• اخر المشاركات

أخرج منها ياملعون .... رواية لكاتبها صدام حسين

أهم الكتب في كل المجالات...

المشرف: noooooooooooor

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:40 pm

ان نظرة اصحاب المصالح، يا نخوة، غير نظرة اصحاب المبادئ.. ان نظرة اصحاب المصالح لا تصاغ اساسا على النتائج التي يأملونها في النهايات البعيدة، مهما قدموا من تضحيات، إنما ما يمكن أن يحققوه منها بصورة مستعجلة في الغالب الأعم، وهم غير مستعدين لأي نوع من أنواع التضحية بأنفسهم، إنما بأنفس غيرهم سواء من أبناء قومهم أو من أقوام أخرى، أما أصحاب المبادئ فإن حساباتهم الأساسية تستند إلى مواجهة الباطل بالحق.. لذلك تكون حسابات (الى جانب من يكون الحق) و(الى جانب من يكون الباطل) حاسمة، مع ان المبدئيين لا يغفلون الواقع مثلما هو، لكنهم لا يقبلونه مثلما هو، لأن دورهم الأساس هو تغيير ما هو مرفوض، وعلى أساس هذه المفاهيم، أقول إننا نعيد النظر في تقدير الموقف، وبعد أن نستكمل حساباتنا، سوف نقرر، ولا اقصد بهذا اننا لم نقرر الهدف حتى الآن.. ان ازاحة حسقيل هي هدفنا لنحرر إرادتنا، لنقرر ما نريده لأنفسنا ونوع العلاقة مع الآخرين.. لكن ما اقصده هو توقيت بدء العمل علناً وبصورة حاسمة تحت هذا الشعار لإنجاز الهدف، بعد ان عملنا على انضاج الظرف، وصار الرأي إلى جانبنا داخل القبيلة بضرورة تنحية حسقيل بوسائل اخرى، ان لم يتركنا ويرحل، وكان لك دورك المشهود، يا نخوتنا..
قال ذلك وهو يتبسم، وينظر بتمعن في وجه نخوة.
قالت نخوة:
ـ حماكم الله، وأمدكم بالقدرة، فمنه التوفيق، وبه سبحانه نستعين..
ردد الجميع:
ـ آمين..
عاد أبو سالم إلى البيت، وبعد ان قبّل سالم على رقبته ووجهه، وفعل سالم لأبيه ما فعله أبوه له، قالت أم سالم لابنتها:
ـ جهزي العشاء.
قالت نخوة:
ـ سأغادر.. لقد تأخرت، يا عمة، لو سمحتم.
قالت أم سالم، يردفها أبو سالم بنفس الاتجاه:
ـ كيف، يا ابنتي!، حقك ذبيحة.. لكنك تأتين مستعجلة دائماً.
أجابتها:
ـ لا اعتقد أنني بحاجة لاختبركم، يا عمة، كرم أبي سالم معروف، وقد صرنا بيتاً واحداً إلا ما حرّم الله.
ـ نعم ـ أجاب أبو سالم ـ ولله الحمد، لكن هذه المرة لا بد أن تمالحينا.. والعشاء جاهز، يا ابنتي، حليب وخبز وفوقهما زبدة ضأن.. ولا بد أن تكون اختك ـ ويقصد أخت سالم ـ قد هيأته الآن.. كلي معنا ولو لقمة واحدة، واذهبي راشدة سالمة.
بقيت نخوة نزولاً عند رغبته، وعادت وجلست بعد أن كانت قد هبت واقفة عندما استأذنت..
احضر العشاء.. ومدّ أبو سالم يده وهو يقول:
ـ بسم الله.
سمى الجميع باسم الله، وأكلوا.. وبعد أن أكملوا العشاء قالوا:
ـ الحمد لله ربّ العالمين.

عندما سألت أم نخوة ابنتها قبل أن تخرج لملاقاة سالم في بيت أبيه: هل تذهبين إلى بيت سالم؟، بات واضحاً لدى نخوة أن أمها كانت تفضل ان لا تكون نخوة في البيت مع أمها مساء ذلك اليوم.. وان هذه الرغبة لم تتولد لدى أمها إلا لأنها أرادت أن تلتقي حسقيل.. ومع ذلك لم تسأل أمها عن شيء من هذا القبيل، وعندما دخلت بيتها جذلى، بعد أن جاءت من بيت أبي سالم، صاحت:
أماه.. أماه..
ولكن احداً لم يجبها، ولاحظت ان العمود الاوسط الفاصل بين مكان الرجال والنساء في بيت الشعر سقط، وان الفراش الذي يوضع عادة حيث مكان العمود ليفصل هو الآخر بين المكانين، ويكون حاجبا للناظر من أي من المقطعين الى المقطع الآخر، بما يضمن قدرا من الحرية للنساء، وهن في موقعهن الذي ان جلسن به مع وجود رجال في المقطع الآخر، غالبا ما تتكلم كل منهن همسا، أو يتفاهمن بالاشارات..
لاحظت نخوة ان عمود وسط البيت والفراش سقطا على الارض، وعندما رأت الحال في بيت الشعر على هذه الصورة، خفت عائدة الى بيت احد الرعاة، أو العبيد، وهي تصيح لصاحبة البيت باسمها:
مرجانة.. مرجانة..
جاءها الصوت من داخل البيت:
نعم (أمة) ـ تقصد عمة ـ لصعوبة لفظ حرف (العين) من الاعاجم، وجاءت تركض، يتبعها من كان في البيت، وآخرون من بيوت الرعاة أو الخدم والعبيد المجاورة..
سألتهم نخوة عن امها..
قال الجميع.. وخاصة العبدات اللائي كن مع من حضر:
أمة (عمة)، أمتي (عمتي) كانت في البيت، وقد صرفتنا.. قائلة لنا انها لا تريدنا في البيت، لأن هناك من سيحضر اليها.. ولأن بيوتنا خلف البيت لم نعرف من جاءها..
همت احداهن بأن تقول:
قد يكون (أمي) عمي حسقيل.. ولكنها كتمتها عندما حدجتها (رمقتها) عجوز بنظرة تعني ان لا تقولي، أو لا معنى لقولك، لأنه يحرج نخوة.. فبلعت كلمتها، وقد فهمت نخوة ذلك.
قالت نخوة:
لتذهب فلانة الى بيت عمنا فلان، اذ قد تكون امي عندهم.. وفلانة الى بيت فلان، وانتن يا بنات اعدن الفراش الساقط على الارض الى حيث كان، وانتم يا رجال، ارفعوا عمود البيت الوسط، واعيدوه الى حيث كان..
بينما كان الرجال والنساء يتعاونون كل لانجاز واجبه، ويسندون صهوة بيت الشعر برؤوسهم وايديهم، في الوقت الذي راحت النساء يعدن الفراش (الساقط) الذي كان عبارة عن عدد من البسط والسجاجيد والالحف والشفوف، الى حيث موضعه، صاحت احدى العبدات:
لا.. لا.. لا.. (أمة)..
وفي الوقت الذي اعادوا قسما من الفراش الى موضعه، ليستخرجوا العمود الاوسط من تحته، فيما بقي الرجال يسندون البيت برؤوسهم وايديهم، رافعين سقفه (شققه) الى الاعلى، تجمعت النسوة، ومنهن نخوة الى حيث اشارت العبدة، وبعد ان ازاحوا الفراش بأن قدمي امرأة ظهر انهما قدما ام نخوة، ووجدوا ان العمود الوسط سقط فوق رأسها، وبدا وكأنه سقط عليها بفعل ميل الفراش خلفه، مما تسبب في دفعه ناحيتها، وبميلانه سقط على رأسها وفوقه الفراش، وحطم رأسها، أو هكذا ظهر لمن اعان نخوة على اخلاء الجثة، وهكذا ايضا فسر الجميع الحادث، الا نخوة فقد خمنت كل شيء، كأنها قد عرفته، واسرته في نفسها، ولم تقل لأحد تفسيرها، وابقت تفسير من حضروا معها هو التفسير السائد في العشيرة.


بكت نخوة أمها بكاء مرا حزينا، ليس لأنها ماتت، بل لأنها صحت على نفسها في أواخر ايامها في الحياة.. وتمردت على حسقيل، وبكتها لأن حسقيل غدر بهما، وما كان يفعل ذلك لو لم تجعله أمها يتجرأ عليهما بسبب ضعفها، وبعد ان طمع في ضعفها، ولو كان هناك رجال تعتمدان عليهم في البيت لما جرؤ حسقيل على ان يفعل ذلك..


ـ يا حسرتي على الرجال الشجعان الذين يلوون شارب حسقيل الخاسئ هو وحليفه كلب الروم: شيخ قبيلة الروم، ولكنها استدركت لتقول:
ـ ولكن سالم ورجاله.. رجالنا.. يتأهبون لينقضوا عليه.. وسوف يفعلون وسوف نسندهم نحن الماجدات في هذه القبيلة بما يعز اهلنا..
عندما قالت نخوة الجملة الاخيرة، بدت كأنها افاقت من تابوت حزنها، بل كأنها بهذه الجملة فتحت على نفسها كوة (نافذة) في جدار الحزن، ورأت فيه الصورة الأخرى، فعادت تقول:
ـ ولكن حسقيل، بارتكابه هذه الجريمة، اضاف الى ذنوبه ذنبا جديدا.. سيكون حسابه عليها حسابا شديدا، وقد اعطاني فرصة ان اعذبه، باسم الله، عذابا شديدا..
قالت ذلك كأنها وصفت صورة تصرفها اللاحق، ووضعتها امام ناظريها كمشروع أو دليل عمل لها، حتى استقرت عليه، بعد ان رسمها خيالها في عقلها، ثم عادت لتقول:
ـ وفي الوقت نفسه، غسلت امي، امام الله، جزءا من ذنوبها وعارها، وما ادراني وهو الغفور الرحيم، انه قد يغفر لها كل ذنوبها، بعد ان قتلت ظلما بيد حسقيل، وبعد ان تابت ووقفت بوجهه، وطالبته بأن ينفذ وعده بما يرضي الله لو حصل الزواج.. ولكن أتراه قام بهذا بعد ان همت أمي بأن تضربه بفأس أو خنجر مثلما كانت قد أعلمتني من قبل، وثنيتها عنه؟ أم انه قام بهذا ليتخلص منها انسياقا خلف خطته الشريرة لينال مني..؟ أم انه قام بهذا ليتخلص من وعده الزواج منها..!؟
ثم تواصل مناجاتها لنفسها:
ـ ليس المهم الزواج.. وانما المهم انها وقفت في الاشهر الاخيرة بوجهه، ولم تعد تطاوعه، وصارت تجادله، بل ترفض طلباته غير المشروعة بإباء، والرفض بداية التمرد وطريقه، ووسيلته الاساس للتغيير، ولكن الملعون قتلها.. والحمد لله، انه قتلها.. لقد اخذ الله الروح التي لا تعز وابقى الارواح التي تعز.. بقينا نحن.. انا وسالم واخت سالم، وشباب وشابات القبيلة الاطهار، وسوف نواصل طريقنا الى حيث ينبغي ان نخلص القبيلة من تحالف الروم مع حسقيل فينزاح الهم الكبير.. وانا لله وانا اليه راجعون.. وليرحمك الله، يا اماه..
قالت نخوة كل ذلك، بعد ان غطت امها بملاءة وهي ممدة على سجادة، وكان كتفاها ملطخين بدمها النازف من رأسها ومن انفها، وبعد ان تحسست نخوة مكان الضربة، وجدت انها ضربة فأس، وليست ضربة عمود، لكنها كتمت ذلك.. وعندما راحت تبحث عن الفأس وجدتها مرمية على مقربة من البيت وفيها اثار دم واضحة.. وقد انتحت جانبا برجلين من الخدم كانت تعتمد على كتمانهما السر، بالاضافة الى انهما، وفق ما عرفت من سالم، من بين رجاله الذين يعتمد عليهم، وكان يكلفهما بتسقط اخبار حسقيل، عندما يزور امها في البيت.. بالاضافة الى ابن عم لها تعرفه من رجال سالم ايضا.. وبعد ان اطلعتهم على الفأس والدم الذي يغطيها، قال احدهم ان هذا يعني ان الشيخة قتلت بفأس، وليس بسبب سقوط العمود الاوسط في البيت.. وأيده الآخرون..
قالت نخوة:
ـ نعم، هذا هو التفسير الصحيح.. ولكن علينا ان نكتم هذا الاستنتاج الى حين.. اقول لكم هذا، لانني اثق بكم ولأنكم من رجال سالم، بالاضافة الى انكم من الشباب المخلصين في قبيلتنا، لأن كشف هذا السر الآن يضر بحركتنا.. قالت لهم (يضر بحركتنا) بعد ان كشفت لهم انها تعرف ارتباطهم بسالم، كما انهم كانوا اصلا يعرفون انها تنشط بين صفوف النساء، أو يعرفون موقفها من حسقيل، بعد ان رفضت ان تدبك معه في تلك الليلة الشهيرة، واختارت ان تدبك مع ذاك الملثم..
عندما قالت لهم نخوة: اكتموا هذا واحفظوا الفأس في كيس الى يوم آخر.. استنتجوا ان نخوة تقصد حسقيل لا غيره..
ـ فمن يمكن ان يقوم بذلك غير حسقيل الغادر؟ هكذا قالوا في انفسهم.. قال ابن العم غير المباشر لنخوة:
ـ ربما كلف حسقيل من هو طوع بنانه من الخدم أو العبيد بأن يفعل ذلك ثم يتساءل في نفسه ايضا:
ـ ولكن لماذا؟ ومن هو؟ الا يعتبر خطرا على حياة نخوة؟ لماذا لا انبه نخوة الى ذلك؟..
ثم ينثني ليقول:
ـ اننا امام تدبير محنك هذا الذي تقوم به نخوة، وتتحمله اعصابها، وهي على هذا لا بد ان تكون حسبت لكل شيء حسابه، خاصة بعد ان تمرست على ما يبدو، في العمل السري، وهي تعمل ضد حسقيل وحلفه البغيض وجماعة الشيوخ المنحرفين معهما..
ثم يعود ليقول:
ـ وماذا يضر لو نبهتها لذلك؟..
ثم يطلب من نخوة ان يقول لها كلاما بينه وبينها بعد ان استأذن الرجلين الآخرين..
شكرته نخوة، وقالت:
ـ اطمئن.. سأتصرف..
وسكت لأنها أكبر سنا منه..
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:41 pm

