انت عرفت شمائل من خلال الجيرة و المعاملة و شهادة المعارف و الجيران ،أما كلام الأولياء فليس منزلاً من السماء،
و لكن ايمان عبدين بقول الولى كان فوق أى مناقشة ،
و انتشرت رائحة الخبر رويدا رويدا ، فأثارت الدهشة و الضحك كما عثت الدموع فى أعين كثيرة ، و حصل كلام و نزاع و صراع ، و لكن عبدين صمد لكل معارضة بقوة ايمان لا يتزعزع ، و فى ساعة العصرية ، و قبل أن تتحرك حليمة بالعربة ذهب عبدين الى حجرتها ، بربع الزاوى و طلب يدها من أمها ، و أخذ الخيال يتحول الى حقيقة ، و سمع حمودة فى احدى الليالى يقول فى الغرزة على مسمع من جميع المساطيل "المجنونة الجشعة ما أحبت أحداً سواى و لكن أعمتها صورة دكان العطارة " .
و ذهبت العروس الى الحمام لتزيل عن جسدها الممشوق عرق الأعوام و غبار الحارة و فلت شعرها المسكون ، فتبدت فى صورة لامعة و زفت الى الفتى العطار فأقام معها فى شقة أما السيرجة ، و دعا ربه أن يهبه السعادة التى ضحى فى سبيلها بقلبه و بكل اعتبار .
و كانت أياما صافية ، و انغمس عبدين فى هواه الجديد ليغطى على أصداء حبه الأول و يدفن هواجسه و فقدت الحكاية جدتها و دهشتها فلم يعد يتندر بها أحد ، و كان يمارس الحياة و يلاحظها بانتباه حتى لا يفوته سر من أسرار السعادة ، و منذ بدأ المعاشرة شعر بقوتها و صلابتها و بأنه يضعف أمام نظرتها النافذه . و الحق أنه توقع أكثر مما كان و لكنه أقنع نفسه بأن السعادة الموعودة ليست هبة بسيطة أو احساساً سهلا يجود بذاته منذ اللحظة الأولى ، انها حياة عميقة ذات سراديب فلينتظر ، أما حليمة فلم تنتظر ، سرعان ما ضاقت بحياتها فى البيت ، و لم تعد تخفى ضجرها ، و لا تمردها على سجنها ، و تحير عبدين أمام ظاهرة غير مألوفة فى دنيا النساء . و لكنها قالت له بصراحة و جرأة :
- دعنى أعمل فقد خلقت لذلك .
و ذهل عبدين ، و أخرسه الذهول فاستطردت:
- لا يهمك كلام الناس ، متى سكتوا عنا ؟
و كانت تصر و تصمد و كان ينفع و يتراجع ، و لم تكن تهمه الحوادث ، باعتبارها مقدمات لسعادة لا مفر منها ، ألم يقل الشيخ الشنوانى كلمته ؟
و شهدت الحارة حليمة و هى تشارك زوجها فى دكانه و رجع الاتصال بينها و بين زبائنها القدامى ، و رجع حمودة أيضاً بين الغمز و اللمز ، و كثر اللغط و الضوضاء حتى سأله صديقه الذهبى :
- أتعجبك هذه السعادة ؟
و لكن عبدين بدا صامداً مؤمنا فقال له :
- الصبر طيب و النصر قريب .
و لكن حليمة اختفت فجاءة ، استولت على ما اعتبرته حقها من النقود المودعة فى الدكان و اختفت ، و بعثت اليه رسولا يعتذر اليه و يطلب الطلاق ، كب كل شىء على عبدين ، و قوض الزلزال صبره فبكى ، و لما رأى صديقه الذهبى مقبلا تعانقا بحرارة ، و فى أثناء العناق استرد الكثير من روحه الضائعة ،
و قال لصديقة :
- سأطلقها فى الحال .
فلم يخف صديقه فرحه ، و نظر عبدين اليه طويلا فى فتره صمت ثم قال :
-انها ستجرب حظها بعيدا و لكنها ستعود تائبة !
و تنهد ثم قال لصديقه الذاهل :
- كلمة الشيخ الشنوانى لا تكذب ..

