• اخر المشاركات

قصص قصير للكاتب الكبير عزيز نيسين

أهم الكتب في كل المجالات...

المشرف: noooooooooooor

قصص قصير للكاتب الكبير عزيز نيسين

مشاركةبواسطة Dr Rabie في الجمعة يوليو 07, 2006 1:47 pm

«عزيز نيسين أحد العبقريات العظيمة في القصة القصيرة الواقعية في تركيا حيث وصلت الذروة ليس في النقد الاجتماعي الساخر فقط، وإنما في الكتابة الساخرة العالمية».

هذا القول للناقد التركي ديمرتاش جيبهون يشير إلى أهم ميزة جوهرية في نتاجات نيسين الأدبية: «السخرية»بكل وظائفها ونتائجها الإيجابية على قارئ سيظل مشدوداً حالماً بدأ القراءة. فتشويق هذا الأدب نابع من قدرته على بناء سرد قصصي معبأ بالتفاصيل الضرورية، عزيز نيسين الذي قال عن ذاته: «إن الحكايا الساخرة التي كتبتها ربما كانت احتيالاً لمواجهة الحياة بعد كل سجن وكل منفى».



تمر هذه الأيام الذكرى الحادية عشر لرحيل هذا الأديب (رحل في 5 تموز 1995) وللتذكر بهذا الأديب نحاور المترجم جمال دورمش المدير العربي في المركز الثقافي الروسي والذي ترجم لنيسين حوالي عشرة أعمال منها «مزحة حمار ـ العسل المبرطن ـ العرض الأخير ـ يساري أنت يميني، آه منا نحن معشر الحمير، خصيصاً للحمير..» ‏

ہكيف تصف شكل السخرية في أدب عزيز نيسين لاسيما أنك ترجمت حوالي عشر ةأعمال لهذا المبدع؟ ‏

ہہ ربما لم يقصد عزيز نيسين في يوم من الأيام أن يكتب أدباً ساخراً، ولكن كل ما تناوله هذا المجتمع الممزوج بالسخرية، نيسين كان واقعياً تناول المجتمع كما هو مستفيداً من إرث ثقافي عربي، فقد قرأ كليلة ودمنة كما قرأ الجاحظ، من هنا نجد علاقة نيسين الواقعية بمجتمعنا. ‏

ہقال نيسين عن نتاجه الأدبي أنه «حول الدموع إلى ضحكات» يحيلنا هذا القول مباشرة نحو الواقع الاجتماعي والسياسي الذي عاشه نيسين، كيف تحدد شكل العلاقة بينه وبين واقعه وقدرته على تحويل الألم إلى أمل ونتاج إبداعي فيه كل هذا القدر من الفكاهة؟ ‏

ہہ كما سبق وأشرت في السؤال السابق أن نيسين تعامل مع واقعه معتمداً على مبدأ التطور الاجتماعي وهو يدرك أن الخلاص من الواقع القائم يكون من خلال العدالة الاجتماعية، فجميع أعمال نيسين المسرحية والقصصية والشعرية كانت تدعو إلى مجتمع عادل يصون إنسانية الإنسان. ‏

ـ ہ في قصته «هاوي أدب» ضمن مجموعته خصيصاً للحمير يركز على ذلك الصنف من البشر الذي يريد الحصول على المجد من كل أطرافه، رجل أعمال اسمه، «مؤمن أكرم أو رنار»، يدّعي معرفته بالمثقفين، برأيك هل عدد أمثال هذا الرجل في مجتمعنا كبير؟ ‏

ہہ للأسف نعم فهذا هو الشارع الثقافي المشوه، وقبل قليل حدثتني عن واحد يشبه «أورنار» فكان يشتم ويصب جام غضبه دون النظر إلى أن العمل الإبداعي هو قبل كل شيء نتاج إنساني. ‏

وأتذكر هنا كيف تحول نيسين من شاعر إلى كاتب قصة ورواية معروفة في كل أنحاء العالم فقد زار نيسين ناظم حكمت في المشفى وقرأ عليه بعض أشعاره، فأجابه حكمت اقترح أن تبحث في مدارس أدبية أخرى، أشعر بك وكأنك نسخة سيئة عن ناظم حكمت، وهذا ما دفعه أن يهجر الشعر، على الرغم من أن نيسين كتب قصائد جميلة جداً ومما كتبه: ‏

ستسأل عني ذات يوم ويأتيك ذاك الجواب وهكذا يتحول الإنسان إلى ذكرى. ‏

وكتب أيضاً عندما أصيب بالجلطة: ‏

ما نفعك يا يدي اليسرى ‏

وقد أصبحت خرقة بالية معلقة على كتفي ‏

ما نفعك يا يدي اليسرى ‏

أ للكتابة أم لحمل الكتاب.. ‏

هذا هو نيسين الشاعر.. ‏

ہفكاهة عزيز نيسين الأدبية قصدية أي أن بناءه الأدبي بكل تفاصيله مشغول بتتويج الفكاهة كأحد أهم سمات هذا الأد ب، وكل حديث عن الفكاهة في الأدب يكون مرتبطاً بالحديث عن المرارة ماذا تقول عن هذا الجانب؟ ‏

ہ المجتمع المشوه المريض هو الذي يخلق هكذا أدب وهنا دور الأدب، ما أسهل أن تبكي شخصاً لكن ما أصعب أن تضحكه، من خلال فيلم هندي تبكي كل المشاهدين، لكن أن تجد كاتباً ساخراً فهذا ما يندر، انظر إلى الساحة الأدبية السورية تجد قلة قليلة من الكتاب الساخرين. ‏

