• اخر المشاركات

قصة قصيرة: كوكب السلام

أهم الكتب في كل المجالات...

المشرف: noooooooooooor

قصة قصيرة: كوكب السلام

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الخميس أكتوبر 26, 2006 10:53 pm

كوكب السلام


تأليف : ندى الدانا



انطلقت المركبة الفضائية من المحطة الأرضية باتجاه القمر ، كانت تقل خمسة رواد فضاء من جنسيات مختلفة .أسرعت المركبة ،وانتظمت في مسارها ضمن مجال الجاذبية الأرضية ،. لم تكن المرة الأولى التي تحط فيها مركبة فضائية على القمر ، فقد سبقتها مركبات أخرى ، التقط روادها صوراً للقمر ، وأخذوا عينات من تربته لدراستها ومعرفة مدى صلاحيتها للزراعة ، وأجرى العلماء دراسات كثيرة عن الجاذبية القمرية ،والفضاء المحيط بالقمر ، والغازات التي يتألف منها ، واهتموا بمعرفة نسبة غاز الأكسجين الضروري لحياة الكائنات .




-2-



هذه المرة ، حملت المركبة الفضائية رواداً مغامرين ، قرروا أن يجربوا الحياة لمدة شهر على سطح القمر ، ويجروا أبحاثهم الهامة التي تتعلق بإقامة مدينة على سطح القمر ،حملوا في المركبة كل ما يساعدهم على الاستمرار في الحياة على القمر، وتتمة أبحاثهم . وكان الرواد يراقبون الأجهزة الحديثة التي تقيس درجة الحرارة والضغط الجوي في الفضاء المحيط بهم وترصد تغييراتهم الجسمية بسبب ابتعادهم عن مجال الجاذبية الأرضية ، تبادلوا بعض الأحاديث المرحة كي ينسوا خوفهم من المجهول .




-3-



كان أحد الرواد أمريكي الجنسية ا سمه جون، والثاني من روسيا ا سمه أنطون ، والثالث من ألمانيا يدعى هاري ، والرابع من اليابان يدعى يوكيو ، والخامس عربي ا سمه شاهر .درس الرواد الخمسة في كلية تكنولوجيا الفضاء التابعة للمركز الدولي لأبحاث الفضاء الذي تشرف عليه هيئة الأمم المتحدة ،ثم خضعوا لفحوص طبية تثبت أهليتهم الصحية للسفر إلى الفضاء الخارجي ، وقدرتهم على تحمل المشاق والظروف الجوية المتغيرة وقد اختارتهم لجنة مختصة من بين عدد كبير من المرشحين لخوض هذه التجربة الجديدة التي خططوا لها أن تنفذ في عام 2004م .




-4-



راقب هاري شاشة الكمبيوتر التي تنقل صوراً للفضاء المحيط بالمركبة باهتمام ، وسجل ملاحظاته بدقة ، صاح فجأة : ما هذا ؟! …
تطلع زملاؤه إليه بدهشة ، سأله يوكيو : ماذا حصل ؟!
أجابه : تعال وانظر هذا المشهد الغريب على شاشة الكمبيوتر …
اقترب يوكيو من الشاشة ، ارتسمت علامات الدهشة على وجهه ، نادى زملاءه : تعالوا وانظروا ..
قال جون : إنها مركبة فضائية من طراز غريب ، لم أر مثلها من قبل ..
قال هاري : هذه المركبة تتوجه على مسار يوازي مسارنا..
بعد قليل اختفت صورة المركبة ، ثم ظهرت بعد عشر دقائق وقد غيرت مسارها ، واختفت مرة أخرى
تساءل شاهر : من أين جاءت هذه المركبة؟!
أجابه جون: لعل هناك محطة فضائية سرية في مكان مجهول تجري أبحاثاً عن الفضاء الخارجي ،
أرسلت هذه المركبة إلى القمر !
قال أنطون : ربما كانت هذه المركبة تتجه إلى كوكب آخر !
بعد نقاشات طويلة عجز الرواد عن معرفة سر المركبة التي لم تعد تظهر على شاشة الكمبيوتر .




-5-



تابعت مركبتهم سيرها بسرعة متزايدة ، فجأة اختل توازنها ، وابتعدت عن مسارها ، ولمع على شاشة الكمبيوتر شكل لجرم سماوي يسبح في الفضاء تحيط به هالة رمادية ، فقد الرواد توازنهم ،وشعروا أن المركبة تدور حول نفسها ، وتسبح في الفضاء بطريقة فوضوية ، أسرعت المركبة ، حاول هاري أن يضبط سرعتها ، لم يستطع ، فقد تعطلت الأجهزة الإلكترونية التي تتحكم بالسرعة ، بعد ذلك تباطأت سرعة المركبة وانتظمت في مسار آخر ، وتغير اتجاهها ، ثم ارتطمت بجسم صلب ، وغاب الرواد عن الوعي .




-6-



مضى زمن لا يتجاوز العشر دقائق حين فتح شاهر عينيه ليرى نفسه مستلقياً على الرمال ، والشمس تداعب وجهه ، وتنشر الدفء في خلايا جسده المتصلب ، حاول أن ينهض لم يستطع ، كانت الرمال تشده إليها ، أحسّ أنه يغوص في الرمل ، ثم فقد وعيه مرة أخرى .
صحا يوكيو من غفوته ليرى نفسه في المركبة الفضائية مستلقياً على أحد الكراسي وقد جرحت يده وشج رأسه ،اكتشف أن المركبة جاثمة في مكانها لا تتحرك ، نظر حوله مفتشاً عن زملائه ، ناداهم بأسمائهم لم يجبه أحد ، نهض ، مشى في المركبة بهدوء ، وصل إلى باب المركبة الخارجي رآه مكسوراً ، ورأى هاري منبطحاً على الأرض ، حركه بهدوء ، حاول أن يوقظه ، دون فائدة ، اقترب منه ، استمع إلى دقات قلبه ، كان قلبه ينبض ببطء ، أحضر زجاجة غاز منعش ، فتح السدادة ، وقرب الزجاجة من أنفه ، ثم مسح وجهه بمحلول بارد ، فتح هاري عينيه ، نظر إليه بدهشة ، تساءل : ماذا حصل ؟!
أجابه يوكيو : لا أعرف ، صحوت منذ قليل ووجدتك فاقد الوعي فحاولت إسعافك .
تساءل هاري وهو ينظر حوله : أين زملاؤنا ؟!
أجاب يوكيو: لا يوجد أحد في المركبة سوانا، والمركبة واقفة ، يبدو أننا عدنا إلى الأرض ، ترى في أي مكان نحن ؟! تعال لنخرج من المركبة ونفتش عن بقية الزملاء ، لعل المركبة قذفتهم إلى الخارج حين كسر بابها . ولكن ينبغي أن أضمد جرحي قبل ذلك ، وأتناول مسكناً للصداع فرأسي يؤلمني من أثر الصدمة ، لقد نسيت نفسي ، انتظرني قليلاً .




-7-



كانت أشعة الشمس تتسلل من باب المركبة ، نظرا أمامهما ، لتصافح عيونهما رمال تلمع تحت الشمس، وبحر لازوردي تتمايل أمواجه برقة ونعومة ، وتلطم الشاطئ ، وتجرف بعض الرمال معها .
خرج هاري ويوكيو من المركبة بهدوء وحذر ، تطلعا حولهما بحثاً عن زملائهما ، كان الرواد الثلاثة منبطحين على الرمال قرب المركبة ، وقد استغرقوا في سبات عميق ، عاد هاري إلى المركبة لجلب الماء والإسعافات الأولية من أجل رفاقه ، فتحوا عيونهم ، وتساءلوا : أين نحن ؟! ماذا حصل لنا ؟! أين المركبة ؟!




-8-



اكتشفوا أن المركبة قريبة منهم ، وأنهم في مكان لا يعرفونه ، إنهم على سطح الأرض ، ولكن كيف عادوا إلى الأرض بهذه السرعة ؟! تعطلت معظم الأجهزة في المركبة ، ولم يعرفوا الزمن الذي مر عليهم منذ حصل ذلك الحادث ، تذكروا أنهم رأوا مركبة فضائية غريبة الشكل تقترب منهم ، ثم اختفت المركبة ، وبعد ذلك خرجوا عن مسارهم واصطدموا بهذا الشاطئ الجميل .
شعروا بالجوع الشديد ، أحضروا الطعام من المركبة ، أكلوا بشغف وحماس ، ثم تمددوا على الرمال يفكرون في مصيبتهم ، ماذا يفعلون لطلب المساعدة ، انقطعت كل وسائل الاتصال بينهم وبين المحطة الأرضية ، شعروا باليأس ، قال جون : ليس بوسعنا أن نفعل أي شيء ، سننتظر أن يفتش عنا المشرفون على المحطة الأرضية ، سنأكل من الطعام الذي جلبناه معنا ونشرب من الماء ، وننام في المركبة يمكننا أن ننام على الشاطئ ، وخلال ذلك سنكتشف هذا المكان ، قد يكون جزيرة مأهولة بالسكان ، وقد يكون مكاناً منعزلاً ، كان الله في عوننا فنحن في وضع لا نحسد عليه.




-9-



وهكذا بدأت رحلة المتاعب والعذاب للرواد الخمسة ، جلسوا على شاطئ البحر يتأملون الأمواج الهادئة قال أنطون : كم هو هادئ هذا البحر ومسالم !
قال شاهر : عسى أن يظل هادئاً ، فنحن غير قادرين على احتمال أي عاصفة .
سأل يوكيو : ماذا نفعل إذا هبّت عاصفة قويّة ؟!
أجاب هاري : سنحتمي في المركبة .
قال جون : لكن باب المركبة مكسور لن يحمينا من ا لعاصفة .
قال هاري : يجب أن نفتش عن طريقة لإصلاح باب المركبة .
قال يوكيو : يمكننا أن نستعين بالأدوات التي جلبناها معنا .
عاد الرواد إلى المركبة ، استغرقوا في محاولة مستميتة لإصلاح الباب المكسور ، وتكللت جهودهم بالنجاح ، صفقوا بأيديهم فرحاً .