في الحلقات السابقة، دارت حوارات بين الجد الشيخ ابراهيم واحفاده الثلاثة حسقيل ويوسف ومحمود حول مفهوم الثروة، واوضح كل منهم ما الذي يعنيه له. وتنكشف خلال ذلك أطماع حسقيل في التفرد بالثروة، ورغبته في الانفصال بما يملكه مما ادى الى نبذه من الجميع. ثم يوزع الشيخ ابراهيم "البلاد" على حفيديه محمود ويوسف، داعيا اياهما الى الابتعاد عن فتن الاجنبي. اما حسقيل فقد استقر في قبيلة مناوئة. ويسلط الروائي الاضواء على السلوك المشين الذي يتبعه حسقيل لدى القبيلة التي لجأ اليها وهي عشيرة المضطرة. ويواصل حسقيل خبثه مع شيخ عشيرة المضطرة وافراد عائلته بهدف السيطرة عليهم وعلى ثرواتهم عن طريق المصاهرة، وعن طريق "مشروعات" تربط العشيرة بالاجنبي، وتصل ممارسات حسقيل الى حد التخطيط لقتل الشيخة، وفي المقابل فكرت الشيخة في قتل حسقيل للتخلص من شروره. ويظهر عنصر جديد في الاحداث هو تحريض نخوة بنات القبيلة ضد حسقيل ... عندما سألت أم نخوة ابنتها قبل أن تخرج لملاقاة سالم في بيت أبيه: هل تذهبين إلى بيت سالم؟، بات واضحاً لدى نخوة أن أمها كانت تفضل ان لا تكون نخوة في البيت مع أمها مساء ذلك اليوم.. وان هذه الرغبة لم تتولد لدى أمها إلا لأنها أرادت أن تلتقي حسقيل.. ومع ذلك لم تسأل أمها عن شيء من هذا القبيل، وعندما دخلت بيتها جذلى، بعد أن جاءت من بيت أبي سالم،

صاحت:
أماه.. أماه..
ولكن احداً لم يجبها، ولاحظت ان العمود الاوسط الفاصل بين مكان الرجال والنساء في بيت الشعر سقط، وان الفراش الذي يوضع عادة حيث مكان العمود ليفصل هو الآخر بين المكانين، ويكون حاجبا للناظر من أي من المقطعين الى المقطع الآخر، بما يضمن قدرا من الحرية للنساء، وهن في موقعهن الذي ان جلسن به مع وجود رجال في المقطع الآخر، غالبا ما تتكلم كل منهن همسا، أو يتفاهمن بالاشارات..
لاحظت نخوة ان عمود وسط البيت والفراش سقطا على الارض، وعندما رأت الحال في بيت الشعر على هذه الصورة، خفت عائدة الى بيت احد الرعاة، أو العبيد، وهي تصيح لصاحبة البيت باسمها:
مرجانة.. مرجانة..
جاءها الصوت من داخل البيت:
نعم (أمة) ـ تقصد عمة ـ لصعوبة لفظ حرف (العين) من الاعاجم، وجاءت تركض، يتبعها من كان في البيت، وآخرون من بيوت الرعاة أو الخدم والعبيد المجاورة..
سألتهم نخوة عن امها..
قال الجميع.. وخاصة العبدات اللائي كن مع من حضر:
أمة (عمة)، أمتي (عمتي) كانت في البيت، وقد صرفتنا.. قائلة لنا انها لا تريدنا في البيت، لأن هناك من سيحضر اليها.. ولأن بيوتنا خلف البيت لم نعرف من جاءها..
همت احداهن بأن تقول:
قد يكون (أمي) عمي حسقيل.. ولكنها كتمتها عندما حدجتها (رمقتها) عجوز بنظرة تعني ان لا تقولي، أو لا معنى لقولك، لأنه يحرج نخوة.. فبلعت كلمتها، وقد فهمت نخوة ذلك.
قالت نخوة:
لتذهب فلانة الى بيت عمنا فلان، اذ قد تكون امي عندهم.. وفلانة الى بيت فلان، وانتن يا بنات اعدن الفراش الساقط على الارض الى حيث كان، وانتم يا رجال، ارفعوا عمود البيت الوسط، واعيدوه الى حيث كان..
بينما كان الرجال والنساء يتعاونون كل لانجاز واجبه، ويسندون صهوة بيت الشعر برؤوسهم وايديهم، في الوقت الذي راحت النساء يعدن الفراش (الساقط) الذي كان عبارة عن عدد من البسط والسجاجيد والالحف والشفوف، الى حيث موضعه، صاحت احدى العبدات:
لا.. لا.. لا.. (أمة)..
وفي الوقت الذي اعادوا قسما من الفراش الى موضعه، ليستخرجوا العمود الاوسط من تحته، فيما بقي الرجال يسندون البيت برؤوسهم وايديهم، رافعين سقفه (شققه) الى الاعلى، تجمعت النسوة، ومنهن نخوة الى حيث اشارت العبدة، وبعد ان ازاحوا الفراش بأن قدمي امرأة ظهر انهما قدما ام نخوة، ووجدوا ان العمود الوسط سقط فوق رأسها، وبدا وكأنه سقط عليها بفعل ميل الفراش خلفه، مما تسبب في دفعه ناحيتها، وبميلانه سقط على رأسها وفوقه الفراش، وحطم رأسها، أو هكذا ظهر لمن اعان نخوة على اخلاء الجثة، وهكذا ايضا فسر الجميع الحادث، الا نخوة فقد خمنت كل شيء، كأنها قد عرفته، واسرته في نفسها، ولم تقل لأحد تفسيرها، وابقت تفسير من حضروا معها هو التفسير السائد في العشيرة.



بكت نخوة أمها بكاء مرا حزينا، ليس لأنها ماتت، بل لأنها صحت على نفسها في أواخر ايامها في الحياة.. وتمردت على حسقيل، وبكتها لأن حسقيل غدر بهما، وما كان يفعل ذلك لو لم تجعله أمها يتجرأ عليهما بسبب ضعفها، وبعد ان طمع في ضعفها، ولو كان هناك رجال تعتمدان عليهم في البيت لما جرؤ حسقيل على ان يفعل ذلك..
ـ يا حسرتي على الرجال الشجعان الذين يلوون شارب حسقيل الخاسئ هو وحليفه كلب الروم: شيخ قبيلة الروم، ولكنها استدركت لتقول:
ـ ولكن سالم ورجاله.. رجالنا.. يتأهبون لينقضوا عليه.. وسوف يفعلون وسوف نسندهم نحن الماجدات في هذه القبيلة بما يعز اهلنا..
عندما قالت نخوة الجملة الاخيرة، بدت كأنها افاقت من تابوت حزنها، بل كأنها بهذه الجملة فتحت على نفسها كوة (نافذة) في جدار الحزن، ورأت فيه الصورة الأخرى، فعادت تقول:
ـ ولكن حسقيل، بارتكابه هذه الجريمة، اضاف الى ذنوبه ذنبا جديدا.. سيكون حسابه عليها حسابا شديدا، وقد اعطاني فرصة ان اعذبه، باسم الله، عذابا شديدا..
قالت ذلك كأنها وصفت صورة تصرفها اللاحق، ووضعتها امام ناظريها كمشروع أو دليل عمل لها، حتى استقرت عليه، بعد ان رسمها خيالها في عقلها، ثم عادت لتقول:
ـ وفي الوقت نفسه، غسلت امي، امام الله، جزءا من ذنوبها وعارها، وما ادراني وهو الغفور الرحيم، انه قد يغفر لها كل ذنوبها، بعد ان قتلت ظلما بيد حسقيل، وبعد ان تابت ووقفت بوجهه، وطالبته بأن ينفذ وعده بما يرضي الله لو حصل الزواج.. ولكن أتراه قام بهذا بعد ان همت أمي بأن تضربه بفأس أو خنجر مثلما كانت قد أعلمتني من قبل، وثنيتها عنه؟ أم انه قام بهذا ليتخلص منها انسياقا خلف خطته الشريرة لينال مني..؟ أم انه قام بهذا ليتخلص من وعده الزواج منها..!؟
ثم تواصل مناجاتها لنفسها:
ـ ليس المهم الزواج.. وانما المهم انها وقفت في الاشهر الاخيرة بوجهه، ولم تعد تطاوعه، وصارت تجادله، بل ترفض طلباته غير المشروعة بإباء، والرفض بداية التمرد وطريقه، ووسيلته الاساس للتغيير، ولكن الملعون قتلها.. والحمد لله، انه قتلها.. لقد اخذ الله الروح التي لا تعز وابقى الارواح التي تعز.. بقينا نحن.. انا وسالم واخت سالم، وشباب وشابات القبيلة الاطهار، وسوف نواصل طريقنا الى حيث ينبغي ان نخلص القبيلة من تحالف الروم مع حسقيل فينزاح الهم الكبير.. وانا لله وانا اليه راجعون.. وليرحمك الله، يا اماه..
قالت نخوة كل ذلك، بعد ان غطت امها بملاءة وهي ممدة على سجادة، وكان كتفاها ملطخين بدمها النازف من رأسها ومن انفها، وبعد ان تحسست نخوة مكان الضربة، وجدت انها ضربة فأس، وليست ضربة عمود، لكنها كتمت ذلك.. وعندما راحت تبحث عن الفأس وجدتها مرمية على مقربة من البيت وفيها اثار دم واضحة.. وقد انتحت جانبا برجلين من الخدم كانت تعتمد على كتمانهما السر، بالاضافة الى انهما، وفق ما عرفت من سالم، من بين رجاله الذين يعتمد عليهم، وكان يكلفهما بتسقط اخبار حسقيل، عندما يزور امها في البيت.. بالاضافة الى ابن عم لها تعرفه من رجال سالم ايضا.. وبعد ان اطلعتهم على الفأس والدم الذي يغطيها، قال احدهم ان هذا يعني ان الشيخة قتلت بفأس، وليس بسبب سقوط العمود الاوسط في البيت.. وأيده الآخرون..
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:42 pm

قالت نخوة:
ـ نعم، هذا هو التفسير الصحيح.. ولكن علينا ان نكتم هذا الاستنتاج الى حين.. اقول لكم هذا، لانني اثق بكم ولأنكم من رجال سالم، بالاضافة الى انكم من الشباب المخلصين في قبيلتنا، لأن كشف هذا السر الآن يضر بحركتنا.. قالت لهم (يضر بحركتنا) بعد ان كشفت لهم انها تعرف ارتباطهم بسالم، كما انهم كانوا اصلا يعرفون انها تنشط بين صفوف النساء، أو يعرفون موقفها من حسقيل، بعد ان رفضت ان تدبك معه في تلك الليلة الشهيرة، واختارت ان تدبك مع ذاك الملثم..
عندما قالت لهم نخوة: اكتموا هذا واحفظوا الفأس في كيس الى يوم آخر.. استنتجوا ان نخوة تقصد حسقيل لا غيره..
ـ فمن يمكن ان يقوم بذلك غير حسقيل الغادر؟ هكذا قالوا في انفسهم..
قال ابن العم غير المباشر لنخوة:
ـ ربما كلف حسقيل من هو طوع بنانه من الخدم أو العبيد بأن يفعل ذلك ثم يتساءل في نفسه ايضا:
ـ ولكن لماذا؟ ومن هو؟ الا يعتبر خطرا على حياة نخوة؟ لماذا لا انبه نخوة الى ذلك؟..
ثم ينثني ليقول:
ـ اننا امام تدبير محنك هذا الذي تقوم به نخوة، وتتحمله اعصابها، وهي على هذا لا بد ان تكون حسبت لكل شيء حسابه، خاصة بعد ان تمرست على ما يبدو، في العمل السري، وهي تعمل ضد حسقيل وحلفه البغيض وجماعة الشيوخ المنحرفين معهما..
ثم يعود ليقول:
ـ وماذا يضر لو نبهتها لذلك؟..
ثم يطلب من نخوة ان يقول لها كلاما بينه وبينها بعد ان استأذن الرجلين الآخرين..
شكرته نخوة، وقالت:
ـ اطمئن.. سأتصرف..
وسكت لأنها أكبر سنا منه..



عاد الخادمان وطلبا لقاء نخوة معا، من غير ان يحضر ابن عمها، فاستجابت لرغبتهما..قال اكبرهما سنا:
ـ رأيت، مع صاحبي هذا، حسقيل يدخل بيتكم، واعذرينا، يا عمة ويا اختاه، ان فعلنا ذلك.. لاننا عندما عرفنا ان امك صرفت الخادمات والعبدات (الاماء)، قدرنا ان ضيفها سيكون حسقيل، لذلك حاولنا ان نتأكد ونحن نسترق النظر ونشغل انفسنا بعمل خارج بيت الشعر المقرر لنا، ومع انه حرص على ان يأتي ويدخل من مقدمة البيت، في الوقت الذي تكون بيوتنا في ظهر البيت فلا نرى شيئا.. فقد رأيناه يدخل، ورأيناه يخرج ايضا، بعد زمن قصير على غير عادته، ولم نلاحظ بعد ذلك ان احدا غيره دخل البيت، ولم نلحظ ان امك الشيخة، رحمها الله، خرجت منه.. لذلك فان هذا الذي رأيناه مع الفأس الملطخة بالدماء يؤكدان بوضوح ان الفاعل هو حسقيل الملعون.
لاحظت نخوة انهما وصفا حسقيل هذه المرة بالملعون.. ومع انها لم تستغرب جرأتهما.. قالت في نفسها:
ـ ان الحق يدحر الباطل، وإن كان الباطل متجبرا وان الحق ينطق الحجر الاصم ويقوي من يعتقد انه ضعيف وان التمرد والتحريض عليه يجعلان المستضعفين يشعرون بانهم اقوياء الى الحد الذي يتملكهم فيه شعور من يستطيع بالمبادئ والتدبير، ان يواجه كل عات لعين بصدر عامر بالايمان، بعد ان يهيئ الحجة على من يكون على باطل.
وهكذا كان الشابان، مع انهما يقومان بأعمال الخدمة في بيت نخوة، الذي كان حسقيل الى وقت ليس ببعيد جدا يتصرف فيه كأنه سيد البيت، بالاضافة الى انه شيخ العشيرة.. كانا يتكلمان بثقة ومن غير خوف من حسقيل، وهما يزيدان على قولهما ذاك:
ـ نحن رجالك الامناء، يا نخوة وانت اختنا، بالاضافة الى انك سيدة الدار الذي نعيش نحن وعائلتنا على خيره، بل انت نخوتنا ونخوة كل شريف طاهر يواجه الظلم، ونحن عين عينيك وحمايتك، وأي شيء تأمرين به نؤديه، ان شاء الله، ونكون من الطائعين المقتنعين، بل المتحمسين لتنفيذه، لاننا مقتنعون برجاحة عقلك وطهارة روحك وعفة نفسك واخلاصك العظيم للقبيلة وحماها ومصالحها.
عندما سمعت نخوة منهما ذلك، سالت دموعها على وجنتيها، ومع انها لم تشعر بضعف بعد ان نضجت ولم تشعر بالوحدة بعد ان صارت تمارس وتحرض على التمرد ضد حسقيل وحلفه، فانها بسماعها كلام من يؤديان الخدمة في بيتها، سواء في واجبات الضيافة او (مباراة) المواشي الى جانب الرعاة، شعرت بعمق ما فعله الاعداد للتمرد الذي يقوم به سالم وجماعته في نفوس حتى الناس المستضعفين الذين ينظر اليهم الجبارون نظرة استصغار او نظرة دونية، ونسوا ان تقسيم العمل بين الناس لا يلغي آدميتهم، بل لا يلغي في المستضعفين العوامل الكامنة فيهم للتمرد ضد الباطل، اذا ما وجدوا من يكون رمزا للحق ونموذجه، ولا ينحني امام الباطل وجبروته ولا تخدعه ألاعيبه.
كانت نخوة تقول ذلك في نفسها، وهي تستمع الى محدثيها.. ورغم انهما قالا ما ارادا قوله، فقد استمرت نخوة تداور ذلك في عقلها ونفسها، حتى ظنا انها انشغلت عنهما ومع ذلك لم يقاطعاها.. وعندما انتهت من مداورة كل تلك الافكار، راحت دموعها تنهمر على وجنتيها، كأنها دموع فرح، ممتزجة بغسل الهم والضعف، ليكون الشعور بما يزيد القوة والعزم بعد ذلك.. وهكذا كفكفت دموعها بطرف ملفعها، وقالت:
ـ نعم، يا اخويَّ، سمعان وعمر، احفظا ما قلتماه الآن، واكتماه الى ان اقول لكما: متى..
قال سمعان وعمر:
ـ امرك عمة.. وانصرفا ولحق بهما ابن عمها حازم وهو يضع الفاس في كيس..
***
عادت نخوة الى النساء اللائي يحطن بالجثة ويندبن ويولولن.. وبدلا من ان تقيم نخوة عشاء للرجال في بيتها، حيث لا اخ ولا أب، كلفت عددا من ابناء عمومتها الأبعدين بان يقيموا ولائم عشاء على روح امها، بعد ان زودتهم بخراف وعدة الطبخ ومواده، وجعلت العشاء في اكثر من مكان، وهي تقول:
ـ ليأكل الجميع على روح والدتي.. حيث صار سخاؤها على لسان كل افراد العشرية، حتى ان حسقيل اوصى لها قبل ان يلتقيها بان تقلل من الذبح لان هذا يفيدها بعد ان آلت اليها كل ملكية ابيها وامها، وكانت ملكية كبيرة من الغنم والبقر والجمال والخيول.. وكأنه اراد في نفسه ان يقو
ل:
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:44 pm