ہ لم يكتف نيسين بالاستفادة من واقع الحياة السياسية والتعبير عنها أدبياً إنما رصد الحياة الاجتماعية التركية، وكان قاسياً أحياناً في هجائه لهذا الواقع، كيف تنظر لهذه المسألة في أدب نيسين؟ ‏

ہہ بهذا السؤال ذكرتني بالراحل الكبير محمد الماغوط الذي خان وطنه، والأكيد أنه لم يكن في يوم من الأيام يقصد معنى العبارة المعروفة إنما قصد استنهاض الهمم، وهذا ما تحدث عنه نيسين بشكل آخر عندما قال أن خمسة وسبعين بالمئة من الشعب التركي أحمق، هو لا يقصد الحماقة، إنما يتعامل مع الشعب بشكل أبوي، راغباً استنهاض الهمم، لكن هيهات أن نفهم ذاك الذي أراد أن يخون وطنه، أو هذا الذي نعتنا بالحمق والبناء وطالما لم نفهمها فنحن كذلك، أو على تقدير أنا كذلك حتى لا يعارضني أحد. ‏

ہ مجالات الهجاء والسخرية في أدب نيسين متنوعة، في قصة الرواية المترجمة يسخر من أصحاب دور النشر، في قصة «حلال عليه» يسخر من الذين لم يفهموا لماذا صرف المجرم أمواله على محام لم يستطع إنقاذه من حبل المشنقة، وفي قصة «نظرية الحمار» يسخر من غباء بعض الآباء، هل توقفت وأنت تقوم بعملية الترجمه لتضحك على بعض هذه المواقف؟ ‏

ہہ لا شك، بداية أنطلق من تصوير مقارن ما بين قصة نيسين أياً كانت وبين واقعه تجدني أضحك على قدرة نيسين في تصوير واقعنا اليومي، كأن نيسين كتب كل هذه الأعمال عن واقعنا المأساوي. ‏

ہ ثمة أشكال عديدة للضحك، هناك ضحك السرور والفرح، وهناك ضحك السخرية والازدراء، وهناك ضحك المزاح والطرب، وضحك العجب والإعجاب، وضحك العطف والمودة، ما أكثر أشكال الضحك التي يثيرها نيسين في قرائه؟. ‏

ہہ ضحك الابتسامة الممزوجة بالألم، يثير الضحكة الممزوجة بالدموع، أو القهقهة الممزوجة بالآه، هذا هو ضحك نيسين. ‏

آخر تعديل بواسطة Dr Rabie في الثلاثاء أغسطس 29, 2006 3:14 am، عدل 1 مرة.
____
صورة العضو
Dr Rabie
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 858
اشترك في: الأحد ديسمبر 05, 2004 3:05 am

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 1:52 pm

الفأر الصغير في زيت الزيتون
- عزيز نيسن -



بعد بقاءنا فترة في المقبرة رحلنا إلى منزلٍ صغير يتألف من طابقٍ واحد. لا أدري إن كان هذا المنزل لشخص نعرفه أو لا..! ولكن في الغالب أننا قد انتقلنا إلى منزل أسرة كانت قد أشفقت على حالنا.

إن هذه الأسرة الكريمة التي وفرت لنا الحماية في منزلهم الفقير والصغير كانت تتكون من رجل وزوجته. وكان يعمل عطارا ، حيث يبيع التوابل كالفلفل الأحمر والأسود والزعتر والخل في سوق كاظم باشا باستانبول .
كان الفصل شتاء ، وذات يوم وبينما الزوج يكسر الأخشاب في الفناء الصغير بالقرب من المنزل، رحت أرقبه باهتمام بالغ إذ نادتني زوجته قائلة: “تعال من هناك، سوف تصيبك شظية من شرائح الخشب “.
تراجعت قليلاً إلى الخلف, إلا أنني بقيت أشاهد تقطيع الخشب بكل اهتمام.
كان يضع الخشب حتى يتم تكسيره من جذعه (مكان ما يبقى من الخشب بعد تكسيره) ، وكان يقوم أولاً بعمل شق في الخشب عن طريق الفأس ، ومن ثم يضع وتدا كقطعة الخشب في الشق ، ويبدأ يضرب هذا الوتد بمؤخرة الفأس كي تتكسر الخشبة إلى قسمين متساويين.
كانت الواجهة الحادة للفأس تتلألأ كلما رفع الفأس في الهواء . وعندما يضرب الفأس الخشبة يصدر صوتا : “غوب”.
كان يثبت الأخشاب بأحد قدميه حتى لا تقفز بعيداً ، ومن ثم يرفع الفأس ثانية ويضرب غير أنه في هذه المرة لم يضرب الخشب بل ضرب قدمه..! فانفجر الدم .
رأيت أن قدمه قد جرحت.
كانت هنالك مجموعة من القوارير معلقة في مسامير من الأطراف الخشبية للبيت الصغير وكانت زوجة الرجل تصب سائلاً كثيفاً من أحدى هذه القوارير على الجرح.
أما هذا السائل الغريب فهو غريب المصدر أيضاً.. فقد كان هنالك عدد كبير من الفئران في المنزل، ومن عدة أحجام كالصغيرة أيضاً. أمسكوا بفأر صغير حديث الولادة لم يستطيع الهروب و قذفوا به داخل قارورة تحتوي على زيت الزيتون، ثم علقت القارورة على الجدار الخارجي للمنزل. الغريب جداً أن الفأر الصغير ذاب في زيت الزيتون نتيجةً لتأثير حرارة الشمس وبدأ في تشكيل سائل كثيف ، و هذا السائل كان يداوي الجروح والعظام المكسورة، فعالج جرح الرجل وتحسنت حالته.
انتقلنا من ذلك المنزل الذي استضافنا إلى غرفةٍ صغيرة في الطابق الأسفل لمنزل آخر يتألف من طابقين قي منطقة كاظم باشا. كان يقع إلى جوار نهر قذر، و أمامه حقل لزراعة الخضروات ، و على بعد خطوتين باب ثنائي يقود للمدخل الأمامي .. و على البابين ثمة أطباق حديدية مستديرة مثبتة على البابين, بهما حلقات منحوت عليها رسومات وزهور وقد تم طلاء المدخل منذ أمدٍ بعيد جداً . أما الآن فما بقي من هذا الطلاء هو بقايا أثار فقط.
عندما ترفع حلقة من حلقات الباب ويتم ضربها يأتيك صوت من الداخل:” من الطارق ؟” .
يأتي من بعيد صوت هادئ و ناعم لامرأة غي الغالب.

