• اخر المشاركات

أخرج منها ياملعون .... رواية لكاتبها صدام حسين

أهم الكتب في كل المجالات...

المشرف: noooooooooooor

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:26 pm

ورغم ان كل الشيوخ الذين كانوا مع الشيخ الكبير ارتابوا من الغجر، وان شيخ القبيلة اظهر انه يرتاب منهم ايضا، ولكنه في حقيقة امره سر بوجودهم.. وكان سبب الارتياب ان الغجر عندما يكونون اليوم معهم فانهم قد يرحلون غدا الى القبيلة المختارة، و(من طباع الغجر انهم ينقلون ما يرونه، الزين والشين، والجيد والسيء، على حد سواء) ـ هكذا قال احدهم وهو يعلن عدم ارتياحه لمجيء الغجر اليهم، ولكن الشيخ قال لمقدم الغجر:

ـ حطوا هناك ـ واشار عليه بمكان على مسافة قريبة من بيته من جهة مغيب الشمس ـ لتكونوا الطرف الغربي لمنزل القبيلة، ولا يكون لأي من القبيلة بيت متداخل معكم أو بعدكم من جهة المغيب.. وخذوا شاة، فاذبحوها وتعشوا بها، واعفونا من مهمة تضييفكم، ذلك لأننا في حالة رحيل..
سأله الغجري:
ـ اترحلون ليلا، يا عم؟
فأجاب الشيخ:
ـ لا، لقد وصلنا قبلكم بقليل، وعندما نكمل نصب البيوت سوف نستدعيكم الى حفلة رقص..
ما ان أخذ مقدم الغجر الشاة من بين عدد من الشياه تعود الى شيخ القبيلة، وقادها الى حيث نزل جماعته، وفق ما أمرهم الشيخ، حتى عنَّ له ان يذهب على الفور الى شيخ القبيلة المختارة تحت غطاء جلب خبز من هناك لتناوله ثريدا مع لحم الشاة، حيث لم يزودهم به شيخ القبيلة المضطرة، وهناك من يفضي الى شيخ القبيلة المختارة بما رآه واستنتجه لينال رضاه وكرمه..
قال مقدم الغجر في نفسه وهو يخاطبها بصوت مسموع:
ـ ان شيخ القبيلة المختارة افضل من هذا الشيخ، وهو وقبيلته اكرم من هؤلاء، واذا كان هذا قد اكرمنا اليوم لأمر اراده في نفسه، فانه سبق ان طردنا من دياره اكثر من مرة، ولم يعطنا ما نأكله، حتى عندما نرقص ونغني له لا يعطينا شيئا ذا قيمة، ثم ان هذا الشيخ جاء هو ورجال قبيلته ليغدروا بالقبيلة المختارة، وليس ادل على هذا مما رأيته، حيث لا نساء ولا اطفال برفقتهم، وانما رجال وسيوف ونبال.. الخ. انهم ينوون ان يأخذوا القبيلة المختارة على حين غرة وغفلة، لذلك عندما ابلغ شيخها، سيكرمنا، وستكون لنا دالة عليه.. وسأقولها له بمفرده، واشدد عليه ان يكتمها لكي لا يؤذينا شيخ القبيلة المضطرة فيما بعد..
ثم يعود ليقول:
ـ نعم، علي ان اقوم بهذا على الفور، لكي لا تفوتني الفرصة، وقد تفوت القبيلة المختارة فرصة الاعداد والتهيؤ لمواجهة العدوان..
ذهب من فوره الى هناك، واختلى بشيخ القبيلة المختارة، وابلغه بما رأى، وقال له استنتاجاته.
شكره شيخ القبيلة، واكرمه بكيس صغير فيه قطع ذهب، ووعده بما هو اكثر، وهيأ له كمية من الخبز، امر بجمعها من البيوت المجاورة لهم، كغطاء لعودته الى حيث مكان تجمع رجال القبيلة المضطرة، فيما لو رآه احد رجال القبيلة بعد عودته الى هناك.

***

اعد رجال القبيلة المختارة انفسهم لمواجهة نوايا المضطرة، وأمر شيخ القبيلة المختارة رجاله بأن يتجنبوا الاحتكاك برجال القبيلة المضطرة.. ولا يعطوهم بأي شكل من الاشكال فرصة ايجاد غطاء لعدوانهم، لاقامة الحجة عليهم، وقاموا بسلسلة من الاجراءات أهمها ان الشيخ أوعز للنساء بأن يسرحن بالاغنام والابل بدلا من الرجال في الاتجاه المضاد للاتجاه الذي اعتادوا ان تسرح مواشيهم فيه، وان يكون دونهن الرجال على ان يخلى الصف الامامي القريب من القبيلة المضطرة من بيوت الشعر من ساكنيها، ويحتشد الرجال حاملو النبال معززين بالرماح في بيوت الشعر في الصف الذي يلي الصف الامامي، والصف الآخر الذي يليه، فيما يحتشد الفرسان على خيولهم خلف ذلك المنزل في الوديان الكائنة الى الخلف وعلى يمين ويسار أماكن (بيوتنا هذه) واشار بيده الى ما قصده.. وما ان حل الصباح، وقد تعمد مقدم الغجر ان يجعل كل رجال القبيلة المضطرة يسهرون مع فرقته وهم يستمعون الى غنائها، ويحتسون الخمر، ويتمتعون بمنظر الرقص والحركات البهلوانية لمن يقوم بها حتى الصباح، وكان آخر بيتي (نايل) رددهما مقدم الغجر على الربابة:
احوف من حبني مثل ما يحوف الذيب واجيب (اجلب) علم الصدك (الصدق) بلكي الجروح تطيب..
وقال ايضا:
الدرب ما كلفس المجبل على حبابو سلام زين الوصف ريح الهوى جابو وبعدها خرج مقدم الغجر من دار شيخ القبيلة الذي من فوره امر اصحابه بأن يمتطوا خيولهم، ويغيروا على ديار القبيلة المختارة..
لم يواجه رجال المضطرة في طريقهم الى القبيلة المختارة، ابلا ولا اغناما، فاستمروا يغيرون باتجاه بيوت الشعر، وعندما لم يجدوا احدا في الصفوف الامامية لبيوت الشعر، بما في ذلك بيت الشيخ وهو أكبر البيوت، تصوروا ان القبيلة خافت منهم، عندما علمت بوجودهم قربها، وهرب رجالها هائمين على وجوههم بمواشيهم، تاركين البيوت على حالها هي وما فيها من غنائم. ولأن اساس غزوهم وفي المقدمة شيخهم هو السلب والنهب والاستيلاء على الاسلاب، فقد نزلوا من فوق ظهور جيادهم، بمن في ذلك شيخهم، وكل منهم يسابق الآخر في الاستيلاء على بساط هنا أو فراش هناك، أو كيس تمر أو طحين، أو كمية ضئيلة من شعير أو ذرة، أو (عكة) زيت أو زيتون، وكل يضع على ظهر فرسه ما يستولي عليه، الا ثلة قليلة من الفرسان الذين رأوا غبار الماشية في الافق البعيد، فانطلقوا باتجاهها، وما هي الا لحظات، بعد ان قدر شيخ القبيلة المختارة ان القسم الاكبر من القبيلة المضطرة قد ثقل عليه حمله، حتى امر فرسانه المختبئين في الوديان ان انطلقوا. وبدأ رجال النبال والرماح ينقضون عليهم من كل ناحية، كل منهم حسب واجبه ونوع سلاحه.. وعمل السيف والاسلحة الأخرى في رقابهم، وفي الوقت نفسه، عزلوا الفرسان الذين انطلقوا معقبين الماشية والابل، وافرزوا لهم مجموعة من الخيالة لتعقبهم، وتستولي عليهم اسرى هم وخيولهم، فاعملوا السيف في رقاب الآخرين، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، واستولوا على ما يملكون، واسروا اعدادا منهم، لم يطلق سراح اي منهم، الا بفدية مغرية لصاحبه الذي اوقعه في حبائل الاسر، مع حصة معلومة للشيخ في كل ذلك.
وهكذا نصر الله، اصحاب الحق المعتدى عليهم على اصحاب الطمع والضغينة والغدر، ولم ينج منهم الا ما يعادل ثلث العدد، ولوا هاربين، بعد ان رأوا شيخ القبيلة المضطرة يرمي ما حمل فرسه به من غنائم وقد هرب فوق ظهر فرسه قبل ان يجرب سيفه، عندما وجد نفسه في ذلك الموقف الشائك..
نعم، هرب شيخ المضطرة، وهل من مفر غير الهرب من الموت حتى لو كان ذلا لمن يفكر بالحياة على قاعدة ما هو ضعيف وخاسئ، وليس من بين اهدافه ما يعز ليعلي النفس والاعتبار!؟



--------------------------------------------------------------------------------


* هوامش:

1 ـ الفروات، مفردها (فروة)، كنزة على شكل سترة، تخاط من جلود الأغنام بأصوافها، منها الطويل والقصير، يرتديها البدو وسكان المناطق الباردة في فصل الشتاء.
2 ـ الربعة: مشتقة من الربع وتعني مكان جلوس الجماعة في عرف البادية.
3 ـ الفوط: على وزن نقط، وهي غطاء اسود في الغالب كانت النساء، خاصة الغجريات يلففن شعورهن به.
4 ـ الشف: دثار من الغزل يحاك يدويا ويستخدم كغطاء مثل البطانية.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:27 pm

وفي الحلقات السابقة، دارت حوارات بين الجد واحفاده حول مفهوم الثروة، واوضح كل منهم ما الذي يعنيه له. وتنكشف خلال ذلك أطماع حسقيل في التفرد بالثروة، ورغبته في الانفصال بما يملكه مما ادى الى نبذه من الجميع. ثم يوزع الشيخ ابراهيم «البلاد» على حفيديه محمود ويوسف، داعيا اياهما الى الابتعاد عن فتن الاجنبي. اما حسقيل فقد استقر في قبيلة مناوئة. في غياب شيخ القبيلة، وبمعاونة زوجة الشيخ، وباستخدامه اسلوب الاغراء، والفراغ الذي تركه غياب وجوه القوم في رحلة الغزو، نظم حسقيل شبكة من المستفيدين، واصحاب النفوس الضعيفة... وما ان خلا الجو لحسقيل، وباشر يمارس بعض الواجبات التي كان يمارسها الشيخ أو أبناء عمومته في القبيلة، حتى امالتهم مصالحهم ونفوسهم الضعيفة إليه..



نعم، هكذا ينساب الماء الضعيف إلى المنحدر، ولا يصعد العاليات، وتجد الجرذان فرصتها في أي فراغ بين جدران البناء لتنفذ إلى داخله، وتفرخ الافاعي في السقوف الهشة، أو بين الانقاض، وكذا تفرخ الشياطين، مثلما تفرخ العقارب في الجحور المظلمة وهوائها الفاسد، أو في غرف ودهاليز البيوت المقفلة التي لا يدخلها النور، ولا يتبدل فيها الهواء.. ثم أليس كثر من الناس، حتى يومنا هذا، يؤثر فيهم الحضور، ويردعهم الخوف من السطوة، وتراهم ينافقون بحضور مسؤول لا يقتنع أي منهم به وبدوره، وما أن يحتجب عن الظهور، أو يغيب عن كرسيه، أو يضعف ساعده على سيفه أو سوطه، حتى تسلقه ألسنتهم سلقاً، وما أن يستبدل بغيره حتى كأن القسم الذي أدوه بحضوره شيء لم يكن، أما صاحب الحضور في إدارة مسؤولية بعينها. أو عنوان قيادي على أساس تميزه بالخواص، لأداء واجباته على قاعدة مبادئ وعمق تضحية تقتنع بها الجماعة، فرغم ان حضوره ضروري لممارسة الدور القيادي بخواص القيادة وتأثيرها، واشهاد الجماعة على النموذج الحي الذي يكونه ليقتدوا به بعد ان يتعلموا منه، فإن غيابه لا ينهي تأثيره، حتى لو كان غيابه بالموت، أو الشهادة. وعلى اساس هذا يفهم لماذا وكيف اندثر الذكر الحسن لعناوين وعناوين، وعلى أساس ما هو نقيض، يفهم الموقف من سيدنا علي وسيدنا الحسين وسيدنا الحسن، رضي الله عنهم وارضاهم، هم والصالحين من ذريتهم وكل من عمل صالحا إلى يوم الدين.. نجد ان شجرة النسب لعائلة سيدنا علي محفوظة حتما بحفظ الله، سبحانه، وباعتزاز من ينتمي إليها ومحبة الناس لها.. وفي الوقت الذي كان اتباع السيد المسيح، هم والحواريون بأعداد قليلة في فترة حياته، ازدادت اعدادهم بعد موته، أو رفعه إلى السماء، إلا الديانة اليهودية، فإن عدد المنتمين إليها لم يزدد، إلا قليلا، ذلك لأن الدين اليهودي الآن ليس صحائف موسى عليه السلام، ولم يبن عليها، إنما على أساس ما اخترعه أو صوّره أو نسبه إلى ذلك دهاقنة اليهود وأحبارهم عند أسرهم في مدينة بابل التاريخية، وما اضافوا إليه بعد ذلك وفق النظرية الصهيونية العالمية ودورها التخريبي التآمري الاستغلالي في العالم، وعلى أساس ما تم وضعه وفق هذا لم يكن مقنعاً لأصحاب الحجا من الناس، فبقي المنتمون إليه يتناقصون ولا يزدادون، رغم ان دينهم اقدم الأديان بعد دين التوحيد لإبراهيم، خليل الله، وأبي الأنبياء.. أما الدين الإسلامي، فإنه بعد أن كان بالعدد القليل الذي كان عليه من أسلم في الحجاز قبل وبعد فتح مكة، فقد توسع وازداد عدد المنتمين إليه اضعاف اضعاف ذلك العدد بعد وفاة الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم.. حتى وصل إلى جنوب فرنسا من جهة الغرب، وأسوار الصين من جهة الشرق، على عهد الدولة الأموية.


لكن هل يكون لأصحاب الخواص الضعيفة، الذين لا يصلحون قدوة جمعهم، حضور في نفوس وعقول جمعهم، وتأثير في حالة غيابهم؟!، وعلى أساس هذا التساؤل، هل يصلح شيخ القبيلة المضطرة، الذي اضطر أهله وقبيلته للقبول به بعد موت أبيه فجأة من غير أن يسبقه مرض ينبئ بموته، مع معرفتهم بأنه لا يستحق المشيخة، وانه غير مؤهل لها.. بينما اختارت القبيلة المختارة، بتشاور اصحاب الحل والعقد، شيخها باقتناع وحماس، لأنه يحمل صفات القيادة لقبيلتهم؟.. وقد يكون هذا واحداً من أهم الأسباب التي جعلت النزاع محتدماً بين القبيلة المختارة والقبيلة المضطرة، بالاضافة الى عواملها وأسبابها الأخرى.


وعلى هذا وجد أصحاب الخواص الضعيفة، وفي المقدمة منهم حسقيل، ان الجو مهيأ ليصطاد في ماء عكرته دماء سالت من قبل، وخيول وجمال خاضت به في منازعات مستمرة، ولكن لم تصل الحال بينهما الى حد ان تغزو القبيلة كلها القبيلة الاخرى كلها، مثلما غزت القبيلة المضطرة هي وشيخها، بل وشيوخها بالمواقع الأخرى داخل القبيلة، القبيلة المختارة.


في هذا الجو، والحالة الهشة داخل القبيلة المضطرة التي تبدو فيها رؤوس أهلها كأنها ملتقية، لكن في إقفاص الصدور قلوب شتى، وبعد ان وجد ضالته في زوجة شيخ القبيلة، وبعدها بمن استضافهم وانزلهم على مقربة من ديارهم وهم مجموعة من الروم تضاعف عدد افراد القبيلة المضطرة او زاد عن ذلك لطمعه في تصريف بضاعته عليهم. وفي هذا الجو ايضا سمعوا بالنكسة التي اصابت شيخ العشيرة ومن معه في غزوهم للقبيلة المختارة، قبل ان يصل شيخ القبيلة عائدا الى ديار عشيرته
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:28 pm

رغم ان زوجة شيخ العشيرة المضطرة نفرت من حسقيل باديء الامر، وهو يشرح لها خطته لاستدراج ابنتها الى فراشه، وذهبت تاركة اياه في بيته في بداية تلك الليلة.. ورغم انها لم تذهب الى بيت حسقيل في اليوم التالي، لكن ما ان حل منتصف الليلة التالية حتى وجدت نفسها غير قادرة على الاستغناء عن علاقتها به، لذلك راحت تذرع البيت جيئة وذهابا..


رفعت ابنتها رأسها من على الوسادة لتقول لها:
ـ اراك لم تنامي حتى الآن، يا امي.. ولم تذهبي الى حيث ينبغي.
قالت ذلك بصورة واثقة من انها تعرف كل شيء، وأي شيء، قالته وهي (تتمزمز) وتكاد تكتم ضحكة استهزاء خلفها ألم دفين في نفسها، واردفت تقول:
ـ حتى انني لاحظت انك عدت يوم امس في وقت مبكر، وانك لم تستطيعي ان تنامي وفق ما لاحظته الى الفجر.
عندما سمعت امها ذلك من ابنتها لذة، لاحظت انها كانت تقول ذلك وتكتم ضحكتها، لكن ليس بصيغة المتشفي او اللائم على عمل قبيح، وانما قالته بخلاف ما كانت تتصرف على اساسه في السابق، اي بلهجة اقرب الى التعاطف، مثلما صديقة تعرف عن صديقتها ما يعبر عن هوى نفسها وان لم تحزه او هكذا توهمت الأم.. لذلك قالت لها امها:
ـ أتذهبين معي لو ذهبت؟
اجابتها ابنتها لذة:
ـ وماذا افعل معك وما هو دوري؟
لاحظت امها انها قالت ذلك بصيغة المستفهم وليس المستنكر.. قالت الأم لابنتها لذة انها تخاصمت مع حسقيل في اليوم السابق وانها غادرت بيته محتجة.
لم تشأ لذة ان تسألها عن السبب، لانها قدرت ان أمها قد لا تريد ان تفصح عنه.
بعد تردد كان التمنع فيه اكثر من الامتناع والتمثيل فيه اكثر من الحقيقة، قالت لذة:
ـ لا بأس، لكن عليَّ ان لا ادخل البيت معكما!؟
قالت الأم:
ـ لماذا لا تدخلين البيت ونحن الآن في وقت متأخر من الليل؟ سوف يؤذيك البرد ان بقيت في الخارج..
قالت لذة:
ـ بيت حسقيل صغير (مكورن)، اي بعمودين ووجودي في الداخل يحرجكما.
واصرت على موقفها هذا، رغم محاولة امها لاقناعها..
قالت الأم:
ـ لا بأس، لكن عندما تبردين وتحسين بذلك، عليك ان تدخلي الى الربعة (الديوان)..
قالت الابنة:
ـ لا بأس.
عندها ذهبتا الى حسقيل وعندما دخلت زوجة الشيخ قالت له:
ـ لم آت اليك، وانما جئت اختار للذة هدية.
ـ الدكان امامك.. وفتح لها صندوق خشب كبيرا لتختار منه.
اختارت قلادة.. وقالت:
ـ احضر لي المرآة.. وكان حسقيل قد علقها امامها على عمود بيت الشعر، عندما علقت القلادة لصيق رقبتها، لتلاحظ ما اذا كانت تلائمها ام لا او هكذا تظاهرت، طلبت من حسقيل ان يربط لها ذؤابتي او نهايتي القلادة على رقبتها من الخلف.. وقالت بعد ان ادعت انها حاولت فأخفقت:
ـ لم استطع ربطها.. هلا عاونتني، يا حسقيل؟
قال حسقيل وهو (يتمزمز):
ـ (ابدالك)، اي فداء لك.
امسك حسقيل طرفي القلادة من الخلف، وقرب جسمه منها وقبل ان يربط القلادة، استدارت نحوه وطوقته بكلتا يديها، وهكذا فعل هو الآخر وكل يعبر عن الشوق الذي يوسوس به الشيطان واستمر في هذا الحال وبعد حين.. وبعد ان انجزا العتاب بينهما.. قالت له:
ـ اتدري ان لذة خارج البيت الآن؟
سألها باستغراب:
ـ الى اين ذهبت؟ وفي ظنه انها خرجت من بيت ابيها.
قالت له: ـ لا، انا لا قصد خارج بيتنا، وانما جاءت معي.. وهي الآن في الخارج قريبة من بيتك، بانتظاري، لتعود معي عندما اخرج منك..
ـ ولماذا لم تقولي ذلك؟ ايجوز ان تكون خارج البيت في هذا الجو البارد؟ قال ذلك كأنه اراد ان يتظاهر بالحرص عليها اكثر من امها..
قالت وهي تسحبه اليها:
ـ لا عليك، اتركها فانها تتحمل البرد، وتعال اليَّ..
ولكنه قال لها بحزم:
ـ كيف يا أم لذة؟ كيف تقبلين هذا لنفسك؟ وكيف تقبلين عليَّ ان يكون ضيفي خارج بيتي..!؟
قال كل هذا بصورة مفتعلة، لانه ليس جزءا من عادته المعروفة، ثم اردف ليقول، وهو يلبس ثوبه ويسحب فروته المرمية على الفراش: ـ هاك خذي (الشف) (1) بدلا عنها وسوف اذهب بالفروة الى لذة لادثرها بها، ان لم تقبل الدخول الى (الربعة)، اما انت فلا تلحقي بي، لانني عائد اليك..
ـ لا بأس، لكن لا تتأخر.
خرج حسقيل ووجد لذة جالسة القرفصاء امام (مقادم) بيت الشعر.
سلم عليها، واقترب منها ليضع عليها الفروة..
قالت له:
ـ اشكرك، لا احتاجها.
ورغم انه كرر ذلك عدة مرات، فقد رفضت ذلك..
سألها:
ـ لماذا؟
ـ قالت وهي تضحك بما يشبه الغنج او هكذا ارادت ان توحي له:
ـ يقال ان في فروتك الكثير من القمل، لانك لا تغتسل! ثم قالت بليونة:
ـ حسقيل! ـ ها..
ـ لماذا لا تغتسل؟ اذا لم يكن لديك (شنان) لدينا الكثير منه وبامكاني ان اتيك به غدا، لو اردت او ابعثه اليك بيد واحدة من العبيد..
قال بشوق: ـ بل تأتين به بدلا من العبدة..
ـ لا بأس، وفي نفس الوقت، انا بحاجة الى قلادة ورغم انني كلفت امي بان تختارها، فانني افضل ان اتيك غدا لاختارها بنفسي، خاصة ان الاختيار في النهار غيره في الليل.. وارجو ان تقول لوالدتي ان ترجئ موضوع القلادة الى الغد..
وضع حسقيل يده على عينيه، ناقلا اياها من العين اليمنى الى العين اليسرى:
ـ بعيني هاتين.. وسوف اضع فروتي هذه على مقربة من فوهة تنور، وبعد ان اجد ان النار قد ضايقت القمل ودوخته، سوف انفضها للتخلص من القمل، وبعدها اضعها في الشمس اذا صادف ان يكون يوم غد مشمسا.. وعندها ستجدينني انا وفروتي في احسن حال.. قال ذلك تملقا بصورة مكشوفة.
وفي الوقت الذي كان شعاع السراج يتسرب اليهما ضعيفا من داخل بيت الشعر، كان كل منهما لا يرى من وجه صاحبه الا شيئا من بريق العينين.
سمعا صوت أم لذة تنادي:
ـ حسقيل! قالت لذة:
ـ اتركني، يا حسقيل، واذهب اليها.
لاحظ حسقيل انها قالت (اذهب اليها) ولم تقل (اذهب الى أمي)..
وهل تستحق هذه الداعرة صفة الأم من ابنتها؟ أليست حالة داعرة، بصورة مشددة، ان تكون الأم على هذا الوصف في علاقتها بأجنبي، وعلى معرفة من ابنتها؟ ان حالها يستحق هذا الوصف لانها تمارس الحالة الداعرة امام ابنتها!! قال حسقيل للذة، بعد ان امسك بمقدمة لحيته من الحنك:
ـ اعمليها (لخاطري) وادخلي البيت من جهة الربعة، وسأكون معها من جهة (الحرم).. قال ذلك كأنه اراد ان يشوقها الى ما يضمره ازاءها، وما يمكن ان تتهيأ عليه نفسها، عندما تحس بهما وهما في حال السوء وتسمع صوتيهما
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:29 pm