-10-



جلسوا على شاطئ البحر ، تناولوا عشاءهم ، تأملوا مشهد الشمس وهي تغيب وتختفي في أعماق البحر . تساءل يوكيو وهو يتطلع إلى الشمس باستغراب : هل رأيتم مثل هذه الشمس قبل الآن ؟!
أجابه جون : هذه الشمس غريبة ! فيها ألوان كثيرة وحرارتها معتدلة .
قال شاهر : منظر الغروب أروع منظر رأيته في حياتي ، مهرجان من الألوان المتناسقة والمنسجمة مع بعضها ، والمتبدلة بسرعة لا أستطيع مواكبتها، لا أصدق أننا عدنا إلى الأرض! نحن في الجنة .
قال هاري : لقد ضيعنا الزمان والمكان ، سنرتاح اليوم وننام ، وغداً سنتجول ونكتشف المنطقة ، نحن متعبون من آثار الحادث ، غداً سنحاول إصلاح الأجهزة الإلكترونية المعطلة في المركبة ، كي نستطيع أن نتصل بالمحطة الأرضية ، ونطلب النجدة .
عاد الرواد إلى مركبتهم ، دخلوا إلى المركبة ، وأوصدوا بابها ، واستغرقوا في نوم عميق .




-11-



استيقظوا على مداعبة أشعة الشمس التي تسللت من خلال نوافذ المركبة لتخبرهم أن الليل قد رحل ، وأشرق الصباح بنوره ، فتحوا باب المركبة ، وخرجوا ليجلسوا على الرمال ، ويتأملوا البحر الهادئ أمامهم ، وأشعة الشمس المتراقصة على الأمواج ، وكأن الأمواج ثوب لازوردي موشّى بالذهب واللؤلؤ ، هتف جون : البحر يناديني للسباحة …
خلع ثيابه ، وضعها على الرمال ، وركض باتجاه البحر ، ارتمى في أحضان الأمواج وهو ينادي رفاقه : تعالوا اسبحوا ..البحر رائع …
تحمّس الرواد للسباحة ، خلعوا ثيابهم ، وتبعوا جون وهم يضحكون ويهتفون ، سبحوا حتى شعروا بالتعب ، قطعوا مسافة طويلة في أعماق البحر ، وعادوا منهكين إلى الشاطئ.




-12-



استلقوا على الرمال يجففون أنفسهم بأشعة الشمس ، قال جون : كم كان البحر صافياً ! رأيت مجموعة رائعة من الحصى الملونة سأحضر بعضها كي أستمتع بمنظرها الجميل ، كم أتمنّى أن تكون معي عدّة الغوص كي أمارس هوايتي في اكتشاف أعماق البحر !
قال شاهر وهو يلعب بالرمال : هذه الرمال تذكرني بصحراء بلادي .
قال يوكيو: سوف نتناول إفطارنا ثم نتجول في المنطقة ونتعرّف إليها .
قال هاري : سنأخذ معنا بعض اللوازم الضرورية والطعام والماء ، وينبغي أن نعود قبل أن يحل الظلام .
تساءل جون :ألن نحاول إصلاح الأجهزة الإلكترونية المعطلة ؟!
أجابه أنطون : سنصلحها غداً إذا لم نجد اليوم في جولتنا أحداً يساعدنا .




-13-



تناول الرواد الخمسة إفطارهم ،وانطلقوا في جولتهم ، كانت الرمال تمتد على طول الشاطئ ، مشوا في الاتجاه المعاكس يفتشون عن مكان مأهول بالسكان ، كانت أشعة الشمس تداعبهم بلطف ورقة ، قال شاهر : هذا طقس خريفي ، ونحن انطلقنا في رحلتنا في منتصف فصل الصيف ، ترى هل مضى زمن طويل على رحيلنا وفقدنا وعينا لفترة طويلة ؟!
قال يوكيو : لا أعتقد أنه قد مر زمن طويل منذ بداية رحلتنا ، المناخ كما تعلم له علاقة ببعدنا عن خط الاستواء ، إذا استطعنا إصلاح أجهزتنا المعطلة ، سنعرف أين نحن .
سار الرواد مسافة طويلة وهم لا يرون أمامهم سوى الرمال ، قال شاهر : ما أطول هذا الشط الرملي !
كأننا نسير في الصحراء بحثاً عن واحة ويبدوا أننا لن نرى إلا السراب .
قال جون : دعونا تستريح قليلاً قبل أن نتابع سيرنا .




-14-



جلس الرواد على الرمال وهم يتطلعون حولهم ، أمسك هاري بمنظاره وبدأ يتطلع إلى كافة الاتجاهات قال لزملائه : إنني أرى لوناً أخضر في مكان بعيد .
قال شاهر : لعلها واحة مأهولة بالسكان !
قال أنطون : قد تكون غابة !
أخذ يوكيو المنظار من زميله ، نظر إلى الاتجاهات كلها ، قال : اللون الأخضر يبدو واضحاً رغم أنه بعيد ، سنكمل سيرنا ونعرف الحقيقة .
شرب الرواد قليلاً من الماء ، ثم تابعوا مسيرتهم بحماس أكبر ، فقد صار لديهم أمل بقرب الخلاص ، مشوا بسرعة أكبر ، وكلما اقتربوا صار اللون الأخضر أكثر وضوحاً ، ظلوا يسيرون حتى وصلوا إلى غابة كثيفة الأشجار ، سمعوا زقزقة العصافير وشدو البلابل ، وجدوا في مدخل الغابة طريقاً ضيقاً ، مشوا فيه ، قال جون : يبدو هذا الطريق معبداً ..
قال شاهر : هذا يعني أننا اقتربنا من منطقة مأهولة بالسكان .
قال أنطون : سنرى قرية في نهاية هذا الطريق .
قال يوكيو بأمل : سنرى مدينة كبيرة فيها كل وسائل الراحة .




-15-



تابع الرواد سيرهم رغم شعورهم بالتعب ، كان الدرب طويلاً ، مشوا أكثر من ساعة ، فجأة توقف هاري عن السير ، استند إلى جذع شجرة ، قال وقد شحب وجهه : أريد أن أستريح قليلاً ..
نظر إليه جون بقلق ، أخرج من حقيبته زجاجة محلول منعش ، مدد هاري على الأرض ، ومسح جبينه وصدغيه بقطعة قطن غمست بالمحلول ، قرّب زجاجة المحلول من أنفه ، كي يستنشق الرائحة ، بعد قليل صحا هاري ، وأحسّ بالانتعاش ، قال لزملائه : انخفض ضغطي قليلاً ، وشعرت بأنني على وشك الإغماء ، أنا متعب وجائع ، لا أستطيع أن أمشي .
قال يوكيو : كلنا متعبون ، دعونا نجلس ونتناول بعض الطعام والشراب ..
قال شاهر : لقد مشينا مسافة كبيرة دون أن ندري ، نحن بحاجة إلى قسط من الراحة .
جلس الرواد تحت جذع شجرة وارفة ، تناولوا الطعام ، وشربوا الماء مع حبات فيتامين مركب كي يشعروا بالقوة والقدرة على متابعة رحلتهم الشاقة .




-16-



استغرق الرواد في النوم ، حين صحوا كانت ا لشمس قد مالت إلى المغيب ، أيقظتهم أغاني الطيور التي تحطّ على أغصان الأشجار ، قال شاهر وهو يتأمل الطيور : ما أجملها !
قال جون : إنها طيور ملونة بكل الألوان التي تخطر بالبال .
قال يوكيو : لم نر إلا الطيور في هذه الغابة ،ليس فيها حيوانات ، ولا يوجد أشجار مثمرة فيها فواكه .
قال أنطون : كنت أتمنى أن نجد بعض الفواكه في هذه الغابة كي نأخذها معنا .
قال هاري : لن نستطيع العودة إلى المركبة اليوم ، أخشى أن نضل الطريق ، بعد قليل سوف يحل الظلام ، والمصباح الذي يعمل على البطارية لا يكفي لإضاءة دربنا .
قال شاهر : لدينا طعام وماء يكفينا لمدة يومين ، سنظل نمشي حتى يحل الظلام ثم ننام في الغابة .
قال أنطون : ربما وصلنا إلى منطقة مأهولة بالسكان قبل أن يحل الظلام ..




-17-



مشى الرواد في دربهم الطويل ، أسرعوا في سيرهم كي يصلوا إلى غايتهم قبل أن يحل الظلام .
كانت الطيور تسليهم بأنغامها الجميلة المتنوعة وكأنها تشكل جوقة تعزف ألحاناً مرحة .
قال شاهر : الطيور سعيدة تغني إنها لا تحس بمصيبتنا .
قال أنطون : ليتنا كنا طيوراً نطير في الفضاء ، ونتنقل بين الأغصان !
قال يوكيو : سأسمي هذه الغابة : غابة الطيور السعيدة .
قال جون مداعباً : ينبغي أن نسميها : غابة الرواد التائهين .
قال هاري : عسى أن نجد حلاً لمشاكلنا بعد أن نقطع الغابة عندها سنسميها : غابة الخلاص .




-18-



ظل الرواد يسيرون حتى حل الظلام ، ولم يصلوا إلى نهاية الغابة ، قرروا أن يتوقفوا عن السير ، تمددوا تحت جذع شجرة ضخمة ، وهم يتبادلون الأحاديث والذكريات عن أوطانهم ، قال أنطون : هذه الغابة جميلة وهادئة يشعر الإنسان فيها بالأمان ، يبدو أن الطيور نامت فقد توقفت عن التغريد .
قال شاهر : الطيور تعبت من الغناء وبح صوتها .
قال أنطون : لدينا في روسيا غابات كثيرة رائعة الجمال ، لكن غاباتنا صاخبة وفيها أنواع مختلفة من الحيوانات الوديعة والشرسة ، وفيها أشجار مثمرة نأكل منها ، أشعر بالحنين إلى غابات بلادي .
قال جون : في أمريكا غابات شاسعة ، تشبه غاباتكم ، فيها أشجار ضخمة ، ونحن نذهب دوماً إلى الغابات ، لنستظل بأشجارها ، ونستمتع بجمالها .
قال يوكيو : اشعر بالحنين إلى شواطئ اليابان،وجبالها ، وحدائقها .
قال شاهر : اشتقت لصحارى بلادي وواحاتها .
نام الرواد وكل واحد منهم يحلم ببلاده ، استغرقوا في النوم ، وقد ارتسمت ابتسامات سعيدة على وجوههم ، لأنهم كانوا قد وصلوا إلى بلادهم وبيوتهم في أحلامهم ، وكانوا يحتضنون زوجاتهم وأطفالهم.