كنت أعرف جيداً كيف أفتح الباب، وكانوا في معظم الأحيان يقولون لي أجري وأفتح الباب.
فأجري لأفتح الباب الأمامي. حيث كنت أصعد درجات عتبة الباب الثلاثة ونظرا لأني لم أكن طويلاً بما فيه الكفاية كي أقبض الترباس الحديدي من على الباب، لذا كنت أصعد على أخمص قدمي لأزيح الترباس.

فينفتح الباب ثم يضرب وجهي موجه من البرد لأشم حينها رائحة البصل المطبوخ وعادةً كنت أشم رائحة البقوليات المجففة.
يبدو أن المستأجرين الثلاثة الذين عاشوا في الطابق الأرضي كانوا قد اعتادوا على طبخ البقوليات. فقد كان أحدهم يقوم بعملية طبخ البقوليات ويقوم الآخر بغسلها ، وآخر بقليها ويقوم الأخير بوضعها في إناء الطبخ مع ما تبقى من مكونات.

إذا ما سرت أسفل الثلاث درجات على الباب كنت ستجد فناءاً كبيراً مرصوفا بحجارة على هيئة ألواح مكسرة. بعضها موضوعا في وسط الغرفة التي كنا نعيش فيها والتي كانت تقع على الجانب الأيسر ، وكانت تؤدي إليها خمسة عتبات خشبية. و على الجانب الأيمن كان يوجد بوابة تؤدي إلى الحقل، وقبل أن تصل إلى هذا الحقل كان بوسعك أن ترى غرفة أخرى ، عاش فيها “العم” حسن وزوجته أيف . وكان مقابل الفناء مباشرةً يقع المطبخ . أما “عمتي” سارة فقد كانت تعيش في غرفة على يمين المطبخ.
كان أصحاب المنزل رجل وزوجته وهما من ذو البشرة السوداء كانا يعيشان أعلى الدرج.
جدار غرفتنا كان يحتوي على نافذتين تطلان على نهرٍ كثيف المياه. وتوجد خلف هذا النهر حقل محاط بجدار مغلف بعلبٍ يعلوه الصدأ.

أمّا السرير المصنوع من الحبال الذي كانت تنام علية أختي ممتد من جدار إلى آخر داخل الغرفة مقسم بذلك المكان إلى قسمين. وكان يوجد على طول الجدار مقعد خشبي أتسلق عليه لأنظر ما يحدث بالخارج.
فوق الجدار المقابل توجد خزانة كبيرة. وبداخلها كانوا يحفظون شراشفنا وبطاطيننا.
كان من عادة أمي أن تضع ماكينة خياطتها فوق صندوقٍ خشبي منخفض وتجلس في الأمام على وسادة . يدخل القماش الأمريكي الماكينة من ناحيتها اليمنى وتأتي الملابس الداخلية للرجال طويلي الساق من ناحية اليسار. كنا لا نستطيع التحكم بالمبالغ المالية التي تكسبها أمي من الملابس الداخلية لرجال الجيش.
ولمّا يلقي اليوم بظلامه الدامس، تشعل أمي اللمبة الزيتية ثم ترفع أغراض السرير ومستلزماته (الشراشف والبطاطين ) من الخزانة وتنشرها على البلاط وتغسل وجهي وقدمي وتضعني على السرير. تقبلني قائلة :

“اذهب لتنام الآن يا بني” .
بينما تروح هي إلى ماكينة الخياطة فتديرها بلا كلل ولا ملل . في حالة أن تتذمر أختي وتبكي ، تنزع أمي الخيط وتقول لها :” نامي ابنتي ” و أزيح أنا اللحاف من على رأسي بينما أمي تترنم بلحن هادئ كي تنام أختي.