قالت البنت:
ـ لا بأس، ونهضت من مكانها ودخلت القسم المخصص للرجال من البيت، بينما دخل الى حيث زوجة الشيخ، امها، لا يفصل بينهم سوى رواق من الصوف.. ممزوج بغزول شعر الماعز، يردفه حصير محاك من قصب الزل او البردي.. وبعد ان استدار حسقيل الى الشيخة، سألته:
ـ ها، ماذا فعلت!؟..
ـ لم افعل شيئا..
ـ على اي حال، ان ما اردته وما طلبته مني فعلته، وعليك الباقي، رغم انني غير مقتنعة به تماما، اضافت (تماما) كأنها ارادت ان تخفف على حسقيل وقع انها لم تكن مقتنعة بالفكرة لكي لا يزعل منها.. وقد لاحظ حسقيل ذلك..
ـ المهم ان تساعديني في ذلك..
قالت مستفسرة:
ـ كيف!؟
ـ انت تعرفين كيف.. وفي كل الاحوال، تذكري ما اقنعك فيَّ وضيفي اليه ما اكتشفته في بعد المعاشرة.. قال ذلك وهو يضحك.
اجابته وهي تضحك ايضا:
ـ يا غبي، ان شعور البنت التي لم تجرب رجلا غير شعور المرأة التي جربت الرجل، ثم اتدري يا حسقيل، انني ربما لم اخترك، لو اتيح امامي غير الرعاة ممن يدخل الينا وندخل اليه من غير ان نتهم من القبيلة ابتداء؟ الا تختار غير المقتنعة بزوجها او زوجة شيخ مثلي، لمعاشرتها من لا يلفت الانتباه، ومن يظنه الناس مستبعدا عن الظن!؟.. وعلى هذا فقد لا ترى لذة ضالتها فيك..
قال حسقيل:
ـ لكن الانسان ابن محيطه والصغير يتبع الكبير وعندما ترى معاشرتنا بعينها، قد يغريها هذا.. كما انها شابة ولم يبق في الديار الا كبار السن من الرجال او الذين لا يجيدون استخدام السلاح.. وكل هذا قد يغير نظرتها واعود لاقول ان الاهم هو ان تحكي لها جانبا من تفاصيل علاقتنا، لتشويقها.. ان بعض البنات والاولاد يسعون في هذه السن لتجربة ما لم يجربوه، لو زل بهم الشيطان من باب حب الاطلاع او اقناع الذات بانهم صاروا في حال كامل..
وعندما لاحظ حسقيل انه قال (لو زل بهم الشيطان).. استدرك ليقول:
ـ انه لأمر طبيعي، كما علاقة النعاج بالكباش عندما تكبر النعاج.. هنا علقت أم لذة لتقول له:
ـ الحق معك في هذا التشبيه، بل الاصح ان تقول: كما علاقة العنزة بالتيس، لينطبق التشبيه عليَّ وعليك فحسب..
ثم اردفت:
ـ النساء لسن كلهن مثلي، يا حسقيل، والبنات لسن كلهن وفق ما تتمنى، وفي كل الاحوال، يعتمد الامر على مستوى الحصانة الذاتية والخوف من العقاب.. قالت الجملة الاخيرة كأنها ارادت ان تقرع نفسها، او هي فلتة لسان ما ارادتها ان تكون، لكن ما يخرج من اللسان يصعب لمه..
عاد حسقيل ليقول:
ـ اعول على ان تحكي لها تفاصيل علاقتنا بما يشوقها، وربما نسمعها شيئا عندما تأتي لتجلس هنا في البيت، خلف الستارة.. وفي كل الاحوال، لا اظن انها تخشى عقوبة الشيخ، ذلك لانني اعرف ان هذا الشيخ غالبا ما (يشوف بعينه ويغطي بذيله)..

قالت أم لذة، بعد ان ضربته بقفا يدها على وجهه:
ـ يا غبي، الشيخ ليس هو المهم، انما عمامه.. القبيلة كبيرة يا غبي، واذا أمنا عقاب الشيخ، فمن يعطينا ضمانة بان نأمن عقاب القبيلة وشيوخ آخرين فيها غيره!؟
ـ على اي حال، سوف اعاونك، فعاونيني لنكون بعد ذلك مطمئنين كلنا.. ثم تساءل بخبث:
ـ هل كل الشيوخ مثل ابي لذة؟
قالت له:
ـ لا، ليسوا كلهم، انما القسم الذي يكون مثله فهو مثله.. لاحظ مثلا شيخ القبيلة المختارة، فرغم انه خصمنا، لكن كل ما نسمعه عنه طيب، وبالمناسبة ـ قالت ـ انا لست مقتنعة بضرورة ان تغزوه قبيلتنا ولا ارى لذلك سببا سوى الغيرة التي في قلب شيخنا ازاء شيخ القبيلة المختارة وقد زدتها انت ولا اعرف لذلك سببا غير ان الطمع المشترك جمعكما وربما كان هناك ما هو اضافي لا اعرفه..
ضحك حسقيل.. وقال بنشوة:
ـ هل تقبلونني شيخا عليكم لو قتل الشيخ في هذه الغزوة؟
ورغم انها قالت: (ابعد الله الشر عنه)، فقد لاحظ حسقيل انها لم تقل ما قالته بحماسة، انها لم تقله بورع، في كل الاحوال..
وقال:
ـ انه محض تساؤل، فأنا ايضا اتمنى له العودة سالما..
ـ على اي حال، لا داعي لتستبق الاحداث.
قالت ذلك وهي ترتدي ملابسها وتقول:
ـ لقد تأخرنا.. وربما (رص) البرد ضلوع لذة.. كأنها ارادت بقولها الاخير ان لا تسد الباب عن مواصلة الحديث في الفكرة او في الاقل التأمل فيها..
في اليوم التالي جاءته لذة، بعد ان قالت لامها انها ذاهبة الى حسقيل لتختار قلادة، وفق ما اشارت الى ذلك في الليلة الماضية، وقد لاحظت امها انها قالت ذلك، في الوقت الذي كانت امها منشغلة بعدد من (شيخات) القبيلة اللائي جئن لزيارتها، وعندما لاحظت ان ابنتها مصرة على الذهاب، وانها لن تنتظرها.. قالت لها:
ـ خذي معك العبدة فلانة.
ـ بل العبدة فلانة، قالت لذة، وقصدت ان تأخذ العبدة التي كان عمرها لا يزيد عن عشر سنين، بينما ارادت زوجة الشيخ من ابنتها لذة ان تأخذ ام العبدة الصغيرة.
عرفت الأم قصد ابنتها عندما اختارت العبدة الصغيرة، او هكذا تصورت، ومع ذلك لم تستطع ان تجادل ابنتها، او تمنعها بسبب وجود ضيوفها.. لكنها قالت في نفسها: لماذا أمنعها مما رأتني فيه؟.. وعندما تقول: اذا كانت ابنتي لم تمنعني مما قمت به لانها غير قادرة على ان تقوم بهذا علي، أليس من واجبي ان أمنعها عن عمل اميزه عقليا بأنه خاطئ ومنحرف ومشين، بغض النظر عن نوع مشاعري الشخصية ازاء ما هو مثله لو تعلق الامر بي؟ وهل يكون تورط ابنتي كأنه في حكم الحال الحتمية، لانني تورطت؟ ثم تعاود، بعد ان انشغلت عن ضيوفها بأمر كأنها تتابعه، مع انها في حقيقة الامر لم تفعل الا متابعة تساؤلاتها مع نفسها: ولكن ماذا يحصل، كرد فعل من حسقيل، لو منعتها عنه؟ ترى الا يعاقبني؟ وماذا لو هجرني؟ الا تكون حالي حال من يجرد من ملابسه ممن يسلبها منه، ولا يدافع عن نفسه وعن ملابسه، ويولي هاربا وهو يقول لمن سلبوه ملابسه: اراهن على انكم غير قادرين على اللحاق بي فيضحكون عليه، ويقولون له: لم يبق لديك ما يغرينا على الركض وراءك.. فاذهب راشدا.!؟ ثم تعود لتقول: سأخسر المتعة، بعد ان خسرت الشرف
.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:30 pm

وبعدها تقول: أليس الافضل ان اقبل بهذا الاحتمال لاحافظ على السمعة، حتى رغم علمي بأن شرفي قد ضاع؟ أليست السمعة المعروفة بقياسات حسنة في الشكل العام غطاء للشرف المهدور، من غير ان يعرف صاحبه ويسمى عليه؟ وعندما لا يعرف احد انه قد هدر.. أليس الافضل ان احافظ على شرف ابنتي وسمعتها، واحافظ على سمعتي بين الناس، رغم انني اعرف ان شرفي قد هدر، وان حسقيل وابنتي يعرفان هذا؟ ثم تظهر مترددة امام نفسها، لا تعرف اي قرار تتخذ.. ومع ذلك تقول: لأترك هذه الهواجس الآن، ريثما تعود لذة.. ولكن ما ادراني، فقد يتمكن حسقيل منها في هذه الزيارة!! ثم تقول: كان علي ان اصر على ان ترافقها العبدة الكبيرة.. وعندها تعلق: وماذا يمكن ان يفعله مملوك غير ان يغطي على عيوب سيده؟ وحتى لو اوصيها بما اوصيها به.. هل تستطيع ان تمنعها عندما تريد؟ ثم تعود لتقول: لن تستطيع ذلك، لانها في الاقل لن تنسى انها عبدة، وان ابناءها عبيد، وحتى لو ماتت سيبقون عبيدا للشيخ، وانها عند ذلك ستحسب الحساب حتى لعلاقة ابنائها مع لذة، لو صارت في يوم من الايام بموقع الشيخة الذي انا عليه، لذلك حتى لو ذهبت العبدة الكبيرة معها، لن تستطيع ان تفعل شيئا امام رغبة حسقيل وضعف لذة. ثم تعاود القول: اذا كنت، انا كبيرتهم لم اصمد امام شراك والاعيب حسقيل، فكيف يمكن ان تصمد ابنة غرة امامه، بعد ان بدأت قبلها طريق الانحراف، ووصلت الى حضيضه؟ ثم تنهمر دموعها، وبعد ان تكفكفها تبدو كالمحطمة، وعندما تعود الى نساء القبيلة، ويلاحظن انها بكت يهوِّنّ عليها بقولهن:


ـ لا تبكي، ان فلانا ـ ويقصدن شيخ القبيلة ـ سيعود هو واصحابه وقد غنموا مالا كثيرا، بعد ان يقهروا القبيلة المختارة.. وفي ظنهن انها كانت تبكي تنفيسا لحسرة في صدرها على غياب زوجها.
عندها تبتسم وتقول:
ـ لا عليكن، ان شؤون الدنيا كثيرة، والوانها متعددة.

***

ذهبت لذة الى بيت حسقيل، ووجدت انه اعد نفسه بانتظارها ودخلت ومعها شنان وضعته في صرة.
تناول حسقيل الشنان، وشكرها عليه، ثم اندفع بصورة مرتبكة، وانتزع فروته من على القاطع بين مكان الرجال حيث جلست العبدة الصغيرة، وفق ما امرتها سيدتها، ومكان الحريم حيث يقفان ـ حسقيل ولذة ـ وقال لها وهو يفتح الفروة ليريها اياها:
ـ الآن هي خالية من القمل.. لقد نفضتها فوق نار التنور، وابقيتها طيلة النهار مفتوحة ومنشورة، تضربها الشمس على الحبل الوسط لبيت الشعر.. انظري هنا حيث ظهر الفروة من الداخل.. وانظري هنا تحت الابط والاكمام.. انها خالية من القمل تماما، وسوف اغتسل بالشنان الذي جئتني به وفق ما امرتني.
كان حسقيل يقول ذلك بارتباك واضح، وبدا كأنه مهووس.. ثم فتح صندوق الخشب الكبير الموضوع في صدر البيت، اقرب ما يكون الى قاطع وسط البيت او ملاصقا له.. وقال: ـ هذا الصندوق وما فيه من ذهب وانا في خدمتك، فخذي اي شيء مما فيه، واتركي ما تشائين.

كان الصندوق مصنوعا من الخشب الهندي، ومزخرفا بزخرفة الهند، تتوسط الطبقة العلوية من الصندوق قطعة حديد تتعشق مع نتوء من الحديد مثبت في وسط الصندوق في القسم الاسفل منه، وعندما يتعشقان مع بعضهما ويربطان بقفل، يكون الصندوق مقفولا في الوقت الذي ثبتت على غطائه الاعلى من الداخل مرآة يحلق لحيته امامها، او يرى شكله بها، هو ومن تشتري منه الذهب.. وكان هذا الصندوق مثل او قريبا من الصناديق التي كانت جداتنا وامهاتنا قبل سبعين او مائة عام، يضعن ملابسهن فيه، ويضعن معها صابونة افرنجي (ام الريحة)، وفق ماكُن يسمينها، لتتعطر بها ملابسهن، ويبعدن العث عنها بصورة او بأخرى.

فتح حسقيل الصندوق وعرض ما فيه من ذهب.. وتناولت لذة قلادة منه، وعندما ثبتتها لصيق رقبتها من غير ان تربطها، قالت لحسقيل بغنج، ومن غير ان تستدير ناحيته، حيث كان يقف خلفها قريبا منها:
ـ حسقيل، هل تعجبك هذه!؟
اصفر وجه حسقيل، واضطربت شفتاه، وصار بالكاد يبلع ريقه، وهو يقول (فديلك).. كل شيء تلبسينه يصير حلوا.
اقترب حسقيل منها اكثر وهو يقول: ـ هل اربط لك القلادة؟ لكنه قالها هذه المرة بثقة اكبر رغم انه لم يتخلص من اضطرابه، مع انه هذه المرة لم يكن اضطراب تحسب من النوع الذي يسبق المحاولة، ولا تعرف على وجه اليقين عواقبها، ورد فعل المرأة عليها، وانما اضطراب الرغبة الجامحة التي اجتاحته حين قالت له «حسقيل هل تعجبك!؟».
ألا يكفي الرجل هذا كاشارة دالة على رغبة المرأة فيه، او ايهامه بهذا، في الاقل؟ بل هل ينتظر رجل غريب من امرأة ما هو اوضح من هذا ليعرف رغبتها فيه، او يتوهم في ذلك، وبخاصة عندما ينفردان في مكان واحد؟
كرر حسقيل تساؤله:
هل اربط لك القلادة من الخلف؟
ـ نعم، لو سمحت.. ورفعت طرف ملفعها المتدلي على ظهرها من الخلف، واظهرت له رقبتها، ثم انحنت برأسها للامام قليلا، في الوقت الذي ابقت يديها مرتفعتين ممسكتين بطرفي القلادة وهي تشير اليه ان امسك بطرفي القلادة مني.
وجد حسقيل فرصته ليقترب منها، منها الحد الذي اقترب جسمه من جسمها من الخلف، حتى كاد يلتصق بها، ولكن يديه كادتا، وهو يفعل ذلك، تعجزان من شدة ارتعاشهما عن الاحتفاظ بالقلادة من طرفيها، بل تعذر عليه ان يعقد طرفي القلادة..
ـ حسقيل، ماذا حصل لك؟
ـ صبرك علي، يا من فداك روح حسقيل.. قالها ايضا بصورة متلجلجة من شدة ارتعاشه، ولكن ما ان استدارت بوجهها اليه، حتى حاول ان يلثمها، فدفعته بقوة عنها، وخرجت والقلادة بيدها بعد ان قالت له:
ـ اذا كنت لا تستطيع ربطها، اتركها لي سوف احاول ربطها.
ـ بل استطيع ربطها!! ان صبرك علي كان قليلا..
قالت جوابا على ما غمزها به:
ـ ولكن صبرك قليل ايضا.. اترك هذا الآن حتى اعتاد عليك، اترك هذا، لئلا اتأخر عن والدتي التي تنتظرني في بيتنا، وسوف آتيك مساء اليوم، بعد ان تغتسل... ولا تضع الفروة على جسمك حتى تغتسل تماما بالشنان الذي جئتك به.
قال حسقيل وهي تهم بأن تخرج من البيت: ـ ولكن، ماذا عن والدتك..
ـ سأقول لها ان هذه الليلة ليلتي.. او اجد العذر الذي يصلح غطاء.. الا يعجبك ذلك؟
ـ ثم عادت لتقول مع نفسها: وهل يعجز من يقرر، ويقدم على انحراف او غطاء، او حتى ذريعة لفعله!؟
ـ بل اموت في ما تقولينه، وروحي (فداك).
عندما مرت هي وحسقيل على عبدتها الصغيرة وجداها لمت جسمها، وضمت ركبتيها الى بطنها، لتتقي برد آذار في بلاد الشام ونامت فوق برذعة حمار، بعد ان لمت يديها ايضا، ووضعتهما بين فخذيها، ذلك ان الانسان كلما قلص المساحة السطحية لجسمه صار البرد اقل عليه..

***

خرجت لذة وعبدتها الصغيرة تمشي خلفها.. كان ربيع آذار (يدفن) قدميها، وهي تسير باتجاه بيتها.. وثغاء البهائم الصغيرة يأتي من كل بيت شعر في اشارة الى حاجتها الى امهاتها في الوقت الذي كانت الحمير ومنها حمار حسقيل، تنهق كعلامة على رغبتها في ان تقوم بدورها الطبيعي في ادامة الحياة، بعد ان تخلصت من برد الشتاء وجوعه.
بينما كانت لذة تمشي مختالة وهي تردد مع نفسها: يا كلب، وتقصد بذلك حسقيل، سوف اكشف كل غاطسك واعلمك ان بنات العرب غير بنات العجم. وقد غمزت في هذا من امها باعتبارها لم تكن من اعمامهم وانما هي اعجمية.. وبينما هي تسير في الربيع باتجاه بيتهم.. انزلقت احدى قدميها في حفرة عميقة نسبيا، لم تكن قد تبينتها بسبب كثافة العشب، ووجود احجار قريبة منها، فالتوت ساقها، وكسرت قدمها من الكاحل، وبعد عدة صيحات ألم، أغمي عليها في المكان ولم تفق الا بعد ان نقلتها امها بمساعدة نساء الحي الى البيت.