مشاركةمرسل: الثلاثاء مايو 29, 2007 10:52 pm
بواسطة noooooooooooor
على لوز

شباب البنت سفرجل فترات متعاقبة من الزيجات الباهرة . زفة و قناديل ، و رياحين و مزامير و طبل و رقص ،و كمائن للغدر تسيل عندها الدماء و ترتطم النبابيت ، ثم ليلة زفاف مفعمة بالعربدة ، و التأوهات . تكرر ذلك خمس مرات استنفدت شباب سفرجل كله ، انحدرت بها الى طلائع الشيب و الكرب ، خمسة فتوات من عمالقة الحارة ، هيأوا لها - كل على طريقته – حياة عز و جاه و سلطنة . و انتهوا جميعا . كل فى موعده . يسقط الرجل قتيلا ، أمام فتوة آخر أو حملة من الشرطة أو فى السجن ، و ينهب بيته و تجد سفرجل نفسها شبه عارية و على الحديدة ، تبحث عن مأوى حتى يهب لنجدتها أحد أهل التقوى و الكرم .
و عقب دفن الزوج الخمسة زارت جامع الامام و وقفت أمام ضريحه ، و باحت بمكنون قلبها المكلوم : " أعاهد الله أمام ضريحك ألا أتزوج من فتوة أبدا بعد اليوم"
و همست لنفسها : " أعوذ بالله من الفتونه و العنطزة و الدم المسفوك " .. و لم يكن الضيق بالحياة المضطربة وحده هو ما دفعها الى ذلك التعهد ، و لكنها كانت قد فقدت الشباب و النضارة ، و أخذ الشيب يطل من مفرقها و ذؤاباتها ، فلم يبق لها من جمالها القديم الا مسحة توارت فى استحياء تحت قناع الكدر و الهموم ، و لم يعد يعدها الغد الا بالمزيد من الشيخوخة و الفقر . فعزمت عزمة صادقة على مواجهة الحياة باصرار و استسلام معا رافضة أى احسان أو صدقة . و كان من ضمن ما أتقنته صنع حلوى " على لوز" .. فعملت على اعداد صينية كبيرة منها كل يوم تسرح بها فى الحى فى جولة ثم تجلس بقية يومها عند طرف سلم السبيل حيث يجلس عند الطرف الآخر شحاذ الحارة الضرير ، و اختارت حجرة فى بدروم قديم مسكنا لها . هكذا رضيت بحياة غاية فى البساطة و القناعة أملا فى الاستقرار و الطمأنينة .
و بخلاف الجميع ظلت أم شاور الخاطبة تؤمن بأن حظ سفرجل لم يقل كلمته الأخيرة بعد ، و تبادلت معها الحديث يوماً فشرقت و غربت ، ثم اذا بها تسألها :
- عندى فتوى من حارة أخرى معروف بيحب العتاقى !
فهتفت سفرجل بحدة :
1 أعوذ بالله .
و غابت عنها مدة دون أن تقطع الأمل . و جعت لتقول لها
- لن أتركك ، لدى هذه المرة شىء مناسب .
فراحت سفرجل تنادى على "على لوز" ، و هى تلحظ أم شاو بحذر حتى أفصحت هذه عمال لديها فقالت :
1 شيال الحمول !
فقالت سفرجل بعتاب :
2 قلت لك أعوذ بلله من الفتوات و سيرتهم !
3 شيال الحمول أبعد ما يكون عن الفتونة .
و كانت شهرة شيال الحمول قد ذاعت لطاقته الخارقة على تحمل الضرب فاستعمله بعض الفتوات درعا يحمى ظهره من الضربات الغادرة .. و قالت أم شاور مؤكدة ذلك :
- لا قدرة له على القتال ، أ, هو كما وصفوه جسم فيل و قلب عصفور ، فهو عز الطلب
فقالت سفرجل بحزم :
4 من أجل علاقته بالفتوات و المعارك أقول حد الله بينى و بينه
و ذهبت أم شاور يائسة تاركة اياها فى دوامة من الانفعال ، و اذا بصوت يتسلل اليها قائلا :
- أحسنت . ابعدى عن الشر و غنى له ..
فنظرت نحو الشحاذ الضرير بدهشة و هتفت :
5 تسترق السمع !
و اقترب منها الرجل ، و مد لها يده بقطعة نقود قائلا :
- هاتى ما قسم من على لوز .
لم يكن ذلك بأول حوار يدور بينهما و لكنه كان أول حوار ذى معنى . و كان الضرير معلما ثابتا من معالم حياتها . و هو جل يلفت النظر بعماه و صبره و قوة جسده ، و بما ينشده من مقاطع لمدائح نبوية تقربا من المحسنين ، و رمقته و هو يمضغ الحلوى باسما فى ارتياح و تمتم :
6 حلوة من يد جميلة
فقالت سفرجل ساخرة .
7 شهادة زور .
8 بل اننى أرى بأذنى .
فسألته دون مناسبة ظاهرة .
9 و لماذا تشحذ و انت رجل قوى ؟؟
فقال محتجا :
10 أشحذ ! .. أعوذ بالله .. ما أنا الا مطرب يسترزق بانشاد المدائح النبوية و الإلهية.
و تنحنح ثم أنشد بصوته الجهير :