-19-



استيقظوا في الصباح على أنغام الطيور ، وتابعوا سيرهم ، صار الدرب ضيقاً ومتعرجاً ، بعد مسيرة ساعة وصلوا إلى نهاية الغابة ، وجدوا أنفسهم في ساحة واسعة معبدة بالإسفلت ، قال هاري :هذه الساحة المعبدة تدلنا على وجود مدينة قريبة منا .
قال جون : ربما يوجد استراحة أو محطة للمسافرين ..
تطلع هاري من خلال المنظار ، قال لزملائه ، أرى بناء هرمي الشكل .
تطلع زملاؤه من خلال المنظار، قال شاهر : ربما نحن في مصر وهذا أحد أهرامات الجيزة ..
قال أنطون : سنذهب باتجاه البناء ونعرف حقيقته .
أسرع الرواد في سيرهم حتى وصلوا إلى البناء ، قال شاهر : هذا البناء طرازه غريب ويختلف عن أهرامات الجيزة ، لسنا في مصر ، نحن في مكان لا نعرفه .




-20-



نظر الرواد إلى البناء باستغراب ، كان أبيض اللون لامعاً تنعكس عليه أشعة الشمس ، قال أنطون : أين باب البناء ؟! قال جون : البناء كبير ، ربما كان له عدة أبواب ، سنفتش عنها .
سار الرواد حول البناء ، رأوا باباً دائرياً مغلقاً ، بجانبه زر صغير ، كبس هاري عليه ، فتح الباب ، دخلوا ، فرأوا ممراً ضيقاً على طرفيه أبواب مغلقة ، فتحوا الباب الأول فرأوا أجهزة إلكترونية لها شاشات تظهر عليها أشكال دائرية ومثلثة ، ونبضية ، فتحوا الأبواب الأخرى فوجدوا أجهزة متطورة عرفوا بعضها ، أما بقية الأجهزة فكانت مجهولة وغريبة ، رأوا صورهم على الشاشات، فقد كانت توجد آلات تصوير تعمل بشكل أوتوماتيكي ، وتصور كل شخص يفتح الباب ويخطو إلى الداخل .
تابعوا جولتهم في المبنى فوجدوا حمامات حديثة مزودة بالماء الساخن ، والصابون ، اغتسلوا وشربوا ، واستلقوا في غرفة تحتوي على أرائك وثيرة، كي يأخذوا قسطاً من الراحة .




-21-



قال شاهر : لا يوجد أي إنسان في المبنى ، والأجهزة تعمل بشكل أوتوماتيكي .
قال جون : هناك مشرفون يزورون المبنى بين حين وآخر ، وقد ينامون هنا ، وهذه الأرائك من أجلهم .
قال يوكيو : ماذا سنفعل الآن ؟
قال أنطون : سنرتاح قليلاً ثم نفكر في طريقة لطلب المعونة .
قال هاري : سنحاول استخدام الأجهزة ونبعث برسالة استغاثة .
قال جون : ألم تلاحظوا اللغة الغريبة التي تظهر على الشاشات؟!
قال أنطون : نعم ، هناك رموز وأحرف غير مألوفة لنا .
قال شاهر : لن يمكننا طلب المساعدة إذن .
قال يوكيو : سوف نطلب المساعدة بكل اللغات التي نعرفها ، ولعلهم يعرفون إحدى لغاتنا .
قال هاري : فكرة معقولة .




-22-



استراح الرواد قليلاً ، ثم دخلوا إلى غرف الأجهزة ، وكتبوا بكل اللغات التي يعرفونها : ساعدونا ، نحن في بناء الأجهزة المخروطي ، نحن رواد فضاء تعطلت مركبتنا .
جلسوا أمام الشاشات ينتظرون الجواب .
قال هاري : هذه المحطة مرتبطة بمركز رئيسي فيه علماء وباحثون ، ويعرفون غير لغة بلادهم وسوف يفهمون رسالتنا .
قال جون : لاحظت أن بعض الأحرف في لغتهم تشبه أحرفاً في اللغة الإنكليزية .
قال شاهر : وبعض الأحرف تشبه اللغة العربية .
قال أنطون : أخشى أن يفهموا ما كتبناه حسب لغتهم ، ولا يأتون لمساعدتنا .
قال يوكيو : سننتظر ، ونراقب الشاشات .
كانت عيون الرواد وقلوبهم معلقة بالشاشات وهم ينتظرون .




-23-



مر زمن يقدر بحوالي ثلاثين دقيقة وإذ بكتابات غريبة تملأ شاشات أجهزة الكومبيوتر ، لم يفهموا شيئاً
من العبارات التي تتوالى أمامهم .
قال هاري : لقد وصلتهم رسالتنا ، وهذا جوابهم .
قال جون : ربما يقولون لنا بأنهم لم يفهموا ما كتبنا .
قال شاهر : أرجو أن يدفعهم الفضول للمجيء إلى هذا المبنى ورؤية الأشخاص الذين يتحدثون بلغة غريبة . يبدوا من خلال أجهزتهم أنهم أناس متطورون .
قال يوكيو : ترى هل يعرفون أننا في هذا المكان ؟!
أجاب أنطون : نأمل ذلك ..




-24-



ظل الرواد ينظرون إلى الشاشات والعبارات تتوالى أمامهم ، فجأة صاح هاري بفرح : انظروا ..إنهم يجيبون علينا باللغة الإنكليزية ، لقد فهموا رسالتنا .
تسمرت عيون الرواد على الشاشة التي كتب عليها : وصلتنا رسالتكم ..نحن قادمون لمساعدتكم ..ثم كتبت نفس العبارة بعدة لغات .
قال جون : تعالوا كي ننتظرهم أمام الباب .




-25-



خرج الرواد إلى الساحة ، نظروا إلى السماء فرأوا طائرة غريبة الشكل تحط على الأرض ، يفتح بابها ويخرج منه خمسة رجال متوسطو القامة ، يرتدون ثياباً خضراء ، وقد وضعوا أقنعة على وجوههم وقبعات على رؤوسهم ، خلع الرجال قبعاتهم وأقنعتهم ، واقتربوا من الرواد ، نظر إليهم الرواد بدهشة ، فقد كانوا غرباء ، لون بشرنهم أبيض لامع ، وعيونهم بنفسجية ، وشعرهم أسود أملس ينساب على أكتافهم ، ابتسم الغرباء ببراءة وعفوية ، فأشرقت وجوههم ،ولمعت أسنانهم الجميلة انحنوا قليلاً ، وصافحوا الرواد ، قال رئيسهم باللغة الإنكليزية : أهلاً بكم في كوكبنا ..
سأل جون باستغراب : قلت كلمة (كوكبنا ) ، ماذا تقصد بها ؟
قال الرئيس : أنتم في كوكب السلام ، لقد خرجت مركبتكم الفضائية عن مسارها ، وتعطلت ، واصطدمتم بكوكبنا ، وجدنا مركبتكم عند شاطئ بحر الأحلام ، وعرفنا أنها كانت تحمل أشخاصاً من الأرض ، وكنا نبحث عنكم ، وعرفنا مكانكم حين طلبتم المساعدة عن طريق أجهزتنا . تعالوا معنا إلى الطائرة كي نذهب إلى المدينة .




-26-



نظر الرواد إلى بعضهم بدهشة ، قال هاري : نحن في كوكب آخر ، يسكنه أناس متحضرون .
صعد الرواد إلى الطائرة ، وقد اعتراهم ذهول شديد ، وكاد يغمى عليهم لشدة الصدمة ، لم يخطر لهم أبداً أنه يوجد كواكب مأهولة بالسكان في الفضاء الخارجي .
ارتفعت بهم الطائرة إلى عنان السماء ، وانطلقت بسرعة كبيرة ، جلسوا في مقاعدهم ، وهم يفكرون بهدوء ، بعد حوالي ربع ساعة ، هبطت الطائرة بهم ، خرجوا منها ليجدوا أنفسهم على أرض المطار بلونها الأزرق والأبيض ، والأشكال الهندسية المرسومة عليها ، خرجوا من المطار، فوجدوا حافلة زرقاء
تنتظرهم ، سارت بهم الحافلة في طريق واسع تحيط به أشجار ضخمة من الجانبين ، قال رئيس الوفد :
سنصل بعد قليل إلى المدينة ، سنأخذكم إلى مستشفى الطوارئ لنطمئن على صحتكم .
قال هاري : نحن بخير ، ورغم الصدمة نشعر أننا بحالة صحية جيدة .
قال شاهر : نشعر بالنشاط والحيوية ، رغم أننا مشينا كثيراً .
قال رئيس الوفد : المناخ في كوكبنا معتدل ، والهواء نقي ، ونسبة غاز الأكسجين مرتفعة ، وهناك طبقة كثيفة من الأوزون تحمينا من حرارة الشمس ومن الغازات الضارة في الفضاء الخارجي ، ولذا تشعرون بالنشاط أكثر من كوكب الأرض .
قال جون : ألا يوجد عندكم تلوث في البيئة بسبب المعامل والمنتجات الكيماوية ؟!
قال رئيس الوفد : في الماضي عانينا كثيراً من هذه المشكلة ، لكننا وجدنا حلاً جذرياً لها .
رأى الرواد أبنية ملونة أمامهم ،خضراء وصفراء وزرقاء ، وكل الألوان بدرجاتها المختلفة ، وكانت المدينة الكبيرة تبدو كأنها ترتدي ثياب العيد الجميلة وتحتفل في مهرجان للفرح والسعادة ، سارت الحافلة في شوارع واسعة ونظيفة تحدها على الجانبين أشجار فارعة تتمايل أغصانها مع النسيم بفرح وسعادة .