كانت أمي توفر لنا الغذاء جراء ما تكسبه من خياطة الملابس الداخلية من القماش الأمريكي لرجال الجيش و بعد ذلك تقوم بعمل التطريز لنهايات المناديل التي كانت تغطي النساء رؤوسهن
ذلك الحين.
ولأن أمي لم تكن ترى بوضوح في الليل تحت اللمبة الزيتية (المسماة لمبة الليل) فقد كانت تقوم بأعمال التطريز في النهار بينما تقوم بالخياطة ليلاً.
كنت أنام يومياً على صوت الماكينة (تيكر ..تيكر) .
أما في عالم اليوم فلن تجد هذا النوع من تطريز المناديل في أي مكان. إن هذا التطريز ذو الألوان المتعددة يعتبر اليوم تحفة و فن قديم ذو قيمة عالية.
اعتدت تخيل أمي البالغة من العمر الثامنة عشر عاماً فقط وهي تطرز و لكن ليس بالخيوط الملونة ، بل إنها تطرز بدموعها وبالنور الذي يشع من عينيها. لكم تمنيت لو أعطي مقابل كل قطعة واحدة من تلك القطع التي طرزتها يدا أمي, كل كتبي وكل ما سأكتبه.
زوج العمة ايف والذي كان يسكن في الغرفة التالية لغرفتنا هو حسن أفندي الذي يعمل فني حدائق في “النيفييارد”.
كان لهم طفل صغير حديث الولادة و كان عندهم أرجوحة شبكية ممتدة من الجدار إلى الجدار المقابل في الغرفة التي يعيشون يعيشان فيها.

ذات يوم قلت للعمة أيف: ” هل من الممكن أن أهز أرجوحة الطفل ؟” وافقت ، فهززتها بينما كانت تطبخ. في ذلك الوقت أتذكر أنهما جعلاني أردد ( قل هو الله ) و لم أكن أحب أن أستخدم التهاويد (وهي أغاني رقيقة تغري الطفل للنوم) ، لذا فعندما لا يوجد أحد في الغرفة ، أكرر مرات ومرات :” قل هو الله أحد” . وما أن يغط الطفل في النوم حتى تعطيني العمة أيف شريحة من الخبز بها خثارة اللبن لمكافئتي لهز الأرجوحة.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 1:59 pm

آه منا نحن معشر الحمير....

/عزيز نيسين/ <<<<




يحكى أننا نحن الحمير كنا في قديم الزمان نتحدث بلغة كالتي تتحدثون بها أنتم البشر، كانت لنا لغة خاصة بنا.
ويحكى أننا لم نكن ننهق في قديم الزمان كما نحن عليه الآن، وتعلمون أننا الآن نعبر عن رغباتنا وأحاسيسنا، ومشاعرنا، وأفراحنا، وأتراحنا فيما بيننا بواسطة النهيق!
النهيق هو إصدار صوت مؤلف من حرفين بشكل متكرر :» هـ .. ا، هـ... ااا« هذا هو النهيق..
تقلصت لغتنا الغنية تلك، وتقلصت الى أن صارت كلمة واحدة مؤلفة من حرفين. يعود ربط ألسنتنا نحن الحمير الى حادثة قديمة جداً.. يحكى أن هنالك حماراً عجوزاً من الجيل القديم، في يوم من تلك الأيام كان يرعى هذا الحمار العجوز في البراري وحده، وكان يغني الاغنيات الحميرية في أثناء الرعي، في لحظة من تلك اللحظات تناهت الى أنفه رائحة..
إنها رائحة ليست طيبة، إنها رائحة ذئب.
رفع الحمار ابن الجيل القديم أنفه الى الأعلى، وبدأ يستنشق بعمق، الجو يحمل رائحة ذئب حادة.. سلّى الحمار العجوز نفسه بقوله :
- لا يا روحي، إنه ليس ذنباً..
وتابع الرعي..
ولكن رائحة الذئب تزداد بالتدريج.. اما الحمار العجوز فهو خائف من جهة، ومتظاهر باللا مبالاة من جهة أخرى، ويقول لنفسه :
- ليس ذئباً.. لماذا سيأتي الذئب الى هنا؟ ولم سيلقاني؟ بينما كان يسلّي نفسه هكذا، فجأة تناهى الى أذنيه صوت..
ليس صوتاً عذباً، إنه صوت ذئب..
شنف الحمار العجوز أذنيه رافعا إياهما الى أعلى... نعم إنه صوت ذئب، ولأنه غير راض بمجيء الذئب، تابع قضم العشب وهو يقول :
- لا يا روحي.. هذا الصوت ليس صوت ذئب... يتهيأ لي...
إقترب كثيراً جداً ذلك الصوت المخيف، والحمار يقول لنفسه :
- لا، لا... أتمنى ألا يكون ذئباً... أما عند الذئب عمل آخر ليأتي الى هنا؟!
من ناحية أخرى سيطر الرعب على قلبه، وبدأ يتلفت فيما حوله..
نظر.. وإذا بذئب يظهر بين الضباب والدخان على قمة الجبل المقابل.. فقال :
- هـ ا ا ا، ما أراه ليس ذئباً لا بد أنه شيء آخر.
إزداد خوفه عندما رأى الذئب يعدو خلف الاشجار. ولكن لأنه غير راغب في مجيء الذئب، خدع نفسه قائلاً :
- ليس ذئباً، إن شاء الله لا يكون ذئباً..أما بقي له مكان آخر ليجد هذا المكان ويأتي الى هنا؟ لم تعد عيناي سليمتين، لهذا فإنني ظننت أن خيال الأشجار ذئب.
إقترب الذئب اكثر، عندما صارت المسافة بينهما خمسين خطوة حميرية، سلّى نفسه قائلاً:
- جعل الله بمشيئته هذا المخلوق الذي أراه أمامي ليس ذئباً...لم سيكون ذئباً يا روحي .. لعله جمل أو فيل، ولعله شيء آخر.. ويمكن ألا يكون شيئاً البتة.
إقترب الذئب مكشراً عن أنيابه، وعندما بقي بينهما عدة خطوات، قال الحمار العجوز :
- أنا أعرف أن هذا القادم ليس ذئباً، نعم أنه ليس ذئباً، ولكن ليس سيئاً أن أبتعد عن هذا المكان قليلاً..
بدأ المسير.. نظر خلفه فوجد أن الذئب يتبعه مكشراً عن أنيابه، مسيلاً لعابه.
بدأ الحمار إبن الجيل القديم بالدعاء والتوسل لربه :
- يا ربي إجعل هذا الذي يتبعني ليس ذئباً حتى ولو كان كذلك.. إنه ليس ذئباً يا روحي، وكل خوفي لا معنى له..؟!