* هامش:


1 ـ نبات كان هو الوسيلة الاساسية لاغتسال البدو والحضر.. بعد ان يطحن او ينقع.. ثم يغتسل به وبمائه.. ويقابل الصابون في عصرنا.

صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:31 pm

كان الطب شعبيا آنذاك، يعتمد على الاعشاب والمتمرسين فيه من اصحاب الخبرة فحسب، حيث لا مدارس ولا كليات ولا من يعلمه لغيره، الا من خلال المعايشة والممارسة التي تفرضها حاجة المريض، وحاجة من يمارس الطب.
كانت الكسور تجبّر عادة بربط عيدان حول الرجل، او الساق، او اليد من كل الجهات.. ولفها بخرقة بعد تنقيعها بصفار البيض، او (النورة)، وتثبيتها كلها بخيوط حول المفصل او العظم المكسور، والتوصية بعدم الحركة اذا كان الكسر في القدم او الساقين او الفخذين او ان تكون الحركة محدودة اذا كان الكسر في الايدي. واذا ما اكتشف المجبر ان الربط ليس صحيحا بعد عدة أيام، وأراد أن يعيد الكسر إلى ما كان عليه ليعاود ربطه من جديد، لف منطقة الكسر بسمكة ليوم واحد او من المغرب حتى ضحى اليوم التالي وعندها يجد الكسر قد عاد الى خط البداية، وقد تكون اسهل على المريض من العملية الجراحية في العصر الحديث، حيث يعاد العظم الى ما كان عليه عند خط البداية بدلا من التئامه المخطوء.. وفي كل الاحوال، فإن التوصية بإطعام المصاب لحما لا يتنازل عنها من يمتهن هذه المهنة ولا المريض، بسبب قلة من يتناولون اللحم ايام زمان، في غير مناسبات متباعدة بعينها في السنة الواحدة غالبا ما لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة او اصابع اليدين.. هكذا كان حال الناس في الوطن العربي كله، وهكذا على سبيل المثال كان الحال في العراق حتى اواسط السبعينات من القرن العشرين.. اذ ان اكل اللحم في الريف العراقي حتى السبعينات من القرن العشرين، انما كان يحصل في مناسبات بعينها عندما يتوفى الله من يتوفاه او عندما يحصل زواج او ختان او دعوة لمناسبة بعينها، ومن ذلك ان يكون الضيف على القبيلة رجلا معروفا من قبيلة اخرى، جاءهم من مسافة تجعل ضيافته واجبة، واذا كان هذا يجري في العراق على هذا المجرى حتى السبعينات، فبإمكان من يتصور ان يقدر الوضع في بلاد الشام قبل ألف وخمسمائة عام او نحو ذلك!! بدت نصيحة الطبيب الشعبي كأنها نزلت من السماء، وامرت الشيخة، أم لذة، بذبح شاة على الفور، وبقيت تفعل ذلك بين يوم ويوم طيلة الفترة التي غاب فيها زوجها عن الديار، لتعالج ما كانوا فيه من حرمان تحت غطاء الضرورات الظرفية، وليس استجابة لحاجة لذة مكسورة القدم اليه فحسب.
كان حسقيل يزورهم في البيت ليطمئن على لذة، وفي الوقت نفسه ليطمئن على شؤون البيت، وصار يأمر الخدم والعبيد، وصار ابناء العشيرة لا يخرجون عن اوامره مع غياب الشيخ، وكان الكثير من رغباته ينفذ، بل راح بعضهم ينفذها بحماسة، وعندما ينتقد احد حماستهم لتنفيذ اوامر حسقيل، يقولون له ان القوة الآن بيد حسقيل ونحن لا قوة لنا في مواجهته، لذلك فإن طاعته اصبحت واجبة.
ـ وهل تطيعونه لانكم ترغبون في هذا أم لانكم لا تعرفون مواطن ومصادر قدرتكم لو رفضتم طاعته وهو غريب وانتم ابناء القبيلة؟
يقولون له:
ـ ان مصلحتنا تقتضي ان نلثم اليد التي لا نستطيع ان نلويها في مواجهة، وان نفعل الشيء نفسه لو كانت تنفعنا بشيء..
ـ حتى لو كان هذا على حساب مصلحة القبيلة، واخلالا بتقاليدها وتراثها ودينها؟
عندها يقولون:
ـ دعك من هذا، ان من يتزوج أمنا يصير عمنا.. يقولون هذا منساقين خلف مثل شعبي يعبر عن مرحلته ومرحلة ضعف الناس فيها او غامزين من علاقة حسقيل بزوجة الشيخ.. وكانوا مبهورين بقدرة حسقيل على ادارة شؤون القبيلة في غياب شيخها ومتمتعين بثنائه عليهم وما يخصهم به من دريهمات او فتات، بل ان قسما منهم مقتنعون بأن اوامر وتوجيهات حسقيل ادق من تلك التي كان شيخ العشيرة يصدرها لهم، عدا عن ان بعض ابناء العشيرة صاروا يستفيدون من (خبرات) حسقيل، بعد ان باتوا ضمن شبكة الدعاية والعيون التي نشرها على القبيلة.
كانت أم لذة تتردد على حسقيل في كل ليلة، وكان حسقيل يزور بيت الشيخ في النهار او بالاحرى يرابط في (الربعة)، وكلما وجد فرصة استدار الى قسم الحريم او وقف ليغازل لذة او أمها، من خلف القاطع الوسطي. ولكن يبدو ان كسر كاحل لذة مع الاسباب الذاتية جعلها تصحو على نفسها وجعلها تتردد ازاء رغبات الحد الادنى لحسقيل، ومن ذلك كانت تستثقل كلام الغزل الذي كان يغمزها به من خلف القاطع، كلما وجد الى ذلك فرصة، لكن وضع قدمها ورقودها في الفراش جعلها غير قادرة على ان تفعل ما خططت له.. بالضد من رغباته.

***
ـ حسقيل؟ سألت لذة..
ـ نعم.. أجاب حسقيل..
ـ لماذا امتهنت الحدادة ومن بعدها صياغة الفضة والذهب الآن؟
ـ وأي مهنة تريدينني ان امتهنها غير هذه المهنة.. أأرعى الاغنام أم الجمال أم ماذا؟
فقاطعته قائلة:
ـ بل تمتلك الخيول والجمال والاغنام والبغال وهناك من يرعاها لك.. على حد علمي، فإن جدك كبير قومه، صار بعد الدعوة التي يتحدث عنها وبعد ان أمن بها كثير من الناس، كأنه كبير كل الاقوام، بفضل حكمته وورعه وعدله.
ـ لم أشأ ان املك الخيول والبغال والجمال والغنم.. ان عبئها كبير وقيمتها أقل من الذهب، قال حسقيل.
ـ لكنها، هي والزراعة، القياس العام للثروة في حياة الناس الآن.. وقلة ضئيلة، بل بعض النساء فقط هن اللائي يجرين خلف ملكية الذهب والفضة.. اجابته لذة. ـ وما ادراني، يا لذة، لو ملكت الخيول والاغنام والابل.. ربما كنت الآن قد مت قتلا، حيث سيطمع الناس في ما أملك؟
ـ ولكنك الآن تمتلك الذهب والفضة ولم تمت قتيلا..
ـ نعم، الآن املك الذهب والفضة.. ولا أحد يغزوني.. لان الصائغ لا يكون علم قومه، رغم قيمة ما يملك، انما شيخ العشيرة.. ثم ان العرب لا يغزون اصحاب الحرف، ويعتبرونهم ضعفاء ولا يشاركون قومهم في غزو، انما يصنعون لهم عدة الغزو مثلما افعل الآن ونمارس الغزو بطريق آخر.. نحن نستولي على ملكية الآخرين برضاهم.. بل برغبتهم مع رضاهم من غير ان يسيل دمنا.
ـ وكيف؟! ـ نبيعهم ونستولي على ما في جيوبهم.
ـ ولكنك الآن، تتمنطق بسيف وخنجر.
ـ نعم، اتمنطق بسيف وخنجر، لكي اشعر الآخرين بضرورته في الحياة.. ولكي اناول أيا منهما لمن يتشاجر قربي، اذا كان سيفه او خنجره بعيدين عنه في اللحظة التي يقرر ان يجعل الدم يسيل من صاحبه.
ـ ولكنك، على هذا تكون شريكا في الجريمة امام الله، على وفق مبادئ جدك ابراهيم، وعلى وفق مبادئ محمود ويوسف من بعده.. قالت لذة.
ـ ولكن ليس على مبادئ شريعتي وما أؤمن به، بل لا يهمني حتى ان اكون شريكا في الجريمة على وفق ما اشرت اليه، وانما ان يرتكبها غيري بيده، من غير ان ارتكبها بيدي.. الا لو اضطررت اضطرارا لكي لا تكون لي عداوات شخصية مباشرة تؤثر سلبيا على تجارتي بالحلي والسيوف والخناجر والرماح والنبال، لكن كلما ساد الوئام بين الناس، افتعلت بينهم ما يشغلهم ببعضهم ويوفر لي فرصة افضل في جني الارباح.
ـ ولكن، لو ساد الوئام بين الناس واستقرت نفوسهم على الأمن والسلام، لاشترت النساء منك ذهبا وفضة اكثر، بعد ان يوفر الرجال ما يملكون، ولا يصرفونه على الرماح والخناجر والسيوف والنبال.
ـ عند ذلك سأربح من بضاعة واحدة، وعندها سيكون ربحي منها، مهما بلغ، اقل مما لو تعددت وتنوعت مصادره.. ثم ان الاستقرار قد يجعل لي منافسين آخرين كثرا في مهنتي، بينما يشغلهم القتال فيما بينهم بتنمية عوامل الفرقة والغدر والثأر، وعلى هذا الاساس اشجع الغزو، لكن لا اشارك فيه مباشرة، انما بصورة غير مباشرة واشجع الاحتراب بين الناس بسيوفي واروج لحسن صفاتها، لكن لا أستخدم سيفي بصورة مباشرة الا مضطرا..
ـ وعلى هذا الاساس افسر سبب عدم مشاركتك ابي في الغزو.
ـ لا.. ليس لهذا السبب وحده، انما لاسباب اخرى ايضا، لا مجال لان اقولها لك الآن يا لذة.. لاسباب اخرى.. كرر الجملة الاخيرة، وسكت.
عاد شيخ القبيلة المضطرة بمفرده اولا، وجاء بعده من نجا من الاسر او الموت.. وكانوا يصلون في غير انتظام وبمعنويات محطمة تماما مثل جيش ينكسر، ليس بسبب تفوق عدوه عليه في الكثرة او السلاح، انما في الروح المعنوية ويتضاعف الشعور الذي يخزي النفس، اذا كان الجيش المكسور بلا هدف مشرف استدعاه للقتال او ان يكون الاعتداء منه على غيره واضحا وبينا، فكيف اذا كان شيخ القبيلة، مع هذا كله، اول من دعا الى الغزو والعدوان واول من هرب من المعركة من غير ان يجرب سيفه؟! لقد انطبق كل ما في هذه المفارقات من سلبيات، وما يخزي اهلها ويضعفهم، على حال شيخ القبيلة المضطرة اولا، وعلى الهاربين معه من ساحة المعركة.. جاءوا مكسورين نفسيا، بل محطمين تماما.. ومثلما هو معروف في الظروف التي تنكسر فيها الجيوش والزمر والمجموعات، يكثر تبادل الاتهامات واللوم والتعنيف والتنصل من كل واي شيء كان سببا في الهزيمة، لكن الجمرات المحرقة وكل ما هو مخز كان يرمى بها على شيخ القبيلة المضطرة.. أليس الاسم العالي بيرقا لجماعته في المواقف المشرفة والاسم البين والاظهر في الشهرة من غير تاريخ مشرف، مزبلة للنفايات اذا اخزى نفسه وجماعته في المواقف؟ وهل هناك ما هو اخزى من ان ينهزم القائد او اي عنوان متقدم ويترك جماعته نهبا لاسلحة العدو؟ وهل يستحق، بعد ذلك صفة القيادة؟ او بالاحرى هل يستحق غير ان يرجم ويجلل بالعار؟
وجد حسقيل والبطانة التي كونها قبل وفي غياب الشيخ وفرسان القبيلة، ضالتهم في هذه الهزيمة وصاروا بعد ان جمعوا المعلومات التفصيلية عن سير الاحداث وطبيعة المواقف، يمعنون تجريحا او يوسعون جراح من اصابه مشرط الحقيقة على موقفه، فأصابت سهامهم شيخ القبيلة بوصفه الهدف الاسهل لان يصاب.. كان حسقيل يقول، وهو يحدث شيخ القبيلة:
ـ لقد استعجلت في الهجوم، سلمك الله، بخلاف ما اوصيتك ونصحتك به، فقد قلت لك: جاور خصمك واستطلعه واتخذ عليه حجة، عند وقوع خصمك في اي خطأ تجاهكم او ان تفتعل ما يجعلك تصوره خطأ وتحرشا منه بكم لتقيموا عليه الحجة وتضعفوا موقفه في علاقته مع جمعه وقد فعلت العكس، حيث اقام عليك الحجة امام جماعتك.. وفي الوقت الذي قاتل في مقدمة جمعه، هربت، كما علمنا، قبل ان تجرب سيفك.
ثم يعود حسقيل ليقول بخبث:
ـ يا جماعة، لقد امضيت في صناعة سيف طويل العمر وقتا اطول بكثير مما امضيته في صناعة سيوف الآخرين الذين قاتلوا.. بأمل ان يفي طويل العمر حق السيف وصنعته وكان اثمن عشرة سيوف مماثلة او اكثر لكثرة ما حوى من جواهر رصعت بها قبضته ليدل على عنوان صاحبه..
ثم يلتفت الى الشيخ، ويقول:
ـ لقد اوصيتك بأن لا تهاجم الا وفق تدبير تعده سلفا وان توزع الواجبات الى حد الرجل الواحد، حيث يعرف واجبه، لكنك هاجمت عدوك من غير خطة.. واوصيتك بان تهاجم في ظلام، حتى لو جاء هجومك آخر الليل، فلليل ثقله على اهله اذا ما اقترنت معه المباغتة والتدبير.. ولكنك هاجمت عدوك بعد طلوع الشمس، وبعد ان انهكك وانهك فرسان القبيلة سهر الليل، واحتساء الخمر مع الغجر ـ ثم يقول حسقيل ويكرر كلامه ـ اقول لك يا شيخ: الصحيح ان فرسان قبيلتنا رجال طيبون وفرسان جيدون لو كان الرأس فيهم شجاعا ومدبرا.. قائلا هذه المرة (فرسان قبيلتنا) بدلا من (فرسان قبيلتك)، وكأنه منهم نسبا، وموقفا وشعورا وليس رغبة في انجاح خطته وتوفير الغطاء لها فحسب.. فعل ذلك ليكون كلامه مؤثرا برجال العشيرة تماما، ولكي ينتقل كلامه من الرجال الى النساء عندما يحكون لهن.

***

استغل حسقيل الفرصة ليحطم شيخ القبيلة وفق تدبير مسبق، ليكون هو شيخها وفق ما فعل في وطننا العربي الكبير بعض الاعاجم الذين لم ينسبوا انفسهم الى بطون العرب المعروفة، وانما حتى الى ساداتهم، لولا حماية الله لشجرة آل البيت.
كان حسقيل قد اتفق مع الشيخة على الكثير مما يضمره، بما في ذلك ان يحل شيخا محل شيخ القبيلة المضطرة، واعدا اياها بالزواج بعد ذلك، لتقوم هي بدورها بين النساء، بينما يقوم هو وشبكته بما يقومون به بين الرجال.. ولقد اتفق معها، بعد ان سمعوا بالهزيمة (الكسيرة) التي حلت بالقبيلة، وهروب الشيخ من ساحة المعركة، على ان يقيم فور وصول الشيخ مأدبة كبيرة في بيت الشيخ على نفقة حسقيل، ويدعو لها كل من في العشيرة من الرجال تحت غطاء تكريم من وصلوا بسلامة، وفي مقدمتهم الشيخ، وأوصى الشيخة بأن تقيم مثلها للنساء لتقوم بما يقوم به مع الرجال، مع تكييف كل حالة وفق جنس مستمعيها..
كان رجال القبيلة ينصتون الى حسقيل وهو يتكلم، ووجد كل منهم غطاءه في هزيمته، بعد ان انصب لوم وتجريح حسقيل على شيخ المضطرة فحسب، أو وجد أولئك الذين اصابهم جرح نازف بموت ابنائهم، أو ذويهم، أو اسر الآخرين، متكأ ليحاسبوا شيخ القبيلة، وهكذا اقترح احدهم ان يعودوا، بإشراف حسقيل، ليجتمعوا في بيت حسقيل، وعندما قال احدهم ان بيت حسقيل لا يستوعب العدد، قال حسقيل:
ـ بل يستوعب.. وانا منذ الغد سأشتري بيتا كبيرا يستوعب رجال العشيرة من أهل الحل والعقد، بالاضافة الى فرسانها، ثم اننا الآن في بداية شهر نيسان، وليس في شهر نيسان برد مفاجئ، ولذلك تصلح هذه الارض كلها مضيفا للفرش وموائد الطعام، ثم قال:
ـ ابشروا، ابشروا، يا اعمامي، اي، نعم في بيتي، في بيت ابن اخيكم، والقلب أوسع لكم محبة وضيافة، تردفه العيون، يا ولد العم، يا اهلا وسهلا بكم.
قال أحدهم:
نعم، نجتمع في بيت حسقيل، بعد ان نعرف من سيأتي الينا حيا بعدنا، ونتعرف تفصيليا على من مات، أو وقع في الأسر.
قال ابن شيخ قتل ابوه في المعركة:
ـ بل نلتقي بعد اسبوع من الآن، لكي لا يبقى هذا الموضوع معلقا، وتبقى القبيلة من غير شيخ.
قال شيخ القبيلة المضطرة، بعد ان كان يستمع اليهم مطرقا:
ـ اتقول، يا ولد، ان القبيلة من غير شيخ، كأنك تقرر ذلك؟. وهمَّ بأن ينهض ليضربه، لولا ان اجلسه حسقيل في مكانه..
وعاد ابن الشيخ يقول..
ـ نعم، ان القبيلة من غير شيخ، لأن من لا يقاتل مع القبيلة، ويحمي من يحتمي بسيفه، لا يصلح ان يكون شيخا على القبيلة، وبدلا من ان تهم بأن تضربني، كان يفترض بك ان تضرب عدونا.. أم ان همتك لا تكتشف، ولا تستخدم، الا على ابناء جلدتك؟
واراد ان يسترسل بعد ان غير جلسته، ليكون في وضعية طوى بها رجليه تحته، واتكأ على ركبتيه وسيفه في حضنه، كأنه يتأهب ليفعل شيئا، لولا ان حجز حسقيل بينهما، بعد ان اجلس الشيخ في مكانه، واشار بيده الى ابن الشيخ الآخر ليسكت، فسكت..
عاد ابن الشيخ ليقول:
ـ بعد اسبوع من الآن في بيت حسقيل.
نبهه احدهم الى ان ذلك اليوم سيكون يوم سبت، فقال:
ـ بعد ستة ايام من الآن نكون على الغداء في بيت حسقيل، لنناقش أمورنا ونتخذ تدابيرنا، ومن لا يوافق يرفع يده.. ولم يرفع أحد يده غير الشيخ.. رفع يده كأنه سلم ضمنا بأن من يدير جلسة القبيلة هو ابن ذلك الشيخ باشراف من حسقيل.. وبذلك انفضوا بأمل ان يلتقوا بعد ستة ايام على الغداء في بيت حسقيل.

***

كانت زوجة شيخ القبيلة المضطرة قد استغلت تقليدا عند نساء العرب هو ان يقسمن بأن لا يستقبلن الرجال في مخادعهن عندما يكونون، فرادى أو جماعات، في موقف غير مشرف، ولذلك التقت بنساء القبيلة، وحرضتهن على ازواجهن ليهجرنهم في المخادع، واعلنت انها لن تستقبل زوجها في مخدعها منذ ذلك اليوم، وانها ستطرده من البيت الكبير الى بيت يبنونه له بعيدا عن البيت الكبير، ليكون فيه ريثما تقرر القبيلة مصيره، فإن جردته القبيلة من صفة المشيخة، طردته نهائيا من حياتها، وقالت: «هذا هو عهدي امامكن».
اثار قرار الشيخة حماس النسوة، لانهن لم يكن يعرفن نواياها الحقيقية، وفي كل الاحوال، كان قرار الامتناع عن قبول الرجال في المخادع تقليدا للعربيات في علاقتهن بازواجهن ان اصابهم ما ينتقصهم.. ولأن صفة النقيصة تنطبق على من يهرب من جبهات القتال، فقد انطبق القانون على أولئك الهاربين من المعركة، وهو اجراء يحض على الموقف العالي، والتصرف الذي يستلزم التضحية من الرجال حتما، وقد اتخذنه فعلا.. ولكن زوجة الشيخ استغلت ذلك لمآربها.. فهل يمكن ان يعاب تقليد اصيل، يقوي ويعمق جذور الجماعة، وثوابتها الاصيلة، بما يعز قومها، حتى لو استغل هذا ضعيف نفس هنا أو هناك لمآرب خاصة!؟ ان العيب لا يكون في استغلال التقليد الاصيل والتمسك به من أهله، حتى لو استغل من قلة باتجاهات غير الاتجاهات الصحيحة، وعكسه، التمسك بالتقليد الاصيل، والبناء عليه من غير تفريط أو تساهل فيه بما يسمح بدخول الهواء الفاسد، والفعل الذي يعيب من الثغرات.. وقد طردت الشيخة زوجها، بعد ان عزلته في بيت (مكورن) اي بعمودين بدلا من البيت (المثومن)، اي بثمانية اعمدة.. وصار حسقيل يتصرف في البيت الكبير، ليس بصفة مشرف عليه فحسب، وانما بصفة صاحب الامر والنهي، تسنده زوجة الشيخ في كل هذا، وتقف ابنته كأنها في موقف محرج بين حال ابيها وموقف امها منه، وما جعلها على هذا الحال هو ان موقف ابيها كان غير مشرف بل مخزيا، عدا مجاملتها لحسقيل، الذي عرفت ان هواه مضاد لهوى ابيها، وموقف امها التي لم تتبين بعد نواياها الخفية لتعرف كيف تتصرف.