"ان هذا كله سيؤول ليَّ، بعد ان اتزوج نخوة.. وصرف اي شيء منه ينقص ملكيتي والافضل ان اوصي نخوة بان تقتصد".. وقد حرصت نخوة على ان تقيم ولائم عشاء على روح امها على مدى ثلاثة ايام متتاليات وكانت تقول في نفسها:


ـ عسى ان يغسل اطعام الفقير جزءا من ذنوب امي وابي، ورغم ان امي لم تكن بخيلة تماما، مع انها اعجمية الاصل، فقد كان ابي، رحمه الله، بخيلا جدا، وما لم يستطعه في حياته، سأعينه عليه ومنه في مماته.
ومثلما فعلت لابيها عندما مات، عملت لأمها عندما قتلت.. استمرت معتكفة في بيتها سبعة ايام، تراجعها نساء القبيلة لمواساتها في مصابها، وجعلت الخدم والعبيد يذبحون ما يذبحون من الجمال والابقار والاغنام كل يوم ويطبخون العطام، حيث صارت كلاب القبيلة، حتى من المنازل القريبة منهم، تتجمع بصورة شبه دائمية حول بيتها، لتظفر ببقايا الطعام الزائد الذي يطرحه الخدم خارج المنزل، بعد ان تأكل النسوة ثلاث وجبات كل يوم، وهل تتجمع الكلاب الا امام البيت الذي يرمي لها طعاما او حتى عظاما؟
كانت النسوة يصطحبن اطفالهن الى بيت نخوة وعند تناول الطعام كانت نخوة تأمر بان يعزل الخدم طعاما للاطفال بصورة مستقلة عن النساء، وكان الطباخون والخدم يفرغون الطعام في اواني الاكل باشراف نخوة، التي كانت تحاول دائما ان تتأكد من ان في الطعام من اللحم ما يكفي الصغار وكانت تفرقهم بالتساوي عندما يزدحمون حول صينية على باقي (الجفان) او الصواني، لتضمن ان يحوز كل منهم استحقاقه من اللحم، وعندما تقول لها احداهن من المقربات عادة:
ـ اتركي الخدم يتولون هذا يا اخية نخوة.. انهم اطفال، واي شيء يأكلونه (زايد خير)..
تجيبها نخوة:
ـ انهم ورود حياتنا وشباب وشابات المستقبل وهم عندما اهتم بهم واكرم وفادتهم، سيتعلمون الكرم وواجبات الضيافة مهما كبر شأنهم في المستقبل، لئلا يتصوروا ان من يكبر شأنه ينسى ناسه ويكبر عليهم او من يمن الله عليه بنعمة الملك او الثروة يستأثر بها لنفسه ويترفع عن الناس.
في هذا الوقت لاحظت ان احد الصغار حاول خطف قطعة لحم من صينية يتحلق حولها اطفال اكبر منه سنا، ولانه بدين، سقط على رأسه في صينيتهم حالما انحنى من فوق اكتافهم لالتقاط قطعة اللحم.. وراح (يعوي) يصرخ ورأسه ووجه يغطيهما السمن وبقايا الطعام وسط ضربات من كان يضربه.. مسحت نخوة الدسم وبقايا الثريد عن رأسه ووجهه، وقالت:
ـ لا عليك حبيبي، سآتيك بصينية وحدك، وعليها قطع من اللحم اكثر من التي على هذه الصينية.
كانت تقول هذا في الوقت الذي ترى ان احد الاطفال يضرب صغيرا على وجهه بحفنة من الثريد، لانه حاول نفس محاولة هذا، وكانت تكتم ضحكة جعلتها ترفع ملفعها ليغطي فمها وانفها لتواري ضحكتها تحته..
ثم تعود الى النساء وتتأكد بنفسها من كل صينية طعام، ومن ان كل شيء يسير ضمن قياسه الصحيح، وعلى ما يرام.. وعندما تنهض احداهن لتنصرف قبل تقديم وجبة الطعام، تشير الى احدى قريباتها بان تستبقيها حتى يقدم الطعام، وتكون بعد ذلك حرة في الانصراف، وعندما تحاول المعنية الاعتذار لها عن البقاء طالبة ان تأذن لها بالانصراف تقول لها:
ـ ايجوز هذا، يا فلانة؟.. ايجوز يا اخيّة، ان تخرجي من بيتنا في هذا الوقت، مع ان بيتك بعيد نسبيا، من غير ان تتناولي الطعام انت واطفالك!؟.
وعندما تلح بقصد الانصراف، تقول لها:
ـ انت عربية، لذلك لا اظنك تقصدين ان تخزينا، لو رآك احدهم تخرجين قبل ان (نصب) نقدم الطعام!..
على هذا كان تصرف نخوة في الضيافة، حيث ازدادت تألقا على مستوى القبيلة، وصارت بحق نخوة الابعدين، مثلما هي نخوة الاقربين.. صارت نخوة ناسها واهلها كلهم.. وهل ما يجعل المرأة نخوة اهلها وقومها غير ان تكون فاهمة وحصيفة وعاقلة ومدبرة وعفيفة وذات حمية ازاء قومها، وذات ايمان وصبر وجلد؟.. وهل هناك من هي افضل صفات ومعاني من نخوة في كل هذا؟.. نعم صارت نخوة.. نخوة قومها كلهم وامنية الشباب كلهم ليحظوا برضاها عنهم وعن مواقفهم وتصرفاتهم، وصارت قدوة ونموذج النساء اللائي صرن يحثثن النفس والخطى ليحظين بأي من صفاتها..

انتهت الايام السبعة التي احتجبت فيها نخوة، ولم تظهر خارج البيت، وانما تستقبل النسوة فقط. وارسل حسقيل الى نخوة من يخبرها بانه ينوي زيارتها ليعزيها بوفاة المرحومة امها، وتقديرا لها ولاهلها ـ هكذا قال حسقيل وفق ما نقله اليها ابن عمها حازم..
كادت نخوة تعتذر، لكنها تذكرت انها ينبغي ان تراوغه وتخاتله، وفقا لخطتها..
قالت نخوة عندئذ:
ـ قل له، يا حازم، ان يتفضل بعد ظهر هذا اليوم، قبل المغرب وابلغ عمي والدك ليحضر معك.. واشارت الى سمعان وعمر بان يكونا من بين الحضور من رجال البيت ممن يقومون بواجب الضيافة، وطلبت من سمعان ان يجلس الى الموقد، حيث دلال القهوة، ومن عمر ان يكون متأهبا لتلبية طلبات الضيوف من ماء (وشنين)(1).
وقالت مشددة:
ـ قل لعمي، يا حازم، ان لا يبرح مكانه.. وانتم، يا حازم وعمر وسمعان، لا تتركوا اماكنكم اذا طلب منكم حسقيل ذلك.. الا اذا طلبته انا منكم..
وعندما استفهمت عما اذا كان امرها واضحا، قال حازم وعمر:
ـ مفهوم، يا عمة..
وقال حازم:
ـ مفهوم، يا اختاه..
ـ اذن، انصرفوا حتى يحين الوقت واستدارت متجهة من الربعة (المضيف) الى قسم العائلة (العيال)، وفتحت صندوق الخشب، حيث تضع ملابسها وما يتصل بزينتها..
كان الطقس طيبا في شهر نيسان.. جلست نخوة لتمشط شعرها، ولفته بالملفع بعد ان مشطته.. بعدها التقطت (ميل) (2) الكحل، وراحت تكحل عينيها.. وما ان اكملت كل ذلك، حتى اتجهت لثيابها، فارتدت ثوبا نظيفا و(زبونا) (3) وتهيأت لاستقبال حسقيل وعمها ومن سيحضر معهما..

كانت نخوة قد التقت سالم في بيتها في إحدى الليالي، وفق تدبير اتفقت عليه هي وأخت سالم وأبو سالم، وكان معها حازم وعمر وسمعان.. وانفردت به في الطرف الثاني من قسم العيال، بحيث لا يسمع أبو سالم وأم سالم وأخت سالم كلامهما.. وحكت لسالم كل ما تعرفه عن مقتل أمها
..
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:45 pm

قال سالم:
ـ الآن حكم الحق على حسقيل بالموت..
قالت نخوة:
ـ لا، يا سالم، رغم ان ما تقوله مطاع بالنتيجة، لكن أرجو أن تسمع رأيي، فأنا لا أرى هذا الرأي.. ولو كنت أراه علاجاً صحيحاً لوافقت أمي، رحمها الله، على ذلك، وكنا قادرتين على هذا لو أردنا، لكن لأننا لم نرد أن نحرم من رحمة الله، أو أن نخزيكم بأمر تقوم به امرأة.. إلا عندما لا يكون هنالك رجال، أو يكون شرفها مهدداً باللحظة، ويكون قتل من يحاول عليها ضروري دفاعاً عن ذلك، أو عن النفس، فقد منعت والدتي ومنعت نفسي من ذلك..
ومع أنهما كانا يتكلمان همساً، فلشدة اقترابهما من بعضهما، اسمع كل منهما ما أراد أن يقوله للآخر..
قال سالم:
ـ لكن ما أرى أن نقوم به ضده هو أن يقوم به الرجال وليس النساء..!
ـ لديّ تدبير آخر، قالت نخوة..
سمع سالم ما خططت من تدبير وأقرها عليه..


جاء حسقيل وحده.. وجاء والد حازم وشقيقه الأصغر منه، ومعهما حازم، وكان عمر وسمعان في البيت من رجالها.. وكان كل من الثلاثة (حازم وعمر وسمعان) يعرف واجبه.
قال حسقيل كلمات العزاء لنخوة.. وسلم على عميها وعلى حازم، وجلس.. وبعد كلمات من حسقيل حول الكمأة والغزو.. ومجيء (مطاليع) (4)، القطا التي تنبئ بأنه كثير هذه السنة.. بدا كأنه يقول كلاماً ليطرد الملل عنه، رغم أن دقائق فقط مضت على جلوسه..
ـ عندما يكثر القطا.. ويبيض بعد موسم كمأة وفير، تكون السنة سنة خير، رغم أن المرحومة، أم نخوة، كدرت علينا الأجواء، لكن عوضنا بنخوة.. بعد أن صارت نخوة قبيلتنا.. (قال: نخوة قبيلتنا، ولم يقل نخوة القبيلة.. ليجعل من نفسه حالة اصيلة في القبيلة ويعتبرها كما نخوة في صلته بالقبيلة)..
بعد قليل قال حسقيل:
ـ لو سمحتم، أود أن اتحدث مع نخوة على انفراد في أمر يخصها، والأصح أنه يخص والدها، رحمه الله، وكان في نيتي أن أقوله لأم نخوة، رحمها الله، لكن القدر عاجلها.. لذلك لا بد من قوله لنخوة..
قالت نخوة:
ـ فلان وفلان، عماي هلما إلي، وأنت ايضا، يا شيخنا ـ وأرادت بقولها: يا شيخنا، ان تجعله لا يجفل، بإمكانك أن تتحدث معي بحضورهما..
قال حسقيل:
ـ ان ما اؤتمنت عليه يستوجب أن أقوله لك، وبعد ذلك أنت حرة عندما تطلعين عليه.
مرة أخرى أرادت أن لا يجفل من نواياها وهو العارف بما لها عليه.. وما هو مدين لها به..
قالت:
ـ نعم لو سمح عماي بأن يكونا في قاطع العيال، انه الآن خال.. وسوف نتحدث أنا والشيخ هنا..
قال حسقيل..
ـ بل نذهب أنا ونخوة إلى قاطع العيال، وتبقون هنا..
وقبل أن يكمل، كان عماها وحازم وعمر وسمعان قد اتجهوا إلى قاطع العيال ودخلوا فيه، في الوقت الذي قالت نخوة:
ـ بل هنا أكثر راحة لك، يا شيخ.. والواجب ان ينهضوا هم ويغيروا أماكنهم، وليس أنت.
مع أن الشيخ لم يرق له ذلك، فقد اضطر للقول:
ـ انك أم الأصول، يا نخوة، وفهمك صار معروفاً على مستوى القبيلة كلها.. بل ان كرمك أصبح على كل لسان..
أرادت نخوة ان تزيد غشاوة التمويه على نواياها باطرائه.. فقالت:
ـ كل ذلك من فضل الله وفضلك، يا شيخنا..
ـ هل لي أن أدنو منك، لأسمعك ما أريد أن أقوله همسا، يا نخوة؟
ـ بل أنا اقترب إليك، يا شيخ.. لا تكلف حالك..
اقتربت نخوة منه حتى كاد لا يفصلهما إلا حاجز الوسائد الموضوعة بينهما.
قال حسقيل، بعد أن فتل شعر شاربه، رغم انه لم يكن كثيفاً:
ـ مع ان الوقت غير ملائم تماماً، لكن من عادتنا أن نتعامل مع الحياة بطريقة لا تدع الحزن يثقل عليها.. ومع اننا (قدم في المدينة وقدم في الصحراء)، فإن العادات الأصيلة هي التي تحكمنا.. لذلك، ولأن من عادة قبيلتنا أن تستمر في حركة الحياة، بل ان تقودها.. يا نخوة، فالواجب يقتضي أن لا نجعل حالة الحزن توقف الحياة، أليس كذلك؟..


هوامش


--------------------------------------------------------------------------------


1 ـ الشنين، لبن مخلوط بماء، بعد عزل الزبدة عنه.
2 ـ الميل، قضيب من الخشب، دقيق ومصقول، يغمس في مسحوق الكحل، ويمرر بين الجفون لتكحيلها.
3 ـ الزبون، ثوب طويل، مشقوق من الأمام من الأعلى للأسفل، كانت النساء يرتدينه فوق ملابسهن سابقا.
4 ـ مطاليع، بواكير أو طلائع
.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:46 pm

ويظهر عنصر جديد في الاحداث هو تحريض نخوة بنات القبيلة ضد حسقيل. وبعد وفاة والدة نخوة، تعد الابنة خطة تراوغ فيها حسقيل للتخلص منه.