-27-



توقفت الحافلة أمام بناء ضخم أبيض اللون تحيط به حديقة واسعة ، استقبلهم مجموعة من الأطباء والممرضين والممرضات ، يضعون كمامات على وجوههم ، أخذوهم إلى غرف واسعة فيها أجهزة طبية حديثة ، أجروا لهم اختبارات طبية شاملة،واطمأنوا أنهم بخير ، يحتاجون فقط إلى بعض الراحة والعناية ، أعطوهم بعض الأقراص المغذية ، وأرسلوهم إلى جناح خاص بالمرضى الذين يقضون فترة نقاهة ، كان جناحاً واسعاً فيه صالة كبيرة للجلوس مجهزة بكل وسائل الراحة ، وغرف نوم جدرانها مطلية باللون الأزرق الفاتح ،ولها شرفات تطل على الحديقة ، وكل غرفة مجهزة بمطبخ، وحمام .
ظل الوفد الذي استقبلهم مرافقاً لهم طوال الوقت ، قال لهم رئيس الوفد : سنبقى معكم في المستشفى عدة أيام لرعايتكم ، وتسليتكم ، والحديث معكم بلغاتكم ، فليس بوسعكم التفاهم مع أحد هنا لأنهم لا يعرفون اللغات الأرضية ، وسوف ننام في جناح مجاور لكم ، وأشار إلى سماعة هاتف معلقة على الجدار ، قال : يمكنكم الاتصال بنا بهذا الجهاز ، اطلبوا الرقم 112 ، وسوف يأتي أحدنا فوراً .
رن جرس الباب الخارجي للجناح ، ودخلت فتاة تجر عربة عليها حقائب ، ابتسمت لهم بلطف وهي تحني رأسها ، كانت تشبه أفراد الوفد بلون بشرتها الأبيض اللامع ، وشعرها الأسود الطويل الذي يصل إلى منتصف ظهرها ، لكن عينيها كانتا زرقاوين بلون السماء ، قال لهم رئيس الوفد مشيراً إلى الحقائب
هذه الحقائب فيها ثياب لكم ، يمكنكم الآن أن تستحموا ريثما نحضر لكم الطعام .




-28-



خرج أفراد الوفد من الجناح ، وأخرج الرواد الثياب من الحقائب ، واختار كل واحد منهم الثياب التي تناسبه ، ثم استحموا بماء وصابون معطر بروائح غريبة ومنعشة ، جلسوا في الصالة ينتظرون الطعام ، رن جرس الباب ، ودخلت فتاة جميلة عيناها خضراوان تجر عربة بثلاث طبقات ، عليها أنواع مختلفة من الطعام ، حيتهم بابتسامة مشرقة ، وبدأت تضع أطباق الطعام على الطاولة ، تبعتها فتاة أخرى تجر عربة عليها أصناف مختلفة من الحلوى ، تبعتها فتاة ثالثة تجر عربة عليها أصناف مختلفة من الفواكه، وهي تبتسم لهم وتهز رأسها بمودة ، خرجت الفتيات من الغرفة ، ودخل أعضاء الوفد وقد استحموا وارتدوا ثياباً ملونة ، قال رئيس الوفد مشيراً إلى الطعام : هيا أيها الأصدقاء ، تذوقوا طعام كوكبنا ، ونأمل أن يعجبكم .
أكل الرواد بحماس ، كان الطعام لذيذاً ، غير مألوف ، ثم أكلوا من الحلوى والفواكه ، قال هاري : هذا ألذ طعام تذوقته في حياتي !
قال جون : الفواكه لذيذة وطازجة .
رن رئيس الوفد الجرس ، دخلت الفتيات الثلاث مع عرباتهن ، أخرجن بقايا الطعام .




-29-



قال رئيس الوفد : أرجو أن تعرفوني على أسمائكم .
قال هاري : لماذا لم تسألنا منذ البداية عن أسمائنا ؟
قال رئيس الوفد : نحن في هذا الكوكب ليس لدينا فضول أهل الأرض، يهمنا أن نطمئن عليكم قبل أن
نسأل عن أسمائكم .
قال هاري : اسمي هاري . وأشار إلى زملائه بالتسلسل : جون ، يوكيو ،شاهر ،أنطون .
قال رئيس الوفد : ونحن أسماؤنا بلغتكم : أنا شمس ، وزملائي : قمر ، نجم ، جبل ، نهر .
قال شاهر : أسماؤكم مثل أسماء الطبيعة .
قال شمس : نحن نحب الطبيعة كثيراً ، ونعبر عن حبنا لها بهذه الأسماء .
سأل أنطون : ما هي أسماء الفتيات اللواتي أتين قبل قليل ؟
قال شمس : شجرة ، زهرة ، نحلة ، تفاحة .
قال شاهر : أموركم غريبة ..
قال شمس : ستعرفون الكثير عنا وتستغربون .
تطلع شمس إلى زملائه مشيراً لهم إلى الباب ،ثم ودع الرواد قائلاً : أترككم الآن كي ترتاحوا قليلاً .




-30-



نام الرواد في أسرتهم الوثيرة ، استغرقوا في النوم ، وحلموا أنهم عادوا إلى بلادهم ، وكل واحد منهم رأى أهله وأصدقاءه ، ثم حلموا أنهم في الجنة ، يتجولون بين الحدائق والبساتين ، ويسبحون في الأنهار والبحار، ويستلقون على شواطئ رملية جميلة ، ويأكلون طعاماً لذيذاً ، وفواكه غريبة الطعم .
حين استيقظوا ، كانت الشمس تداعبهم ، بأشعتها اللطيفة ، واكتشفوا أنهم ليسوا في الجنة ، كما حلموا ، وانهم في كوكب السلام .
غسلوا وجوههم ، وجلسوا في الصالة يتحدثون .
قال هاري : حلمت أنني في الجنة .
أجابه زملاؤه بصوت واحد : ونحن أيضاً حلمنا أننا في الجنة .
قال هاري : غريب أمر هذا الكوكب ! يبدو أن الناس فيه يحلمون دائماً أحلاماً متشابهة .
قال يوكيو : الجنة التي حلمنا بها تشبه هذا الكوكب.
قال شاهر : سوف نسميه (كوكب الأحلام السعيدة ) .؟
رن جرس الباب ، دخل شمس يتبعه زملاؤه ، قال لهم بلهجة مرحة : صباح الخير يا سكان الأرض.
قال لهم قمر : أرجو أن تكونوا فد قضيتم ليلة ممتعة .
أما نجم فقال : حضروا أنفسكم لبرنامج حافل اليوم .
قال نهر : هيا لتناول الفطور في حديقة المستشفى .




-31-



خرج الرواد إلى حديقة المستشفى ، جلسوا إلى طاولة حافلة بأصناف الطعام ، تناولوا العسل بأصنافه المتنوعة ، والجبن ، والبيض ، والمربى ، وشربوا عصير الفواكه الطازج .
سألهم شمس : هل أعجبكم الفطور ؟
قال جون : لديكم أنواع كثيرة من العسل .
قال شمس : نعم ، نحن نهتم كثيراً بالعسل ونربي النحل في مناطق مختلفة ، ونحصل على أصناف متنوعة من العسل حسب نوع الأزهار في تلك المنطقة ، وكل نوع من العسل له فوائد تختلف عن الآخر ، والعسل بأنواعه من الأصناف الرئيسية للطعام في المستشفيات ، فهو غذاء ودواء في آن واحد ، ونحن نهتم بالعلاج الطبيعي ، ولا نستخدم العلاج الكيماوي إلا حين يفشل العلاج الطبيعي ، ونعتمد على الوقاية كي نتجنب الأمراض .
سأل شاهر : أليس لديكم قهوة وشاي ؟
أجاب قمر : توقعنا أن تسألونا عن الشاي والقهوة فهما من المنبهات الأساسية لدى سكان الأرض ، يوجد في كوكبنا قهوة وشاي ، ونحن نتناولهما أحياناً ، لكننا لانفرط في ذلك لأن العلماء عندنا اكتشفوا وجود بعض المضار لهما ، خاصة للمرضى ، ولذا لا يوجد في المستشفى شاي وقهوة .
قال نجم : نحن نهتم بعصير الفواكه الطازج ونتناوله دائماً فهو منعش ومنشط .
سأل هاري : أليس لديكم مشروبات غازية ؟
أجاب نهر : نحن لا نعرفها أبداً ولا نشربها ، ولا نشرب أي نوع من المشروبات المعلبة ، ولا نستعمل المعلبات أبداً لأنها ضارة ، كل شيء لدينا طازج .




-32-



قال يوكيو بدهشة : يبدو أنكم تعرفون الأرض !
قال شمس : نعم نحن نعرف الأرض ،، فلدينا مركز أبحاث خاص بالكواكب الأخرى ، وكوكب الأرض من الكواكب التي استقطبت اهتمامنا خاصة أنه أقرب كوكب إلينا ، وأرسلنا مركبات فضائية إلى الأرض ، وأرسلنا رواد ورائدات فضاء أقاموا في الأرض لفترة طويلة وعرفوا كل شيء عنها ، واستطعنا منذ ربع قرن أن نتصل بالأرض ، وأجهزتنا تلتقط الأصوات الأرضية ، ويمكنها رؤية كل المناطق على شاشات الكومبيوتر .
سأل جون : هل أنتم الذين أرسلتم الأطباق الطائرة التي كان بعض الأشخاص يتحدثون عنها ؟
قال شمس : نحن أرسلنا كثيراً من المركبات الفضائية على شكل أطباق إلى الأرض ، وقد رآها بعض سكان الأرض ، والرواد والرائدات الذين أرسلناهم تعاملوا مع سكان الأرض وكونوا صداقات مع بعضهم ، وحين عادوا إلى كوكب السلام حزنوا على فراق أصدقائهم ، وهم يريدون العودة لزيارتهم .
سأل هاري بدهشة :وهل عرف سكان الأرض الذين صادقوا شعبكم حقيقتهم ؟!
أجاب شمس : لا ، فقد كتموا الحقيقة عنهم .
قال يوكيو: لكن ملامحكم تختلف قليلاً عن ملامحنا !ألم يشكّوا بالأمر؟!
قال شمس : الفرق الوحيد بيننا وبينكم هو أن بشرتنا لامعة .
قال شاهر : معظم الأشخاص الذين رأيناهم عيونهم بنفسجية ، وهناك عدد قليل منهم عيونهم زرقاء .
قال شمس : هناك بعض الأشخاص في الأرض عيونهم بنفسجية ، والعيون الزرقاء موجودة بكثرة .
تطلع نجم إلى هاري وقال : هاري عيناه زرقاوان ، وهو يشبهنا في هذه الصفة .
قال قمر : كل الأشخاص الذين أرسلناهم إلى الأرض كانت عيونهم زرقاء .
قال نهر : البشرة اللامعة لا تسبب أي مشكلة ، فالطب لدينا متطور ، وهناك مرهم خاص يجعل بشرتنا تشبه بشرتكم ، ويختفي لمعانها .
سأل أنطون : إلى أي منطقة في الأرض أرسلتم روادكم ؟
قال شمس : أرسلناهم إلى معظم مناطق الأرض .
قال جون : قبل أن تتعطل مركبتنا وتخرج عن مدارها رأينا مركبة فضائية غريبة الشكل على شاشة الكمبيوتر ، هل كانت تلك المركبة تابعة لكم ؟
قال شمس : نعم ، فنحن لدينا كثير من المركبات ، نرسلها إلى أماكن مختلفة في الفضاء لاكتشاف الكون ، ولمعرفة ما يجري حولنا ، وقد هبط روادنا على سطح القمر، وهبطوا على سطح كواكب أخرى.
قال أنطون : يبدو أن كثيراً من المفاجآت بانتظارنا ..
ضحك جبل بمرح وقال : سترون كثيراً من المفاجآت السارة .
قال شاهر متطلعاً إلى جبل : هذه المرة الأولى التي أسمعك فيها تتكلم ، ظننتك لاتعرف أي لغة أرضية .
قال جبل مشيراً إلى أصدقائه : نحن نعرف عدة لغات أرضية ، ولذا أرسلونا لاستقبالكم والتعرف إليكم وتسهيل أموركم في كوكبنا ريثما يتخذ رئيس الكوكب قراراً بشأنكم .