***

خلال الايام الستة التي سبقت اجتماعهم المقرر، عقد حسقيل سلسلة من الاجتماعات واللقاءات في بيته الذي استأجره من اقرب تاجر، بدلا من ان يشتريه، ولكنه كان بيتا كبيرا بستة أعمدة، وليس كبيته القديم ذي العمودين، وكانت شقق البيت الجديدة كلها محاكة حديثا من شعر الماعز، بدلا من ذلك القديم الذي غالبا ما كانت شققه مهترئة.
كان حسقيل يعقد الاجتماعات بصيغة دعوات ينظمها، ويقدم الطعام فيها بسخاء، رغم بخله، بل كأنه في الدعوات التي اقامها، غادر ما هو معروف عنه من بخل ينتقل بالعدوى حتى لمن يجاوره ويتأثر بطباعه.. الا يغطي من لديه غرض سيئ غرضه بما يضحي به، اذا اقتضى الوصول اليه صرف الاموال؟ ثم ان حسقيل، الذي يحسب لكل فلس حسابه، رسم لما بعد الوصول الى هدفه، ان يسترجع الفلس بأضعافه، بل كأنه اراد، وهو يصرف على الدعوات، أو اعد ليكون كل فلس يصرفه مدخلا الى فرصة صممها لتحقيق مآربه.. وكان حسقيل، عندما يحضر الرجال دعوته، يفتح موضوعات ديونه عليهم بصورة غير مباشرة، أو يتفق مع احد افراد الشبكة، رغم انه مدين له، ليقول له:
ـ والله، يا حسقيل، يا طويل العمر، انت تعرف الحال، وان ما حصل لنا كبير، فنرجو ان تضع هذا في اعتبارك، فاصبر علينا بضعة أشهر اضافية، وبعدها نسدد لك الدين مع فوائده.
ويقول حسقيل:
ـ الأمر هين، انا اعرف الـظروف، واعرف كل شيء، وسأتصرف.
ويسكت من غير ان يقطع بشيء حاسم..
ثم يقول آخر:
ـ يا طويل العمر، يا شيخنا..
وعندما يقول (يا شيخنا) تنتفخ اوداج حسقيل فرحا، ويجفل ابناء عمومة الشيخ المهزوم.
ثم يقول حسقيل:
ـ ما زال فلان هو الشيخ، شيخ القبيلة المضطرة، الا اذا قررتم شيئا جديدا.. فالمهم عندنا ان تتفق القبيلة على من ترى انه صالح لقيادتها.. ثم يردف:
ـ كان الله بعون من يكون شيخا للقبيلة، فهو يحتاج الى مال لكي يطفئ نسبة الفائدة في الاقل نيابة عن المدينين بثمن السلاح، اذا لم اقل نسبة من قيمة ديون السلاح ايضا، ثم ان القبيلة اذا ارادت ان تأخذ بثأرها لما اصابها فهي بحاجة الى مدبر، لا ليعرف كيف يدبر امور القبيلة فحسب، وانما لينشيء تحالفات بعينها مع القبائل القريبة والبعيدة، ومن ذلك قبيلة الروم التي صارت منا وصرنا منها. ثم انه بحاجة لأن يتمعن في الكيفية التي يساعد بها الارامل واليتامى بعد هذه النكبة.. و.. و.
كان حسقيل يقول كل هذا كأنه ينسج صورة لا تنطبق الا عليه، او انه يوحي، ويجعل شبكته تنشط لتروج قول ان مثل هكذا مواصفات تنطبق على حسقيل وحده، حتى ان بعض الشعراء صاروا يصفونه بغير صفاته، وصار البعض الآخر، وهم يتحدثون فيما بينهم عمن (يرْهَمٌ) يصلح شيخا للقبيلة، يقولون: ان حسقيل منا.. يا اخي، ان القول المأثور (من عاشر القوم اربعين يوما صار منهم) ينطبق على حسقيل، وقد مضى على حسقيل معنا زمن طويل، الا يكفي هذا لأن نجعله منا، أو كأنه منا، لنختبر كفاءته في القيادة؟
ويقول آخر:
ـ ماذا يحصل لو اعطيناه فرصة لنعرف كفاءته ونواياه؟.. وماذا نخسر ان لم يعجبنا؟ يا اخي ـ يقول لمن يعترض ـ فعندها نستبدله بشيخ جديد..
ثم يردف قوله:
ـ الم نختر قبله ذلك الشيخ الفاشل في كل شيء.. فلا هو بكريم، ولا هو بحليم، ولا هو بمقتدر!؟ لماذا لا نعطي حسقيل فرصته؟ ثم ان حسقيل ثري، وهو الذي يصنع لنا السلاح، فماذا نعمل لو طلب منا اداء اثمان الاسلحة مع فائدتها الآن؟ في الوقت الذي يكون عدد كبير منا منشغلا بالتفكير في ما يعمله، وكيف يدبر فدية رقاب الأسرى.
وعندما يسأل آخر:
ـ ولماذا لا نختار ابن عمنا فلانا؟
يقول من يعترض عليه:
ـ وماذا نأمله في ابن عمنا؟ لقد جربنا الشيخ الذي نحن بصدد خلعه، ولم ينفعنا بشيء رغم انه ابن عمنا.. ثم ان حسقيل رتب تحالف القبيلة مع قبيلة الروم الكبيرة، ومن تكون قبيلة الروم معه لا يغلب، عدا انه سيطور الوضع الاقتصادي لقبيلتنا، ويحسن سلاحنا.. ويجعل من يعترض على ولايتنا غير قادر على تغييرنا بعد ان نحظى بوعد، وحماية شيخ قبيلة الروم لنا بأن يقاوم اي رغبة بهذا الاتجاه.
ـ وعندما يتساءل احدهم بالقول:
ـ اذا كانت قبيلة الروم حليفة حسقيل، وستكون حليفتنا، فما هي حاجتنا للاسلحة!؟
يجيبه احد ازلام حسقيل:
ـ لنواجه بها قبائل العرب، اعداء حسقيل، واعداء الروم.
واذ ذاك يتبادل اثنان من الشباب النظر فيما بينهما، ثم ينهضان تاركين مكان النقاش.
وعندما يقول له أحدهم:
ـ كان اختيارنا لأبي لذة خاطئا بالاساس، ثم، الا تتذكر ان القبيلة الفلانية التي غلبتنا فرضته علينا في ذلك الوقت، بعد ان قتل شيخنا ذاك الشهم في المعركة، عندما قالوا لنا انهم لا يطمئنون على علاقتهم معنا، ولا يقيمون معنا الصلح ما لم نقبل بهذا شيخا، وقد قبلنا به على هذا الاساس، ولم نختره نحن، بل كأنهم قد تعمدوا آنذاك ان يختاروا الاردأ من بين رجال القبيلة، فلنختر واحداً من الفرسان الجيدين من أبناء عمومتنا.. بديلاً له، وليس حسقيل..
عندها يصيح به آخر:
ـ دعنا، يا أخي، من تكرار قولك.. أبناء عمومتنا.. أبناء عمومتنا.. لنترك عمومتنا جانباً، ولنجرب اختيار أجنبي، حتى لو لم تعتبروا حسقيل منا، ماذا به حسقيل؟
ثم يصيح عدد من الحضور بصوت واحد ليرهبوا الحاضرين:
ـ بل حسقيل منا..
ويصيح آخرون:
ـ نريد حسقيل شيخاً لنا.
ويقول أحدهم ضاحكا:
ـ بل أنا على استعداد لأن أزوجه ابنتي فوراً.
ويقول آخر:
ـ وأنا أيضاً، أعطيه أختي من غير متأخر الصداق.. يكفيني ما يقدمه لي مقدماً بما يجود به! كانت هذه الاتجاهات بوجه عام، وكل ضمن تفاصيل يومه، هي الاتجاهات الأساسية التي كانت تدور حولها اللقاءات التي يجريها حسقيل مع من يحضر إلى بيته.
لاحظ الرجال أنهم ما أن يعودوا إلى بيوتهم حتى يواجهوا تساؤلات ومفردات أحاديث من زوجاتهم، أو أمهاتهم، أو اخواتهم، وكأنهن كن يحضرن الاجتماعات، وقسم كبير منها لصالح حسقيل، مع تمنيات تتعلق بالنساء المعنيات بأن يجود حسقيل على من يجود عليها (بمحبس) خاتم من ذهب أو فضة، أو بسوار، أو قلادة، لو فاز بالمشيخة، وكل منهن ترسم الخيال المناسب لثقل وزنها في القبيلة، أو لمستوى جمالها.. وعلى طرف الرجال المعنيين يمنّي كل نفسه بما يمكن أن يجود عليه حسقيل، ورضاه عنه بمال أو جاه، أو ما يثبته شيخاً على قبيلته، أو يمكّنه من كرسي مشيخة يناوئ عليه أباه أو ابن عمه أو أحد شيوخ عشائر القبيلة..
وما أن حان الموعد الذي حدّدوه، حتى التقى رجال القبيلة في ذلك اليوم، لكن حسقيل، بدلا من جعلهم يلتقون في بيته ذي الأعمدة الستة، فقد جمع شيوخ العشائر التابعين لهذه القبيلة في اليوم الذي سبق يوم اللقاء، ورجاهم أن يكون اللقاء الأول في بيت شيخ المضطرة بوصفه البيت الأكبر.. وأنه سوف يضمن لهم عدم حضوره، لكي لا يقول أهله وأبناء عمه إن اللقاء حصل في بيت حسقيل ذي الأعمدة الستة، بدلا من البيت ذي الأعمدة الثمانية (وبذلك يجدون مدخلا للطعن بقراراتكم).. هكذا قال حسقيل.
ثم أردف قائلا:
ـ ثم ان البيت صار الآن بيت أم لذة، بعد أن طردته منه.
وقال آخر:
ـ يا أخي، إذا كان الاعتراض على عدد أعمدة البيت، لنجعل عدد الأعمدة في بيت حسقيل سبعة بدلا من ستة، لنجعله ذا أعمدة ثمانية، بإضافة عمودين على الأعمدة الستة من غير مقطع اضافي في البيت.
ثم يعترض شاب لم يهرب من المعركة، وقاتل ببسالة:
ـ يا اخوان، ان الموضوع ليس موضوع عدد الأعمدة وإنما الفكرة، هل نلتقي في بيت شيخ العشيرة وتحت إشراف عدد منا، أم نلتقي في بيت حسقيل وتحت إشرافه؟
ثم يقول آخر:
ـ لديّ فكرة: لماذا لا نلتقي في بيت شيخ قبيلة الروم، وبذلك نحل الموضوع، ولكي لا نترك لدى أحد حساسية من الذين يتحسسون من حسقيل وبيته..
يعترض أحدهم ليقول:
ـ ليس المهم التسميات، إنما الفكرة، هل نقبل بأن يشرف أجنبي على مناقشاتنا ويوجه اختيارنا لشيخنا، أم نحل شأننا بأنفسنا، وبإشراف واحد من أبناء عمومتنا؟
ينفض حسقيل عباءته بحركة تمثيلية واضحة ويقول:
ـ إذا كان حضوري هو المشكلة، سأترك المكان.
صاح العدد الأكبر من شيوخ العشيرة بصوت واحد:
ـ بل يبقى حسقيل والروم الموجودون بيننا، فكلهم اخواننا، ولا فرق بيننا وبينهم.


وافق شيوخ العشائر المنتسبون لتلك القبيلة، ومعهم أغلبية الحضور.. رغم اعتراض أحد الشيوخ بقوة على هذا، وسحب صلاح سيفه وهو يصيح بقوة:


ـ ان هذا غدر.. ان هذا خيانة لتاريخنا وتراثنا، وتضحيات أجدادنا وآبائنا، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه، قبل أن يصير أبو لذة شيخا علينا والآن تسعون لأن يصير حسقيل شيخا علينا مع كلب الروم، بل ان تصرفا هكذا وصفه يعتبر خيانة حتى لدين من هو على دين حقيقي منا.. خيانة للحاضر وللأجيال من بعدنا.. فوالله لن ارضخ لأمر يسيئ لكل هذا، ولن يرهبني ويجعلني لا أقرر طريقي واختياري بنفسي، أنا وعشيرتي، ولن أخشى حسقيل ولا الروم، ولا أخشى من يرضخ صاغراً مخزياً لهما.


وعندما يعترض أحد الشيوخ يصيح به بقوة.. وعندما يهم أن يهوي عليه بسيفه يسقط على ظهره حتى تظهر عورته.. فيضحك قسم من الشباب، بعد أن يخرج الشيخ الشهم، على منظر جُبن مَن جَبُن.. عندما واجه ذلك الشهم الضعفاء.


من جانبه، كان حسقيل قد رتب الأمور مع زوجة الشيخ، لذلك كان الاجتماع في بيت الشيخ، واختيار وجهاء وشيوخ العشائر أن يكون حسقيل هو الذي يدير الاجتماع، وعندما حاول أن يظهر شيئاً من التمنع التمثيلي، قام كثر منهم إليه، ملحفين الرجاء، هذا يقبّل كتفه، وذاك أنفه، والآخر جبينه، أو كتفه، وصغار السن يقبِّلون يديه، وكلهم يرجون حسقيل أن يقبل الإشراف على مناقشة مصير القبيلة، إلا واحداً من الحضور، كان رجلاً مهيباً، قاتل قتالاً مشهوداً عند المنازلة مع القبيلة المختارة، رغم أنه أساساً لم يكن مقتنعاً بضرورة شن الغارة على تلك القبيلة، ولا بأسبابها ودوافعها.
لذلك عندما نزل رجال المضطرة من على صهوات جيادهم لينهبوا حاجيات بيوت المختارة قبل أن تبدأ المنازلة، بقي هو على ظهر جواده، ولم يشترك في جمع الأسلاب، وجعلته حصانته الذاتية وروحه العالية، وشجاعته، من بين القلة النادرة، بل في مقدمتهم، مع ما سجل من علامات متقدمة على من قاتل فعلا، لذلك كان آخر من انسحب من المعركة، ولكثرة ما سال على قبضة سيفه من دماء، جفت على كفه اليمنى بسبب الإمساك بالسيف لمدة طويلة، وهو يهجم بأمل أن يخلص أكبر عدد ممكن من الوقوع في الأسر.. ولأن الدماء جفت وجمدت على كفه وهي ممسكة بالسيف، فإنه لم يتمكن من فتح قبضة يده ويخليها من قبضة السيف، إلا بعد أن نقعها في ماء دافئ عند أعرابي استضافهم وهم في طريق العودة إلى ديارهم بشهادة من كانوا عائدين معه، إلى قبيلتهم بعد الغزو الفاشل.


قال صلاح، بعد أن نهض ليتكلم وقوفاً:


ـ إننا أبناء قبيلة واحدة، نحن الحضور هنا في دار الشيخ الذي خزينا به قبل أن يخزي نفسه، ذلك لأن من لا يستحي من العار لا تخزيه نفسه إذا ما ارتكب ما يعيب، أقول، نحن الموجودين في هذا البيت، كلنا أبناء قبيلة واحدة، إلا حسقيل، ومن احضرهم معه، فهو رجل غريب، والذين معه غرباء ايضا، بل جاءنا دخيلاً، وقبلنا أن يعيش بيننا كمستضعف، ويعمل وفق مصلحته صائغاً أو حذّاء للخيل، أو حداداً وصانعاً للأسلحة، لكن لا يجوز أن نبحث شؤوننا بحضوره، خاصة في شأن مصيري كهذا.. وفي كل الأحوال، لا يجوز أن يكون حسقيل مشرفاً على حوارنا هنا، أو شيخاً علينا..
وفي الوقت الذي كان يقول ذلك، كان كثر من الجالسين يشوشون عليه، وبعضهم يحصبه بالنوى أو الحصى الصغير، بعد أن كان حسقيل قد قدم لهم تمراً، قبل الغداء، وقد أراد بهذا لا أن يظهر لهم كرمه، إنما يجعلهم يتناولون التمر، وينكبون على شرب الماء، بما يجعلهم مقلين في تناول الطعام الذي أوصى أم لذة أن تزيد سمناً لكي لا يبالغ الشرهون في تناول الطعام.. هكذا قال حسقيل للشيخة أم لذة.
ـ وبذلك يا شيخة، بإمكاننا بأقل ما يمكن من الذبائح والثريد أن نجعلهم يشبعون.
ورغم ان الحاضرين كانوا يشوشون على صلاح، ذلك الرجل الوقور الشجاع، فقد واصل كلامه، وقال:
ـ انني اعترض على وجود حسقيل وأي غريب بيننا، ولكي لا تتصوروا أن اعتراضي على حسقيل لسبب ذاتي، فأنا لا أرشح نفسي شيخاً للقبيلة، وإذا كنتم لا توافقون رأيي، فأنا أعلن انسحابي من هذا المكان، وسأعزل منزلي عن منزلكم حتى تصحوا على زمانكم، وتلتزموا بتقاليد آبائنا وأجدادنا، وتحترموا حقوق القبيلة ومبادئها.. ومن يتبعني فليتبعني، ومن يبقى فعليه إثم ذنبه
.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:32 pm

نهض، ونهض معه عدد من الشباب الذين كانوا يحضرون هذا الاجتماع، ولم يبق إلاّ عدد قليل من الشباب لم ينسحبوا، مع عدد آخر من اعمار أكبر منهم، وأغلبهم كانوا كهولاً أو شيوخاً، وأثناء عبوره آخر صف من الجالسين، لطم وجه من كان يحصبه وهو يتكلم فسقط على الأرض، وتدحرج غطاء رأسه، وعندما حاول بعضهم أن يتجاسر عليه، سحب سيفه، وسحب الشباب الذين نهضوا معه سيوفهم ايضا، وهنا قام حسقيل ليقول:

ـ (اخوي راشدة)، اترك الرجل يرحل، ولا تعملوا لنا قصة، يا اخوان نحن لسنا بصدد ان ننشغل ببعضنا الآن، فلذلك شأن آخر، قد يأتي وقته لاحقاً.. لا تضيعوا علينا فرصة تدبير امرنا، ثم استدار ليهمس في أذن شيخي أكبر عشيرتين في القبيلة، كان أحدهما يجلس على يمينه، والآخر على يساره..
ـ سوف يعاقبه شيخ الروم على موقفه.. لا تقلقوا.
قال حسقيل ذلك، ليجبر الخواطر، ولكي لا تضيع عليه الفرصة التي خطط لها.. حتى انسحب الرجل الشجاع هو ومن تبعه من شباب القبيلة.
جلس الباقون، كل في مكانه.. وأمر حسقيل العبيد أن يصبوا القهوة للضيوف.. هكذا قال ليوحي بأنه صاحب البيت.
قال أحد الحضور:
ـ لنبدأ.
وبدأ ينتقد تصرف الشيخ أبي لذة..
تبعه آخرون، كل يصف عيوب الشيخ، وكان شيخ المضطرة، في الواقع، مليئاً بالعيوب.
قال أحدهم:
ـ لماذا لا نحضر الشيخ، لنسمع منه؟
نهره أحد شيوخ الروم.. فسكت.

***

استمرت محاكمة الشيخ حتى قرروا خلع صفة المشيخة عنه بحضور الجميع، وبإشراف حسقيل، وعندها صاروا امام ضرورة ان يختاروا شيخا للعشيرة بدلا من الشيخ المخلوع.
قال أحدهم:
ـ انا ارشح نفسي لهذا المنصب.. ومن لديه اعتراض فليقله.. قال ذلك بعد ان سحب سيفه من جنبه، وشهره بوجه من قد يعترض، وقام خلفه ابناء عمومته والاقربون، ومعهم بعض الروم، وهم يسحبون سيوفهم ويشهرونها.. وهكذا فعل آخر، ومعه فعل المقربون اليه، ثم ثالث ورابع وخامس، حتى لم يبق وجه وشيخ من وجوه وشيوخ العشائر ضمن تلك القبيلة الا ورشح نفسه، وسحب سيفه، ومعه اتباعه يشهرون سيوفهم بوجه المجهول..