شربنا الحب كأسا بعد كأس
فما نفد الشراب و ما رويت

فضحكت من قلبها أول ضحكة صافية منذ عهد بعيد .
و اهتمت بمراقبته فى الايام التالية فأدهشها ان تلاحظ أن دخله يفوق دخلها أضعافا مضاعفة ، و لم تشك فى أنه يكنز النقود حول بطنه فيما ظنته كرشا كبيرة . و أصبحا يتبادلان التحيات و الكلام .
و يتعلل بشراء "على لوز" ليبث فى الاتصال مودة و حرارة ..
حتى تشجعت يوما و قالت بإغراء :
11 غير عملك .. هذا أفضل .
و لكنه دافع عن عمله بحماس كالعادة فقالت :
- فتح دكان للحلوى أفضل .
فتفكر قليلا ثم تساءل بمكر :
12 ألا يحتاج ذلك الى شريك ؟
13 فقالت ضاحكة :
لدى شريك جاهز ، فاعزم و توكل على الله

مشاركةمرسل: الثلاثاء مايو 29, 2007 10:53 pm
بواسطة noooooooooooor
صدى النسيان

كانوا يحلفون باليوم الذي شهد مولده الجديد ، و السعة التي وقع فيها تغيره و انقلابة الحاسمان ، غادر عنبر بيته عند الأصيل و صار مزهوا فى عباءته السوداء مرسلاً من خطاه الثقيلة نذر الرهبة و الخوف . و فيما هو يمر أما كشك الحنفي العمومية توقف كأن مجهولا اعترضه أو صده .. أحنى رأسه دقيقتين ثم رفعها فطالع النسا بوجه جديد .. انحلت عقد من عينيه فحل محله هدؤ حائر .. و رح يقلب ناظريه فى الناس و الاشياء كأنه يبحث عن شىء أو لا يدرى شيئأً .. و تحرك فى الحارة تحركا عشوائيا فى هدؤ و ذهول لم ير معهما من قبل .
و كان الناس يحيونه فلا يرد ، و يلقون اليه أهازيج الملق فلا يتأثر . حدث شىء خطير و لا شك و لكن ما هو ؟
و تجمع الناس بعيدا عنه و هم على أشد حال من القلق و التوقع ، و جاء فيمن جاء اما الزاوية و شيخ الحارة .. و تساءل شيخ الحارة .
- ماذا يجرى فى حارتنا؟
فأجاب الامام :
1 أمر الله و لكل أمر حكمة .
فقالت أحد أعوان عنبر :
2 انه عفريت النسيان ، ان مس أحدا نسى الناس و نسى نفسه . تمنى الناس أن تصدق . و أن يذوب عنبر فى النسيان الى الأبد . و راقبوه بحذر و هو يهيم هادئا ذاهلا .. حتى صار هدوؤه مألوفا .. و انخفضت حرارة الخوف عامة . و اطمأن من كان يتوقع أذى . و تجول عنبر فى أنحاء الحي كلما حلا له ذلك .
3 و كثيرا ما ضل سبيله فيرجعه أحد أعوانه و هو لا يعرفه .. و ذاع فى كل مكان أن عنبر مسه عفريت النسيان ، وان شخصا جديدا طيبا حل فيه مكان الآخر . و اعتبر ذلك من عجائب النوادر كما عد منة لملك الوهاب . و عاد الى الحارة بعض الذين طردهم سخطه منها فى عهد بطشه ة قوته ، و حتى"المظية"التى هربت من شغبه و سؤ خلقه رجعت الى حارتها ، فرجع معها السرور و الطرب و ترددت من جديد الأنغام العذبةالتى طال حنين الناس اليها و رأى عنبر خصومه السابقين فلم يعرف أحدا منهم و حتى المظيه لم توقظ وعيه أ, تحرك ساكنة . ارتاحت الحارة جميعا الا أعوانه الذين تنكر لهم الزمان ، و جعل شيخ الحارة يحذرهم قائلا :
4 الزمان تغير و لن أسمح بأي انحراف .
و كانوا أضعف من أن بتحدوا أهل الحارة فتعلقت آمالهم بأن يعود صاحبهم الى وعيه فجاءة كما فقده فجاءة أو يقع ما ليس فى الحسبان .
و عقب صلاة الفجر قال امام الزاوية لشيخ الحارة .
- لأول مرة يتردد عنبر على الزاوية .
فتساءل شيخ الحارة بدهشة :
9 أهو ميل مفاجىء للهداية ؟
10 لعله !!
فقال الشيخ مشجعا :
11 املأ قلبه بالدين كيلا يجد فرغا للشر اذا استرد وعيه يوما .
12 و عرف أن المرأة التى أكتشفت داءه تسعى لدى أهل العلم بالنجوم و السحر و العفاريت ليشفوه من المس ، و أقلق ذلك الناس و طالبوها بأن تكف عن سعيها ن و أنذروها بالشر اذا لم ترجع ، و بدا أنهم يرفضون العودة للهوان مرة أخرى . و عاد الامام يقول لشيخ الحارة :
13 أتباع الرجل السابقون يتبعونه فى الهداية .
فقال الشيخ راضيا :
16 أخبار طيبة حقا !
17 لم يسمع عن شى مثل هذا منذ السلف الصالح
و بشر شيخ الحارة الناس بذلك فرحب بالأخبار من رحب ، و أعلن أناس بأنهم على تمام الاستعداد للدفاع عن أنفسهم ضد أى تسلط .
و لم يتغير مظهر عنبر فى جملته , و ذهب و جاء كرجل من عباد الله الطيبين . لم يؤذ أحدا بفعل أو قول حتى بنظرة و آمن كثيرون بأنه لن يعود الى أصله أبدا .. و ظل أناس على حذر يتشاورون ، ثم توارى عن أعين الناس هو و أعوانه فتره غير قصيرة حتى تضاربت الأقوال و ثارت الخواطر .