-33-



اعتذر شمس من الرواد ، قال : سنضطر الآن للذهاب لأمر ضروري ، يمكنكم أن تتجولوا في حديقة المستشفى الواسعة ، وتناقشوا أوضاعكم كي نساعدكم في إيجاد حلول مناسبة لمشكلتكم .
كانت حديقة المستشفى مقسمة إلى حدائق صغيرة كل واحدة منها خاصة بأحد الأجنحة ، وفيها أنواع مختلفة من الأشجار والأزهار ، وتوزعت الأرائك المريحة تحت الأشجار ، وتمدد بعض المرضى على الأرائك ، واستندوا إلى الوسائد المخملية ، والممرضات يتجولن في أنحاء الحديقة للعناية بالمرضى ، انبعثت موسيقا هادئة من أحد أجهزة التسجيل ، نظر المرضى إلى الرواد باستغراب ، فقد كانت أشكالهم تختلف عن أشكال سكان كوكب السلام ، الذين يتميزون بشعرهم الأسود الطويل المسبل على أكتافهم أو ظهورهم وعيونهم البنفسجية غالباً ، وأحياناً تكون زرقاء أو فيروزية ، ولا يوجد ألوان أخرى للعيون ، أو للشعر ، وهناك لون واحد لبشرتهم هو الأبيض اللامع المشرب بالحمرة عند خدودهم ، ووجوههم مدورة ونضرة ، وهم معتدلو القامة ، رشيقو الحركة ، ترتسم الابتسامة على وجوههم كلما رأوا الرواد يمشون أمامهم ، ويرتدون الملابس ذات الألوان المشرقة ، الأزرق والأخضر والأحمر والبنفسجي والأصفر والوردي ، ووجوه النساء طبيعية ليس فيها أي أثر للماكياج ، وثيابهن تتميز بالبساطة والأناقة .
شعر الرواد بالفرح والسعادة وهم يتجولون ، ويتأملون الطبيعة والناس ، وتمنوا أن يتبادلوا الحديث مع
الناس حولهم لكن عدم معرفتهم للغة سكان الكوكب منعتهم من ذلك ، فتمنوا أن يعود مرافقوهم كي يترجموا لهم ، ويساعدونهم في التواصل مع الآخرين .
قال شاهر : أشعر أنني في حلم ..
قال هاري : نحن في كوكب الأحلام .
قال أنطون : نحن في حديقة الأماني ،ما رأيكم أن يتمنى كل واحد منا أمنية .
قال يوكيو: هذه الحديقة ذكرتني بطفولتي ، وبالحكايات التي كانت تحكيها لي جدتي عن الممالك الجميلة والسعيدة ، والحدائق السحرية ، والملوك والأمراء .
قال جون : ترى ماذا فعلوا بمركبتنا ؟
أجاب هاري : سوف نسأل شمس حين يعود .




-34-



تجول الرواد في كافة أنحاء الحديقة ، واستمتعوا بجمالها وهوائها العليل ، وعادوا إلى المكان الذي تناولوا إفطارهم فيه كي ينتظروا المرافقين ، استلقوا على الأرائك ، وشعروا بالخدر يسري في أجسادهم ، فغفوا قليلاً ، واستيقظوا على خطوات مرافقيهم ، نهضوا ، وجلسوا .
قال لهم شمس : هذه حديقة النوم ينسى الإنسان نفسه فيها وينام ، ويحلم ، هل حلمتم أنكم عدتم إلى الأرض ؟!
ضحك الرواد لدعابات شمس ، قال له شاهر : حلمنا أننا في الجنة ، ولذا لن نعود إلى الأرض .
قال جون : يبدو أن هذه هي الجنة .
قال شاهر : في الجنة أنهار من عسل ولبن ، وهنا عسل كثير ولبن كثير لكن الأنهار غير موجودة ، وفي الجنة حوريات ، وهنا نرى نساء جميلات ، لكنهن لسن حوريات .
ضحك قمر بصوت عال ، قال : أنتم في كوكب السلام ، ولستم في الجنة ، في تاريخنا وأساطيرنا أحاديث كثيرة عن الجنة وصفاتها وعن الجحيم أيضاً ، ونحن في كوكبنا حاولنا أن نكون سعداء ، وأن نصنع عالماً جميلاً خاصاً بنا ، لكننا نحلم أن نذهب إلى الجنة فهي أجمل من كوكبنا بكثير .
قال شاهر : يذهب إلى الجنة العباد الأبرار الذين يؤمنون بالله ويخشونه .
قال نجم : نحن نعبد الله ونخشاه ، ونحاول دائماً أن نكون طيبين ، وأن تكون أخلاقنا حسنة، وأن نحب بعضنا ، فهدف الأديان أن تنشر مكارم الأخلاق بين الناس .
قال نهر : أخذوا مركبتكم إلى ورشة إصلاح كي يفحصوا أعطالها .
قال أنطون : كنا نتساءل ماذا حل بمركبتنا ؟
قال شمس : المشكلة في مركبتكم هي عدم وجود قطع تبديل ، ولكن لا تقلقوا صناعة المركبات الفضائية متطورة لدينا ، سوف نصنع لكم مركبة أخرى ، ونعيدكم إلى الأرض .
قال نهر : وسوف يستغرق صنع المركبة فترة زمنية طويلة .
قال قمر : ربما غيرتم رأيكم وأحببتم كوكبنا أكثر من الأرض ورفضتم العودة إلى موطنكم .
قال شمس : سنعد لكم برنامجاً حافلاً لزيارة مناطق مختلفة من كوكبنا ، واليوم بعد الظهر سنأخذكم إلى شاطئ البحر كي تروحوا عن أنفسكم .