هنا قال حسقيل: ـ يا (هالربع)، في مثل هذا الجو، من الصعب ان نختار من بيننا شيخا للقبيلة، وأخشى ان تحصل مذبحة بيننا، اذا اخترنا من بين الحضور شيخا لنا، بسبب تعارض الرغبات والاتجاهات.. ومن اجل ان نحقن الدماء ونحافظ على وحدة القبيلة، اشير عليكم بأن نحكم في امرنا شيخ القبيلة الرومية، فهو رجل حصيف، وفوق ذلك شيخ أكبر وأقوى قبيلة، وهو فوق كل ذلك، تحمل عبء ومخاطر الطريق ليجاورنا هو وقبيلته، أليس من الحكمة ان نعطيه فرصة ان يقول في امرنا رأيه، وهو شرف كبير لنا لا يدانيه شرف!؟
قال حسقيل ذلك وهو واقف، وعندما جلس صفق له كثير من شيوخ العشائر في القبيلة المضطرة، الا واحد اعترض على المقترح، وقال:
ـ انني افضل ان نحل امرنا بأنفسنا، بدلا من الشيخ الذي اقترحته، يا حسقيل.
وعندما رفض الحضور الرأي الوحيد للشيخ المعترض، قال حسقيل:
ـ اذن، على هذا الاساس، اعتبر ان شيوخ عشائر المضطرة قد وافقوا على مقترحي، الا شيخ عشيرة واحدا.
أصبح تحكيم شيخ الروم حالة ملزمة وواجبة طبقا لقرار اتخذه عدد من شيوخ عشائر القبيلة.. ورغم انهم لم يكونوا الاغلبية، ولكنهم فرضوه كأمر واقع، على اية حال.
نهض شيخ الروم، وتنحنح، وكلما تنحنح، قال له اقربهم:
ـ ابشر، ابشر، والله يا طويل العمر، لن نخرج عن مشورتك (شورك) وما تقرره، انت (خوينا) الكبير، وصاحب السطوة العالية في هذا الزمان.
عندها قال شيخ القبيلة الرومية:
ـ اجد صعوبة كبيرة في أن اختار واحدا منكم، بعد ان رأيت ما انتم عليه من فرقة، لذلك أرى، من اجل مصلحة القبيلة، ان يكون حسقيل شيخ قبيلتكم..
ثم اردف:
ـ ان حسقيل ذو تدبير، وهو يصنع السلاح، وله وكالات للمال والدعاية كثيرة، ويقيم معنا علاقات نثق بها ونأتمنها، وعلى هذا الاساس فنحن ايضا بامكاننا ان نساعدكم، وعندما تكون ايدينا بايديكم، ويكون حسقيل شيخ قبيلتكم، فإن كل شيء ممكن، بما في ذلك ان نتكاتف على قهر القبيلة المختارة.
ورغم اعتراض شباب القبيلة الذين ليس في ايديهم حل ولا عقد، صفق شيوخ عشائر القبيلة الا واحدا، قام وقال:
ـ انا ارفض هذا الاختيار، انه اختيار مهين لقبيلتنا، وانا اعترض عليه.
قال شيخ الروم:
ـ ولكننا سنحارب من يرفض.. وسوف نكون جميعا متحدين ضده.
قال ذلك الشيخ:
ـ انا ارفض هذا الطريق، ومع انني لا اريد الحرب، ولكن عندما اكون مضطرا عليها سوف اقاتل..
ومع ان شباب القبيلة صفقوا له، فإن ايا من شيوخ عشائر القبيلة الذين وافقوا حسقيل لم يأخذ برأيه، لذلك غادر الجلسة..
قال حسقيل:
ـ اشكركم اخواني، وأبناء عمومتي، على اختياركم اياي شيخا للقبيلة المضطرة.. سوف اسقط عنكم نسبة الفائدة على الديون المقررة بذمتكم.. وسوف أمنح كل شيخ من شيوخ العشائر في القبيلة مبلغا من المال يدبر به شؤون بيته، ويديم شراء القهوة ليقدمها في مضيفه، وكل على اساس وزن عشيرته، وسوف اخصص نسبة مما تجمعه العشيرة من عملها وثروتها لشيخ قبيلة الروم ليديم دعمه لنا، وكاعتراف منا بجميل اسناده، وصنيعه.. فنحن من غيره لا نستطيع ان نستمر في مشيختنا.
التفت حسقيل الى من كان يجلس جواره، ووجده يضحك، فقال:
ـ ان الطامعين في مشايخنا كثر، وان قوتنا غير مهيأة دائما لتكون في وضع تستطيع ان تصد عنا طمع الطامعين، خاصة اذا ما ظهروا لنا من بين صفوفنا.. ولذلك فإن حاجتنا دائمة، يا ابن اخي، للقبيلة الرومية وشيوخها..
وأضاف:
ـ اشكر لكم جميلكم وصنيعكم، واذا وافقتم، فانتم مدعوون في بيتي اليوم، لنحتفل معا انا وجماعتي.
قال (جماعتي) كأنها فلتة لسان، وكان يقصد شبكة العيون والدساسين، ومتسقطي الاخبار، لكنه استدرك ليقول
:
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:33 pm

عفوكم، اقصد انا وقبيلتي، نساء ورجالا، اليست الحفلات المختلطة افضل، يا جماعة الخير؟
صاح قسم من الشباب بحماس:
ـ بلى، يا شيخ.
وقال احد الحضور، وهو ثمل ويمسك بيده قنينة خمر من فخار، وباليد الاخرى قدح فخار ايضا، وبعد ان ملأه من القنينة رفع القدح الى الاعلى فوق رؤوس الجالسين، وصاح بصوت متقطع، ووجهه يتصبب عرقا، وهو بالكاد يجد بداية الكلام ليقول:
ـ بصحتكم.. بصحة حسقيل..
قالها متقطعة هكذا:
بــ.. صحـ.. ـتكم.. بـ.. ـصحة.. حســ.. ـقيل.
وقد اجابه شيخ قبيلة الروم بلغة اجنبية:
ـ (تشيرز).. ـ ثم استطرد حسقيل:
ـ ومعنا شيخ قبيلة الروم، نساء ورجالا، لنحيي حفلة مشتركة حتى المساء، ولنشاهد رقصات ودبكات الروميات، ومعهن، أو الى جانبهن شيخات قبيلتنا، بالاضافة الى رجال القبيلتين.
قال الاكثرية:
ـ نعم.. نعم.. الا اثنين.. اعترضا وخرجا.

***

بعد ان صار حسقيل شيخ القبيلة، حدد لمن يطلبهم ثمن السلاح موعدا ليسددوا ما عليهم، واستولى على ما يساوي دين من عجز عن التسديد من اغنام وابل وابقار، بل راح يستولي على بيوت الشعر العائدة الى من لا يستطيع التسديد..
وعندما يسأله من يسأل:
ـ اليس هذا مبالغا فيه، يا شيخ؟
يجيبه:
ـ وماذا افعل مع من لا يستجيبون لتسديد حقي؟
وعندما يقول له من يقول:
ـ اليس من حق ابن القبيلة على شيخه ان يتضامن معه في مواجهة الظرف الصعب؟
يجيب:
ـ وما قيمة الشيخ والمشيخة من غير فلوس، يا اخي؟ اترى انكم تختارونني شيخا عليكم لو لم املك مالا؟ الم يكن كثر منكم يأخذ برأي صلاح عندما كانت فلوسه كثيرة قبل القتال، وبقيتم في مجلسي عندما احتج على اختياري شيخا، ولم يكن ذلك لأن مالي كثير، وصار هو لا يملك كما كان في السابق، وان نفوذي اندمج مع قدرة ونفوذ الروم؟.. نعم يا اخي ان المال يجمع منك ومن الآخرين، لنواجه به اناسا كصلاح، ما ادرانا.. قد يظهر من بيننا كثر مثله! استمر حسقيل، الى جانب ذلك، يجمع الفلوس من حصيلة ما تشعب من مصالحه.. حتى صارت لمصالحه فروع ليس ضمن القبيلة المضطرة فحسب، وانما اتفق مع قبيلة الروم على ان يتوسعوا في مصالحهم وفق شراكة خاصة، ويمتدوا في مجاميع الحدادة والنجارة والحياكة وبيع السمن والبسط والزيت والزيتون لكل القبائل، ومن لا يفتح لهم مجالا لمصالحهم يشنون عليه حربا بصورة مشتركة، حتى انهم اسسوا وكالات خاصة لتصدير واستيراد كل شيء تبيعه القبائل أو تستورده، الا اهل العراق، فانهم رفضوا ان يبيعوهم شيئا، أو يستوردوا منهم شيئا، من خلال المكاتب التي اسسها حسقيل، أو اسسها بصورة مشتركة مع الروم.
ولأن ما كانوا يستوردونه من العراق هو النفط والقار (اي القير)، والتمر.. وكلها، عدا الحبوب، لم يكن احد ممن يجاورهم يمتلك بديلا عنها، فقد اضطروا الى ان يسمحوا للقبائل بأن تستورد من العراق من غير شروط. وتسببت المكاتب التي اسسها حسقيل، أو تلك التي اسسها بصورة مشتركة مع الروم في عداوات واسعة بين قبائل العرب ضد حسقيل وضد الروم من بعده، لأنهم تضامنوا مع حسقيل في تجارته الاستغلالية، عدا عن الارباح الفاحشة التي كان يتقاضاها من الربا، سواء من خلال وكالاته ومكاتبه المتخصصة المستقلة، أو تلك التي اسسها حسقيل بصورة مشتركة مع الروم. وقد فرض حسقيل والروم على كثر من قبائل العرب، بل حرموا عليهم ان يبتاعوا سلاحا، أو اي نوع من انواع ادوات الزراعة أو الحرف اليدوية، وحتى أواني الطبخ، الا من الروم أو حسقيل، وكانت عقوبة من يتجاوز ذلك ان يغزوه، ويستولوا على ممتلكاته، وعاثوا في الارض فسادا، بعد ان اصبحوا اكبر قوة في هذا المحيط، في ذلك الزمان، وكلما ظهر صوت يعترض على حسقيل وقبيلة الروم من بين الشباب، دبروا له في ليل خنجرا مسموما ليغمد في ظهره أو بين ضلوعه، أو يغروه يما يغرونه به، كل حسب هواياته واهتماماته ليتنازل عن موقفه لصالحهم، وصاروا الاكثر ثروة بين القبائل، بل لعل ثروة حسقيل بصورة خاصة، وثروة شيوخ قبيلة حسقيل وشيوخ قبيلة الروم صارت الاكثر، بغض النظر عن مستوى ملكية افراد القبائل العاديين، الغني منهم والافقر، حتى بالقياس بما كان عليه مستوى المعيشة بين القبائل الأخرى..

***

كانت الشيخة أم لذة تنتظر ان يتقدم حسقيل لخطوبتها، بعد ان طلقها زوجها الشيخ السابق، أو هي طلقته، وعلى اساس ما اتفقت معه من قبل، وعلى خلفية خدماتها التي قامت بها بين صفوف نساء القبيلة، ولكنه كان يبقيها بالامل مع كل يوم أو اسبوع أو شهر يمر الى ما بعده.. حتى صار الزمن يعد بالسنوات بدلا من الاشهر، وفي الوقت الذي كان يؤمل أم لذة، كانت عينه على لذة، ذلك ان لذة لم تمكنه من نفسها، ولأن من عادة هذا النمط من الناس ان يبحث عمن لم يلمسها، وفي الوقت الذي يشبع من تلك التي بين يديه، راح حسقيل يجري خلف لذة، وكلما حاول معها، تملصت منه بطريقة لا تجعلها تبتعد عنه ليقطع الأمل فيها، ولا تقترب الى الحد الذي تحقق بغيته فيها..
وعندما كان يقول لها:
ـ لقد اتعبتني يا بنت الحلال، ولم اعد اعرف ما اذا كنت راغبة فيَّ فعلا ام تلعبين بي.
تقول لذة:
ـ لا عاش من يلعب بك، لكن صبرك عليَّ، لئلا نلفت انتباه الناس لحالنا بما يثير التساؤلات، التي ما ان تكون في افواه خصومك، حتى تضعفك عندما يتقولون بما يعني ان عائلة الشيخ القديم متفقة معك على النتائج التي حصلت، سواء بعزل الشيخ ابي او بتنصيبك شيخا علينا.. وبذلك يضاف اليك عبء جديد، عدا الاعباء التي نسمعها ونراها من ان القبيلة صارت موزعة في ولائها بينك وبين من خرجوا عليك، بعد ان رفضوا انتخابك وولايتك على القبيلة، حتى صار لاعدائك شأن لم يكونوا عليه، عندما فزت بمنصب المشيخة..
ثم أليس ما تنتظره اكثر اثارة مما تأكله..!؟
سكت حسقيل على مضض، لا لقناعته بما قالته لذة، انما لقوة حجتها ومنطقها
..
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:34 pm

ثم يعود حسقيل لاجئا لأم لذة.. وان كان يراجعها وتراجعه، لكنه لم يبق في شوق اليها، مثلما كان في السابق، وعندما طال الزمن بها، ولم تلمس منه ما هو يقين في رغبته ونيته في الزواج منها، قالت له بوضوح:
ـ ان لم تتزوجني، يا حسقيل، سأجمع كل نساء القبيلة، واحكي لهن قصة المؤامرة التي حكتها على القبيلة، وما وجهتني بان اقوم به من دور وسط النسوة.. بل لعلي جمعت الرجال لاقول لهم الشيء نفسه، وعند ذلك سيكون مصيرك في كف عفريت.. ترى ماذا سيكون عليه حالك لو فعلت ذلك، خاصة بعد ان صار لك خصوم جديون داخل القبيلة، واولئك الذين شكلوا عشيرة مستقلة من الذين خرجوا عليك، بعد ان اشرفت على القبيلة، ثم خرج من خرج على ولايتك، عندما اختارك شيخ قبيلة الروم شيخا على قبيلتنا؟.. لقد غدرت (نكت) بي، ولم يبق امامي غير ما قتله لك، فعليك ان تنظر في الامر جديا، وتحكم عقلك وتقرر ولا بد ان تعرف كيف ومتى تقرر وامامك اسابيع قليلة، فان لم تقرر، سأحدد لك زمنا بالايام، وبعدها اكون في حل في اختيار التوقيت المناسب والطريقة الاكثر ايذاء بالافضاء بكل ما اعرفه للقبيلة..

داور حسقيل الامر مع نفسه، وانصت وهو في اسوأ حالة اضطراب، وهو يسمع منها كل ما قالته، حتى تحول التخلي عنها الى حقد وكره شديدين، والى شعور ورغبة جامحة في الانتقام.. لذلك افتعل او تقمص مظهر الهدوء وقال:
ـ انك واهمة في ما استنتجته، ولا اعتقد انك بحاجة الى ان تطبقي ما قلته، ذلك لأنني احبك ولا استطيع ان استغني عنك، لكنني اردت ان يبتعد الزمن عن خط البداية، لكي لا نلفت انتباه المتصيدين، ونعطي متسقطي الاخبار ومن يحاولون اضعافي واضعاف وهز القناعة بمشيختي، التي بنيتها انت بالدرجة الاساس، تخطيطا وتنفيذا ـ كأنه بهذا استعار جانبا اساسا من الحجج التي قالتها لذة، عندما كان يتحايل عليها ليتزوجها، بعد ان فشل في الحصول عليها من غير زواج.
قالت الشيخة:
ـ على اي حال، قلت ما قلته، رغم انني واثقة من انك ستتزوجني.. لكني اردت ان احسم ترددك في امر ينطوي على مصيري ومصيرك، واردت ان استعجلك، محاولة ورغبة مني في ان احصل منك على ولد يكون قرة عيوننا ويجعل دارنا تخضر من جديد، بعد ان كبرت لذة وامتناعي عن انجاب غيرها بعد ان اكتشفت ان حياتي مع شيخ العشيرة السابق لن تستمر.. وها هي لم تستمر، مثلما تعرف وترى..
ما ان خرج حسقيل من بيتها حتى بدأت افكاره تسير باتجاه التآمر على حياتها، بعد ان وضعته امام الأمر الواقع.

***

استمر حسقيل وشيخ قبيلة الروم في عملهما الذي اعتادا عليه من استغلال وابتزاز للقبائل المجاورة، تحت كل العناوين والانشطة التي ذكرنا والتي لم نذكر، واغتيال هذا او ذاك وفق تدبير مشترك لمن يِكتشف انه يعارض خططهما، بالاضافة الى العدوان المستمر على من كان يجاورهما، بما في ذلك انهما امتدا في غزواتهما وعدوانهما حتى الى العراق، لكنهما هنا ردا على اعقابهما، رغم ما الحقاه من اذى بالناس، ومنه قتل المواشي او الاستيلاء عليها وحرق المزروعات وقطع النخيل ومع ذلك ردا واتباعهما مهزومين بالنتيجة وكانوا عندما ينهزمون امام اي قوة او قبيلة، يزدادون حقدا على المنطقة ويزدادون امعانا في القتل وحرق المزروعات وقتل الحيوانات التي لم يستطيعوا الاستيلاء عليها ونقلها الى حيث ديارهم.. ولم يسلم منهم حتى النساء والاطفال، حيث لم يبقوا احدا يحبهم، بل صار الكل يكرههم من شرق المنطقة الى غربها ومن شمالها الى جنوبها.. وعبثا حاول شيوخ القبائل، زرافات ووحدانا، ان يقنعوا حسقيل وشيخ قبيلة الروم، بتغيير مواقفهما.. وارهق الناس من حولهما جراء عدم الاستقرار والحروب، وبدأ الفقر يدب بسبب الاتاوات التي فرضاها على الناس، عدا الزامهم بان يكون كل نشاط تجاري او اقتصادي بوجه عام مع حسقيل ووكالته ومع رئيس قبيلة الروم وقبيلته حكما، على ان يفرضا اسعار ما يشتريانه او يبيعانه، ولم يعد للمنافسة من اي طرف مكان او دور، انما ما ذكر فحسب.. بالاضافة الى الاتاوات المباشرة التي يفرضانها على الناس واصحاب الاموال منهم بوجه خاص، من حين الى آخر، تحت هذه الذريعة او تلك..

***

في أحد الايام، اقترح حسقيل على شيخ الروم اقتراحا غريبا، قبله شيخ الروم.. اقترح حسقيل ان يشيدا بناءين شامخين كأنهما برجان عملاقان، وصارت المبالغات والقصص تدور حولهما، بسبب ارتفاعهما ومستوى البناء، حتى قال احد البنائين الفرس ممن استخدموا في البناء، ان فأس البناء سقط من يده يوما وهو في الطابق الاخير، وبسبب ارتفاع البناء لم يصل الفأس الى الارض حتى ذلك اليوم الذي كان يتكلم فيه.. وانهم عندما كانوا يعملون في البرج ـ يقول الفارسي ـ كان صعودهم يستغرق اسبوعين ونزولهم اسبوعا، بعد ان يبقوا معلقين في سلم البناء ثلاثة اسابيع ليل نهار..
كان عدد من الاعراب وغيرهم يستمعون الى مبالغات هذا الفارسي، وعبثا حاول من حاول منهم ان يقنعه بعدم دقة ما قاله.. لكنهم لم يقولوا له انه يكذب على غرار ما تفعله الدبلوماسية في هذا العصر، بقولها عن الكبار عندما يكذبون، ان فلانا الأميركي.. او الانكليزي او الفرنسي، لا يقصد ما قاله، او ان الصحافي الذي نقل عنه الكلام لم يكن دقيقا او لم يكن دقيقا تماما..


اراد احد الاعراب ان يناكد الفارسي بسبب كذبه، فقال له:
ـ كنت مع والدي في زيارة للعراق، واشترى لي والدي خيارة قثاء من سوق مدينة (تل اسمر) (1) السومرية، وكانت الخيارة ناضجة وبذورها ناضجة هي الاخرى، وقد جلسنا نأكلها على حافة نهر ديالي، الذي كان اسمه تورنات في تلك المرحلة من الزمن، فسقطت بذورها ونبتت بذرة منها واورقت وازهرت واثمرت خيارة ونحن جلوس ننتظر ما يحصل، واستمرت خيارة القثاء تستطيل وتستطيل ونحن نمشي معها حتى وصلت الى حدود العراق مع ايران، واجتازت الحدود، واستمرت تستطيل فدخلت طهران، ثم قصر الشاه الايراني، ولم يتمكن الحرس منها، واستمرت كأنها افعى تسعى وتتلوى في طريقها، حتى اتجهت باتجاه غرفة زوجة الشاه.. وهنا صاح الايراني:
ـ (امان).. دخيلك.. اوقف الخيارة ولا تدعها تستمر.
قال محدثه:
ـ ايها الكلب، لن اوقف خيارة القثاء الا اذا جعلت فأس أبيك تسقط على الارض في الحال.
على هذه الصورة والتخيلات كانت صور البرجين ترسم وتنسج حولهما القصص والروايات والمبالغات، لكنهما على اي حال برجان شاهقان وفريدان من نوعهما، وقد اقنع حسقيل شيخ قبيلة الروم بانشائهما، لكي يكون لكل واحد منهما برج يضع فيه ثروته او جل ثروته، بما في ذلك الحبوب والصوف والسمن والتمر والذهب، حيث تتعذر السيطرة عليهما لو وقع غزو، اذ يكفي ان يكون فيهما عدد من الحراس مع القسي والنبال والسهام، او اي من الاسلحة الاخرى، ليكون من المتعذر على الغزاة السيطرة عليهما وانتزاع موجوداتهما.. وقد بني البرجان عبر البحر على الحدود الفاصلة بين القبيلتين: القبيلة المضطرة وقبيلة الروم.. وعندما انجزا، صارا من بين العجائب على قياس الاعاجيب في ذلك الزمان.. وبانجاز بنائهما، كان الشيخان قد عصرا عظام الناس واكبادهم وقلوبهم، ليوفرا تكاليف بنائهما، ولكي يخزنا ممتلكاتهما، كل في برجه.. وبالاضافة الى هذا الغرض، فقد كان الشيخان يحييان، كل في برجه، حفلات ماجنة جعلت الناس تضج مستاءة من تصرفاتهما ومجونهما.. وكل منهما يرصد غارات الاعداء عليهما او يرصد غارات جماعتهما ضد الاعداء، لما يوفره ارتفاعهما من امكانية النظر الى مسافة بعيدة.

صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:34 pm

وفي الحلقات السابقة، دارت حوارات بين الجد واحفاده حول مفهوم الثروة، واوضح كل منهم ما الذي يعنيه له. وتنكشف خلال ذلك أطماع حسقيل في التفرد بالثروة، ورغبته في الانفصال بما يملكه مما ادى الى نبذه من الجميع. ثم يوزع الشيخ ابراهيم «البلاد» على حفيديه محمود ويوسف، داعيا اياهما الى الابتعاد عن فتن الاجنبي. اما حسقيل فقد استقر في قبيلة مناوئة. ويسلط الروائي الاضواء على السلوك المشين الذي يتبعه حسقيل لدى القبيلة التي لجأ اليها وهي عشيرة المضطرة. ويواصل حسقيل خبثه مع شيخ عشيرة المضطرة وافراد عائلته بهدف السيطرة عليهم وعلى ثرواتهم عن طريق المصاهرة، وعن طريق «مشروعات» تربط العشيرة بالاجنبي.


كانت لذة، وهي تداور في ذهنها شؤون القبيلة، وما وصل اليه حالها، في الوقت الذي سيطر عليها حسقيل، تلاحظ ان الظروف صارت تسير بها من سيئ الى اسوأ، وفي الوقت نفسه كانت تستحضر مع هذه الصور السيئة، وتتذكر ما حكته لها العجائز عن جدها، وكيف كان فارسا مغوارا لا يشق له غبار، ومع ذلك، ولأنه رجل حكيم، كان يتجنب ان يفتح ابوابا للشر، (لكن عندما تفتح القبائل المجاورة ابوابا للشر وللنار على قبيلتها، كان جدي، رحمه الله، يطفئها بسيفه، حين لا يكون لحكمته صدى في عقول ونفوس من يشعلون نار الشر)..


ثم تعود لتقول:
ـ لا بد ان يكون غضب الرب قد حل بنا، بعد ان صار الاكثرية في القبيلة لا يذكرون الله، وصاروا يبتعدون عن دين ابراهيم واولاده، وكان جدي تقيا ورعا امينا صادقا مغوارا حكيما كريما و.. و..


ثم تسكت لتقول بعدها: ـ لكنه ارتكب خطأ واحدا عندما تزوج اعجمية انجبت له والدي، لأن جمال جدتي، رحمها الله، اغواه، حسب ما حكى لي كبار السن، ومنهم ابي وامي، عن جمالها.. لذلك لم يدقق في الاصل، ولأن الاصل ينبئ بما ستكون عليه الفروع، فقد ورث والدي صفات وخواص اخواله، لا صفات وخواص اعمامه، لذلك اخزانا في غزوته الاخيرة، وكسر اعتبارنا، مثلما كان عليه حاله الضعيف، وبخله وعدم قدرته على ان يحفظ تفكيرا وفعلا، للمعاني العالية استحقاقها وصفاتها ومعانيها.. مثلما كان يفعل جدي.. ان والدي، رحمه الله، كانت صفاته الاساس غير عالية، وهي صفات جاءته منقولة من اخواله، لذلك لم ينتبه الى ما ينبغي من خواص لتكون في من يختارها زوجة له، جريا على مسار خواصه، فتزوج امي، وهي من أم وأب اعجميين، لذلك فعلت فعلتها مع الخاسئ حسقيل، لأنها لم تشعر بالمعاني العالية لما يعز القبيلة، ولم تكن ترعى حرمة شوارب اهلها، لأنها تعرف ان اهلها لا يقيمون وزنا للاعتبارات التي تحفظها قبيلتنا وتحافظ عليها.
سحبت حسرة عميقة وواصلت مناجاتها لنفسها:
ـ انها غريبة، انها ليست منا، رغم انها امي، فالعظم يعود لأهله، ولأن العظم لأهله، عليَّ ان احافظ على معاني القبيلة فيَّ.. لقد اخزتنا انا وابي، لكنها لا تخزي القبيلة، لأنها ليست بنت عمنا، اما انا فان جذري في قبيلتي، انهم اهلي وناسي وان اخزيت نفسي اخزيتهم، اذن، لأدافعن عن شرف اهلي وناسي الخيرين، ولن تكون البداية الا بأن ارفض اغواء حسقيل باقتدار وشمم، ولآخذ منه ثأر ضعف امي، ولأدافع عن شرف قومي، وعند ذلك لن يبقى اسمي لذة وانما (نخوة).. ان ابي وامي هما اللذان سمياني لذة، وهذا اسم لا يليق ببنت شريفة ماجدة، اذن لأغيرنه، لكن ليس الآن، ينبغي أن لا أفعل أي شيء يلفت انتباه حسقيل ويجعله في حالة حذر، لكن، يا ربي، ماذا أفعل إزاء العار الذي سبّبته أمي لي؟ انك أنت القادر العظيم..
عندما قالت الجملة الأخيرة، كانت دموعها تنهمر وتسيل على وجنتيها إلى ملفعها، ثم تنهض وهي تقول في نفسها:
ـ لأبدأ مع بنات القبيلة، فبعد أن وصل عمري إلى ما وصل إليه، صرت قادرة على فضح مساوئ حسقيل، وإذا اقتنعت النسوة فإن كثراً من الرجال يسمعون من النساء، بل كثر منهم يسمعون حتى ما هو ضعيف من النساء، وأحياناً يتأثر بعضهم بما يسمعون، فكيف إذا كان حديث النساء في المعاني العالية؟! وإذا تأثر بعض الرجال بما سيسمعونه، فإن ذلك سيسري بين الرجال ليبدو بعد ذلك كأنه رأيهم، فضلا عن ان المرأة، بسبب وجدوها في البيت، قادرة على زرع رأيها في عقول الأطفال، والأطفال هم شباب وشابات المستقبل، وعند ذلك يستطيع الرجال، بإسنادنا وإدامة زخمنا في الدعاية والفضح، ان يفعلوا ما يجب، ليخلصوا القبيلة من حسقيل..
تصمت لذة.. لكنها سرعان ما تقول في نفسها:
ـ وما أدراني، ربما يكون ما أعرفه وأتصوره عن مساوئ حسقيل معروفاً من الرجال.. وقد يتولون فضحه في ما بينهم ايضا.. ألم يخرج عدد من الرجال على طاعة حسقيل، وينعزلوا عن القبيلة ما دام حسقيل فيها؟ ألم يعزل حسقيل بعضهم بعد أن صار لا يأمن مواقفهم؟! إذن، لأبدأ بنساء القبيلة، وأتكل على الله أولاً وآخراً..


قالت (أتكل على الله أولاً وآخراً)، لأنها تعلمت ذلك مما تعلمته القبيلة من شريعة محمود ويوسف، ثم نهضت لتحرض نساء القبيلة، مبتدئة بالصديقات المقربات، وببنات أعمامها اللائي كانت متأكدة من أن آباءهن، أو أزواجهن، إن كن متزوجات، لا يحملون وداً لحسقيل.

***

عادت لذة إلى بيتها في أحد الأيام..
سألتها أمها:
ـ أين كنت؟
قالت:
ـ عند بنات أعمامي.
استفسرت الأم:
ـ بم كنت تتكلمين معهن؟
ـ أحاديث بنات فحسب، لكن قولي، يا أماه، ألم تقولي إن حسقيل سيتزوجك؟ لقد مضت عدة سنوات ولم يفعل، ماذا ينتظر حسقيل؟ هل ينتظر أن يكبر؟ أم تنتظرين أن تكبري؟
لاحظت الشيخة ان ابنتها قالت الجملة الأخيرة بما جعلها تفسرها بأنها استخفاف بها وبحسقيل، أو استهزاء بهما، فقامت من مكانها وصفعتها على وجهها، وأدمت أنفها.. لكن لذة لم تقل شيئاً، ولم تمنع أمها من ضربها.. غير أنها قالت:
ـ لست التي استأهل الضرب، يا أماه، ليتني لم أخلق.
همت أمها أن تصفعها مرة أخرى، لكن يدها ارتخت قبل أن تصل إلى وجهها لتهوي عليه.. وبدلاً من أن تفعل ذلك، احتضنت لذة، وبكت بمرارة، ومسحت الدماء من على وجه وأنف لذة، وهي تقول:
ـ انتقم الله لنا منك، يا حسقيل.. لعن الله ضعفك، يا أبا لذة، فلو كنت قد ملأت عيني، وجعلتني أخاف عاقبة فعل السوء، لما وصلت إلى ما وصلت إليه..
قالت ذلك وهي تنزوي في أحد أركان البيت، وفي ظنها أن لذة لا تسمع ما قالته، أو في الأقل كل ما قالته.
اقتربت لذة من أمها وقالت:
ـ أماه، افعلي أي شيء لا يجعلك مضغة في أفواه الناس بما يخزينا، فإن لم تستطيعي زواجه، يا أمي، انقطعي عنه، واستريني، واسترينا جميعا.
قالت الأم بتصميم الحاقد على حسقيل، وليس المقتنع به:
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:36 pm

بل أتزوجه، يا لذة، أتزوجه، وبعد ذلك يكون لكل حادث حديث.
ـ إنه لا يساوي شيئاً، يا أماه، إن العلاقة التي بناها معك ليست مخلصة، ولا يقصد الزواج منك، إنما قضاء وطره فحسب، فلو كان يقصد الزواج منك لما حاول إغوائي.
ـ نعم، أعرف ذلك، لكن مع ذلك سأتزوجه.. بل سأرغمه على الزواج مني، أخزاه الله.
ثم قالت:
ـ لكن اكتمي ما قلته، يا لذة.. اكتميه، يا ابنتي..
قالت لذة:
ـ ان سرك سري، يا أماه.. واحسبي وأنت تتكلمين معي، كأنك تضعين سرك في قعر بئر..

***

كان حسقيل يحوك في نفسه سيناريوهات متعددة للتخلص من الشيخة، وكلما حاك خطة وناقشها، وجد أنها لا تصمد أمام النقد، ومن بين ما تداوله مع نفسه أن يتزوج لذة، فتنتهي قصته مع أمها.. لكنه يعود ليقول إن لذة، على ما يبدو، غير متحمسة لمثل هكذا فكرة، وليس هنالك أمل لأن تقبل بها، ما دامت أمها على قيد الحياة.. ثم يعود ليقول: لو ماتت الشيخة، ليس هناك ما يمنع ابنتها من أن تتزوجني.. فقد صرت شيخ القبيلة.. والأغنى مالا بين شيوخ القبائل، وأملك واحداً من برجين فريدين مليئين بالذهب والمال، صارا رمزاً عالياً لقدرتي وقدرة قبيلة الروم.. و.. لكنه ما يلبث أن يقول: بل لن تتزوجني إلا بعد أن تموت أمها.. ولن يمنعها من ذلك غير حزن عدد من الأيام، ثم توافق على الزواج مني..
وتنتابه الهواجس.. ويسائل نفسه:
ـ لكن، ماذا لو اكتشفت لذة أنني وراء موت أمها؟.. ألا يعني هذا أنني سأخسرها بعد أن أخسر أمها؟.. ثم أخسر القبيلة.. وقد أخسر أي شيء، وكل شيء..
عندما يقول (أخسر أي شيء، وكل شيء) يجفل..
ـ لا.. لا.. لا أقبل بأن أخسر المال.. إن المال عصب الحياة، وإذا خسرت المال.. سأخسر شبكتي ووكالاتي.. وماذا يبقى لي بعدها؟.. أعلى حسن أخلاقي وسلوكي يطاوعني الناس؟ أم على حكمتي ونزاهتي وحسن قصدي وكرمي؟..
كان حسقيل يقول ذلك كأنه يهزأ بنفسه..
ثم يعود ليقول..
ـ لا.. لا، المال، ومن بعد المال، شبكة الجواسيس والوكالات التجارية والاقتصادية.. إلا هذه، فإنني انتهي إن خسرتها، لأن وجودها يضمن لي، وقد ضمن فعلا، قدرة التأثير في الأقوام والقبائل، وهي وسيلتي في الدعاية والتأثير، وإضعاف الآخرين، أو تقوية من يقبل سطوتي وسلطاني.. أما لو خسرت القبيلة المضطرة، فلا بأس، لأنني أصلاً لم أكن منهم، ولولا ضعف وهزال شيخهم السابق ما قبلوني شيخاً عليهم.. لكن لو خسرت المشيخة والقبيلة، أين أجد مسرحاً لنشاطي ووكالاتي، بل ومالي؟ ومن سيفتح لي بابه، بعد أن يعرفوا قصتي مع القبيلة المضطرة؟ هذا إذا لم يقض عليّ شباب القبيلة الذين ألاحظ في عيونهم، رغم أفواههم الصامتة، أنهم يتميزون غيظاً عليّ، يرفدهم أولئك الذين تمردوا على سلطتي وسلطاني من قبل.. لا، إذا خسرت موقع شيخ القبيلة، أخسر كل شيء، وربما حتى حياتي.. أما حليفي شيخ قبيلة الروم.. فقد صار مكروها لأسباب محددة، أهمها تحالفه معي، ومجيئه ليحالفني بعد أن عبر البحر.. لذلك ما أن يعود خلف البحر.. ويقطع تحالفه معي، حتى تنتهي حساسية الناس تجاهه من حولنا.. ابتداء من هذا الجيل، أو في الأقل، الأجيال اللاحقة حتماً.
ثم ينتبه لنفسه:
ـ لكنني دبرت كل ما دبرته، فهل أعجز عن تدبير موت امرأة؟.. فلأُميتها، واحتفظ بكل شيء، وبلذة.. أو، في الأقل، لأحافظ على ما أنا عليه الآن..
استمرت لذة تنشط بين صفوف النساء، تعبّئهن وتحرّضهن.. وفي أحد الأيام فاتحتها إحدى بنات القبيلة من عشيرة أبيها، ومن بنات عمومتها الأبعد، الذين يلتقون بجدها الرابع، وليس من أعمامها المتقدمين المباشرين..
قالت بنت العم هذه:
ـ حكيت لأخي سالم ما سمعته عنك، وحدثته عن أخلاقك، يا أخيّة، ومستوى فطنتك ومحبتك لأبناء قومك.. وما تعبئيننا وتحرضيننا عليه ضد حسقيل وقبيلة الروم، وهو ما يفعله سالم مع جماعته الرجال أيضاً، فأعجب بك أشد الإعجاب، واستمر يسألني عنك، من حين لآخر، عندما يزورنا ليلاً لكي لا يراه حسقيل وعيونه، ذلك أنه أحد الذين خرجوا على طاعة وسطوة وسلطان حسقيل، عندما قرر شيخ قبيلة الروم جعل حسقيل رئيساً للقبيلة، واعتبر دمه مهدوراً مذ ذاك اليوم من حسقيل والروم، وحتى من المتنفذين في قبيلتنا، الذين أقاموا حلفاً غير مشرف مع حسقيل والروم، ذلك لأنهم اعتبروا رفضه أن يكون حسقيل شيخاً علينا تمرداً.. وطلب مني قبل يومين ان استطلع رأيك في ما لو قبلته خطيباً وزوجاً لك، إذا تقدم لطلب يدك..
قالت ذلك وانتظرت إجابة لذة بلهفة.. لكنها لاحظت أن لذة لم تعلق بشيء، فقالت لها:
ـ هل قلت شيئاً خطأ، يا أخيّة؟..
أجابتها لذة:
ـ لا.. لا.. أبداً، إنما سرحت بخيالي في أمور أخرى، وأردت أن استجمع تفكيري لأجيبك عن أمر لم أكن مسبوقة به من قبل.. من يعرف بما قلته لي.. يا أخيّة؟
ـ لا يعرف به إلا سالم وأنا فقط، يا أخيّة..
ـ إذن، سلّمي على سالم، وقولي له أن يكتم ما قاله.. وأنا من جانبي سمعت ما قلته، وعلينا أنا وأنت أن نكتم هذا ايضا، ولا نتحدث به حتى لوالدتي.. لكي أقول جوابي لسالم مباشرة، عندما التقيه في بيتكم.. إذا استطاع أن يتسلل تحت جنح الظلام، على أن يكون وصوله في وقت مبكر، عند المغرب مثلا، في الوقت الذي تنشغل أمك ووالدك والرعاة بحلب الغنم..
ـ متى يمكن أن يحصل هذا..؟
ـ بعد غد.. إن شاء الله.

***

فرحت أخت سالم بجواب لذة، وكان ذلك في ربيع عام خير.. صارت الكمأة فيه مبذولة في القبيلة، يأتي بها الرعاة أكواماً وهم يعودون بأغنامهم وإبلهم..
في الموعد المحدد، وقبل مغيب الشمس، جاءت لذة إلى بيت أبي سالم.. ووجدت ابنة عمها، أخت سالم، بانتظارها..
دخلت أغنام أبي سالم إلى (مرواحها) وهب الجميع إليها، وحملت النساء القدور لحلبها، منها ما هو بحجم صغير نسبياً، وهذا خاص لحلب الغنم بصورة مباشرة، ومنها ما هو أكبر، كلما امتلأ قدر صغير أو كاد، افرغت الحلابات الحليب في القدور الكبيرة، أو العلب الكبيرة المصنوعة من الخشب، الذي حيثما التقت ألواحه فيها وضع بينها شيء من القطن أو الصوف ليسد المنافذ ولا يترك الحليب يتسرب منها إلى الخارج.. وكان حلب الغنم يستمر أحياناً ساعتين أو أكثر، اعتماداً على عدد الحلابات، إذ كلما كثر عددهن قل الزمن.. وكانت الحملان (صغار الغنم) تثغو بأصوات عالية لتهتدي أمهاتها إليها، أو لتهتدي هي إلى أمهاتها..
نهض أبو سالم وقال للذة:
ـ أنت في بيتك، يا بنيتي.. وأختك معك.. مشيراً إلى ابنته، أخت سالم، وسوف نعود إليكما بعد إنجاز حلب الغنم..
قالت لذة:
ـ ارشد، يا عم..
بعد حين من ذلك شاهدت لذة وابنة عمها كلاب أبي سالم تنطلق باتجاه الفلاة وهي تنبح.. لكنها سرعان ما سكتت.. فقالت أخت سالم:
لقد وصل سالم، لان الكلاب لو لم تتعرف على المقبل ما كانت لتسكت
..
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:37 pm