هزت نخوة رأسها، علامة موافقة للشيخ، لأنه استخدم مفردات هي المفردات التي تستخدمها مع نساء القبيلة، أو يستخدمها سالم مع رجال القبيلة.. بل بدا كأنه أراد بهذا أن يذكّرها بأن هذا ما تؤمن هي به، ليس هو.. لذلك استمر يتكلم بثقة عالية فقال:

ـ بعد أن حل الله جانبا من الإشكال الذي كان يحول بيني وبين أن اطلب يدك من المرحومة أمك أو أعمامك وأنت تعرفين ذلك.. وتعرفين مستوى محب... (أراد أن يقول محبتي لك ليبقى ضمن المفاهيم العامة).. لكنه استدرك ليقول:
ـ وتعرفين مستوى حبي لك..
وبعد أن لاحظ أن نخوة هزت رأسها ايضا كعلامة قبول بما قال، تشجع أكثر فقال:
ـ وعليه جئت الآن لأعرض عليك رغبتي في الزواج منك، بعد ان صرت وحيدة، لكي نلم ما تملكين، ونتمتع بحلالنا..
قال ذلك وتبسم، ثم أردف:
ـ فإذا وافقت، ولا أظنك لا تقبلين بحسقيل، سأطلب يدك من أعمامك وفق الترتيب الذي ترغبين فيه..
ـ أظن أنك سبق أن طرحت عليّ هذه الفكرة.. (ويصير خير) إن شاء الله..
عندما قالت ذلك، صارت كل (شعرة في لحيته وشاربه تضحك وتلمع) مثلما يقول المثل الشعبي، وكان هذا الجواب هو الذي ينتظره.. لذلك قال بلهفة:
ـ ومتى سنتزوج، إذن؟
ـ صبرك عليّ، يا حسقيل.. نادته باسمه من غير أن تردفه بصفة المشيخة لترفع التكليف بينهما..
ـ ها أنا صابر.. ماذا بعد؟ قال حسقيل.
ـ قبل كل شيء، لا بد أن أقول إن أسبوعاً واحداً على وفاة أمي لا يكفي.. ولا بد أن يمر على ذلك أسبوعان في الأقل، لكي تخطبني ونتزوج..
ومع أن حسقيل كان يتمنى أن تقول غدا، فقد قبل كأنه لم يصدق أن تقبله نخوة بهذه السرعة..
ـ (عفية)، يا بنت الأجواد..
ـ اسمعني أيضاً، يا حسقيل..
ـ كلي آذان صاغية..
ـ يجب أن لا تخطبني من أعمامي فقط، مع احترامي لهم.. لأنهم بالأساس من عمومتي غير المباشرين، الذين التقي بهم في الظهر الرابع وربما الخامس.. لذلك أرغب أن تخطبني من القبيلة كلها بحضور كل رؤساء عشائر وأفخاذ القبيلة، وأغلب الشباب المعروفين من البالغين في القبيلة، إن لم يكن كلهم.
قال حسقيل:
ـ لماذا ندخل مثل هذا التقليد في القبيلة؟، ثم كيف لنا ان نطعم هذا العدد الغفير؟..
ـ لا عليك، سأدبر هذا، وسأجعل كل بنات القبيلة بين من تطبخ ومن تروي في القرب من الآبار والينابيع، ومن تخبز، أما الذبائح فإن خير أهلي كثير.. عندك الجمال والأبقار والأكباش وحتى بعض النعاج الحائلات (1).
ومع أن حسقيل وافق على مضض، لكن شوقه إلى الزواج دفعه للموافقة بسرعة..
قالت نخوة:
ـ ولي شرط آخر..
ـ قولي (يا بعد عيني)، قال حسقيل..
ـ أن تأمر بهدنة أمدها سبعة أيام بينك وبين كل الخارجين على مشيختك..
اصفرّ وجه حسقيل، وقال بانفعال:
ـ لماذا هذا الشرط؟
ـ ان ما يهمني هو وحدة القبيلة خلف رايتك، وأظن أن هذا هو ما تريده أيضا، وقد يفتح الله بين القلوب لتتصافى في هذه الأيام السبعة وقد ألعب دوراً إلى جانبك في هذا، خاصة عندما أنشط بين نساء المتمردين، في الوقت الذي تنشط بين الرجال.. وأنت تعرف، يا حسقيل، تأثير المرأة على الرجل..
كان حسقيل وهو يستمع إلى كلام نخوة، (يمسد) يمسح بيده على لحيته ويهز رأسه موافقا..
ـ ولا بد من أنك تعرف ان المرأة تنشد الاستقرار أكثر مما ينشده الرجل، ورغم ان المرأة قاسية عندما تظفر بعدوها.. (وهنا اصفرّ وجه حسقيل، لكنها لم تنظر في عينيه لكي لا تحرجه أكثر)، فإنها تنشد الاستقرار أكثر من الرجل.. لذلك سأشوقهن إلى أن يضغطن على الرجال ليقبلوا الصلح.. والباقي عليك، ولا اعتقد أنك بحاجة لأن أقول لك ماذا تفعل وأنت عراب المؤامرات.
قالت ذلك كأنها تمزح معه، في الوقت الذي كانت تقصد ما قالته.
وضحكا معا، كل وفق ما فهم، وما أراد..
قال حسقيل:
ـ إنك داهية بحق..
قالت نخوة:
ـ تربية يدك، يا حسقيل.. أما الشرط الثالث.. وقبل أن تقوله..
قال حسقيل:
ـ الله يستر.
ـ الستر، يا حسقيل، من الله، أولاً وأخيراً، بعد أن تطيب النفس وتصفو..
ـ خير إن شاء الله..
ـ أليس ما مر خيراً يا حسقيل؟ قالت نخوة وهي تبتسم له بغنج كمقدمة لكي تقنعه بالطعم المميت.. وواصلت كلامها:
ـ اما الشرط الثالث فهو أن تجتمع القبيلة في بيت الشاب الذي دبكت معه يومذاك!..
نفض حسقيل عباءته، وقام من مكانه وهو يرتجف، وبدلا من الكلام همساً.. قال بصوت مسموع:
ـ هذا الشرط أشر من كل الشروط.
بقيت نخوة جالسة في مكانها، وقالت:
ـ اجلس.. يبدو ان تدبير النساء، عندما يحببن أو يكرهن، أدق بكثير من تدبير دهاة الرجال مهما بلغ دهاؤهم.
جلس حسقيل دون ارتياح.
قالت نخوة:
ـ من يظن ان نخوة المرأة تدبر أمراً لا يفهمه حسقيل الداهية؟! قالت ذلك وهي تثبت نظرها بعينيه، ومع ذلك انفرجت أساريره عندما قالت (حسقيل الداهية)..
ـ (يا الله)، قولي لنسمع ونعرف التدبير الجديد..
ـ لم التقك منذ ذلك اليوم، ولم تحاول ان تستفهم عن السبب مني.. حتى حصل قدر الله لوالدتي..
قال حسقيل كأنه يريد ان يعرف كيف تفكر:
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:47 pm

ـ نعم، رحمها الله.. من يتصور ان عمود بيت الشعر وهو من خشب يسقط على انسان ويقتله؟
وادرك فلتة لسانه، فأردف قائلا:
ـ ولكنه عمود جبار غليظ..
ـ نعم، أرأيت، يا حسقيل، ماذا يحصل للانسان عندما يشاء القدر؟ اتصدق ان عمودا كعمود بيت شعر يمكن ان يقتل انسانا!؟
كادت اعصاب حسقيل تفلت منه بعد ان صمتت نخوة قليلا، لكنها واصلت كلامها:
ـ لولا ان حكم يومها؟.. لقد كان رأسها مهشما (ممرود مرد).. بل كاد ينفلق نصفين بسبب ذلك الجرح العميق..
عندما قالت ان رأسها كاد ينفلق نصفين بسبب الجرح العميق، كادت اعصاب حسقيل تفلت خارج سكتها لولا ان قالت:
ـ كل ذلك حصل لأن لكل واحد منا يومه، يا حسقيل.. وقد يكون الله أراد خيرا.
ورغم انها ارادت بقولها (وقد يكون الله اراد خيرا) ان تفصح عن شيء ما في نفسها، الا ان حسقيل فسر قولها وفق هوى نفسه.. ولكن نخوة اتبعته بمداخلاتها لدرجة انه صار يستعجل ان تقول اي شيء ليوافق عليه من غير مناقشة، حتى لا تكتشفه نخوة.. وفي ظنه انها لا تعرف الحقيقة.. ـ قولي، يا نخوة، ما هو التدبير الذي اعددته، ولا اعرف مقصده؟
قالت:
ـ لو كنا التقينا قبل الآن.. وقبل وفاة والدتي لقلته لك، ومع ذلك اقوله لك الآن.. عندما طلبت مني ان ادبك معك.. فاجأتني.. ولا اكتمك انني اعددت نفسي منذ زمن قبل وفاة والدتي لأن أكون زوجتك يوما ما، ولذلك رحت اختلط مع نساء القبيلة لأكسب ثقتهن، واستخدمها في تعزيز سلطتك بعد الزواج.. ولذلك لو استجبت لطلبك في حينه لفقدت تأثيري بينهن.. وانت تعرف، يا حسقيل، ان إرهاصات الشباب والشابات غير طريقة تفكير الرجال والنساء الناضجين عمرا وخبرة، لذلك فأنا لست مثلك بسبب فارق العمر..

ـ بل انت (بلية) داهية، قال حسقيل، قولي تدبيرك، لا اعرف إذا كان فارق العمر لصالحي، أو ان تدبيرك الذي لم اصل اليه والى ما هو مثله يظهرني كأنني انا الشاب وانت الاكبر عمرا..
قالت:
ـ على اية حال، فان فارقا في العمر بين الرجل والمرأة بما لا يقل عن خمس سنوات، ولا يزيد عن عشر الى خمس عشرة سنة، ضروري ليعالج نضج الرجل ما ينقص المرأة، ويجعله يتحملها مثلما تتحملني انت الآن.
تبسم حسقيل وفرح بقولها.. ثم عاودت نخوة الكلام:
ـ ولذلك اتجهت لاحدهم، لكي لا ابدو ثقيلة دم امام اهل العرس، وابدو كأنني استنكف مراقصة أحد، ليس بسبب مزاجي تجاه هذا أو ذالك، وإنما لأنني لا اريد ان ارقص، لأن العرس في بيت فلان، ولحساسية قديمة بيننا لا تعرفها، فضلت ان اختار احدا لا على التعيين، وفتشت عن رجل كبير السن، فلم تهتد عيني الى أحد، ولذلك ما ان وقع نظري على احدهم وهو يرد اللثام على وجهه، حتى تصورت انه ربما كان شيخا طاعنا في السن ويتقي البرد، في الوقت الذي كان ضياء الشموع قليلا، بل بالكاد يستطيع الانسان ان يهتدي الى طريقه، وتعرف انك بسبب ذلك عثرت وسقط عقالك من على رأسك.. بل كدت تسقط على الارض لو لم يمسك بك احد الحضور.. ولكنني تورطت بعد ذلك عندما استطعت ان اخمن انه شاب، رغم انه لم يمط اللثام من وجهه.. ولكن احمد الله انه كان ملثما، ولم يمط اللثام عن وجهه، اذ لو كنت اخترت شابا من غير لثام، لربما قال من يريد ان يتقول ما يخزيك ويخزيني..
قال حسقيل:
ـ ولكن، ألا تعرفين من هو الآن!؟
ـ بلى أعرفه، الآن، يا شيخ.. قالت ذلك بأسلوب رسمي.. كأنها تريد ان تقول له: كيف تظن انني لا اعرفه الآن!؟ لتدفع ظن حسقيل فيها.. ثم اردفت:
ـ بل أعرفه، انه سالم، ولأنني عرفته، اقترحت عليك، بل اشترطت ان تكون الدعوة في بيت ابيه، لأن هذا عندما يحصل، يطرد ظن من يظن، أو من يريد ان يتقول، ان سبب اختياري له معرفة سابقة وليس مصادفة، ولذلك عندما اخترتك الآن زوجا لي، فذلك ليس لعدم وجود معرفة بالشباب، ورغبة في الزواج منه فحسب، وانما لأنك تقدمت لخطبتي كشيخ للقبيلة، وفضلتك عليه لسبب يتعلق بعنوانك، وليس لصفاتك ولحبي لك..
تبسمت نخوة، وضحك الشيخ حسقيل، ومال رأسه الى الخلف وهو يقهقه، ونسي انه جاء ليعزي نخوة بوفاة أمها..
قال حسقيل:
ـ لك ما تريدين، وفوقها حياة حسقيل.. اذن بعد سبعة ايام نلتقي على الغداء في بيت أبي سالم.. أليس كذلك!؟
ـ نعم، على بركة الله، قالت نخوة..
وقف حسقيل، وقال قبل ان يغادر المكان:
ـ اذن، تتولين دعوة النساء، واتولى دعوة الرجال، ولكن ما رأيك لو حضر حليفنا شيخ قبيلة الروم ليبارك زواجنا؟
ـ لا، يا حسقيل، ابقها ضمن القبيلة، ولا تعقد الامور مع الذين خرجوا عليك، ذلك لأن اعادتهم تحت رايتك هي الاساس والاهم، واظن ان حليفنا شيخ الروم سيسره ذلك.
ـ اي نعم.. طبعا.. على بركة الله.
ـ على بركة الله.. قالت نخوة..
انصرف حسقيل مودعا من عمي نخوة وحازم وعمر وسمعان..
التقت نخوة بسالم، وتباحثا في الخطوة القادمة، ولكنه استعجل المغادرة، وفيما بقيت نخوة داخل بيت ابيه، سلم عليها وخرج، وكان سالم قد اعتاد على ان يبقي فرسه في مكان منزو لا تبان منه الفرس، ولكن على مقربة من مكان سكن والده بمسافة يتمكن ان يصلها عندما يحتاجها، في الوقت الذي لا تقع عيون المتصيدين عليها.. وما ان اقترب سالم من فرسه، حتى هاجمه ثلاثة ملثمين يشهرون سيوفهم بأيديهم.. وفي الوقت الذي ابلى سالم في مواجهتهم بلاء حسنا، كان يمعن النظر في وجوههم بضوء القمر، ويدقق كلما وجد فرصة، لعله يعرف واحدا منهم، ولكنه لم يستطع ان يتبين الا جزءا من ملامح حسقيل، وفق ما خمن، خاصة عينيه، ومع انه اصاب بسيفه ذراع احدهم اصابة بالغة، وتمكن من ان يصيب ذراع يد حسقيل التي كان يمسك السيف بها، ولكنها لم تكن اصابة بالغة وفق ما قدر، اما هو فقد اصيب اصابة خفيفة في ذراعه الايسر ايضا.
فر المعتدون هاربين، وبدلاً من ان يمتطي سالم فرسه ويغادر، عاد ادراجه الى بيت ابيه.. وعندما دخل والدم يسيل من ذراعه، جفل الجميع وهبوا واقفين، وبينما كانت نخوة تضع يدها على فمها لتكتم صيحة حبستها في صدرها، راحت اخت سالم تذرف الدموع وهي تضع احدى يديها على فمها.. وراحت ام سالم تتحسس الجرح.. وبعد ان كفت كم الردن عنه هدأ روعها نسبيا، عندما وجدت ان الجرح بسيط، في الوقت الذي قال ابو سالم دون ان يغير جلسته:
ـ سلامات، يا ولدي، سلامات.. انها (بالريش) ـ اي اصابة سطحية ثم اردف يقول، وهو يقترب من النار التي كان يسخن الحليب عليها، ويرد اعقاب العيدان غير المشتعلة على اطراف الموقد:
ـ (هاك السنة) أي تلك السنة، غزونا إحدى القبائل، فضربني احدهم برمح اخترق صدري، بعد ان قاتلته برمحي وانا اركض على الارض، في الوقت الذي كان هو على فرس، وعندما سقطت على الارض قال لي (جود للشجر)، اي امسك بأي شجرة من نبت الارض.. وعندما امسكت بشجرة قريبة مني، سحب رمحه من صدري، حتى ان مكان الاصابة (تنام فيه البقرة الآن)، كما يقول المثل، ومثلما تعرف ام سالم.. فهاك يا ولدي هذا الرماد ـ وقدمه له على (محمس) (6) القهوة ـ ضعه على الجرح.
وضع سالم الرماد على جرحه، وساعدته نخوة وام سالم، وضمدتاه بخرقة كانت معهما..
وعندما سألتاه عن الغرماء، قال
:
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:48 pm