-35-



ذهب الرواد مع مرافقيهم إلى شاطئ البحر ، ركبوا الحافلة المخصصة لهم ، وصلوا إلى الشط ، وجدوا كثيراً من الناس يستلقون على الرمال ، بعد أن تعبوا من السباحة ، وبعضهم يسبحون في البحر ، والبعض يجلسون إلى مناضد مستديرة يتناولون المرطبات وعصير الفواكه ، والقوارب الشراعية تتهادى على صفحة الموج ، كان الرمل على الشاطئ ملوناً تتداخل الألوان تحت أشعة الشمس ، وتلمع كأنها أحجار كريمة ، استغرب الرواد وجود الرمل الملون ، سأل جون بدهشة : هل هذا رمل ؟ هذه أحجار كريمة ؟! ضحك شمس بمرح ، قال : هذا رمل قوس قزح يتأثر بألوان أشعة الشمس خلال النهار وعند الغروب ويختزنها لأن بلوراته زجاجية ، وننحن نسمي هذا الشاطئ : قوس قزح .
سبح الرواد واستلقوا على الرمال الجميلة ، ثم ذهبوا في نزهة بالقارب الذي تهادى بهم على صفحة الموج الهادئ ، واستمتعوا بمشهد الغروب الرائع .
قال لهم قمر : هل أعجبكم البحر ؟ إنه هادئ ومسالم ، ولا يحدث عندنا عواصف ، ولا يرتفع الموج، ولا يحصل مد وجزر كما هو الحال عندكم في الأرض ، فقوانين الطبيعة عندنا تختلف عن قوانين الطبيعة في الأرض ، وسوف تلاحظون كثيراً من الاختلاف كلما تعرفتم على الكوكب اكثر .
قال جون : أنتم تشبهوننا في كثير من الأشياء ، أنتم بشر مثلنا ، لم نكن نتوقع أن يوجد في الكواكب الأخرى كائنات بشرية متطورة وراقية .
قال نهر : الله قادر على كل شيء ، والبشر مهما تطوروا تظل معرفتهم ناقصة ، نحن اكتشفنا وجود الأرض منذ ربع قرن ، ولم نكن نعتقد بوجود بشر غيرنا في الكواكب الأخرى ، وهبطنا على سطح القمر منذ خمسين عاماً ، واكتشفنا أن ظروف الحياة على سطح القمر ليست مناسبة لنا ، ولذا لم نحاول أن نستوطن القمر .
قال هاري : نحن نجري أبحاثاً على القمر لأننا نريد إنشاء مدينة على سطحه .
قال شمس : ظروف الأرض أفضل من ظروف القمر، وهي تصلح للسكن أكثر منه ، وأنتم لديكم مساحات واسعة في الأرض تكفي لعدد كبير من الناس فلماذا تفكرون بالذهاب إلى القمر ؟
قال أنطون : نحن نحب المغامرة والاكتشاف ونريد أن نبحث عن آفاق جديدة ، والتعرف على مظاهر الكون ، والأرض صارت ملوثة بالغازات والأبخرة مما يسبب لنا كثيراً من الأمراض ، وطبقة الأوزون في الغلاف الجوي تتناقص ، وتتآكل بسبب بعض المواد الكيماوية مثل الكلورو فلورو كربون ، والمواد الكيماوية الأخرى ، وهذه الطبقة من الأوزون تشكل الدرع الواقي الذي يحمي الكائنات الحية على سطح الأرض من التعرض لمخاطر الأشعة فوق البنفسجية .
قال شمس : ولماذا لا تتوقفون عن تصنيع المواد الكيماوية الضارة وتوجدون بدائل لها ؟!
قال جون : لقد أوقفت بعض الدول الصناعية تصنيع مركبات الكلورو فلورو كربون ، وأوجدت بدائل لها ، منذ فترة طويلة ، وبعض الدول الصناعية فعلت ذلك في مطلع عام 1996 ، وأعطيت الدول النامية فترة سماح لمدة عشر سنوات مر منها ثمان سنوات حتى الآن ، فنحن الآن في عام 2003 م .
قال هاري : لقد تعهدت دول الشمال الغنية بتخصيص مبلغ يتجاوز الخمس ملايين دولار خلال الفترة بين 1994 حتى 1996 لمساعدة دول الجنوب في الابتعاد عن مركبات الكلورو فلورو كربون لكنها لم تف بما تعهدت به بشكل كامل .
قال نهر : لقد عانينا مثلكم من مشاكل التلوث بسبب المواد الصناعية ، لكننا وجدنا حلولاً لمشاكلنا ،ويمكننا مساعدتكم
قال يوكيو : نحن في الأرض نبذل جهوداً كبيرة لحل هذه المشاكل ولكن ليس بإمكاننا أن نزيل ركام التلوث الذي صنعه الإنسان خلال عشرات السنين الماضية بدءاً من النفايات ،وانتهاء بغازات الانحباس الحراري .
قال هاري : مشاكلنا في الأرض كثيرة ، وهناك مخاطر كثيرة تهدد البيئة والحياة عندنا مثل قطع الغابات ، وتدمير الحياة البرية، وارتفاع درجة حرارة الجو، والانفجار السكاني .
قال جون : نحن نخشى المستقبل ، لأن الأرض تسخن تدريجياًُ بسبب تراكم غاز ثاني أكسيد الكربون ، وغازات الانحباس الحراري الأخرى في الغلاف الجوي ، مما يؤدي تدريجياً إلى تسخين الأرض ،وذوبان الجليد ، وارتفاع مستوى البحار ، والفيضانات الساحلية ، وزيادة عدد العواصف الهوجاء ، وكوارث مناخية أخرى ، وقد حاولنا تخفيف مستوى انبعاث غازات الانحباس الحراري ،ولكننا لم ننجح تماماً في محاولاتنا رغم دخولنا في القرن الحادي والعشرين .
قال نجم : المشاكل التي تحدثتم عنها واجهناها قبل حوالي قرن من الزمان ، ووجدنا حلولاً لها بالجهود الكبيرة والمثابرة .
قال جبل : لاحظت البعثات العلمية التي أرسلناها إلى الأرض أن النباتات والحيوانات لديكم عددها قليل ، ففي كوكبنا عدد أكبر بكثير من النباتات والحيوانات .
قال هاري : كل عام يتعرض عشرون ألف نوع من النباتات والحيوانات إلى الانقراض ، وذلك بسبب قيام البشر بتدمير البيئة الطبيعية لتلك الأنواع ، وقد عقدت اتفاقية دولية طالبت جميع الدول بالقيام بتجديد الأصناف المعرضة للخطر وتوفير محميات طبيعية لها ، وطلبت من كل شركات تصنيع الدواء والمنتجات التجارية التي تستخرج من أحد النباتات أو الحيوانات النادرة أن تخصص جانباً من الأرباح لذلك البلد الذي يوجد فيه النبات أو الحيوان المقصود ، ولكن هذه الاتفاقية لم تطبق تماماً.
قال جون : وشركات الأخشاب ومقاولو البناء وتجار الأراضي يساهمون في هذه المشكلة ، فهم يقطعون أشجار الغابات الاستوائية وغيرها أو يحرقون مساحات شاسعة من الأراضي الخضراء .
قال شمس : المهم أنكم تدركون أهمية هذه المشاكل وتسعون لإيجاد حلول لها ، ويمكننا أن نفيدكم بخبرتنا في هذا المجال .
قال شاهر : نحن نخشى على الأجيال القادمة ، ولا نريدها أن تعاني من هذه المشاكل .
قال جبل : نحن نعلم أن عدد سكان الأرض كبير ، وهو يتزايد ويسبب مشكلة انفجار سكاني .
قال جون : نعم ، نحن نعاني من هذه المشكلة ونحاول أن نضبط معدلات المواليد خاصة في الدول النامية والفقيرة ، لتحقيق التنمية الشاملة ، والأمن الغذائي ، ومواجهة الفقر ، وضمان حياة أفضل للأجيال الحالية والقادمة .
قال شمس : مشاكلكم كثيرة ، كان الله في عونكم ..




-36-



كان القمر يلمع في السماء ، ويضيء صفحة الموج ، والهدوء يخيم على الشاطئ فمعظم الناس ذهبوا إلى بيوتهم ، وكانت الموسيقا الهادئة تسبغ جواً رومانسيا على المنطقة .
سألهم شمس : هل تحبون أن تعودوا إلى المستشفى ؟
قال شاهر : مازال الوقت باكراً ، أنا أشعر بالراحة هنا .
هز بقية الرواد برؤوسهم موافقين على رأي شاهر.
قال شمس : الجو جميل هنا ، ونحن سنبقى معكم حتى تقرروا الذهاب ، ويهمنا أن تكونوا سعيدين وتنسوا همومكم على سطح الأرض ، وسوف نعرفكم على مناطق كثيرة في كوكبنا ستحبونها ، أنتم حتى الآن لم تروا إلا جزءاً بسيطاً من إحدى المدن الساحلية الكبرى في كوكبنا .
سأل أنطون : كم عدد سكان كوكبكم ؟ وكم هي مساحته ؟
قال شمس : عدد سكان كوكب السلام يبلغ ثلاثة أضعاف عدد سكان الكرة الأرضية ، ومساحته تقدر بخمسة أضعاف مساحة الأرض .
قال جون بدهشة : ظننا كوكبكم أصغر من الأرض .
قال نهر : كوكبنا كبير جداً وفيه مدن وقرى كثيرة ، وكل مدينة أو قرية لها رئيس يهتم بشؤونها ، وكل مجموعة من المدن والقرى القريبة من بعضها تشكل دولة ، وهذه الدولة لها رئيس ، ومجموعة الدول في كوكبنا لها رئيس نسميه الحكيم الأكبر ، وهذا الرئيس لديه مجموعة من العلماء المستشارين المختصين بمجالات مختلفة ، وهم يسنون القوانين التي تحكم الكوكب ، ويعتمدون أحدث الطرق العلمية في التعامل مع الأمور .
سأل شاهر : وهل يوجد قوانين موحدة في كوكبكم ؟
قال شمس : نعم ، لدينا قوانين موحدة توصلنا إليها بعد أن عانينا كثيراً من خلافات الدول مع بعضها ، ومن النزعات العدوانية لدى بعض سكان الكوكب التي كانت تؤدي إلى الحروب ، ومنذ زمن طويل لم تحصل حروب في كوكبنا ، ولذا سميناه كوكب السلام ، وكان اسمه قبل ذلك الكوكب العاصف .
قال شاهر : الحروب والصراعات كثيرة في الأرض ، ونحن نعيش في حالة قلق دائمة .
قال جبل : سمينا الأرض كوكب الحروب ، أنتم تذكروننا بماضينا القديم الذي كدنا ننساه .
سأل جون وقد أحس بالنعاس : هل تعودون إلى المستشفى ؟
أجاب زملاؤه : نعم .




-37-



عاد الرواد إلى المستشفى ليناموا في أسرتهم ، ويحلموا ببحر هادئ ورمل ملون وفواكه غريبة الشكل ، وعيون بنفسجية ، استيقظوا في الصباح ليبدؤوا برنامجاً حافلاً مع مرافقيهم ، بدأ برنامجهم برحلة في الطائرة إلى الغابة الوردية ، التي تتميز أوراق أشجارها باللون الوردي ، لكنها تخضر في فصل الربيع فقط ، وهذه الغابة فيها فراشات من كل الألوان تطير في كل مكان وتزين الغابة ، قضوا وقتاً ممتعا في الغابة ، وتفاءلوا بمنظر الفراشات ، وببعد ذلك ذهبوا بالطائرة إلى غابة القرود المرحة ، حيث تفرجوا على القرود ، وتسّلوا بحركاتها اللطيفة واستعراضاتها الراقصة ، وعادوا إلى المدينة ليذهبوا إلى مدينة الملاهي ، وقضوا وقتا ممتعاً، لعبوا كثيراً من الألعاب التي أعادتهم إلى طفولتهم ، رأوا كثيراً من الأطفال مع أهلهم ، وكان الجميع يلعبون كباراً وصغاراً ، نظر إليهم الأطفال مستغربين ملامحهم المختلفة ، اقتربت طفلة صغيرة من شاهر ، لمست يده السمراء ، وتأملت عينيه السوداوين بدهشة ، ثم قالت لأمها التي تقف إلى جانبها بعض الكلمات ، ضحكت الأم وابتسمت لشاهر ، وتبادلت الحديث مع شمس الذي هز رأسه موافقاً ، والتفت إلى شاهر ، قال له بمرح وهو يشير إلى الطفلة التي لا تتجاوز الرابعة من عمرها : هذه الطفلة ظنتك لعبة ، وطلبت من أمها أن تشتريك لها ، وأم الطفلة توقعت أنك من سكان الأرض لأنها رأت برنامجاً علمياً في التلفاز عن الأرض وسكانها ، وهي تدعوكم لزيارتها في بيتها بعد قليل ، وتريد أن تتحدث معكم ،فما رأيكم ؟
رحب الجميع بالفكرة ، واتفق شمس مع السيدة ، أن تمر عليهم لاصطحابهم بعد نصف ساعة كي يتسنى لهم أن يتعرفوا على ألعاب أخرى .قال شمس للرواد : هذه السيدة صحفية تريد أن تجري لقاء معكم للمجلة التي تعمل بها ، وهي تهتم كثيراً بأبحاث الفضاء .
تجمع عدد كبير من الأطفال حول الرواد ، وهم يشيرون إليهم ، ويضحكون بفرح ، اقترب طفل في الخامسة من عمره من هاري، وأشار إلى شعره الأشقر المجعد، وقامته الفارعة ، حمله هاري ، وأجلسه على كتفه ، فبدأ الطفل يداعب شعر هاري، وحين أنزله إلى الأرض ، بكى ، فحملته أمه وابتعدت به وهي تنظر إلى هاري ، وتتمتم بعض الكلمات . قال شمس لهاري : إنها تعتذر عن سلوك ابنها وإزعاجه لك . ابتسم هاري للمرأة وهو يهز رأسه بلطف .بعد ذلك جاءت الصحفية وأنقذتهم من الأطفال .
كان بيت الصحفية قريباً ، ركبت سيارتها الوردية مع ابنتها ، وركبوا سيارتهم الزرقاء ، وتبعوها ، كان بيتها مطلياً باللون البنفسجي ا لفاتح من الداخل والخارج ، جلسوا في غرفة استقبال فسيحة ، فيها أرائك وثيرة لونها بنفسجي داكن ، ولوحات فنية ألوانها زاهية توزعت على الجدران ، وبعض أصص الورود والنباتات الخضراء في الزوايا ، اعتذرت الصحفية ، وخرجت من الغرفة ، بعد قليل جاء رجل يرتدي ثياباً زاهية ، رحب بهم ، وجلس على إحدى الأرائك ، تبادل بعض الكلمات مع شمس ، التفت شمس إلى الرواد قال لهم مشيراً إلى الرجل : هذا الأستاذ سهل روائي ، وزوج الصحفية السيدة وردة ، يريد أن يكتب رواية عنكم ، ويريد أن يحدثكم ، فهل توافقون ؟
ضحك الرواد ، قال شاهر : يبدو أننا أصبحنا نجوم الموسم ، الجميع يهتمون بنا .
قال جون : أنا موافق .
هز بقية الرواد رؤوسهم تعبيراً عن موافقتهم .
دخلت السيدة وردة إلى الغرفة تجر عربة عليها طبق كبير فيه أنواع كثيرة من الفطائر والحلوى ، وعصير الفاكهة الطازج ، قالت بعض الكلمات لشمس وهي تقدم الفطائر وكؤوس العصير للرواد .
قال لهم شمس: السيدة وردة تتمنى أن تعجبكم الفطائر والحلوى ، وهي من صنع يديها ، فهوايتها صنع أصناف مبتكرة من الحلوى في أوقات فراغها .