بدأ الحمار العجوز يعدو، وركض الذئب خلفه. ركض الحمار بكل ما تقوى عليه قوائمه، وهو يقول في داخله : - إنه ليس ذئباً حتى لو كان كذلك... اللهم لا تجعله ذئباً... لم سيكون ذئباً يا روحي؟
هرب الحمار وتبعه الذئب. عندما شعر الحمار بأنفاس الذئب الساخنة تحت ذيله، قال لنفسه :
- انا أراهن إن هذا ليس ذئباً... لا يمكن أن يكون المخلوق الذي أشعر بأنفاسه تحت ذيلي ذئباً... عندما لامس فم الذئب الرطب ما بين فخذي الحمار، إنهار الحمار تماماً... إلتفت، نظرخلفه، فوجد الذئب يهم بالقفز عليه.. تجمد الحمار تحت تأثير نظرات الذئب الحادة فما عاد يستطيع أن يخطو خطوة واحدة، فأغمض عينيه كي لا يرى الذئب، وبدأ يتأتىء بالقول :
- إنه ليس ذئباً يا روحي... إنه ليس ذئباً بمشيئة الله... لم سيكون ذئباً؟ عض الذئب الشرس الجائع بأنيابه الحادة الحمار من فخذه، وقضم قطعة كبيرة... إرتبط لسان الحمار وهو يهوي على الأرض ألماً... ومن خوفه نسي اللغة الحميرية. نهشه الذئب من رقبته وصدره وبدأ ينفر الدم من جميع أطراف الحمار، وعندئذ بدأ يصرخ :
- هـ اا.. إنه ذئب هـ... ااا، هو .. هـ.. ااا... هو وووو.
الذئب يمزقه، وهو بسبب ارتباط لسانه لا يصرخ إلا :
- هـ اااا... هووووو.. هـ اا... ااا، هـاااا
سمعت الحمير كلها صراخ الحمار من الجيل القديم بآخر كلماته. حيث كانت تردد أصداءها صخور الجبال، وهو يتمزق بين أنياب الذئب :
- هـ اااا، هـ ااا، هـ اااااا....
وهكذا يقال إننا نحن الحمير نسينا المخاطبة والمحادثة منذ ذلك اليوم، وبدأنا نعبر عن أفكارنا بواسطة النهيق... ولو لم يخدع نفسه ذلك الحمار إبن الجيل القديم حتى وصل الخطر الى تحت ذيله، كنا سنبقى على معرفة بالكلام....!!!!؟؟؟ آه منا نحن الحمير.... آه منا نحن الحمير.... هـ ااا... هـ ااا.... هـ ااا
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:01 pm

كيف حال الطقس سعدي بيك

عليّ أولاً أن أعرفكم بسعدي بيك بصورة جيدة. ثمة نوع من الناس يقال فيهم إنهم "مثل بعر الأرنب لا يفوح ولا يلوث" إن سعدي بيك هو المثال الأفضل على هذا النوع. لا في العير ولا في النفير، لا للصيف ولا للضيف. فإذا سألته "كم حزباً في البلد؟" فهو لن يجيبك حتى بـ"لا أعرف" بل يكتفي برفع كتفيه وزمّ شفتيه.‏ هو رجل رزين ومهذب، يكبرني بعشر سنوات لكنه يبدو بعمر أبي لشدة رزانته ورصانته، لا يمكنك اقتلاع الكلمة من فمه إلاّ مثل اقتلاع الضرس الملتهب،