انهم ثلاثة، اصبت احدهم بذراعه اصابة بليغة، واصبت الآخر اصابة ليست عميقة على ما اظن.. ولكنها اصابة جعلت دماءه تنزف من ذراع يده التي تحمل السيف، وبعد ذلك ولوا هاربين، وكانوا كلهم ملثمين.. ولكنني ربما عرفت أحدهم..
سألته نخوة:
ـ من هو؟ كأنها خمنت انه حسقيل..
قال:
ـ أهم شيء ركزت عليه هو عيناه وما حولهما.. وراح يصف لنخوة وأهله جانبا من التفاصيل..
قالت نخوة:
ـ اظنني خمنته..
أمال سالم رأسه ناحية نخوة وهمس قائلا:
ـ اظنه هو..
ورغم ان والد سالم اراد ان يعرف، ولكن سالم لم يعطهم مجالا، وعاد الى فرسه، وامتطى ظهرها، وانطلق حتى وصل مجموعته.


بعد ظهر اليوم التالي، طلب حسقيل ان يرى نخوة، وراح يسألها عن تفاصيل تافهة تتعلق بترتيبات وليمة الزواج، وبمن سيستعين لابلاغ المتمردين بأنه، اي حسقيل، قد عفا عنهم.. او ما شابه ذلك..
فهمت نخوة، انه وان اخفى عليها ما حصل لسالم، وكأن شيئا لم يكن، اراد بالاستفسار من نخوة عمن يبعث به الى المتمردين عليه، ان يقول انه بعد ان يبعث اليهم من يبعثه لإبلاغهم، يكون امره بالعفو نافذا، عند ذلك لكي يحتاط امام احتمال افتضاح امره عندما تعرف نخوة وتفسر الحال مثلما هو في حقيقته.. انه عذر اراد حسقيل من ورائه ان يسبق الدعوة، بل اراد ان يجعل مشروع مكان الدعوة في بيت ابي سالم غير ممكن، اذا قتل سالم..
وبعد ان اكمل حسقيل كلامه مع نخوة، استأذن لينصرف، وقد تعمدت ان تتمشى معه امام البيت، وكلما اتيحت امامها فرصة، امسكته بقوة من ذراعه الايمن وضغطت على المكان الذي عّينه سالم..
كان حسقيل ينفض يده منها، وهو يصرخ مولولا من شدة الألم..
سألته نخوة:
ـ ما بك، يا حسقيل؟ هل ثمة شيء يؤلمك؟.. ما بك؟
ـ لا شيء.. ربما نمت على يدي هذه، وصارت تؤلمني الآن.. حالة طارئة وسوف تزول..
ثم يستأنفان المشي.. وتغافله نخوة، وتمسك بذراعه، وتضغط عليه بشدة اقوى.. ويصرخ حسقيل من فوره:
ـ اخ.. قتلتيني، يا بنت الحلال، اتركي يدي، ولكنه هذه المرة سقط مغشيا عليه من شدة الألم.
حمله سمعان وعمر، وأضجعاه على الفراش في الربعة.
كشفت نخوة الردن عن ذراعه، وهو في حالة غيبوبة، وعرفت الحقيقة مثلما هي، اصابة في ذراعه، كما اخبرها سالم.. رشقت وجهه بالماء وصفعته عدة مرات على وجهه، بدلا من ان تضرب خديه برفق ليصحو..
(يتمزمز) عمر وسمعان في ضحكتهما، ويديران وجهيهما الى الناحية الأخرى.
يفوق حسقيل.. وتقول نخوة كأنها لا تعرف شيئا:
ـ ماذا بك، يا حسقيل؟ لقد اخفتني، وكدت اصرخ، عندما سقطت مغشيا عليك.. ربما التوى كوع يدك دون ان تدري، يا حسقيل، مما يستوجب ان تعرض نفسك على من يجبرها لك..
عندما قالت نخوة ذلك، كأنما قدمت لحسقيل حبل نجاة.. لعذر يغطي به ما يريد ان يخفيه عنها.
ـ نعم قد يكون ذلك.. ولكن ماذا حصل لي وسقطت؟
ـ لا عليك ان الألم يسقط اشد الرجال.. وليس في هذا غضاضة.. ثم انك سقطت في حضني، يا حسقيل..
وينتعش حسقيل وهو يسمع (سقطت في حضني يا حسقيل) ويذهب عنه الحرج فيقول:
ـ ان حضنك حياتي.. فما اكثر ما خططت لأحظى به.. وها قد حققت امنيتي..
ـ ولكني آمل ان يكون حضنك ربعة في بيت شعر كبير، لا تكفيه واحدة.. وانما يحوي عددا غفيرا منهن..
ضحكوا.. وغادر حسقيل..
مرت الأيام ببطء شديد على سالم.. ذلك لانه عندما طرح فكرة حضورهم الى الدعوة، تساءل بعض جماعته: لماذا يذهبون الى هناك؟.. وماذا يعنيهم في خطوبة نخوة؟.. بل، الا تضعف خطوبة حسقيل لنخوة عملها بين النساء؟.. ألم تكن فكرة زواج حسقيل من نخوة فكرة مدبرة اساسا لتقوية نفوذه وسيطرته في القبيلة؟.. وماذا يجعل حسقيل يتزوج من قبيلتنا، إلا ويكون خلف الموضوع خطط وغدر؟
ويقول آخر:
ـ لماذا لا تقول ان زوجة من قبيلتنا لحسقيل قد تجعلنا نقترب منه لنتمكن..؟
ويقول احدهم محتدا:
ـ اتبني اهدافك وخططك، يا أخي، على هذا الاحتمال؟ اذن، وصلنا الى اهدافنا.. يقول الجملة الاخيرة مستهزئا.. ويردف قائلا:
ـ ان النساء مؤثرات في الرجال عندما لا يقرر الرجال امرا خطيرا.. وفي كل الاحوال ليس عندما يكون عقل الرجل قد انشغل بتدبير لا يناسب هوى المرأة.. ولذلك سنخسر نخوة بدلا من التأثير في حسقيل.. وكان الافضل ان ننصح نخوة بان لا توافق على هذا الزواج، بل نمنعها منه.. حتى ان اقتضى الامر القوة، ولو كلفتموني لنفذته..
صدر هذا الكلام من احد ابناء عمومة نخوة.. ولكنه اجرى آخر مداخلة بقوله:
ـ ما ادرانا، ربما كانت فكرة الدعوة في بيت سالم فخاً لنا بالاساس، وما اختيار بيت سالم إلا ليضمنوا حضوره، وبحضوره يضمنون حضور العناصر القيادية والمؤثرة، وبذلك يضمنون ان تكون فعلتهم فظيعة لو نفذوا مؤامرة محبوكة ضدنا..
وراح كل يدلو بدلوه، ولكن ايا من الدلاء لم يأت بماء يروي، وفق ما اعد سالم او ما هو راغب فيه، لذلك.. علق سالم:
ـ مع انني احترم وأقدر رأي اخواني المتحدثين جميعا.. واعرف نواياهم التي اساسها ما يعز القبيلة، ويرفع شأنها والظلم عنها.. ويجعلها تحكم بالحق الذي يرضي الله، ويعز الانسان، ويعطيه حرية ان يفكر من غير خوف، وان يقرر من غير تردد، وان لا يستكن امام جور او ظلم، ولا يقبل بهما غطاء لفعل شيخ او رعية تجاه النفس والآخرين.. ولكن ارجو ان تنصتوا الى ما سأقوله.. ان منهجنا لا يدعو الى الصلح مع حسقيل، وانصاف الحلول.. وانما يدعو الى الاطاحة بحسقيل ومشيخته المزيفة، ويدعو الى اضعاف، ومن ثم اسقاط حلف مشيخة حسقيل مع شيخ الروم وقبيلته واهدافهما المشتركة.. ان هذا هو منهجنا
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:49 pm

وعلى هذا نعمل، ولكن عندما تطرح فكرة مناقشة منهج للصلح على هامش زواج نخوة منه، وان يكون هذا واحدا من شروط نخوة عليه، وشرطها الآخر ان تكون الدعوة في بيت ابي، في بيتي، فإن حضور حسقيل وكل شيوخ القبائل في بيت من يعتبره المتمردون من اجل الحق، وضد دور حسقيل وحلفه، مرغما وليس مختارا في بيتنا له معناه.. وانه قد يكون الخطوة التي تسبق انتصارنا، ذلك لان هذا يعني ان القبيلة وحسقيل قبلا ضمنا بولاية والدي.. او ولايتي على القبيلة، لاننا نحن الذين نشرف على الدعوة.. انا وانتم.. ونحن الذين نقوم بواجب الضيافة.. انا وانتم، ومن يقوم بواجب الضيافة تكون له دالة نفسية تأثيرية خاصة على من يكون ضيفا فحسب..
ـ قال كهل من الحاضرين:
ـ لو سمحت يا كبيرنا سالم.. المثل عندنا يقول: «ان المعزب (المضيف) اسير الضيف».. وهذا يعني ان لا يفعل شيئا إلا وفق رغبة الضيف، وعلى هذا يمكننا ان نقول انه ليس لدوره امتياز، وانما التزامات عليه ان يؤديها..
قال سالم:
ـ ان ما قلته صحيح وفق المعاني التي اشرت اليها، وهي عبارة قيلت لتلطيف الضيف، ولكن هل باستطاعة الضيف اذا ما قدمنا له تمرا وخبزا ان يقول، اريد لبنا وخبزا.. او اريد ثريد دجاج، بدلا من ثريد لحم ضأن مثلا!؟.
ـ لا.. ليس بامكان الضيف (الخطار) ان يفعل ذلك.. ولكن لان المضيف.. يقدم افضل ما لديه للضيف، فليس الافضل بالنسبة له ان يختار، وانما ان يأكل كل ما يقدم له، ولان من عادة المضيف ان يقدم ما هو الاحسن بين كل ما هو موجود في البيت، ومن ذلك حتى نوع فراشه وغطائه، فان العادة تقتضي ان يقبل الضيف باحكام مضيفه..
قال سالم:
ـ ان اشرافنا على الدعوة وتنظيمها امتياز.. بل هنالك ما يطمئنكم اكثر على غدر حسقيل.. فقد اشترطت نخوة ان يحضر كل الرجال البالغين، وان يكون عذر من يتخلف عن الحضور معروفا لمن يحضر، ولذلك سنلاحظ هذا.. واشترطت ان لا يأتي احد بأي سلاح حتى لو كانت عصيا غلاظا.. وعندما اشترطت ان تكون الدعوة في بيتنا، لم تشترط ان لا يكون في بيتنا سلاح.. ذلك لانها واثقة من اننا لا نغدر.. وامام هذه الصورة، فان حسقيل اولى بان يعيش مع الهواجس، وهو الغريب على القبيلة، المغتصب لحقوقها، وليس نحن مع ان الحذر واجب.. وعدم الاطمئنان الى حسقيل ضروري.. ولكن لان الدعوة دعوة نخوة.. ولم اسير غورها في امور اخرى، لذلك من الواجب ان نحضر كلنا، ومعنا سلاحنا.. على ان يكون في بيتي وليس في حوزتكم، تنفيذا للشروط.
ارتاح الجميع وقالوا:
ـ على بركة الله..
وقال بعضهم بصوت مسموع:
ـ قلنا في أنفسنا إن سالم لا بد أن يكون قد حسبها جيداً.. وها قد بان لنا جميعاً أنك قد حسبتها جيداً، لذلك سوف نحضر جميعاً وفق أمرك.. وعلى بركة الله..
*** كانت نخوة قد هيّأت كل شيء يعز ويعبر عن مستوى الكرم العربي في بيت أبي سالم، ورغم أن أبا سالم وسالم كانا يتمنيان أن يقوما بذلك، لكن نخوة قالت لعمها أبي سالم:
ـ هل هناك فرق بين ما أملكه وما تملكه، يا عم؟ ألسنا في طريقنا لأن نكوّن بيتاً واحداً وعائلة واحدة، إن شاء الله؟ بل نحن عائلة واحدة منذ الآن، إلا ما حرّم الله.
قال أبو سالم:
ـ ولكن..
قاطعته نخوة بأدب، موجهة الكلام إلى سالم:
ـ قل أي شيء، يا سالم.
وحين تردد سالم، أردفت:
ـ ألا يعود لك المال الذي ننفق منه الآن، يا سالم؟ ألست خطيبي، وفي نيتنا أن نتزوج، إن شاء الله؟، أم تراك عزلت مالك عن مال أبيك إلى الحد الذي لم تعد تجد في المال الذي ننفقه على الدعوة الآن كأنه مال أبيك؟ قل!! وضحك الجميع كأنهم تجاوزوا الموضوع.


هوامش:


--------------------------------------------------------------------------------


1 ـ النعجة الحائلة، النعجة غير الحامل في موسمها، أو التي تلد بين موسم وآخر.
2 ـ محمس القهوة، طاسة من حديد يتصل بها قضيب، على شكل دائرة توضع حبوب القهوة فيها وهي تقلى على النار وتقلب بقضيب آخر مطروق في نهاية رأسه على شكل ملعقة وتسمى (الخاشوكة) هي مفردة أعجمية
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:50 pm

ويواصل حسقيل خبثه مع شيخ عشيرة المضطرة عن طريق «مشروعات» تربط العشيرة بالاجنبي، وتصل ممارسات حسقيل الى حد التخطيط لقتل الشيخة، وفي المقابل فكرت الشيخة في قتل حسقيل للتخلص من شروره. ويظهر عنصر جديد في الاحداث هو تحريض نخوة بنات القبيلة ضد حسقيل. وبعد وفاة والدة نخوة، تعد الابنة خطة تراوغ فيها حسقيل للتخلص منه.حل اليوم الذي اتفقوا أن يلتقوا فيه في بيت أبي سالم.. حضر سالم ورجاله، شباباً وكهولاً، هذا يحمل قوسه وسهامه، وذاك يحمل سيفه أو رمحه، وذاك يحمل قضيباً من حديد، وقليل منهم يلبس درعاً أو يحمل ترساً.. وكانت وجوههم الطافحة بالإيمان تنبئ بما صمموا عليه.. وقد وضعوا جميعاً عدة الحرب في بيت سالم وفق ما تم الاتفاق عليه بين سالم ونخوة، خشية غدر تحالف قبيلة الروم وحسقيل بهم..