-38-



قضى الرواد أمسية لطيفة في منزل وردة ، وجلست ابنتها ياسمين بجانب شاهر تتأمل ملامحه ، ثم تنقل بصرها إلى بقية الرواد ، التقطت وردة بعض الصور للرواد ، وأجرت معهم حواراً صحفياً ، أما زوجها سهل فقد حاول أن يفهم كل شيء عن شخصياتهم ، وسألهم عن العادات الاجتماعية في الأرض واكتشف أن الأرض فيها عادات تختلف بين منطقة وأخرى ، مما أثار استغرابه ، ففي كوكب السلام العادات متشابهة ، وطلب سهل من الرواد أن يزورهم في مكان إقامتهم كي يتعرف إليهم أكثر،وقال إنه سوف يلغي كل التزاماته كي يهتم بهم ، ويكتب روايته عنهم .
قال لهم شمس : سهل متفرغ للكتابة ، وله راتب شهري من الدولة ، ومكافآت تشجيعية ، فالحكومة تشجع الإبداع بكل أنواعه ، ولدينا وزارة خاصة للمبدعين ، تتابع نشاطاتهم ، ويمكنكم أن تستقبلوا سهل غداً إذا أردتم ، وأن تقضوا النهار معه ، وشرف لكم أن يهتم بكم لأنه من أهم كتاب كوكبنا .
اتفق الرواد مع سهل أن يروه في اليوم التالي ، وعادوا إلى مقرهم ، ليناموا ويحلموا ، صحوا في اليوم التالي وهم يشعرون بالنشاط والحيوية ، وقضوا يومهم في حديقة المستشفى مع سهل ، واكتشفوا أن سهل كاتب مشهور فقد اقترب منه كثير من المرضى ليلقوا عليه التحية ، ويتحدثوا معه عن أعماله التي قرؤوها وأعجبوا بها ، وعرفوا أن سهل كتب عدة روايات في الخيال العلمي .
شكرهم سهل على تجاوبهم معه ، وعلى المعلومات القيمة التي زودوه بها ، وغادر المستشفى مساء .
قال شمس : حين ينهي سهل كتابة روايته التي استوحاها منكم ، سنترجمها إلى لغاتكم الأرضية ، وسوف تكتشفون أنه أديب هام ، وسنرسل معكم نسخاً من روايته إلى الأرض ، للإطلاع على أدبنا
سأل هاري :ألا يمكنكم أن تترجموا لنا بعض أعمالكم الأدبية الهامة كي نأخذها معنا إلى الأرض ؟‍‍
أجاب شمس : يجب أن نستشير وزارة المبدعين في هذا الموضوع ، فإذا وافقت تكلف لجنة باختيار بعض الأعمال لترجمتها .
قال شاهر: نحن متشوقون لمعرفة أسلوبكم في الكتابة والتفكير .
قال شمس : أنا مطلع على بعض أنواع الأدب في الأرض ، ونحن تصلنا أحدث الكتب الصادرة لديكم والتي تبث على الانترتيت ، وقد أحضر روادنا عدداً كبيراً من الكتب بلغات مختلفة ، وترجمنا بعضها إلى لغتنا .
تساءل جون : ألا يوجد لديكم سوى لغة واحدة ؟‍ ‍‍‍
أجاب شمس :كان لدينا لغات كثيرة منذ زمن طويل ، لكننا مع تطور العلم ، واعتمادنا في كثير من الأمور على لغة علمية واحدة ، توصلنا إلى ابتكار لغة سهلة واضحة يتحدث بها جميع سكان الكوكب ، ويكتبون بها ، وهي اللغة الرسمية في جميع أنحاء الكوكب ، ولكن هناك لغات محلية شفوية مازال الناس يتحدثون بها ، ويتناقلونها ، ونحن نهتم بها ، ونشجع الناس على تعلم لغتهم المحلية ، والحفاظ على هويتهم وخصوصيتهم ، ونعتبر تلك اللغات جزءاً من تراثنا وتاريخنا الذي نحرص عليه .
قال شاهر : نحن متشوقون لمعرفة بعض الأشياء عن تراثكم وتاريخكم .
قال شمس : في الأيام القادمة سيقام مهرجان كبير في عاصمة كوكبنا للتراث ، ستكونون ضيوف المهرجان .
شعر الرواد بالنعاس ، فودعهم المرافقون ، وتمنوا لهم ليلة سعيدة .




-39-



في صباح اليوم التالي أبلغهم شمس بضرورة استعدادهم لزيارة رئيس الكوكب مساء .
سأله أنطون : هل يبعد مقره كثيراً؟
قال شمس : نعم ، إنه في عاصمة الكوكب ، وهي مدينة بعيدة ، وينبغي أن ننطلق بالطائرة السريعة بعد الإفطار مباشرة كي نصل في الوقت المحدد ، وسوف تبقون في العاصمة في ضيافة رئيس الكوكب ، فهو متحمس للتعرف إليكم .
تناول الرواد إفطارهم ، وودعوا أطباء المستشفى الذين أجروا لهم فحصاً طبياً للاطمئنان على صحتهم وتأقلمهم مع مناخ الكوكب . كتب الأطباء تقريراً بسلامة الرواد من كل الأمراض ، وعدم حاجتهم للبقاء في المستشفى .
انطلق الرواد مع مرافقيهم بطائرة خاصة أرسلها لهم رئيس الكوكب ، كانت الطائرة مجهزة بكل وسائل الراحة ، وكأنها منزل فخم يطير في الهواء ، واهتمت المضيفات الجميلات بتوفير جو لطيف .
تمدد الرواد على أرائك وثيرة ، أمام كل أريكة جهاز تلفاز ، وسماعات موصولة به ، يضعها المتفرج في أذنيه ، ويستمع إلى المحطة التي يريدها عن طريق جهاز التحكم .
اكتشف الرواد أنه يوجد مئات المحطات في التلفاز ، تبث برامج متنوعة ، وبما أنهم كانوا يعانون من مشكلة فهم اللغة ، فقد اهتموا بمتابعة البرامج الموسيقية والسياحية والاستعراضية ، ولم يرغبوا في إزعاج مرافقيهم بالترجمة .كانت البرامج التي تابعوها متطورة أكثر من برامج المحطات الأرضية ، ومضى الوقت دون أن يشعروا .
قال لهم نجم الذي كان يتابع فيلماً على إحدى المحطات : إذا بقيتم فترة طويلة في كوكبنا سنعلمكم لغتنا ، كي تستطيعوا متابعة برامج التلفاز الجميلة ، فهي تستحق أن تتعلموا اللغة من أجل مشاهدتها .
وصلت الطائرة بعد أربع ساعات ، حطت في مطار خاص بقرب قصر رئيس الكوكب ، حين نزلوا من الطائرة وجدوا في انتظارهم وفداً مكوناً من ثلاثة أشخاص يرتدون ثياباً رمادية بزي واحد ، استقبلوهم بحفاوة وابتسامة مشرقة ، تبادلوا بعض الكلمات مع شمس ، قال شمس للرواد مشيراً إلى وفد الاستقبال :
هؤلاء صخر ، ونار ، وزيتون ، من لجنة الاستقبال في قصر الرئيس ، أرسلهم للاهتمام بأموركم ، وسوف نذهب الآن إلى قصر خاص للضيوف ، بجانب قصر الرئيس .
ركب الرواد مع مرافقيهم حافلة رمادية ، فيها أرائك وثيرة ، سارت بهم في شارع عريض يحده من الجانبين أشجار كثيفة الأغصان ، أشار لهم جبل إلى قصر منيف ، رائع الجمال ، تحيط به حديقة واسعة ، قال لهم : هذا قصر رئيس الكوكب ، أشار إلى قصور أخرى بجانبه ، قال : هذه قصور المستشارين ، وكل الأبنية المحيطة تخص الوزارات الرئيسية في الكوكب .
وصلوا إلى قصر كبير ، دخلت الحافلة من بوابة القصر الحديدية السوداء ، سارت في درب ضيق محاط بالخمائل ، وصلوا إلى الباب الداخلي للقصر ، كان في استقبالهم مجموعة من الفتيات الجميلات يرتدين ثياباً زرقاء تتناسب مع اللون الأزرق لباب القصر وجدرانه ، دخلوا إلى بهو القصر ، ليجدوا أرائك فخمة لونها أزرق ، كان لون الجدران أزرق ، وكل شيء في القصر يتدرج لونه بين الأزرق السماوي
والأزرق النيلي ، جلسوا في البهو ، وأحضرت لهم الفتيات كؤوساً من شراب الفاكهة ، كان طعم الشراب غريباً ، سأل شاهر : ما هذا الشراب ؟
أجاب نهر : هذا شراب فاكهة لا توجد في الأرض اسمها فرح لأنها تجعل الإنسان يشعر بالفرح والسعادة ، وهذا النوع من الفاكهة متوفر كثيراً في هذه المدينة ذات المناخ الجاف ، ولا ينمو في المناطق الساحلية ، وسوف تتذوقون كثيراً من الفواكه التي لا تنمو عندكم في الأرض ، فنحن نهتم كثيراً بالزراعة ، وقد هجنا أنواعاً من الفواكه مع بعضها ، وحصلنا على أنواع جديدة لذيذة الطعم ، ولها قيمة غذائية كبيرة ، وكذلك فعلنا مع أنواع مختلفة من النباتات والخضراوات ، وكانت النتائج مذهلة .
قال شمس : موعدنا مع رئيس الكوكب بعد ساعتين ، دعانا إلى العشاء ، ودعا بعض المستشارين والمسئولين ، سيذهب كل واحد منكم إلى غرفته ليستريح ، وسوف ترون ثياباً رسمية تناسبكم في غرفكم ، ينبغي أن ترتدوها لمقابلة الرئيس .
سأل جون باستغراب : كيف تحضرون لنا الثياب المناسبة لمقاساتنا التي تختلف عن مقاساتكم ؟
أجاب شمس : الأمر بسيط جداً ، نحن عرفنا مقاساتكم أثناء الفحص الطبي في المستشفى ، وأرسلناها إلى معمل الملابس الجاهزة الإلكتروني ، فأنجزوا مجموعة من الملابس خاصة بكم لكل المناسبات .
قال أنطون : لكنكم أعطيتمونا ثياباً بعد فترة قليلة من وصولنا .
ضحك شمس قائلاً: معاملنا سريعة في إنجازها ، وكل معمل فيه عدد كبير من الآلات التي تعمل بأسلوب التحكم الإلكتروني ، وتؤدي عملها بسرعة هائلة ، لقد وصلنا إلى مرحلة متقدمة جداً من التطور الصناعي لم تصلوا إليها في الأرض .
قال شاهر وهو ينهض عن أريكته : سأذهب إلى غرفتي لأرى ثيابي الجديدة .