جاء سالم حاملا سيفه، وقد غطى وجهه، وتلثم بما كان يضعه على رأسه ولم تبن منه الا عيناه وما يحيط بهما، وما ان دخل البيت من جهة العيال، حتى (فك) لثامه.. وسلم على لذة، ثم اخته.
عندما رأته لذة تذكرت انها رأته من قبل، ولكنها لم تعره اهتماما آنذاك.. كان سالم شابا طويلا، طوله حلو، لم يكن فيه زيادة ولا نقصان، عيناه سوداوان، متوسطتا الحجم.. له انف مستقيم يتناسب حجمه مع طبيعة وجهه.. ليس في شكله ما يعيب، اضافة الى ان حديثه وتصرفه يوحيان بالثقة..
سألت لذة سالم عن احوالهم في منزلهم الجديد خارج سطوة حسقيل الملعون..
طمأنها سالم الى انهم بخير، وان علاقاتهم في ما بينهم في احسن احوالها.. ثم اردف:
ـ بل حتى لو لفحت (لحست) النار وجوهنا، من غير ان تزيل شواربنا، فاننا نتحملها طالما رفضنا ان يكون الخاسئ حسقيل شيخنا.. واريد ان اطمئنك الى ان علاقاتنا جيدة الآن مع كل شباب القبيلة، ونحن على اتصال سري معهم بما يشبه التنظيم السري..
قالت لذة من دون انتظار ان يكمل كلامه:
ـ ارجوك، يا سالم.. ارجوك انتبهوا من عيون حسقيل ووكالاته، لأنه رجل شرير، واذا كشف اي صلة لكم بشباب القبيلة قبل اوانها، فسوف نخسر كثيرا..
ـ اطمئني، فقد نظمنا امرنا بحيث صار لنا الآن من يأتينا باخباره اولا باول، حتى من بين عيونه انفسهم، ولكي تطمئني فانا اعرف ان علاقته مع امك، اصلحها الله، جيدة، عدا الاشهر الاخيرة.. اما علاقتك به، فليس فيها ود..
واضاف مبتسما:
ـ من ناحيتك، طبعا.
فغرت لذة فاهها لدقة معلومات سالم، وفي الوقت نفسه، احست بحرج لاشارته الى علاقة امها بحسقيل.. وقالت:
ـ انت تعرف، يا سالم، ان امي غريبة.. وان عادات الاعاجم ليست كعادات العرب، ومع ذلك قد لا تستمر مجاملتها لحسقيل ـ قالت عن امها (مجاملتها لحسقيل)، كأنها ارادت ان توحي لسالم بان ما بين امها وحسقيل محض مجاملة منتقدة ـ ذلك لان حسقيل لا يستاهل ذلك، ولكن ابي رحمه الله هو السبب في كل ما حصل..
قال سالم:
ـ دعك من هذا، فان لكل شيء حلا، ان شاء الله والمهم هو انت.. انت عقال رأسنا، او تاجه.. فسمعتك الجيدة صارت معروفة لنا، ولكل اعمامك الذين تمردوا على اوامر حسقيل والروم.. اما ما مضى، سواء تعلق الامر بعمي والدك رحمه الله، او بأمك، فقد مضى.. المهم ان نعالج الحال الذي اوقع تاريخ الضعفاء فيه اهل الحاضر في مأزقهم الذي هم فيه، وان نجعل المستقبل مضمونا لابناء قومنا، يعيشون فيه بكرامة، ويتخذون المسارات والاهداف التي يختارونها، ويؤمرون عليهم من بين اعمامهم من يؤمرونه، بعد ان يتخلصوا من الاجانب واولئك الذين فرضوا علينا ظلما وعدوانا.. المهم انت، يا بنت العم.. ونحمد الله ان بقيت نقية ابية، او صرت نقية ابية، حتى ان الشباب من ابناء قبيلتنا، ومنهم انا، ارادوا ان يجعلوك نخوتنا، لو لم نخش ان نكشفك قبل الأوان، وان ينصب غضب وحقد وخيبة حسقيل عليك، عندما يشعر انك صرت نخوة القبيلة.. او ان تكون القبيلة قررت باجماع آراء الشباب ان تكوني نخوتهم.. بل ان القسم الاكبر من الكهول، وحتى قسما من الشيوخ الذين يجاملون حسقيل والروم، قد يكون بينهم من هو على هذا الرأي..
قاطعت لذة سالم قبل ان يكمل قائلة:
ـ دعك من شيوخ قبيلتنا.. فمن يهترئ لا يعود الشباب اليه، يا ابن العم.. ومن يخرب من داخله لا يمكن ان يصلح من الخارج، ومن يسلِّم مصيره للاجنبي، ويكون الاجنبي ولي نعمته عندما يجعله شيخا، حتى لو لم يصرف عليه، يصعب عليه ان يتمرد على الاجنبي، بل يصعب عليه ان يثق بابناء جلدته، ويشكك في الاجنبي، ولذلك ليس صحيحا ان تقيموا بناءكم، وما انتم ناوون على فعله، على احتمال ان يكون أي من شيوخ القبيلة، الذين امرهم حسقيل والروم بان يشغلوا هم وابناؤهم عناوين المشيخة في قبيلتهم.. اساس بنائكم البديل..
كان سالم يصغي لكلام لذة كالمندهش، لمستوى رجاحة عقلها ومستوى تحسس ضميرها، وقلبها العامر بالايمان، والاحساس بقيمة وأهمية التمرد على الواقع االسلبي، الذي دفعت اليه القبيلة، وكبلت به..
لذلك قال:
ـ انك نخوتنا الآن.. وصار اسمك (نخوة) بدلا من لذة، بعد ان طهرت نفسك وقلبك وروحك من كل شيء، ورفضت بإباء ان تندفعي الى الهاوية التي يخطط حسقيل لدفعك اليها..
قال الجملة الاخيرة بلغة الواثق المطلع على ما ينوي حسقيل ان يفعله، فيما كانت نخوة تظن قبل هذا انها تعرف ذلك وحدها، او هي وأمها فحسب.. ثم قال سالم:
ـ لهذا كله.. ولانك شعرات عز في شارب كل خيِّر، يا بنت العم، ورسم عز له، جئت طالبا يدك.. وقد استعجلت قبل لقائي هذا بك وكلفت اختي، اختك، بأن تفاتحك بهذا، في محاولة مني لان ازيد تحصينك ازاء عاديات الدهر، وجانب من المغريات بعد ان بقيت في العائلة وحدك.. اما الآن فاطلبك زوجة لي فحسب، لانك لا تحتاجين الى حالة تحصين من الخارج، وانما الى شريك حياة لمواجهة ظروفها بسرائها وضرائها.. فهل تقبلين؟ ام انني تجاوزت الحد بطلبي؟..
قال سالم الجملة الاخيرة، بعد ان لاحظ ان نخوة منشغلة عنه، قبل ان يقولها.. ولذلك قالت اخته بنبرة تنبيه خفيف لها:
ـ ان سالم ينتظر جوابك، يا نخوة!..
قالت نخوة، كأنها تفوق من حلم جميل..
ـ ها.. ها.. عفوك، يا سالم، لم اكن منشغلة عنك، وانما فيك، وعليه اقول لك: نعم، اقبل، بل اتشرف بك، فأنت ابن عمي، وتاج رأسي، ولولا التقليد الدارج بأن يقولها الرجل، لقلتها لك من غير ان تستفسر مني مرة اخرى، لأن بنت عمنا، اختك، نقلت الي رغبتك هذه، وارجأت الجواب حتى اقوله لك مباشرة على ان لا نستعجل في الاظهار، اذ يكفي ان يكون الله شاهدا علينا، ولذلك اعتبر انك خطبتني من هذه اللحظة، وانني موافقة عليك، حتى نكمل حالنا بالزواج في مناسبته.. وعلينا ان نكتم هذا، وان نستمر كل في عمله، انت بين الرجال والشباب، وانا بين الشابات والنساء، بل حتى لقاءاتنا ينبغي ان لا تعرضك للخطر حين تأتي الى ديارنا..
ـ على بركة الله، يا نخوة.. كلي اعتزاز بجوابك.. وسأحفظ العهد داخل صدري، بين الضلوع، وفي قلبي وجفوني..
ـ بارك الله فيك، يا سالم.. حماك الله.. ولو سمحت، افضل ان تعود راشدا، ولا تنتظر مجيء عمي ابي سالم، لتسلم عليه.. ليبقى الامر بيننا نحن الثلاثة، ويشهد عليه الله ربنا.

***

ودعهما سالم وخرج.. ثم خرجت نخوة الى بيتها، وعندما وصلت وجدت ان الندى الذي كان يغطي الاعشاب بلل طرف ثوبها.. لكنها، وجدت امها مغمومة، ولم تستطع الا بالكاد ان تقول لها:
ـ لقد تأخرت، يا بنيتي، ماذا اخرك عني؟
كانت الأم يعتصرها حزن شديد وكان واضحا ان ما قالته لم يكن بالاساس اعتراضا على تأخر نخوة بقدر ما كان افتقادا لها لـ (تفضفض) لها بما كان يدور في خاطرها..
عرفت نخوة هذا استنتاجا من لحظة دخولها البيت..
ـ انا هنا، يا امي، أي شيء تأمرين؟
ـ لا شيء، يا ابنتي.. لا شيء..
قالت ذلك كأنها ارادت ان تنثني متعارضة مع رغبتها في ان تبوح لابنتها بما كان يثقل قلبها وروحها من علاقتها بحسقيل..
ولانها لاحظت ان السعادة تشرق على وجه نخوة، احتجبت عن البوح لها بما يثقل عليها، لكي لا تغير مزاجها، وتجعلها تنشغل بهمومها معها، بدلا من ان تعيش سعادتها..
قالت نخوة:
ـ بل، قولي يا امي.. واطلبي.. بل، آمري بأي شيء، وكل شيء.. انا ابنتك يا امي.. فقولي ما يثقل على نفسك ـ وارادت ان تقول: وقلبك، لكنها امتنعت عن قول ذلك، لان حسقيل لا يستاهل ان يشغل احد قلبه بحبه.. وكانت تقول ذلك بكل معاني الصلة وعاطفتها الصادقة بين البنت وامها، ورغم ان امها كانت قد اخزتها.. لكنها قالت ذلك بعد ان شعرت وقدرت ان الندم صار يأكل قلب امها، وروحها وهي تبحث عن مخرج، لا لينقذها من حسقيل فحسب، لانها صارت تكرهه بعد ان اكتشفت خبثه وغدره، وعدم احترامه للوعود والعهود، وعدم تحليه حتى باخلاق الحد الادنى للناس.. وانما لينقذها من نفسها ايضا، ولذلك صارت تقترب من ابنتها، بعد ان كانت معها على طرفي نقيض، ليس في الاخلاق ونوع التفكير والتصرف فحسب، وانما في امكانية التعايش حتى المظهري، من غير مشاكل يومية في بيت واحد، وعندما اكتشفت التغير الذي حصل لامها، صارت نخوة اكثر قربا منها، بل اقتربت كثيرا منها ليكون بأمكانها ان تقوم بانقاذ ما يمكن انقاذه من الحال قبل ان يتحطم..
عادت نخوة لتكرر على امها:
ـ ارجوك، يا امي.. قولي ما تريدين.. قولي لابنتك، لكي اعينك بعد ان اطلب العون من الرحمن الرحيم، هادينا في الدنيا الى ما يعز في الدنيا والآخرة، وعليه نتكل اولا واخيرا..
قالت امها:
ـ آمنت بالله.
قالت ذلك كأنها تنطقه لاول مرة، بعد ان غاب عنها منذ وقت طويل، او ان نخوة لم تسمعه منها، منذ صارت في عمر يقترب من البلوغ، بل حتى بعد ان صارت في سن البلوغ.. وفي كل الاحوال، قالت ما قالته، كأنها تنشد ان يتوب عليها ربها، بعد ان اوغلت في سوء اعمالها.. وبدت كأنها تعترف في محراب امام نفسها، او امام راهب.. فقالت:
ـ اسمعي، يا ابنتي، لقد انحرفت واذيتك كثيرا قبل ان اؤذي نفسي، او أي احد غيرنا، ذلك لانني لم اتصرف وفق ما يغضب الله ويخزي النفس فحسب وانما جعلتك تضطلعين على ما يغضب الله ويخزينا.. وانا اتألم يوميا في نفسي، حتى ان نومي لم يعد يكفي لادامة صحتي، وصار الخوف من غضب الله يؤرقني، وصارت عيناي تخجلان منك، وتتجنبان ان تلتقيا بعينيك مع انهما في شوق متزايد لذلك.. ولم اعد اعرف كيف اتصرف وقد تركت اي علاقة غير شريفة مع حسقيل، الا الاختلاء به احيانا لاناقش معه شأننا بأمل ان اقنعه بان يتزوجني، ولكي تعرفي اقول لك انا مصممة على ان اتركه بعد ان اتزوجه، وقد ارفضه امام العشيرة، بعد ان اوهمه بان يتقدم لخطبتي بحضور العشيرة كلها.. لكن ما اردت ان استشيرك به الآن شيء آخر، هو ان حسقيل خرج نهائيا من قلبي، ولم اعد احمل له غير الحقد عليه، لذلك قررت ان اقتله هنا في بيتنا، اذا وافقتني على هذا واعلنت استعدادك لان تعاونيني في القاء جثته خارج البيت، او ان اقتله واقول انه تحرش بي فقتلته.
.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:37 pm

في الحلقات السابقة، دارت حوارات بين الجد الشيخ ابراهيم واحفاده الثلاثة حسقيل ويوسف ومحمود حول مفهوم الثروة، واوضح كل منهم ما الذي يعنيه له. وتنكشف خلال ذلك أطماع حسقيل في التفرد بالثروة، ورغبته في الانفصال بما يملكه مما ادى الى نبذه من الجميع. ثم يوزع الشيخ ابراهيم «البلاد» على حفيديه محمود ويوسف، داعيا اياهما الى الابتعاد عن فتن الاجنبي. اما حسقيل فقد استقر في قبيلة مناوئة. ويسلط الروائي الاضواء على السلوك المشين الذي يتبعه حسقيل لدى القبيلة التي لجأ اليها وهي عشيرة المضطرة. ويواصل حسقيل خبثه مع شيخ عشيرة المضطرة وافراد عائلته بهدف السيطرة عليهم وعلى ثرواتهم عن طريق المصاهرة، وعن طريق «مشروعات» تربط العشيرة بالاجنبي، وتصل ممارسات حسقيل الى حد التخطيط لقتل الشيخة، وفي المقابل فكرت الشيخة في قتل حسقيل للتخلص من شروره

عندما كانت الشيخة تحكي لنخوة، كانت تبكي بحرقة وكانت نخوة تبكي معها من غير ان تظهر صوتا لبكائها، لكي لا تقطع على امها ما كانت عازمة على ان تسترسل به، وهي على كرسي الاعتراف..
قطعت نخوة نشيجها وبكاءها على الحال الذي وضعتها فيه امها.. بل على الورطة الشنيعة عندما سمعت ان امها تقول انها قررت ان تقتل حسقيل..
فغرت نخوة فاهها تعجبا مما سمعت، من غير ان تفقد تماسكها، وقالت اماه، ماذا تقولين!؟
كفت الام عن البكاء، وبدت اكثر هدوءا، بعد ان افرغت شحنات نفسها بالبكاء، بل وبما اعترفت به لابنتها، خاصة قرارها ونيتها قتل حسقيل، وقالت:
نعم، يا ابنتي، هذا هو قراري، وليكن بعد ذلك ما يكون، لم اعد احتمل.. ان شبح الآخرة ولهيب نارها، وغضب الله علي، يلاحقني في الوقت الذي يلاحقني عاري.. بل عيناك يا نخوة، عيناك اللتان تنطقان نيابة عن لسانك صارتا تقتلانني في كل لحظة، ولعل هذا اهون، بل صارتا تذكرانني بعاري وشناري في كل لحظة.. حتى صرت ادعو الله ان يأخذ روحي، بعد ان صرت على ما صرت عليه من نضج وحكمة وقدرة تدبير..
قالت ذلك ثم راحت تبكي من غير صوت، وتكفكف دموعها بطرف ثوبها، او طرف ملفعها (فوطتها)، من حين لآخر.
قالت نخوة:
ـ اسمعي يا امي، لاقول لك وفق ما افهم..
ـ بل تفهمين يا ابنتي، وامك هي التي لا تفهم ـ قالت الشيخة مقاطعة ابنتها ـ ثم اردفت تقول: لقد صنت نفسك وعفافك، بينما انحدرت امك وفتحت ابوابها للغرباء، وبامتناعك عن حسقيل رغم جبروته هو وحلفاؤه، وعدم انحنائك امام رغباته التي اعرف انها صارت شبه اوامر عليك، ممزوجة بالتهديد والوعيد، كنت كأنك تثأرين منه نيابة عني، ونيابة عن كل من تمكن منها، وكلما امتنعت عليه صار يتصرف بصورة محمومة ليكسر عفتك.. لانه وفق ما يرى، ومثلما اقرأ، وان جاءت قراءتي له متأخرة، اذا لم يكسر عفافك، ويجعلك تنحنين له، يعتبر ان كل انتصاراته وعهره قد خابا.. انه يعرف ان لا قيمة لان تستجيب لرغباته من لا اصول مشرفة لها مثلي، او من هن على شاكلتي، ولذلك فهو يقصد ان تنحني امامه الرقاب والانوف العالية، والاصول والمواقف المشهود لها امام العرب، ولكن الحمد لله الذي اعطاك هذا المستوى من العفاف الحصين والايمان العظيم والقدرة على الثبات واخزى الله الظالمين..
قالت نخوة:
ـ آمين.
وسكتت برهة قصيرة وعادت لتقول:
ـ ان باب رحمة الله لا يغلق امام توبة نصوح، يا اماه.. لا تقطعي الامل برحمة الله..
ـ ان الرحمة لا تقع على الضالين مثلي.. والذين يحاولون اسقاط ذويهم بعد ان يورطهم الشيطان.
ـ ان ابواب الرحمة، وان كانت بيد رب العالمين، لا تغلق، كما افهم، امام من يتوب توبة نصوحا.. في الوقت الذي يكون قادرا على الاستمرار بفعل السوء لو اراد ذلك.. اعود لاقول، يا اماه، ان قتلت حسقيل تكونين قد ارتكبت فعلا من الكبائر مما يغضب الله، وعندها يكون مثلك مثل من يحاول ان يصلح زجاجة مثلومة، فيحطمها بدلا من اصلاحها... انك ان قتلت حسقيل ترتكبين مثل ما ارتكبت من فعل وصفته بانه يغضب الله بينما افتش لك عن فعل يرضي الله، وليس افضل من التوبة العميقة الصادقة ما يرضي الله، بعد ان يقدم الانسان على سوء، واذا شاركتك في الجريمة، تكونين قد نقلت انسانة من الخانة التي كانت عليها امام الله وعيون الناس الى خانة جديدة معلومة هي ووصفها، فهل ترضين لي هذا يا امي؟ انا لا ارضاه لك ولا لي.
قالت امها:
ـ ولكن الناس لن يعرفوا.
تقول نخوة:
ـ ولكن الله يعرف.. ثم من يضمن ان لا يعرف الناس؟ وماذا سأقول؟ وماذا ستقولين لو عرفوا؟ اتقولين لهم ان حسقيل تحرش بك، وانك قتلته لذلك؟ فقد لا يصدق الناس، اذ سيقولون كيف يمكن ان يتحرش بك مع وجودي معك في البيت؟.. اليس من حقهم ان يقولوا انه تحرش بي وليس بك؟.. ثم ان الحرشة تخزينا، سواء كانت بي او بك، الا تظنين ان الطريق الذي يرضي الله افضل كعلاج؟..
ـ ما هو الطريق الذي يرضي الله؟
ـ ان تتزوجيه، ثم تتركيه عندما تشائين..
ـ وهل تتصورين اذا تركته ان احدا سيقول انني انا التي تركته لسوء خلقه ام سيقول حارقو البخور للجيف من حوله ان الشيخ تركها لسوء خلقها؟..
ـ اطرديه امام عدد من وجوه القوم، بعد ان تستدعيهم الى بيتنا وهو معهم، وقولي له بحضورهم بصورة جادة، لكن بشكل مؤدب: انك وانا امرأتان وحيدتان بعد ان توفى الله الشيخ والدي، لذلك اذا كان حسقيل يدخل البيت مع من يدخل بحضور صاحب البيت، فقد كان مرحبا به، اما الآن بعد ان مات صاحب الدار، ارجو ان يمتنع عن الحضور الى دارنا، واذا اراد شيئا ما، فليكلم احد اعمام نخوة، وبذلك تحققين الغرض.
راحت الشيخة تتأمل في الحل الآخر، نفثت حسرة من صدرها وقالت لابنتها:
ـ عند ذلك سوف يحقد حسقيل عليَّ وعليك يا ابنتي، وهذا هو الاهم عندي، لانني لا اعرف بعد ذلك اي تهم ستدبر لنا من امثال ما نحاول معالجتها والتخلص منها الآن، وتهم اخرى تعاونه في ذلك شبكته الواسعة وتحالفه مع الشرير الآخر شيخ الروم..
ـ كيف؟
ـ قد يقول ان لأمك ـ وتقصد الشيخة نفسها ـ او لك انت، لا سمح الله، عشيقا، ولأنني اتردد عليهما، خشيتا ان افضح امرهما، فافتعلتا ما قالتاه امام الشيوخ وعند ذلك وتحت هذه الحجة وما يضاف اليها، قد يأمر بمنع من يدخل علينا ويمنع حركتنا خارج البيت.
اجابتها نخوة:
ـ ليس بإمكان احد ان يقول عن اللون الابيض انه اسود..
وعندما لاحظت ان ابنتها تحاول ان تستبدل ما قالته بمثل آخر لكي لا يجرح المثل امها.. قالت امها:
ـ لا عليك، يا ابنتي، ان الحقيقة حقيقة، لا تبدلها المجاملات ولا ينفع فيها الا قولها مثلما هي بجوهرها في الاقل.. ان اول ما يصيبنا بالاذى من اجراءات حسقيل، هو انه سيعطل نشاطك بين نساء العشيرة خارج البيت
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:38 pm

اي نشاط تقصدين، يا أمي؟
ـ على اي حال.. لا عليك، يا ابنتي، ليعمل من يعمل على انقاذ القبيلة من تحالف حسقيل الملعون وجماعته مع شيخ الشر الرومي وقبيلته، وليبارك فعل من يفعل على هذا الاساس، بما في ذلك نشاطك مع بنات القبيلة!.