بدأ الناس يتوافدون من كل فج وبيت، شيوخ العشائر في القبيلة، ووجوهها، شيباً وكهولاً وشباباً، هذا يركب راحلته، وذاك يركب فرساً أو حصاناً، وذاك على ظهر ناقة، أو ذلول، وبعض كبار السن الذين لا تصل إمكانياتهم إلى فرس أو جمل، كانوا يمتطون حميراً.. أما من كانت بيوتهم قريبة من بيت سالم فكانوا يأتون راجلين..
تكامل توافدهم، وكان أبو سالم يشرف على الاجتماع والضيافة، يعاونه سالم من غير أن يظهر بأنه المبرز في التأثير ابتداء، على وفق ما اتفق عليه هو ونخوة، ووافق عليه حسقيل من غير أن يعرف بحقيقة التدبير. وما أن تجمعوا، حتى طلب حسقيل إذناً من أبي سالم بأن يتكلم..
أذن أبو سالم له بالكلام، بأن مد يده باتجاه حسقيل، وهو يبسطها ويحركها باتجاهه، أن ابدأ، حتى

قال حسقيل: لقد اجتمعنا هنا لأمر يهم القبيلة كلها وقد اجتمعنا في هذا المكان وفق رغبة نخوة، حيث أنني فاتحتها برغبتي في خطبتها لتكون زوجة لي.. لكنها قالت إن الطريقة التي تقدمت بها لخطبتها غير لائقة، نظراً لأنني فاتحتها في بيتها بعد أن زرتها هناك، قالت لي آنذاك إن من الأحسن أن أخطبها من القبيلة كلها بحضور أعمامها بينكم، وها بعد تكامل حضور القبيلة، أرجو أن تباركوا خطبتي هذه لنزيد القبيلة اقتداراً، آملاً أن يزيد زواجي من نخوة، وانتقالها معي إلى بيت الزوجية، أموالنا بما تملكه وأملكه من أموال تعرفونها، وقد يفتح هذا وغيره مجالاً للسلم داخل القبيلة، بعد أن خرج منها عدد من الشباب، وفي ظنهم أن خروجهم على المشيخة هو الطريق الصحيح لتصحيح ما يظنونه خطأ، أما نحن فنظن، بل متيقنون، من أن طريقنا هو الصحيح.


أكمل حسقيل كلامه وجلس..


نهض سالم، وبدأ يعرّف نفسه: سالم بن محمد بن شجاع بن سيف بن حسين بن رشيد بن علي بن طعان بن رمح بن عبد المطلب.. ابن.. ابن.. من هذه القبيلة أباً عن جد.. وعاشوا كلهم وماتوا على هذه الأرض، وذادوا بسيوفهم وأموالهم وأبنائهم عن القبيلة وحماها.. وعلى أساس ما تعرفون، فأنا لا أقدم الحديث عن المال لأنه ليس عنوان الشرف والأمانة والالتزام حكما، إنما نوع من الأرزاق قد يكون سبيلاً للجحيم، وقد يكون منجاة مع الصفات والأعمال الأخرى في الآخرة، إنما أقول: أنا مثلما أنا، ومثلما تعرفون، أعلن عن رغبتي بأن أخطب نخوة زوجة لي في هذه الدنيا قبل الآخرة، إن شاء ربّ العالمين، فإن قبلت بي فعهدي لها أمامكم أن أكون وفياً مخلصاً أميناً، وأن تملك كل ما أملك، وأن يكون ما تملكه هي لنفسها وحدها، تتصرف به وفق ما تشاء، لا طمع لي إلا بصفاتها الحميدة، وأصلها الطيب وعفتها، لأحفظ بها صفات أولادي، إن رزقنا الله أولاداً، وإن شاء الله يجنبنا وإياهم عثرات الطريق، وزيغ ما يوحي به الشيطان ومعشر السوء، وإن رفضتني، فحسبي أنني قدمت نفسي أمامها كاختيار من أحد أبناء (الديرة) والحمى، مقابل رغبة الأجنبي وعرضه الذي قدمه حسقيل..


عندما قال (رغبة الأجنبي)، قام حسقيل من مكانه، وهمّ بأن يتجه إلى سالم، وهو ينفض برأسه منزعجاً ويصيح بهستيرية ظاهرة:
ـ أنا أجنبي، يا ولد؟
أجابه سالم بهدوء:
ـ أنا أخو أختي.. وأنا أخو نخوة ـ حتى الآن، بوصفها نخوة قبيلتنا ـ وليس ولداً، على ما أردت أن تصف، فاحترم نفسك في مجلس الرجال، واعرف قدرك وكيف تتكلم.
وعندما لاحظ أن سالم يتكلم بهدوء، لكن بحزم، قال حسقيل، قبل أن يجلس:
ـ أنا شيخكم، ألست هكذا، يا جماعة الخير؟.. قال ذلك وهو يشير بيده إلى الجالسين، ثم أردف يقول:
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:51 pm

جئت هنا لأعرض عليكم خطبتي لنخوة، لا لنضع نخوة في مزاد مفتوح!! قال سالم بعد أن جلس حسقيل، لكنه بقي واقفا، رغم مقاطعة حسقيل له:
ـ أنت، يا حسقيل، أجنبي، ولست من قبيلتنا، رغم أنك تحمل عنوان شيخ القبيلة..
مرة أخرى قاطعه حسقيل ليقول:
ـ لكنني شيخ القبيلة بأمر أكبر شيخ لأكبر قبيلة في هذا الزمان، هو شيخ قبيلة الروم..


عاود سالم قائلا:

ـ استطاع شيخ قبيلة الروم أن يصدر أمراً مطاعاً لمن أطاعه لتكون على ما أنت عليه من وصف وحال شيخ القبيلة، على من أطاعك وليس علينا، في الوقت الذي غفل الناس عن دورهم وحقهم وواجبهم ومبادئهم، بل عندما تنازل وجوه القوم عن دورهم، وجعلوا الآخرين يغفلون بسبب ضعفهم، فإنما تخلوا عن حقهم وواجبهم.. ولهذا تمردنا عليك، وعلى شيخ الروم، وتحالفك معه ومع قبيلته، لنمثل برفضنا وتمردنا ضمير القوم، وندافع عن حاضرهم ومستقبلهم.. ولا أظن أن من اللائق لنخوة القبيلة أن تذل لأجنبي..
عاد حسقيل مقاطعاً مرة أخرى:
ـ أريدها زوجة، يا رجل.
لم يقل لسالم (يا ولد) مثلما فعل في المرة السابقة، ورده سالم بقوله:
ـ أنا أيضاً أعرض نفسي وروحي وحالي أمامها، راغباً بها زوجة، ونخوة للقبيلة، إذا لم يعترض اخواني الحضور، أقولها بتصميم لا يلين إلا عندما لا يلتقي برغبتها وقرارها، لو أعلنت أنها لا تريدني.. وها قد قلت قولي، ولم أعرض على نخوة مالاً أو شيئاً مما يرتبط به، ولم أزايد، لأن نخوة تجل عن المزايدة عليها.. ولأنها ليست سلعة، أو خدمة، أو بضاعة، إنما المقبول فقط أن يعلن أمامها من يعلن مزايدة للمعاني العالية بمستوى الإخلاص والتضحية، وبكل ما يعز قومنا، ومن خلفنا كل ذي قلب طاهر من الأجانب، ينوي التعامل معنا بتكافؤ، ومن غير أذى أو استغلال أو استغفال.. وفي كل الأحوال فإن أمراً من النوع الذي نتحدث عنه، يبقى قول نخوة هو القول الفصل فيه، إذ لا مجال لأن يفرض زواج عليها، إنما هي التي تختار، بعد أن صارت على ما هي عليه من عمر ونضج وصفات حميدة..
قال حسقيل:
ـ نعم.. الاختيار لنخوة الآن، وبعد أن تقول نخوة رأيها، ينبغي أن لا يقول أحد رأياً مخالفاً..
قال ذلك، وفي ظنه أن نخوة ستختاره حتما.
اتجهت الأنظار كلها إلى نخوة، التي استأذنت أبا سالم، ونهضت، في الوقت الذي تجمعت النساء كلهن واقفات خلف الرجال، الذين كان بعضهم يجلس على بسط والآخر على نبت الربيع في الأرض، ثم مشت حتى وقفت في مكان يراها فيه الجميع، رجالاً ونساء، وقالت:
ـ إن قبيلتنا ذات تاريخ مجيد، وحماها ذو عز ومهابة، بقدر ما عليه ناسها من عز ومهابة، وفي مقدمتهم رجالها، وكان خيرها الذي أصاب الناس أجمعين وفيراً.. كبيراً وعظيماً، وليس قومنا فحسب، عندما كانت على هذا الوصف، لكنها بدأت تضعف مع ضعف شيوخها ووجوهها، وولاة أمرها، حتى تضاءل شأنها إلى الحد الذي صار رجالها غير قادرين على أن يدافعوا عنها وعن خيراتها وحماها، بعد أن فقدوا القدرة على صيانة معانيها، فاستهان بها الأجنبي، بعد أن طمع بها إلى الحد الذي صار يتدخل في شؤونها، وينصب على أهلها هذا أو ذاك ليملأوا عناوين مراتبها، حتى وصل الهزال بها وإذلالها أن نصب الأجنبي حسقيلاً عليها، وفق تحالف معروف لكم، كأنه الابن اللقيط لمرحلته، فإذا كان الأجنبي قد تمكن من العنوان الأمامي لقبيلتنا، أو أي عنوان آخر بعده، على يمينه أو شماله، فلن يتمكن منا نحن بنات وأبناء قومنا الذين قررنا أن نبقى مخلصين، ونرفض المصطنع المذل.. ولأنني ابنة القوم الذين أنتم منهم، فلن يتمكن مني الأجنبي وحسقيل منهم، لذلك أعلن أمامكم، وأشهد الله، وأشهدكم على قولي وإخلاصي وأمانتي أنني أقبل خطبتي من ابن عمي سالم، وتاج رأسي، كابن بار لقومنا..

دوت عاصفة من التصفيق من الحضور كلهم، نساء ورجالاً وأطفالاً.. شيباً وشباباً، صبية وصبايا، عدا حسقيل، الذي كان يصرخ حتى بحّ صوته.. ولم يسمعه أحد، وضاع صوته في الفضاء، في الوقت الذي كانت الموسيقى ودفوف وطبول الفرح تصدح في كل مكان، معلنة ولادة روح جديدة، وتقليد جديد من موقف جديد في زواج أبناء وبنات القبيلة.. وموقفهم من أنفسهم ومن الأجنبي الطامع..
وخطت نخوة خطوات عدة وهي تتهادى باتجاه سالم، واستأذنته لترقص معه، أو تدبك الدبكة نفسها التي دبكاها عندما كان ملثماً في المناسبة المعروفة..


نهض حسقيل ليغادر، لكن أبا سالم، باعتباره المضيف والمشرف على الدعوة، أشار اليه بأن يجلس، فجلس على مضض.انهت نخوة رقصتها مع سالم، تلك الرقصة المعروفة للقبيلة، وعادت لتقول وهي تقف في المكان نفسه:

ـ بعد ان حسمنا امرنا برضاكم، اخواني واخواتي وابناء عمومتي، بقيت شؤون اخرى، تتصل بالقبيلة وتتصل بي.. فقالت:
ـ لا اريد ان اتطرق الى ضعف أبي، فأنتم تعرفونه وأنا اعرفه، لكنكم تعرفون نوعية وموقف جدي وأجدادكم وكيف كانوا حماة القبيلة وعزها وكيف كان حال الناس وفق ما نعرف في احسن حال، عندما كانوا على تلك الصفات يمارسون مسؤولياتهم عليها.. ان الضعف يدخل نفوس الناس عندما لا تكون المهمة او المهمات التي يتولونها عالية المعاني وتعز الجماعة او عندما يداخل انفسهم ما يغويها بعيدا عن ذلك او عندما تختلط طباعهم وافكارهم بطباع اجنبية ليست على ايماننا ومعانينا، سواء من معاشرة وتعايش قريب او من خؤولة لا تحفط من المعاني العالية حدها الادنى.. او خؤولة لا تجد نفسها تنتمي الى تقاليدنا والمعاني التي نعتز بها ونفتخر ونضحي لنحافظ عليها ولأنني اعرف اسباب ضعب ابي والاسباب التي جعلت امي تضعف في القصة التي سأرويها لكم، فإن ضعفها حفز المعاني التي أختزنها في نفسي الآن، حتى صارت سياجا قادرا ليحميني ويحافظ عليَّ امام صعوبات الحياة او اغراءاتها، لذلك رفضت حسقيل، وفضلت ابن بلدي.. ابن قبيلتي وقومي
..
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:53 pm

عندما ذكرت نخوة أمها بدأ حسقيل يلم نفسه، وامام الاحتمالات التي كان يداورها في نفسه وما اصابه جراء رفض نخوة له ومرارة الموقف، صار جسم حسقيل ينكمش ويصغر، ليس نفسه فحسب وكان يتحدث مع نفسه وهو يسحب عقاله ليرجعه الى الخلف او يقدمه الى الامام تارة او يجلس القرفصاء او يمد هذه الرجل او تلك ويدلكها، كأنها (خدرت) من طول انتظار، تارة اخرى.
قالت نخوة:

ـ ان حسقيل لم يتآمر على المشيخة في القبيلة فحسب، بل على القبيلة كلها، هو وشيخ قبيلة الروم، الذي اسماه حسقيل اكبر شيخ، وسمى قبيلته اكبر قبيلة في هذا الزمان.. وانا اسمي ذلك الشيخ مثلما اسمي حسقيل: اخزى اثنين.. اما قبيلة الروم فليست اكبر قبيلة، اذا اخذنا الامور على الصفات والمعاني العالية.. او عدد الانفس..