فهو يكاد لا يتكلم أبداً.‏ يقيم مع زوجته وابنته في قصر صغير عتيق في "أرن كوي" ورثه عن أبيه ولا يؤجر أياً من أجنحته على أمل أن يحصل لابنته على صهر يقيم معهم.‏ ألتقي به كل صباح، فإذا لم يحدث ذلك في القطار، حدث حتماً في عبّارة الساعة التاسعة التي تنطلق من "حيدر باشا".‏ اضطررت لملازمة الفراش خمسة عشر يوماً بسبب المرض، وفي اليوم الأول لعودتي إلى العمل بعد إبلالي من المرض ترجلنا، سعدي بيك وأنا، سوية من القطار ومشينا باتجاه العبّارة، وإذ بأحد المعارف يمر بنا ويقول لسعدي بيك:‏ ـ كيف الطقس يا سعدي بيك؟‏ ثم تابع طريقه من غير أن ينتظر جواباً من سعدي بيك. ثم لحق بنا واحد آخر وقال وهو يهبط السلالم الرخامية:‏ ـ مرحباً سعدي بيك.‏ ـ أهلاً..‏ ـ كيف الطقس يا سعدي بيك؟‏ قال الرجل ذلك وهرب مبتعداً، وكان واحداً من زملائنا. نظرت إلى وجه سعدي بيك، فوجدته شاحباً مثل كلس مزج بطلاء أخضر...‏ ثم سمعنا أصواتاً ساخرة خلفنا:‏ ـ كيف الطقس يا سعدي بيك؟‏ ـ كيف الطقس يا سعدي بيك؟‏ كان غضب سعدي بيك يتصاعد، لكنه يحاول إخفاءه. صعدنا إلى العبّارة وجلسنا في القاعة السفلى. قال رجل يجلس على مقربة:‏ ـ مرحبا سعدي بيك.‏ لم أكن على معرفة بهذا الرجل المسن والمتأنق. ردّ عليه سعدي بيك التحية:‏ ـ أهلاً يا سيدي.‏ ـ كيف الحال يا سيدي؟‏ ـ شكراً لكم. الحمد لله.‏ ـ أوه! أوه! أنعم الله عليكم بالصحة والعافية. كيف الطقس؟‏ قفز سعدي بيك من مكانه كالسهم، التقط قبعته وابتعد فخرجت معه لأنه رفيق طريقي لسنوات. وقفنا جنباً إلى جنب في مؤخر العبّارة. عرفت أنه مستاء جداً من شيء ما لكني تجنبت سؤاله خشية أن يزعجه السؤال. التزمنا الصمت حتى وصلت العبّارة إلى المرفأـ حيث سأله عدد من الأشخاص عن الطقس ونحن نترجل من العبّارة.‏ بدأت أغتاظ بدوري، وأردت التدخل لكني لم أفعل لأنني لا أعرف ما هو الموضوع. ولم يكن الغيظ يناسب هذا الرجل المهذب. سألته بعد أن صعدنا إلى الأتوبيس معاً:‏ ـ ما الأمر يا سعدي بيك؟ لماذا يسألك الجميع عن أحوال الطقس؟‏ نظر في وجهي نظرة ارتياب ثم قال:‏ ـ ألا تعرف؟‏ ـ لا... لا أعرف.‏ ـ سأحكي لك هذا المساء على العبّارة.‏ افترقنا عند أول النفق.‏ بقيت متشوقاً لما سيحكيه لي سعدي بيك، ولم يبرح خيالي مشهد وجهه الغاضب وهو الرجل اللبق المهذب ذو الأعصاب الباردة. إذن فقد حدث معه شيء ما في غضون الأسبوعين اللذين قضيتهما طريح الفراش.‏ التقينا في المساء عند جسر مرفأ "قاضي كوي". قال لي:‏ ـ يحسن بنا ألا نستقل هذه العبّارة.‏ فهمت أنه يريد انتظار العبّارة التالية خشية التعرض لسخريات معارفه اللذين يستقلون هذه العبّارة.‏ كان ثمة بائعو سمك طازج على القوارب، اشترى منهم سعدي بيك كيلو ونصف من السمك، تمشينا لبعض الوقت على المرفأ، ثم ركبنا عبّارة الثامنة وعشر دقائق. السمك المبلل كاد يثقب أسفل الكيس الورق الذي تشبّع بالماء. وهكذا جلسنا فوق السطح وسعدي بيك يمسك بكيس السمك بحرص. قال لي:‏ ـ أنت لا تعرف إذن؟‏ في تلك اللحظة قال أحدهم:‏ ـ كيف الطقس اليوم يا سعدي بيك.‏ نهض سعدي بيك من مكانه دون أن يتفوه بكلمة واحدة. هبطنا معاً إلى الأسفل وقصدنا مؤخّر العبّارة حيث استند سعدي بيك إلى الدرابزين وجلست على المقعد الخشبي المجاور، وقد أمسك بكيس الورق بحرص شديد. قال لي:‏ ـ إياك وإياك! إذا فتح أحدهم حديثاً عن الطقس فاهرب منه على الفور! فإذا حدث وسألك عن الطقس فلا تنبس ببنت شفة، فليسأل ولكن لا تجبه. ذلك أنهم يبدؤون الكلام بهذه الطريقة أي بالسؤال عن أحوال الطقس ثم يستدرجون المرء ويقحمونه في ورطة. الرجل الذي أمامك يبدأ بكلمة الطقس فلا ترى خطراً في الحديث عن أحوال الطقس. بعد ذلك ينتقل من الطقس إلى الماء وإذ بموضوع الحديث ينزلق إلى الأرض. ثم... وإذ بك متورطاً بلا وعي في حديث... إياك! انتبه حماك الله... ها أنت في ورطة...‏ حدث ذلك منذ حوالي عشرة أيام... ركبت القطار من محطة "أرن كوي" كعادتي كلّ يوم. جاء شخص وجلس بجانبي. مضى بنا القطار بضع دقائق ونحن صامتان. ثم قال الرجل:‏ ـ الطقس يزداد سوءاً هذه الأيام.‏ لم أتفوه بكلمة لأنني لا أحبّ الناس الفضوليين من أمثاله. قال بعد قليل:‏ ـ الجوّ ينذر بالسوء، أليس كذلك يا سيدي؟‏ خجلت من الاستمرار بالصمت فقلت له:‏ ـ نعم.‏ لعنة الله عليّ إن كنت تفوّهت بأية كلمة أخرى.‏ بعد ذلك قال الرجل:‏ ـ يبدو أنها لن تمطر أبداً هذا العام.‏ الرجل يمد صحنه لالتقاط الكلام من فمي وأنا أجيبه بالصمت.‏ ـ أليس كذلك يا سيدي؟ الظاهر أنها لن تمطر أبداً هذا العام.‏ لا أخرجني الله حياً من هذه العبّارة إن كنت أكذب عليك، لقد أجبته بكلمة واحدة أيضاً:‏ ـ نعم.‏ وكيف أقول "لا" يا أخي؟ فهو يقول لي: "يبدو أنها لن تمطر"، فهل أرد عليه بالقول:‏ "لا، سوف تمطر"؟ فما أدراني إن كانت ستمطر، أم لا؟ هذه المرة انتقل الرجل إلى الحديث عن الماء، قال:‏ ـ لدينا شح في الماء... الوضع سيئ جداً‏ أنا صامت.‏ ـ أليس كذلك يا سيدي، لدينا شح في الماء؟‏ ـ نعم.‏ ـ إذا لم تهطل الأمطار سنشهد محلاً. هذا العام لدينا محل. يقال إن الأناضول تحترق من الجفاف.‏ ثم يضغط عليّ لأؤكد على كلامه:‏ ـ أليس كذلك يا سيدي؟‏ ـ نعم.‏ ـ سوف نضطر لشراء القمح من الخارج.‏ عندما رأى أنني لم أقل شيئاً، ألحّ قائلاً:‏ ـ سنشتري، أليس كذلك يا سيدي؟