و فى يوم السوق وقف الامام يؤذن لصلاة الظهر فمضى الناس فى هدؤ نحو الزاوية و اذا برجل يصيح
- أنظروا
فاتجهت الأبصار الى حيث يشير .. فرأوا عنبر و رجاله قادمين ، تغير المنظر و تفصيلا . تقدمهم عنبر و تبعوه كالزمان الأول فى الجلابيب و العمائم قابضين على نبابيتهم . و ارتد وجه عنبر الى الصورة القديمة بالنظرة الصارمه و العقد البارزة و العضلات المشدودة . هل رجعنا الى أيام الطغيان و الاتاوات و السيطرة ؟
و ساد الصمت حتى لم يعد يسمع الا وقع أقدامهم الثقيلة . و عند الزاوية وقفوا و ضرب عنبر الأرض بنبوته و صاح بصوت كالرعد (( الله أكبر )) فردد الرجال وراءه فى هتاف يزلزل القلوب (( الله أكبر)) !!!

مشاركةمرسل: الثلاثاء مايو 29, 2007 10:55 pm
بواسطة noooooooooooor
معركة الحصن القديم

عاد الى الحارة فى أول اجازة بعد فترة غياب غير قصيرة و همست امرأة " ذهب يوم الكشف بجلبابه ، و ها هو يعود بالبدلة الكاكى ، ما أجملة فى البدلة الكاكى " . و حذاؤه الأسود الضخم لم يخف على أحد و لا طربوشه الطويل . أجل نحف و لكن عوده اشتد و صلب . اكتست بشرته بسمرة غميقة من شمس الصحراء . و قال عجوز سبق تجنيده :
1 أمامه خمس سنوات سخره كسائر الجنود المساكين .
يوم دعى للتجنيد كان من أيام الحارة الحزينة . هرعت أمه الى شيخ الحارة و قالت له فى ضراعة " نحن فى عرضك " ، فقال لها الرجل : " قوانين الحكومة لا تجدى معها الشفاعة "
و أوصاها أن تذهب به الى رجل مشهود له بالمهارة فيضمن له عاهه تعفيه من القبول يوم الكشف ، و لكن الشاب رفض الفكرة و قال لأمه : انه يفضل خدمة الجيش خمس سنوات عن عاهة تلتصق به طوال الحياة . هكذا قبل جنديا بلا زغاريد .
و يوم المحمل احتفلت به الحارة كلها . احتل الرجال قطاعا من الطريق فيما يلى حى الشوام ، و تكأكأت النسوة فيما بين الحمام و الجامع . و خفتت القلوب بالافراح .
و عاد الشاب الى حارته فى الاجازة ليستمتع بشىء من الحرية و الراحة . و عزمت أمه على ألا تضن عليه بشىء و لو باعت آخر أسورة فى معصمها . و قال لأمه و هو يخلع ملابسه .
- حياة القشلاق فوق طاقة البشر .
فدعت له بالقوة و الصبر ثم قالت متشكية بدورها :
2 و حياتنا فى الحارة أصبحت مثل حياة القشلاق و أسوأ ، ألم تسمع بما حصل ؟
بلى قد سمع كلمات متناثرة ، و لكنه لم يدرك أبعاد الحكاية ، فواصلت أمه قائلة :
4 لم يكن ينقصنا الا العفاريت ، ألم يكن فى الناس الكفاية ؟