قال حسقيل مقاطعا:
ـ انا اخزى واحد بين اثنين كلاهما الاخزى، يا بنت!؟
قالت نخوة:
ـ احترم نفسك، يا حسقيل، انا نخوة قومي، واذا كنت تصر على ان وصفي لك لا ينطبق عليك، تنازل عن الوصف الذي وصفته به واختر وصفا جديدا ولأن القول لا يفيد امام الفعل، فان تنازلت عن الوصف الذي وصفتك به، اذا كان لا يعجبك، ينبغي ان يتم بحيازة صفات مناقضة لصفاتك المعروفة المذمومة، وهذا يتم بالعمل والنموذج الذي تضفي به الجماعة عليك صفة استحقاق ما هو جديد.
سكت حسقيل، لكن نخوة واصلت كلامها:
ـ عندما عزلتم والدي ـ موجهة الكلام للقبيلة ـ فعلتم ذلك باستحقاقه، لكنكم اخطأتم عندما توهمتم ان الاجنبي يمكن ان يصلح لقومكم مثابة وراية ومعنى وسندا، فجئتم بحسقيل شيخا للقبيلة ونسيتم في ذلك القرار الخاطئ ثوابت الامور الاساسية وخواص حسقيل، قبل ان يأتي الى قبيلتنا وتناسيتم ما وصلكم عنه من اخبار (علوم) قبل مجيئه، بما في ذلك ان ابراهيم، ذاك الشيخ الجليل، طرده من عطفه وحماه، بعد ان خرج على مبادئه واحرجه امام الناس، وفعل يوسف ومحمود الشيء نفسه.. وعندما صار حسقيل شيخا للقبيلة لم يكفه ذلك، انما دفعته عقده ومآربه المتشعبة التي بدأت من انجاح بقالية يملكها او متجر صغير، الى سيطرة مصالحه على المنطقة كلها.. اقول لم يكفه عنوان المشيخة فينا، وانما راح يخطط ليتزوج امي وبسبب الوحدة التي كانت تعيشها ولأن واليا لم يكن على رأسها ولانها لم تكن بنت عمنا وربما اغراها حسقيل بلسانه المعسول، فقد استساغت خطة حسقيل عندما اعلن رغبته في الزواج منها..


قالت ذلك وتدفقت الدموع من عينيها، لانها تعرف ان أمها لم تبق الامور مع حسقيل ضمن هذه الحدود، انما اندفعت الى ما تعرفه في سلوكها وعندما خنقتها العبرة وراح الدمع يتدفق مدرارا من مآقي عينيها، توقفت عن الكلام برهة، فاستغل الجمهور المتجمع خلف الرجال الجالسين على الارض، ليعلن عن نفسه بعاصفة من التصفيق، انتقل تأثيرها للجالسين، فصفقوا معهم بحرارة وبدأ من كان واقفا منهم يلقي شعرا وقصائد:

اخي جاوز الظالمون المدى
فحق الجهاد وحق الفدا..
او يلقي هوسات:
لو هلهلتي وصوتك عالي..
وتحبني الناس من افعالي..
احنا الرمح وسيف العالي..
وكل خدّاع يجفل منا..
صفن يا البيض شهود إلنا..

وتجول النساء والرجال، كل ضمن حلقة مركبة، بجولات حماسية، كل يعبر عن موقفه، ويشجع نخوة ويتضامن معها ويلعن حسقيل، حتى صار حسقيل يقرع نفسه، وهو جالس مصفر الوجه، لا يكاد يرى دم فيه، ويقول:
ـ لماذا لم اركب فرسي واهرب، عندما اعلنت نخوة رفضها لي وفضلت سالم عليَّ؟
ثم يعود يسأل نفسه:
يا ترى هل ستقول كل شيء؟ انها ان قالت كل شيء، سيذبحونني، ولن يمنعوني من المشيخة فحسب..
وعندها يقول:
ـ انا (كصيرهم) قصيرهم (يذكر نفسه بهذا لانه التجأ اليهم وعاش تحت حمايتهم) ولذلك لا اظنهم يقتلونني، لان العرب لا يقتلون (كصيرهم).
ثم يعود ليقول:
ـ لكنني جعلت نفسي شيخا عليهم، ولم أبق (كصير) تحت حمايتهم، لذلك قطعت بنفسي حق ان يحموني..
كان حسقيل يقول ذلك في نفسه، بعد ان لاحظ ان لا أحد يجامله، حتى وفق أبسط اشكال المجاملة للعلاقة بين شخص وشخص، اما المجاملة على اساس انه يحمل عنوان شيخ القبيلة فقد انتهت او كادت منذ ان اعلنت نخوة رفضه واجهزت عليه نهائيا الآن، حتى انه عندما طلب (زنادا) (1) ليشعل غليونه، رماه اليه من طلبه منه بدلا من ان يقدمه اليه بيده مباشرة.. مع انه كان قبل هذا لو طلب (زنادا) لتدافع كثر من الذين قربه كل يسعى، وفي ظنه انه شرف له، ان يقدح له (الزناد) على شفرة حصى، بعد ان يضعوا فوقها جزءا من خرقة جرت تسويتها وهي مبتلة وممزوجة برماد، بعد ان تتيبس، (اما الآن فصاروا يرمون لك الزناد يا حسقيل)، وعندما يستعيد افعاله مع نفسه، يقول:
ـ ان كل هذا هين، الاخطر لو سيطروا على اموالي.. انهم ربما يسيطرون حتى على البرج
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:54 pm

ثم يعود ليقول:
ـ ولكن البرج ليس في حماهم وانما في حمى حليفي شيخ الروم وهو والبرج الذي يملكه قريبان من بعضهما، لذلك سيحميه ويحمي الذهب والفضة التي فيه ودفاتر الحسابات التي تسجل ديوني عليهم وعلى غيرهم.. مثلما يحمي برجه.


تنفرج اسارير حسقيل قليلا، لكنه سرعان ما يقول..
ـ ولكنهم قد يقتلونني لو سردت نخوة كل ما تعرفه عني.. ثم ينثني بقوله، بما يعني ان نخوة لن تقول ما يخزيها، لذلك تحدثت عن خطبتي لأمها، ولم تتحدث عما هو ابعد..
تعود نخوة، بعد ان تكفكف دموعها لتقول:
ـ ومع ان من المعيب ان تتزوج امرأة كانت يوما ما زوجة شيخ القبيلة، الا من قروم القوم، ان كانت بحاجة الى رعاية والا اعتبرت حالتها شاذة، لو فعلت، فقد وافقت حسقيل في رغبته..
بدا حسقيل كأنه استعاد معنوياته ليقول:

ـ هذه اهانة لي لا اقبلها.. متخدا من ذلك غطاء لينهض، وفي ظنه ان بامكانه ان يترك الجلسة، لكن باشارة من سالم، بعد ان ينقر ابوه على (طاسة) امامه بان اسكتوا واجلسوا، يتولى اثنان من الشباب الذين يقفون خلفه اجلاسه في مكانه، بعد ان يضعا ايديهما على كتفيه ويضغطانها للاسفل..
عادت لتقول:
ـ ومع ان امي، رحمها الله، وافقت على الزواج من حسقيل، لكن حسقيل تصور ان امي كتمت عليَّ الموضوع، وجاءني ليعلن رغبته في خطبتي، وتمالكت اعصابي، ولم انهره، خشية ان يدبر لي ولوالدتي امرا اذا رفضته، ذلك انه سيتصور عندها ان امره قد انكشف، لكنني لم اقطع له املا بشيء وماطلته لأديم صلتي بنساء القبيلة واحرضهن على التمرد، في الوقت الذي كان سالم يفعل الشيء نفسه مع الرجال، لكنني قبلت الخطوبة عندما اشتد ساعد تنظيمنا وعرضها عليَّ سالم، واتفقنا على ان نكتمها، بعد ان نشهد الله على ذلك، وكانت شاهدتنا، بعد الله، اخته سمية، ثم ابوه وامه بعدها، وعلى هذا عندما جاء حسقيل طالبا ان ادبك معه.. رفضت، ليس لأنني احب سالم او لأنني اتفقت معه على الزواج وفقا لقانون الله فحسب وانما لاجنبكم الحرج، اخواني واخواتي واعمامي، ولكي اجنب علاقتي وعملي بين النساء ما يشوش عليهما، بل انني قدرت انني، لو وافقت على طلبه ذاك، سأخزيكم واخزي المبادئ التي انادي بها بين صفوف نسائكم، ولو تمت موافقتي على مراقصته، لا سمح الله، لقال كثير وربما كل النساء ان حسقيل قانون الله في الارض، هو وحليفه شيخ الروم، حيث لا يعود باستطاعة نساء العرب، وربما رجالها ان يصمدوا بوجهيهما..

وراحت نخوة تحكي مقتل امها، وقالت:
ـ يا عمر.. يا سمعان.. يا حازم.. احضروا الفأس التي وضعتموها في كيس كمستمسك جرمي، واشهدوا على ما رأيتموه وحكيتموه لي..
قام الثلاثة وحكوا ما رأوه للحضور وجاءوا بالفأس وراحوا يعرضونها على الجالسين والواقفين، كأداة جرمية وعندما جاءوا بها امام حسقيل كان مطرقا برأسه، كأنه لم يعد يشعر بما حوله، لشدة ما لفه من الهم والغم والخوف، حتى انه (فزّ) عندما نبهه احدهم، وكاد يصرخ ويقف كأنه يجفل من حلم مزعج.. وعندما رأى الفأس امامه قال، وهو على تلك الحال:
ـ يا أخي (فززتني) جفلتني.. نعرفها.. نعرفها..
ولكنه ادرك انه اخطأ، فقال:
ـ من لا يعرف فأس أم نخوة، رحمها الله!؟ كلنا نعرفها.
كاد جميع من سمعوه ان يضحكوا، في الوقت الذي استدار الموجودون، كل الى من يجلس او يقف الى جانبه يمينا ويسارا، هامسين أو معلقين بما يخزي حسقيل، ويضع علامة استفهام عليه...
قالت نخوة:
ـ اعلن امام بنات وابناء قومي قصتي وقصة امي مع الخائن المجرم حسقيل، وتحالفه الشرير مع كلب الروم وقبيلته، وانشد نخوتكم بي، وبالمعاني التي تحملونها عن انفسكم وايمانكم وعن تاريخكم، لتنصفوني، وتأخذوا لي حقي.. ان وقفة حق ثابتة معززة بالايمان تجعل الاقوام الاخرى تحترمكم وتحترم حقوقكم.. لذلك ادعوكم لأن تقفوها..
وجلست.. عندها دوت عاصفة من التصفيق، بعدها القى سالم القصيدة التالية لاثارة حماس ابناء قبيلته:

مشينا على هام الزمان المطاول ـ ندوخه والمجد ليس بزائل
حفرنا بأعلى الراسيات مناهلا ـ ففاضت زلالا من مياه الجداول
لنقري اضيافا اذا هي زمجرت ـ ونحمي حماها من عدو وجاهل
فنحن اباة الضيم مذ هي اشرقت ـ وان اثقلت فيها الغيوم بهاطل
ونحن ولدنا للمعالي وشعبنا ـ شقيقين يخشى جمعنا كل سافل
كما زحل يزجي الثريا منورا ـ كذلك يبقى مجدنا غير آفل
ترانا عيون الود بيضا فعالنا ـ وسودا بعين الارعن المتطاول
لنا الحكمة الغراء من عهد آدم ـ نصون لنا حقابها غير باطل
كذاك اراد الله سبحانه لنا ـ وقد خصنا فيها بقدرة فاعل

نهض حسقيل من مكانه وقال:
ـ ان الاتهامات التي قالتها نخوة خطيرة، خاصة موضوع مقتل امها، رحمها الله، ولأنني لم أكن مسبوقا بهذا، ارجو من ابي سالم ان يمهلني لأحضر دفاعي يوم غد، على ان نجتمع في التوقيت نفسه، وفي المكان نفسه، هنا في بيت ابي سالم، وان نكون بلا سلاح.. جميعا بمن في ذلك انا.. وها انا مثلما ترون، لا احمل اي سلاح الآن.. وفتح عباءته وكشف تحتها من ثياب ليثبت انه لا يخفي سلاحا تحتها..
قال ابو سالم، بعد ان استمزج رأي الجالسين عن يمينه وشماله من وجوه القوم، بمن في ذلك سالم:
ـ ان ما تطلبه، يا حسقيل، موافق عليه، وسنلتقي على بركة الله يوم غد، في التوقيت نفسه، على ان لا يحمل اي منا سلاحا، وانما يأتي الجميع ويجلسون في هذا المكان، من غير سلاح، لنصدر قرار القبيلة، بعد ان نسمع دفاع حسقيل، ان شاء الله.


رفع سالم يده مستأذنا والده، وقام ليقول:
ـ ان ما سمعناه اليوم خطير كله، ومن أجل فتح الفرص وتأثير اطراف القضية بصورة متساوية، اقترح ان نجمد صفة المشيخة التي يمارس حسقيل من خلالها أوامره وتوجيهاته على من يطيعونه، ليكون في مركز مساو لأي منا من الناحية القضائية..
صفق الجميع علامة تأييد لمقترح سالم، وعبثا حاول حسقيل ان يعترض قائلا:
ـ اخترت من الشيوخ، وليس من العامة، ولذلك اتمسك بحقي..
عاد سالم ليقول:
ـ ان الجميع حاضرون الان، سواء من اطلقت عليهم وصف العامة أو الشيوخ، وانهم ايدوا مقترحي، ومع ذلك، فإن الاصول تقتضي ان نسمع رأي رئيس الجلسة..
قال ابو سالم:
ـ مع انني لاحظت حماسكم وانتم تصفقون، اخواني واخواتي ـ قال ذلك وهو يخاطب الجميع ـ فانني اعرض عليكم المقترح، وادعو من يوافق عليه ان يرفع يده لنعرف عدد الموافقين وعدد غير الموافقين علنا، على ان يكون من يقوم بذلك هم البالغون فقط، لذلك ارجو ان ينعزل غير البالغين عن الحضور، في ركن من هذا الفضاء ـ واشار بيده الى المكان ـ وبعد ان تم ما اراده ابو سالم، رفع حسقيل يده طالبا الكلام، وقال مخاطبا الجميع:
ـ انكم، اخواتي واخواني ـ وهنا قدم النساء، وفي ظنه انه يخدعهن، باعتباره قدم صفة مخاطبتهن على الرجال ـ انكم الآن تقررون ما هو خطير، سواء على حاضركم أو مستقبلكم، أو على مستوى قومكم، أو المستوى الأبعد، خاصة علاقتنا التي رتبناها مع شيخ الروم وقبيلته، لذلك اقترح أن أجلس أنا وأبو سالم وحدنا في بيت، ونحضر من يسجل رأي من يدخل علينا من وجوه وشيوخ القوم من الرجال فقط
..
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:55 pm

قال حسقيل ذلك، لكن خطته الحقيقية غلبت رأيه في المرأة بتصويره على غير حقيقته، عندما وضع النساء قبل الرجال وهو يقول (اخواتي واخواني)، فهنا اقترح ان يقتصر التصويت بصورة شبه سرية على الرجال فقط من وجوه وشيوخ القوم..
نقر أبو سالم على الصحن الموضوع أمامه لينبه الجميع لكي ينصتوا، وقال موجهاً الكلام للجميع، بعد أن استمع إلى حسقيل:
ـ سنعرض المقترحين على الحاضرين، حسب تقاليدنا، وسنبدأ وفق الأسبقية بالمقترح الأول، الذي يقضي، بناء على ما شرحه سالم بأن يعرض المقترح على كل بالغ في هذا الجمع، رجالا ونساء، وأن يجري التصويت برفع الأيدي، وعندما يحوز على أغلبية، يكون فائزاً، والمقترح يقضي بتجميد صفة الشيخ الممنوحة لحسقيل حتى ننتهي من محاكمة حسقيل يوم غد، إن شاء الله، وفق ما أرادت نخوة، وفي ضوء القرار الذي نتخذه تجري مراجعة كل ما يتصل بالموضوع.
عندما أكمل أبو سالم كلامه، وهمَّ ليعرض مقترح سالم للتصويت رفع حسقيل يده مرة أخرى، وأذن له أبو سالم بالكلام،