‏ ـ وهل أنا وزير التجارة يا أخي؟ مالي أنا إن اشترينا قمحاً أو شعيراً‏ ـ سنشتري أليس كذلك يا سيدي؟‏ ـ نعم.‏ ـ لا يمكن إدارة الأمور على هذه الصورة. إن الحكومة عاجزة عن إدارة هذه الأمور.‏ بدأنا من الطقس وانتهينا إلى الحكومة. هل يمكن للحكومة أن تخطر على البال إذا كان الحديث يدور عن الطقس؟ أترى من أين وإلى أين؟‏ ـ إن الحكومة عاجزة عن إدارة الأمور، أليس كذلك يا سيدي؟‏ بما أن الأمور وصلت إلى الحكومة، لم أجبه حتى بنعم هذه المرة. الطقس... فهمنا، والماء... فهمنا أيضاً، ولكن ما شأننا بالحكومة؟ التزمت الصمت، لكن الرجل لكز خاصرتي وصرخ قائلاً:‏ ـ أليس كذلك؟‏ ـ نعم.‏ ذلك أنه سيلكزني ثانية إذا لم أرد عليه.‏ ـ الأسعار ترتفع باطراد. ماذا سيحل بهذا الشعب؟‏ كان بوسعي أن أقول له: لا، الأسعار لا ترتفع، بل تنخفض يوماً بعد يوم". لكن ذلك يقتضي طق الحنك مع الرجل. قلت له بهدف التخلص منه:‏ ـ نعم.‏ ـ سوف ننتهي إلى وضع كارثي.‏ إنه يفاقم من خطورة الكلام باطراد. التزمت الصمت بلا مبالاة، فقال:‏ ـ أليس كذلك يا سيدي؟‏ تابعت تجاهلي فلكزني مرة أخرى، فقفزت من مكاني وأنا أطلق أنّة.‏ ـ أليس كذلك يا سيدي؟‏ ـ نعم.‏ إذا لم أرد على سؤاله فسوف يوجه لكمة إلى أنفي ويسألني: "أليس كذلك؟". انتباهي منصرف إلى الخارج من خلال النافذة. لكننا لم نصل بعد إلى محطة حيدر باشا، حتى أنزل من القطار وأتخلص من الرجل.‏ تمادى الرجل وتمادى حتى تجاوز كل الحدود، ومن حين لآخر أردت أن أجيبه بـ"لا"ـ لكن ذلك يعني الدخول معه في جدال بين نعم ولا، في حين أنني لست بوارد جدال من هذا النوع.‏ يحكي ويحكي ويحكي، ثم يسألني:‏ ـ أليس كذلك يا سيدي؟‏ فإذا التزمت الصمت لكزني فأطلقت أنّة وملت جانباً، وقد حشرني الرجل لُصق النافذة فلم يعد بإمكاني أن أهرب وأنجو بجلدي. لم يبق أمامي إلا القفز من النافذة.‏ الرجل يحكي بلا توقف، ثم يضرب بيده على ركبتي ويسألني:‏ ـ أليس كذلك يا سيدي؟‏ فأمسّد مكان الضربة وأجيبه:‏ ـ نعم.‏ ثم يمسكني من كتفي ويهزني:‏ ـ أليس كذلك يا سيدي؟‏ ـ نعم.‏ كنت لأفضل لو بطحني على الأرض وضربني.. قصارى القول أننا وصلنا أخيراً محطة حيدر باشا بين لكز وصفع ولكم وشد ودفع وهز، والحمد لله...‏ عندما ترجلنا من القطار اختفى الرجل في الزحام، أما أنا فلم أرفع رأسي عن الأرض خشية أن أراه من جديد.‏ في اللحظة التي أردت فيها الصعود إلى العبّارة نقرت يدٌ على كتفي ثلاث مرات، التفتَ وإذ به شرطي، قال لي:‏ ـ تفضل معي إلى المخفر لحظة لو سمحت.‏ عندما سمعت كلمة المخفر ارتبط لساني، فأنا لم أدخل قسم شرطة في حياتي، ولا أعرف ما يكون، ولكن ما العمل... ذهبت معه إلى المخفر، وماذا رأيت هناك؟ رأيت الرجل الذي واظب على سؤالي: "أليس كذلك يا سيدي؟" مبتسماً بالإضافة إلى راكبين كانا يقتعدان المقعد المواجه لمقعدنا.‏ ظننت أن الراكبين قد أشفقا عليّ بعد رؤيتهما لذلك الرجل وهو يلكزني ويلكمني طوال الرحلة فقدما شكوى ضده، والله أعلم. قلت للمفوض:‏ ـ أولاً أنا لست مدعياً على أحد.‏ فقال المفوض:‏ ـ ولكن ثمة من هو مدع عليك، هذا الرجل قدم شكوى ضدك.‏ يا سلام! أنت تجيب بنعم على كل ما يقوله الرجل، فيقوم هو بتقديم شكوى ضدك! هل سمعت بما يشبه هذا؟‏ قال الرجل:‏ ـ نعم، لقد شتم الحكومة بكل ما يخطر على البال من شتائم، وهذا السيدان شاهدان على ما أقول.‏ ثم حكى كل ما قاله لي أثناء الرحلة ناقلاً إياه على لساني، قلت:‏ ـ أنا لم أقل هذا الكلام، بل هو الذي قاله.‏ وقال الشاهدان:‏ ـ نعم هو الذي قال الكلام، أما هذا الرجل فقد وافق على كل الكلام بنعم ونعم ونعم.‏ قال الرجل:‏ ـ لقد تحدثت بتلك الطريقة بقصد اختبار نواياه.‏ إذن فسوف أهلك بين الأرجل فقط لأنني قلت نعم.‏ أمسك سعدي بيك بكيس الورق المملوء بالسمك في حضنه وقال:‏ ـ السمكات تكاد تسقط فقد انفتح أسفل كيس الورق.‏ كان يمسك أسفل كيس الورق في راحتيه. سألته:‏ ـ ماذا حدث بعد ذلك يا سعدي بيك؟‏ ـ سجلوا إفاداتنا، والآن سنذهب إلى المحكمة.‏ ـ ولكن لماذا قدّم ذلك الرجل شكوى ضدك؟‏ لقد ثار فضولي مثلك لمعرفة ذلك، فسألته السؤال نفسه عندما خرجنا من المخفر.‏ فأجابني قائلاً:‏ ـ حينما كنت تجيبني بنعم لم تكن تفعل ذلك عن طيب خاطر، فخفت أن تشي بي، فسبقتك إلى المخفر بمجرّد نزولي من القطار.‏ فقلت له:‏ ـ حسناً يا أخي ما دمت خائفاً إلى هذه الدرجة، لماذا إذن تتمادى في الكلام وتضرب يميناً وشمالاً؟‏ ـ وماذا أفعل، فأنا غير قادر على ضبط لساني، يحدث هذا رغماً عني.‏ إذن، إياك ثم إياك! لا أحد قادر على تمالك نفسه في هذه الأيام. كل واحد يبحث عن أحد يشكو له همّه، وليس من المعقول أن يقف وسط الناس ويخطب فيهم بصورة مباشرة. لذلك فهو يبدأ بالحديث عن الطقس مع أي شخص قربه.‏ الطقس ثم الماء... ثم تنتهي الأمور بهذه الطريقة. هل فهمت؟ إذا حدث وذكر لك أحدهم كلمة الطقس، فاهرب منه فوراً ولا تدعه يكمل كلامه، وإلا وجدت نفسك في ورطة مثلي.‏ ضحكت، ثم لم أتمالك نفسي عن سؤاله:‏ ـ كيف الطقس اليوم يا سعدي بيك؟‏ لم أكد أكمل جملتي حتى ضرب سعدي بيك على رأسي بكيس الورق المملوء بالسمك. في الوقت الذي ألقيت فيه بالسمك من فوق رأسي وثيابي، كان سعدي بيك قد اختفى عن الأنظار
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:02 pm