-40-



انطلق الرواد إلى غرفهم ، تقودهم موظفات الاستقبال ، وجدوا في خزائنهم ثياباً رمادية اللون لها أزرار
ماسية ، استعدوا لمقابلة الرئيس ، ونزلوا إلى البهو في الموعد المحدد ، فرأوا مرافقيهم يرتدون ثياباً رمادية مثلهم ، انطلقت بهم الحافلة الرمادية إلى قصر الرئيس ، دخلوا إلى قاعة أرجوانية واسعة ، كان الرئيس رجلاً متقدماً في السن ، تبدو عليه ملامح الذكاء والنباهة والوقار ، يجلس على أريكة واسعة في صدر القاعة ، يرتدي ثياباً سوداء مطرزة بخيوط الذهب ، والأحجار الكريمة ، يحيط به مجموعة من المستشارين يرتدون ثياباً رمادية ، نهض الرئيس والمستشارون لاستقبالهم بوجوه مشرقة ، أشار لهم كي يجلسوا على الأرائك الأرجوانية ، وجه حديثه إلى شمس الذي قام بمهمة الترجمة للرواد .
قال الرئيس : نرحب بكم ، ونحن سعداء باستقبال زوار من الأرض ، نعرف بعض الأمور عنكم من خلال الرحلات الفضائية ، ونرغب بمعرفتكم أكثر ، ونعتقد أنكم تعانون من مشاكل كثيرة ، سنناقشكم غداً بها ، وحين تعودون إلى الأرض سنرسل معكم وفدً من العلماء لإجراء بعض الأبحاث
العلمية ، فنحن قطعنا شوطاً كبيراً في مضمار التطور والحضارة ، ويمكنكم أن تستفيدوا من تجاربنا .
وسوف تذهبون غداً صباحاً مع المرافقين إلى المحطة الفضائية كي تتصلوا بالمحطة الفضائية الأرضية ، وتخبرونهم عما حصل معكم ، كي يطمئنوا عليكم ، ويعرفوا أنكم في أيدي أمينة .
نهض الرئيس وتقدمهم إلى غرفة الطعام ، حيث أكلوا أصنافاً غريبة ولذيذة ، وتعرفوا على فواكه لم يروا مثلها من قبل ، وتبادلوا الأحاديث المتنوعة مع الرئيس والمستشارين ، واكتشفوا أن الرئيس ومستشاروه متواضعون رغم تطورهم وثقافتهم العالية ، وأنهم يتحلون بروح المرح والدعابة ، ويشبهون الأطفال في براءتهم وصفائهم ، ويحبون بعضهم ويتعاونون في شؤون حياتهم .
حين عاد الرواد إلى قصر الضيافة كانوا يشعرون بحالة غريبة من الفرح والسعادة ، ناموا ورأوا في أحلامهم بلاداً جميلة وشواطئ وغابات وكروم وبساتين .ذهبوا في صباح اليوم التالي إلى المحطة الفضائية ، اتصلوا بالمحطة الفضائية الأرضية ، وتحدثوا عما حصل معهم ، في البداية لم يصدقوهم ، وظنوا أنهم فقدوا وعيهم ، وأنهم في حالة هلوسة ، لكنهم رأوهم نضرين مشرقين على شاشاتهم ، ورأوا المحطة الفضائية في كوكب السلام ، فصدقوا ما يجري أمامهم ، وتحدث شمس مع الباحثين في مركز الفضاء الأرضي ، وأبلغهم رغبة رئيس كوكب السلام بإقامة علاقات ودية مع كوكب الأرض ، وأنهم سيرسلون وفداً من العلماء والباحثين إلى الأرض ، فرحبوا بهم كثيراً .
كان برنامج الرواد حافلاً ، تجولوا في مركز الأبحاث ، واكتشفوا أن الأبحاث الفضائية متطورة اكثر من الأرض ، وتعرفوا على وزير المبدعين ، ودهشوا بالتسهيلات الكثيرة التي تتاح للمبدعين في الكوكب ، وتعرفوا على وزيرة الشؤون الاجتماعية ، واكتشفوا أن هذه الوزارة لها فروع كثيرة في كل مدينة ، ولها مراكز أبحاث خاصة في كل مدينة لدراسة مشاكل الناس بالاعتماد على أحدث الأساليب العلمية ، لإيجاد الحلول لها ، وتعرفوا على وزيرة البيئة ، ولاحظوا الاهتمام بالتخلص من المواد الضارة عن طريق تحويلها بطرق تقنية إلى مواد أخرى مفيدة ، وتابعوا نشاطات مهرجان التراث ، ودهشوا لكثرة الشعوب في الكوكب ، واختلاف أزيائهم ، ولغاتهم الشعبية ، واكتشفوا أن ملامح سكان الكوكب مختلفة ، وليست متشابهة كثيراً كما ظنوا من قبل ، وهم يشتركون فقط في لون البشرة ، ولون الشعر
والابتسامة البريئة التي ترافقهم دوماً .
زار الرواد عدداً كبيراً من الحدائق ، والكروم والبساتين المحيطة بالمدينة ، والمطاعم ، والمسارح ، وزاروا متحف الشمع الضخم ،حيث رأوا أشكالاً فنية رائعة الجمال مصنوعة من شمع النحل ، وعرفوا أنه يوجد في كل مدينة متحف كبير للشمع بالإضافة إلى المتاحف الأخرى الخاصة بالرسم والنحت بمواد أخرى . ودهشوا حين شاهدوا بعض معارض الرسم ، فقد كانت اللوحات جميلة جداً بألوانها الساحرة
وأجوائها الغريبة ، والمشاعر التي تثيرها عند الناس .
قضى الرواد أكثر من شهر في العاصمة ، كانوا خلالها يلتقون برئيس الكوكب ويتبادلون معه الأحاديث الشيقة ، وقد أبدى حزنه وأسفه على سكان الأرض الذين يضيعون وقتهم بالحروب والصراعات ، والتعدي على بعضهم ، بدل أن يكرسوا طاقاتهم وذكاءهم من أجل التطور ، والبحث عن الفرح والسعادة ، وبناء علاقات إنسانية راقية وسامية .
وخصص رئيس الكوكب طائرة خاصة لتنقلات الرواد إلى المدن والدول الأخرى ، حيث لاحظوا الاختلاف في طرز البناء وتنسيق المدن ، فهناك تشجيع كبير للتميز ، وكل شخص يحاول أن يعبر عن شخصيته الخاصة من خلال بنائه لبيته وتنسيقه لحديقته .




-41-



وكان لابد للحلم الجميل أن ينتهي ، فقد مرت الأيام والرواد يعيشون بسعادة في الكوكب الجميل يكتشفون كل يوم المزيد من الأشياء المدهشة ، ويتصلون بالأرض ليخبروهم عن أحوالهم ، ويطمئنوا على أهلهم وأصدقائهم ، وتعلموا لغة الكوكب ، وصاروا يتحدثون بها بطلاقه .
مر الزمن بسرعة ، قضوا في الكوكب أكثر من عام دون أن يشعروا ، وذات يوم أخبرهم شمس أن موعد رحيلهم اقترب ، تم إنجاز مركبة فضائية ضخمة فيها كل وسائل الأمان ، سوف تنطلق بعد أسبوع ، وأبلغهم أن الروائي أنجز رواية رائعة عنهم ، وأن الرواية ترجمت إلى عدة لغات أرضية، وترجموا كثيراً من الكتب إلى اللغات الأرضية ، سيرسلونها معهم إلى الأرض ، وسوف يرسلون بعض أعمالهم الفنية ، وبعض الأجهزة المتطورة التي لا يوجد مثلها في الأرض .
حين أطل اليوم الموعود ، انطلقت المركبة بالرواد ووفد العلماء والباحثين من سكان الكوكب باتجاه الأرض ، كانت لحظة الوداع صعبة جداً ، لكن الرواد قرروا أن يزوروا كوكب السلام مرة أخرى بعد فترة قريبة ، فلهم ذكريات رائعة في ذلك المكان الجميل ، الذي لا يوجد إلا في الأحلام .


صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

العودة إلى مكتبة المتن الالكترونية

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 3 زائر/زوار