قال حسقيل: ولماذا، يا أبا سالم، نتشبث بتقاليد عفا عليها الدهر، ولا ننشئ تقاليد جديدة؟.
استأذن سالم أباه والحضور ليتكلم، فقال، موجهاً كلامه لحسقيل ومعه من كان في المكان:
ـ ان كل شيء موروث جزء من تاريخنا، ويعتمد على حيويته أو جموده في حالة ما إذا قررنا أن نقبل استمراره، أو أن نمر به مروراً كحالة مجردة، أو مجرد نشاط حصل في تاريخنا فحسب.. ان مقترحك، يا حسقيل، مقترح متخلف، ذلك لأنه يختار عددا من الرجال على أساس عناوينهم، ويستثني الآخرين من الناس.. وفي الوقت الذي يؤخذ عدد محدد من الناس قد يثير الجدل حول مشروعية قاعدته ورصانتها، فإنه يستثني من المشاركة كل الرجال البالغين الآخرين، ومع أنك خاطبت المرأة قبل الرجل، وأنت تهم ان تقدم اقتراحك، فقد استثنيت كل النساء من المشاركة في أمر يتعلق بالحاضر والمستقبل، ويتعلق بمصير الناس وحماها ومصالحها التاريخية، وليس بالسلطة وشكلها ومدى استحقاق من يحمل عناوينها فحسب، ثم اننا عندما نقول بأهمية احترام الأسبقية في عرض المقترحات على أساس تسلسلها الزمني، فلأنه الأكثر عدالة بين ما هو معروف من أساليب أخرى، ومن بينها ما يمكن أن يفهم، من اعتراضك على هذه التقاليد، كأنك تريد أن تقول إن المقترح يطرح للتصويت على أساس عنوان من يقترحه، ويتأخر مقترح من يكون مواطناً فحسب في القبيلة، ويتقدم مقترح من اسمه حسقيل، وان كان على هامش القبيلة، أو لا يمت إليها بصلة، في المعاني ولا في الأصل، أو يترك لمن يدير الجلسة أن يتصرف على هواه، فيقدم هذا ويؤخر ذاك من المقترحات، وعندما لا تكون هناك ضوابط متفق عليها، تسود الفوضى والخلافات، ليس في اطلاق الأحكام فحسب، إنما في تطبيقها ايضا، وفي وصف المواقف، ومن يلتزم بالجماعة، أو يخرج عليها، لذلك يستمر أي تقليد لا تلغيه روح الجماعة، ولا تقتضي تغييره الضرورات الظرفية الملجئة، أو تستوجبه قوانين التطور المولود من رحم وصلب قومنا، وان المحافظة عليه، والالتزام به ضروريان، لذلك نلتزم بالتقليد الموروث الذي أشار إليه والدي، واترك لاخواني وأعمامي الحضور أن يبدوا آراءهم، إذا كان لأحد منهم رأي آخر.
ومع إكمال سالم الجملة الأخيرة، دوى تصفيق من الحضور، بما يعني انهم متمسكون بما ورثوه من تقاليد، كانت قد أعزت قومهم عندما كانوا متمسكين بها، واضعفهم الهوى والتخلي عنها كلياً، أو جزئياً، الى الحد الذي جاء الضعف والتخلي بحسقيل شيخاً عليهم، بدلا من أن يكون شيخهم منهم عقلاً وضميراً، نسباً وموقفاً، كتاباً وسيفاً وراية..
عرض أبو سالم مقترح سالم، وفاز المقترح بإجماع الحضور، رجالاً ونساء، عدا عدد قليل رآهم أبو سالم يجلسون قبالة حسقيل، ويرفعون أيديهم بصورة غير كاملة، ثم يخفضونها حيثما نظر إليهم..
وعندما طلب أبو سالم من سالم أن يقول لهم: إذا كنتم غير مقتنعين، اخفضوا أيديكم، ولن نزعل لهذا..
قالوا له:
ـ لا نحن مقتنعون بمقترحك..
ومن تلك اللحظة رفعوا أيديهم بثبات، فكان القرار بالإجماع.


خرج حسقيل بأمل ان يحضر المحاكمة في المكان نفسه، في اليوم التالي، فيما راح الجميع يدبك ويغني ويرقص، او يهتف، ويجول، كل حسب اختياره، وشعوره في تلك اللحظة، والاسلوب الذي يقدر انه متمكن فيه اكثر من غيره ليعبر عن نفسه.
انسل سالم من بين الجمع، واشار الى نخوة وعدد من الرجال: ان اتبعوني، وبعد ان تبعوه الى حيث بيت ابي سالم، الذي كان اقرب بيت الى تجمعهم، حيث تناولوا طعام الغداء، بعد ان استمعوا الى حسقيل وسالم ونخوة، وعندما جلسوا في مكان واحد، قال سالم:
ـ ان طلب حسقيل تأجيل البت في مصيره في ضوء ما اقترف من جرائم، لم يكن وفق ما اشار له في الجلسة.. ان هزيمة حسقيل امام محاكمتنا له بحضور كل الناس من قومنا، وافتضاح امره وجرائمه تجعلها ضرورية له قبل ان يعرض مصيره وحياته علينا، يوم غد، وهو امر لا يتحمله، لا هو ولا شيخ الروم من بعده، لذلك اردت ان اقول لكم هواجسي واستنتاجي، لنعد انفسنا على قاعدة صحيحة، وقد نصل بالحوار فيما بيننا الآن الى افضل الوسائل لمعالجة اقرب الاستنتاجات مما نتوقعه.
سكت سالم.. وتكلمت نخوة قائلة: ان ما اشار اليه سالم هو الاستنتاج الاساس، بل قاعدة ما يمكن ان نتصور من استنتاجات فرعية منه، واي تصور غير هذا عن نوايا حسقيل، ومن خلفه كلب الروم، يعد تصورا قاصرا من شأنه ان يوقعنا في الوهم، وقد يسبب لنا خسارة، لا سمح الله.. ان اعداءنا لا ذمة لهم ولا عهد.. كما ان هاجس اي منهم لا يكون صادقا امينا، بل غادرا اشرا، وان حسقيل وجماعة الروم معروفون بنكثهم العهود، وعلى هذا ينبغي ان نعد انفسنا ووسائلنا وخططنا
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:56 pm

وتكلم بعدهما من تكلم، ولم يخرجوا عن دائرة الاستنتاج الرئيس، سوى انهم كانوا يقترحون اساليب وخططا لمواجهة تكمل ما قاله سالم ونخوة.. ومن بين ذلك ان احدهم قال:
ـ اقترح ان نراقبه، رغم ان هذا ليس متيسرا من غير تضحية، ذلك لأن حراس وخدم حسقيل، الا واحدا منهم، هم ممن جاء بهم الروم، بعد ان فقد الثقة بمن حوله..
تساءل آخر: ما هي الصعوبة في ان نراقبه؟
أجابه من قال بالصعوبة:
ـ ان ما اقصده ان احد رجالنا الموجودين معه لا يستطيع ان يغادر المكان الا لو هرب على فرسه.. وان وضعنا عيونا جددا عليه الآن سنكون قد اتخذنا قرارنا هذا بصورة مستعجلة وربما مرتبكة، فإنه عندما يكتشفهم سيلقي القبض عليهم ويعرضهم بعد الضغط الى السؤال والجواب، وعندما يعرف اننا نحن الذين امرنا بمراقبته، ستكون له حجة علينا، ومن بين ذلك قد يمتنع عن الحضور للمحاكمة امام القبيلة.
وبعد مداولة طويلة، اكتفوا بوضع عين عليه في بيت هو الاقرب لبيت حسقيل ممن يطمئنون الى اهله، لينبههم بهروب حسقيل خارج المنطقة ان هو فعل ذلك، لكن حسقيل لم يخرج الا في اللحظة الاخيرة، التي سبقت الزمن المحدد، الذي اتفقوا عليه، ليحضروا في اليوم التالي، بقصد اللقاء في بيت ابي سالم.
تكلم الثمانية المجتمعون في بيت ابي سالم، ومنهم سالم ونخوة، والستة الاضافيون، وهم خمسة رجال وامرأة.
قال سالم:
ـ لتكن خطتنا على اساس ان نموه عليه، ونمكر بخطط حسقيل ونواياه، مثلما نتصور انه يعد العدة ليمكر بنا.. وعلى هذا، فإن خمسين من رجالنا ينبغي ان لا يحضروا مكان الاجتماع، وان يكونوا مع خيولهم خلف بيتنا هذا، في الوادي الذي يبعد عن مكاننا هذا ما بين مائة وخمسين الى مائتي متر، اما سلاحنا فهو في بيتنا هذا في مقطع العيال.. واذا ما داهمونا بغدر، سوف يسبق الخيالة المشاة الينا، واعتقد ان حسقيل سيتصور اننا بلا سلاح، وسيفاجئهم سلاحنا، وسيكون هو وحليفه في وضع صعب، ربما لم يتمنياه لو انطلق فرساننا الخمسون من مكانهم، مقسمين على مجموعتين.. وظهروا كلهم بعد ان يلتفوا من الجوانب خلف العدو، واعملوا سيوفهم في رقاب العدو، في الوقت الذي اركب انا ونخوة فرسينا، حيث ستكون لها فرس مجنبة قرب فرسي، وسوف اوعز الى حازم وعمر وسمعان بأن يحضروا خيولهم، لتكون قرب جارنا، وتربط في مقدم البيت، لتكون اقرب الى مكاننا، وسوف آمرهم بأن يلازم اثنان منهم نخوة على جناحي حركتها، والثالث الى الامام قليلا..
علقت نخوة:
ـ ألا تثق بقدراتي، يا سالم؟
ـ بلى، ولكن التحسب واجب.
ـ ألا يكفي حازم لحمايتي، هو وشخص آخر، وان يكون الثالث معك؟
ـ اطمئني، سأكون بين جمعكم، حتى عندما اتقدم صفوفكم، وفق ضرورات الحرب، اذا تطلب الامر ذلك، لذلك ستكونون جميعا بحمايتي بعد الاتكال على الله.
تبسم الجميع..
قالت نخوة:
ـ ربنا، منك النصر، وبك نستعين..
ردد الجميع:
ـ آمين..
ونهضوا بعد ذلك، ليقوم كل بواجبه قبل ان يحل موعد اليوم التالي.


في الوقت الذي كان سالم ونخوة يرسمان، كل في ميدانه، سيناريوهات لما ينبغي او يجب، في ضوء ما استنتجاه عن نوايا حسقيل وخططه.. اتصل حسقيل فور وصوله الى بيته بشيخ الروم.. بعد ان كلف من يقوم بذلك ليشرح كل ما سمعه عن الاتهام الذي وجه اليه هذا اليوم، والى تجميد صفة المشيخة فيه، والى دعوته ظهر اليوم التالي ليحضر اجتماع القبيلة، الذي يتقرر فيه مصيره النهائي كشيخ للقبيلة، وربما حتى حياته، قال، وأكد القول على من بعثه الى شيخ الروم:
ـ قل لشيخ الروم انني سأنتظره هو وفرسانه عند القنطرة التي كنا نخيم حولها في خريف العام الماضي، عندما كنا في (القنيص، القنص، وهناك سأبين لهم كل شيء اضافي عن الخطة، واسمع ايضا اي تعديلات اضافية يريد الشيخ ادخالها عليها.. وكرر على شيخنا الكبير ان التوقيت قبل الظهر بساعة او ساعة ونصف الساعة.. وقل له ان تأخرهم قد يفشل خطتنا، لأن سالم وجماعته ومعهم قبيلتهم، عندما يعرفون انني لم احضر في الموعد المقرر، سوف تداخل عقولهم هواجس عن سبب تأخري، وقد يحتاطون، بينما لو داهمناهم قبل ذلك، سنغلبهم لأنهم غير مسلحين..
انطلق من كلفه حسقيل على فرسه باتجاه شيخ الروم، وبعد ان تسلل في الوديان القريبة من بيت حسقيل، لئلا يراه احد ويكشف اتجاهه، وصل الى شيخ الروم وابلغه الرسالة..


قال شيخ الروم للرسول: ابلغ حسقيل بأن يطمئن فإن ما لدينا من عدة حرب تكفي لما هو اكثر عددا من قبيلة سالم، وان رجالنا كثر، مع اننا لم نجرب من قبل الاصطدام بهم، ولا نعرف تفاصيل كثيرة عنهم، وبخاصة معنوياتهم، لذلك قد يجد رجالنا في بادئ الامر صعوبة في ان نجعلهم يقاتلون كما يجب، لكن التفوق في السلاح والخيل امام رجال غير مسلحين يجعل القتال معهم محض نزهة.
ثم ان حسقيل يقول ان عددا كبيرا من شيوخ وشباب القبيلة سينسلخون عن سالم وجماعته، عندما يبدأ القتال، وهذا جيد، ذلك لأنهم ما ان يروا خيولنا تجمح باتجاههم، حتى ينقسموا على بعضهم، وعندما ينقسمون ويبدأون ببعضهم، سآمر رجالي بأن يكفوا عن مهاجمتهم، لكي لا نوحدهم اذا جعلناهم هدفا واحدا، وحيثما مالت منهم كفة على كفة، سندعم الكفة التي تضعف، بحيث نعيد التوازن بين الكفتين، بما يجعل القتال ومعه الخسائر يستمران ولا يتوقفان.. واذا ما حاولوا الصلح فيما بينهم بعد ان يتعبوا، سوف ندس بينهم، ونخرب اي صفاء، ليعاودوا التناحر والانقسام، فيضعفون، واذا ما التجأوا الينا بعد ذلك لنحكم بينهم، سوف نفرض عليهم شروطنا، حتى يرضخوا، ولا يعودوا يتمردون على سلطتنا، سلطة تحالفنا العتيد.. وقل لحسقيل اننا لن نتخلى عنه.. الا اذا هددت مصالحنا، وبما ان مصالحنا مضمونة ومؤمنة بدوره وجلوسه فوق رؤوس المضطرة كشيخ عليهم.. فلن نتخلى عنه.. وسأكون مع فرساني.. وسأحشد كل ما استطيع حشده، وهو كثير، قرب القنطرة..
يركب المبعوث فرسه، ويهم بأن يلكزها ليغير عائداً من حيث أتى.. لكن شيخ الروم يستوقفه.
ـ قلت إنهم سيكونون غير مسلحين.. أليس كذلك؟
ـ نعم يا شيخ، حتى ان حسقيل اشترط أن لا يحضر منهم أحد حتى لو كان يحمل عصا غليظة، وليس سلاحاً..
ـ هذا جيد، أجاب شيخ الروم.. سأكون عنده قبل ظهر يوم غد، وفق ما أراد.. ثم قال للمبعوث:
ـ ارشد.. أي اذهب راشدا
..
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

السابقالتالي

العودة إلى مكتبة المتن الالكترونية

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 10 زائر/زوار

cron