الواقع أدرك الشاب أن الحارة تمر بمحنه . قدر رهيب حرك الشر فى قلوب ساكنى الحسن الذى يوجد بابه المغلق تحت القبو على كل من انفردوا به ليلاً ، و ملأوه رعبا فسقط منهم جرحى و هم يفرون من الهول . استمع الجندى الى حكايات الضحايا و عاين الجراح و الكسور ثم قال بامتعاض شديد
5 ما يصح أن تعبث العفاريت بحارة مؤمنه ..
فأيده جميع السامعين و قال صوت :
6 نحن فى حاجة الى بطل ..
فهز الحماس الشاب و قال :
7 أنا لها !!
فثارت ضجة و هتاف ، و تحمس كل شخص باستثناء أمه فأسكره الحماس و صح متحدياً :
8 أنا لها !!
و انتظروا المغيب و قد تعلقت به الآمال ، و انزوت أمه تبكى ، و هبط المساء ذلك اليوم فى هالة من التهاويل و الأخيلة الخارقة . و وقف الجندى ممسكا بعصا أهداها إليه فتوة متقاعد . و تقدم من القبو يشق طريقة فى زحمة الخلق فعلت الضوضاء حتى غطت على تحذيرات أمه الباكية . و فى صوت قوى واحد صاحوا " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم "
و فى ثبات ظاهر مرق الجندى من باب الحصن القديم . و أنصتوا بقلوب راجفة و دفنوا الهمسات فى الصدور و مال شيخ الحارة نحو الامام و سأله :
- كيف تنتهى المعركة ؟
فأجاب الامام :
9 الله يؤتى النصر من يشاء .
و ندت من الداخل حركات عنيفة ارتعدت لها القلوب ثم كان انفجار ، تبعه صوت كالرعد ، و انتشرت فى جوف القبو أصوات دق و كسر و تمزق و زمجرة و دار همس حار مع الأنفاس المضطربة : " الدقيقة بعام كامل ، لو انهزم الحق علينا أن نرحل عن الحارة . لولا حكمة ربنا ما أٌدم الشاب على المعركة " .
و ساد الصمت فجاءة و فتح باب الحصن مرة أخرى فاقتحم صريره سكون الليل . و أمر شيخ الحارة باشعال فوانيس الطوارىء فاشتعلت و تراءت على أضوائها الوجوه الشاحبة و لاح الجندى فى الباب فهتف الناس بجنون " الله الله " و تقدم نحو الحارة يسير فى مشية عسكرية فأوسعوا له و اذا بطابور من الأشباح يتبعه بنفس المشية يسيرون أربعة أربعة . ذهل الناس و هم يرون الطابور و هو يشغل سطح الحارة من القبو حتى مخرج الميدان . و توقف الجندى فوقوا و هم يتحركون محلك سر . ظلوا يتحركون هكذا حتى لم يجد الناس مكانا الا لصق الجدران .
و ألاف الناس الفرحة و أفاقوا من سكرتها ، و حل محل ذلك تساؤل و دهشة و قشعريرة خوف . و سأل رجل شيخ الحارة :
- ألا ترى أمامك يا أعمى ... !؟
و أصرت الأم على اطلاق تحذيراتها حتى رميت بالجنون . و لم يعد يسمع فى الليل الا وقع الأقدام الثقيل !!