مرت ايام بعد ذلك، تزوج في احدها احد الشباب البارزين في موقفهم ضد حسقيل، لكن لانه احد ابناء الشيوخ الذين كان حسقيل يحرص على ان يظهر بموقف المؤيد له، فقد تغاضى عن نشاط ابنه، رغم انه ما انفك ينبهه على تصرفات ابنه:
ـ (خلي بالك) من ابنك، يا شيخ، لكي لا ينجرف مع التيار المناهض لنا..
هكذا قال حسقيل للشيخ الآخر عبارة (المناهض لنا) لكي يشركه معه..
قال الشيخ:
ـ لا عليك، يا شيخ قبيلتنا، ان ابني في النتيجة سيكون الى جانبك، وان حاول ان يجامل من هم في مثل عمره في لغو لسان فحسب.
اما هذا الشاب، فهو في حقيقته، وبغض النظر عن موقف ابيه، وحتى اخوته، فقد قرر ان يكون من بين المتمردين على حسقيل والتحالف بين حسقيل وقبيلة الروم، وسعيهما المشترك للسيطرة على قبائل العرب في ذلك المكان من بلاد الشام، وان يمتدوا في نفوذهم واستغلالهم الى حيث بامكانهم ان يفعلوا، مبتدئين بالسيطرة على القبيلة المضطرة وعشائرها من خلال ترشيح رئيس قبيلة الروم حسقيل، بل فرضه شيخا على القبيلة المضطرة.


عرفت نخوة هذه الحقيقة من سالم، بعد ان صارت تلتقي معه من حين لآخر في بيت والده وبحضور اخته واحيانا والده وأمه، لا ليتقابلا تعبيرا عن شوق كل منهما للاخر فقط، انما لينسقا الجهود المشتركة، حيث تقود نخوة النشاط السري بين النساء، ويقود سالم نشاط وتعبئة الرجال والشباب الذين خرجوا على حسقيل وسطوته وجاهروا بهذا بعد خروجهم، حتى انهم تعبيرا عن موقفهم، ارتحلوا خارج القبيلة، واتخذوا لانفسهم مكانا معلوما ذا حمى معلوم ايضا.. ورغم ان حسقيل تجنب ان يغزوهم، لكي لا يعرض القبيلة الى انشقاق بسبب تداخل النسب بين الخارجين عليه والقابلين به، لكنه لم يدخر وسيلة من الوسائل التي كان يعتمدها بصورة غير مكشوفة الا وسعى بها ضدهم، ومن ذلك انه نسق مع شيخ قبيلة الروم ليوجه الى التجمع المتمرد عدة غارات، لكن لان اولئك لا يملكون شيئا او لان ما يملكونه ابقوه عند اهلهم في القبيلة المضطرة، وليس معهم نساء او اطفال يثقلون عليهم وعلى حركتهم ويشكلون مطمعا للروم، فقد كانت غارات الروم عليهم غالبا ما ترتد بعد ان يلحق المتمردون بهم خسائر فادحة بالرجال والغنائم، حتى انهم في احدى المرات اوقعوا عددا من الروم اسرى في شراكهم، وكان بينهم عدد من ابناء شيوخ العشائر من قبيلة الروم، ولم يطلقوا سراحهم الا بعد ان وقعوا تعهدا اليهم وفق ما ارادوا، يقرون به لهم بمنزلهم وحماهم، ويعدون بأن لا يكرروا الغارات عليهم ولا يتدخلوا في شأنهم الداخلي وفي الخلاف بينهم وبين حسقيل.


اقيم عرس ذلك الشاب، ولان نخوة كانت تعرف دوره وعلاقته بالمجموعة التي يشرف سالم على تنظيمها، حضرت العرس ومعها الشيخة والدتها.. وهناك اقيمت حفلة مفتوحة مختلطة، تناول فيها الرجال والنساء طعام العشاء كل على حدة، وراح الفرسان يتسابقون او يلعبون لعبة الفرسان فوق ظهور خيولهم ما دامت الشمس لم تقترب من المغيب، في الوقت الذي كانت هلاهل (زغاريد) النساء تصدح..
اقيمت الحفلة، ومن عادة القوم هناك ان يبادر الرجل بطلب مراقصة من يراقصها، ومن حق البنت ان تقبل او تمتنع عن مراقصة من يطلبها الى ذلك.. وكانت الرقصة اشبه ما تكون برقصة (الدحة) التي غالبا ما يرقصها البدو الى وقت قريب في مناسبات كهذه.. وبينما كان كل يسعى الى من يظنها توافق عليه، كان الرجال يصفقون وكانت النسوة يصفقن مثلهم تشجيعا لمن (يدبك) او يرقص.
نهض حسقيل من مكانه، كأنه اراد بمحاولته تلك ان يظهر بأنه مندمج مع القبيلة، لذلك يتصرف وفق عاداتهم واراد كذلك ان يظهر للقبيلة انه على وفاق مع اقرباء الشيخ السابق، لذلك توجه الى نخوة، ورغم ان نخوة تجاهلت نيته بادئ الامر، ورغم اقترابه منها بما لم يترك مجالا للشك في انه يقصدها هي ليطلبها للدبكة معه.. حيث وقف قربها وغطاها ظله.


كان القمر بدرا في تلك الليلة.. تيقنت نخوة من انه آت ليطلبها باسمها، وفي الوقت الذي بدا الشبان والشابات المناهضون لحسقيل بوجه عام، بأعصاب مشدودة متوترة ازاء ذاك المنظر، محتارين مما ستقدم عليه نخوة من فعل.. امام هذا الاحراج، قامت نخوة بقوامها الممشوق وانفها العالي، ارتفاعا منها فوق الضعف والذل، في الوقت الذي ظن حسقيل، بل بدا كأنه متأكد من انها قامت لتراقصه، لكن عيني نخوة كانتا باتجاه سالم الذي كانت تعرف انه بين الحضور، وانه وضع اللثام على وجهه عندما اندس بين من حضر، بعد ان تسلل الى هناك، خاصة ان برد شهر آذار في ارض مكشوفة من بلاد الشام، يجعل اغلب الرجال يردون اللثام على وجوههم اتقاء للبرد، لكن نخوة عرفت سالم رغم اللثام.. وهل يخفى على الحبيب امكانية التعرف على حبيبه؟! نعم، عرفته نخوة، وفي الوقت الذي كان حسقيل وآخرون يتوهمون بأنها ستمشي في اثر حسقيل لتدبك معه وتراقصه بما يخزيها ويخزي أهلها وكل الذين تمردوا على حسقيل او كان التمرد يعتمل في صدورهم، اعزت نخوة اهلها، بعد ان اعزت نفسها، وكل المتمردين على حسقيل وحلفه البغيض مع شيخ الروم.. مشت باتجاه سالم، ومن غير ان تقول كلمة لحسقيل، ووسط دهشة، بل ذهول الناس، ولم يكن احد يعرف الى اين تتجه، لكنهم فهموا كلهم انها رفضت علنا ان تدبك مع حسقيل او تراقصه، انفة منها.. واستمرت تمشي حتى وقفت امام سالم، ومدت يدها اليه، وقالت:


ـ اتسمح، ايها الشاب الملثم؟ كأنها لا تعرفه.
نهض سالم، وابقى لثامه، ولم يغير هيأته، وبدأت الرقصة وسط تصفيق حاد، من الرجال والنساء بما في ذلك حسقيل، للمستوى الرفيع الذي اديا به رقصتهما..
صفق الحضور لهذا، وقبله صفقوا لابنة القبيلة التي ايقظت الحمية والنخوة في صدور الجميع، عندما رفضت سلطة حسقيل ورغبته واختارت شابا مجهولا من القبيلة، تقديرا للقبيلة واعلانا لموقفهما بما اخزى حسقيل، مع ان حسقيل حاول ان يتظاهر بأنه غير مبال بما حصل عندما قال، وهو يداري حرجه بضحكة هستيرية:
ـ شباب.. الطيور على اشكالها تقع.
قال ذلك، وهو يضحك، لكنه تعثر وهو يعود الى مكانه، مع ان الارض منبسطة، وسقط عقاله الى الارض.. وقال شاب وهو يلكز صاحبه القريب منه:
ـ لقد سقط عقاله على الارض.. انه فأل خير ان شاء الله.
انتهت رقصة سالم مع نخوة، وصفق لهما بحماس من كان حاضرا وارادوا ان يرفعوا الشاب الملثم عن الارض ويحملوه فوق الاكتاف، غير ان سالم ركب فرسه وانطلق مغادرا.. وغادرت نخوة هي وامها الى بيتهما ايضا.


اكتشفت نخوة من احاديث امها اليها، بعد ان محصتها بصورة دقيقة، ان امها كانت تعرف كل شيء عن نشاط نخوة وتحريضها بنات القبيلة ضد حسقيل والروم وانها مع معرفتها كل هذا، لم تفض لحسقيل بأي شيء منه، ليس لان نخوة ابنتها وانما لانها هي الاخرى اكتشفت ان حسقيل غادر وخاسئ وان مقاومة مخططاته وهيمنته على القبيلة واجب كل من هو قادر عليه ولانها غير قادرة على ان تقوم بما يمكن ان يقوم به الآخرون فإنها لم تجد غضاضة، ان لم تكن مسرورة في نفسها، في ان تحرض نخوة نساء القبيلة عليه، فقد تحول حب الشيخة لحسقيل الى كره شديد وحقد قاطع.. بعد ان اكتشفت انه (نكت) به
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 11:39 pm

ـ ا، وتخلى عن عهوده، بل وغدر بها.. وقد عرفت نخوة مشاعر امها تجاه حسقيل من الحوار الاخير الذي دار بينهما حول رغبة امها في ان تقتل حسقيل.
في ظهر اليوم الذي تلا الحفلة.. انفذ حسقيل احد الرعاة ليوصل للشيخة انه يرغب في ان يزورها في بيتها بعد المغرب، وكان حسقيل قد جند الراعي لحسابه قبل هذا الوقت، مع انه احد رعاة غنم الشيخة وضمن حماهم، وقد اوصل الراعي رغبة حسقيل الى الشيخة عن طريق عبدتها... بعد تردد سألت الشيخة ابنتها نخوة:

ـ هل تذهبين الى بيت ابي سالم هذا المساء؟
ومع ان نخوة استغربت من سؤال امها، التي لم تعتد على ان تسألها مثله منذ وقت طويل، فإنها من باب زرع الثقة، قالت:
ـ نعم، يا امي، لأعرف ظروفه بعد خروجه من الحفلة يوم امس، لان حسقيل غادر واساليبه لعينة، وعيونه مبثوثة ضمن القبيلة، هو وشيخ الروم، لذلك، نعم سأذهب اليه، ان لم يكن لديك مانع في هذا.
قالت الشيخة، وهي تداري حسرة عميقة في صدرها:
ـ لا، يا ابنتي، لا مانع عندي، وليوفقك الله، واتمنى لك حياة سعيدة.
لاحظت نخوة ان امها قالت ذلك كأنها تودعها، ومع ذلك لم تتوقف عنده بسبب شوقها الى سالم، الذي شغلها عن اي شيء آخر.. لذلك ما ان اخذت الاذن من امها الشيخة، حتى انطلقت مسرعة، قبل مغيب الشمس الى بيت ابي سالم، لكنها حرصت على ان لا يلاحظها احد وهي تقترب من البيت، ولعلها حرصت على ان تأتي البيت من الخلف، وتدخل من طرفه الغربي من جهة العيال الى داخل البيت.. وقد وجدت هناك ابا سالم وامه واخته.. ورحبوا بها احسن ترحيب، بعد ان صارت معروفة بموقفها منذ ان راقصت سالم، وصدت الشيخ عنها.. بل انها عندما رفضت الشيخ بأنفة، واتجهت إلى سالم لتراقصه.. لم تعد معروفة من عائلة سالم فحسب، التي تعرفها وتعرف موقفها، إنما على مستوى القبيلة كلها، بل صارت علومها (أخبارها) تتناقلها ألسنة البدو والحضر، وصار البعض يقول قصائد حماسية في مواقفها، حتى صارت كأنها أخت ونخوة كل فارس، وموقف شريف..


وقبل هذا، عندما عادت عائلة سالم من حفلة العرس، التي راقصت فيها نخوة سالم (الدحة) بدلا من شيخ القبيلة، سأل أبو سالم ابنته، بعد أن انتحى بها جانبا:
ـ أنا أعرف أن نخوة تعرف سالم، لكنهما على حد علمي لم يلتقيا إلا مرة واحدة في بيتنا، لكن تصرف نخوة معه هذه الليلة، عندما رفضت ان تدبك مع الشيخ، لا يشير إلى أن الأمر بينهما مجرد معرفة، الا تقولين الحقيقة لي مثلما هي لأطمئن، يا ابنتي؟
قالت شقيقة سالم لأبيها، بعد أن لاحظته متشوقاً فرحاً من جهة، وقلقاً من جهة أخرى، خشية أن لا تكون علاقتهما قائمة على أساس:
ـ وهل تظن، يا والدي، ان سالم يمكن أن ينحدر إلى ما ينحدر إليه الشباب الغر؟ ثم استدركت لتقول: أو ان نخوة من النوع الذي لا يعتمد عليه، ويمكن أن تختار سالم من غير قرار منها إلى ما هو أبعد من مظهره؟ ان سالم ونخوة تعاهدا على أن يتزوجا عندما يستقر الحال لسالم وجماعته، ويتخلصون من هذا الشيخ اللعين، وقد تعاهدا على ذلك أمامي، واشهدا الله عليه.
اغرورقت عينا أبي سالم بالدموع فرحا، وقبّل ابنته وهو يقول لها:
ـ بشرك الله بالخير، يا ابنتي.. لقد أرحت قلبي ونفسي، أراحك الله، وبارك فيك..
عادت أخت سالم لتقول لأبيها:
ـ أرجوك، يا أبت، اكتمها، حتى نأخذ رأي سالم وموافقته على اشراك أمي بهذا، وهل يوافق على هذا أم لا يوافق.
على هذه الخلفية، استقبلت عائلة سالم نخوة في بيتها هذه المرة.. لذلك كان أبو سالم وأم سالم فرحين جذلين بسعادتهما، ومن الطبيعي أن تكون أخت سالم معهما على الوصف نفسه..


جاء الرعاة بالأغنام، واستأذن أبو سالم لينصرف إلى حلبها، وهمت أن تتبعه لعمل اليوم المعتاد زوجته أم سالم، لولا أنه أشار إليها بيده أن أبقى مع نخوة، أنت وأختها ابنتك، وقال:
ـ لا حاجة لنا بك، وسوف تقوم نيابة عنك في حلب الأغنام نساء الرعاة وبناتهم.. ابقي، يا أم سالم، مع ابنتنا نخوة.. وسأحاول أن أعود إليكم بأسرع وقت..


ومن الطبيعي أن لا تشجع أخت سالم أمها على الذهاب مع أبيها هذه المرة، مثلما فعلت في المرة السابقة، ذلك أن التفاهم تم بين نخوة وسالم، ولم يعد هناك ما يستوجب أن يختليا بغيابها..
بعد أن خرج أبو سالم إلى الغنم بفاصلة ليست طويلة، وفي الوقت الذي كانت أم سالم منشغلة خارج البيت، لاحظت نخوة وأخت سالم أن الكلاب انطلقت وهي تنبح، وبدتا تنتظران كأنهما على معرفة بما يحصل.. كانتا تنتظران أن تكف الكلاب عن النباح بعد حين من انطلاقها، لتعرفا أن القادم هو سالم، ذلك ان الكلب إذا سكت بعد انطلاقه إلى مسافة فمعنى ذلك انه عرف من انطلق إليه.. وفعلا ما هي إلا هنيهة حتى سكتت الكلاب، وبعد دقيقة أو نحو ذلك من سكوتها، سمعتا من يتنحنح من جهة الطرف الغربي لبيت الشعر، جهة العيال، وقالتا معا:
ـ ابشر.
في الوقت الذي قالت أخت سالم بالاضافة إلى ذلك:
ـ تفضل.
عندما التقت عيونهما بعيني سالم، كانتا تتبسمان، وهما واقفتان.
تبسم سالم وهو يقول:
ـ كأنكما تعرفان انني قادم في هذه اللحظة.. لكنه كان يخاطب نخوة في الحقيقة..
قالت نخوة، بعد ان سلم عليها وعلى أخته:
ـ نعم، لقد قدرنا أن تكون القادم إلينا، لأن الكلاب سكتت بعد أن انطلقت وهي تنبح، ولو وجدت شخصاً غريباً لاستمر نباحها ومشاغلتها لمن يحضر، ثم انها انطلقت ناحية الغرب، وهذا دليل آخر على أن القادم ليس ضيفا، لأن الضيف يأتي من ناحية الديوان المقرر للضيوف (الخطار)، من جهة الشرق.. رغم ان بعض مقطوعي الرسن قد ادخلوا تقليدا جديدا على مكان المضيف فجعلوه، بخلاف تقاليد العرب على جهة الغرب..
تبسم مرة أخرى وجلس، وبدأ يسأل نخوة:
ـ ها، كيف حالك، يا نخوة؟
ـ بخير.. وكيف حالك أنت؟ وكيف هي أموركم؟
ـ بخير.. وكل شيء على ما يرام.. ان علومك (أخبارك) وصلت إلينا عندما رفضت الدبكة مع الشيخ اللعين، واخترت رجلاً ملثماً حرص، وهو يراقصك، على أن لا ينزع لثامه خلاف العادة.. لذلك يتحدث جماعتنا ـ قال سالم ـ عنك باعتبارك نخوتهم مثلما أنت، لكنهم يتحدثون عن ذاك الشبح الذي اخترته لتدبكي معه، ومن الطبيعي أن أكون من بين مستمعي تلك الأخبار وكأنني لا أعرفها ولا تعنيني إلا على أساس معانيها العامة..
أنهى سالم كلامه، وضحك بصوت منخفض لئلا يسمع خارج بيت الشعر، وضحكت نخوة وأخته، لكن نخوة أردفت ضحكتها بالقول:
ـ وهل لذلك معنى آخر غير المعنى القائم في نفسك، يا سالم؟
أجاب سالم، وهو يتبسم:
ـ أنت تعرفين، يا نخوة، أنت تعرفين.. وقبل ذلك، يعلم الله..
تدخلت أخته لتقول وهي تتبسم:
ـ وأنا أعرف أيضاً!! ـ نعم ـ يقول سالم ـ أنت تعرفين، يا أخيّة، لكن ليس مثلما نعرف أنا ونخوة، ومثلما يعلم الله..
يضحك الثلاثة، في حبور وسعادة عظيمة..
تقول نخوة:
ـ كيف هي أموركم؟ من الضروري أن تحزموا أمركم، إذا كنت قد هيأتم أموركم للتخلص من الشيخ الملعون؟! ـ العزم والهمة متوفران، يا نخوة، لكن الهمة والعزم يحتاجان إلى تدبير ليكونا مؤثرين ويصيبا الهدف.. ومثلما يكون التدبير اعضب من غير همة وعزم، تحتاج الهمة والعزم للتدبير.. واننا نجري حسابات تقدير الموقف.. خاصة توقع ان يتدخل شيخ قبيلة الروم في حال انتصارنا على حسقيل..
ـ وماذا يمكن ان يفعله شيخ الروم بعد انتصارنا على حسقيل ـ تسأل نخوة ـ خاصة عندما يجد أن قبيلتنا تقول كلها بلسان واحد وتتصرف كرجل واحد؟
ثم اضافت بعد أن تبسمت:
ـ وتتصرف النسوة كأنهن في رأي وموقف امرأة واحدة.
ـ وهل تظنين، يا نخوة، ان حسقيل تسلل إلى القبيلة من غير أن يكون هناك من ساعده ويساعده في ذلك؟ ثم كيف أصبح شيخا للقبيلة لولا الضعف الذي أصاب القبيلة؟.. ان الضعف الذي اقصده هنا، يا نخوة، ليس ضعف الهمة فحسب، إنما ضعف النفس والأخلاق والولاء للقبيلة..
ـ لكن لكل شيء سببا.. ولكي تعرف النتائج ينبغي أن تعرف أسبابها.. ان المدخل الكبير الذي اضعف نفسية وهمة من ضعف هو ضعف الرأس، فعندما يمرض الرأس، يا سالم، لا يكون باستطاعة الجسد أن يصمد ويكون معافى.
ـ نعم، يا نخوة، هذا صحيح، لكن ليس الرأس فقط هو الضعيف الآن، إنما امتد الضعف والمرض من الرأس إلى الأكتاف حتى وصل الاقدام.. وهذا يحتاج إلى تدبير، وليس إزاحة الرأس واستبداله برأس آخر فحسب، إذ قد تكون العدوى عكسية إذا اقتصر الأمر على استبدال رأس برأس.
علقت نخوة:
ـ لكن إذا ما صح الرأس، وكان بخواص تجعله قادرا على تأدية واجباته، يستطيع ان يعمل الشيء الكثير ليخلص الأجزاء الأخرى من المرض.
ـ نعم، هذا صحيح، وحول كل هذا يجري تقدير الموقف.. ليكون عملنا رصينا، ومن بين ذلك حساب ردود فعل شيخ الروم..
ـ لكن شيخ الروم، إذا وضع أمام أمر واقع جديد سيعيد النظر في حساباته في كل الأحوال، وسيحسب حساب مصالحه المقبلة وليس القديمة، وحساب ما يمكن أن يحققه منها مع شيخ جديد، وليس ما كان يتعامل بها مع الشيخ القديم الذي سيكون (رحمه الله
)..
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

السابقالتالي

العودة إلى مكتبة المتن الالكترونية

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 5 زائر/زوار

cron