صحوة الناس..!

أيامه الاخيرة فى السجن كانت جحيما لا يطاق..هجرته زوجته وهو مسجون..بعد خروجه كادت الوحدة تقتله..كان في شوارع العاصمة.. غريبا يائسا..لم يجد نفسه فيها ..حالته المادية كانت سيئة للغاية..لا تساعده على دفع ايجار شقته الضيقة الصغيره..قرر أن يتركها ويبحث عن غرفة صغيرة خارج المدينه يقدر على دفع كلفتها..
لقد كان فيما مضي ناشطا سياسيا..يطالب بالعدالة الاجتماعية..وبحقوق الفقراء والمعدمين..لقد افني حياته وزهرة شبابه ..مطالبا بحقوقهم..لكنه الآن بعد خروجه من السجن صار أكثر بؤسا منهم..

بعد بحث طويل عثر علي بغيته..منزل شعبي مؤلف من غرفة صغيرة..يبعد عن المدينة مسافة ساعتين سيرا على الاقدام ..كتب قديمة..ملابس باليه..كل ما يملك..قبالة المنزل بنيت بقالة صغيرة..من بقايا الاخشاب والتنك المهترئ..
والى يسارها كوخ لبيع الخضار..كان البائعان يشتكيان من قلة عدد الزبائن فى المنطقة..ومن فقرهم المدقع ..توطدت عري الصاقة بينه وبينهم..بعد فترة قصيرة من استقراره فى مسكنه الشعبي حضر الى الحي بائع الكعك وبائع الذرة..ثم بائع حلوى الغريبه..ثم بائع المياة الغازية واخيرا الاسكافي..واستقروا جميعا مع عائلاتهم فى الحي..تحول المكان بمرور الوقت الى سوق تجاري بسيط..بدأ عامل النظافة يكنس الشوارع…وكثر الباعة المتجولون..وشيد هناك مقهى..
كان يشعر بالسعادة الغامرة لهذا الجو الرحب الباعث للفرح والبهجة..لكنه مع الاسف ما زال عاطلا عن العمل..ولم يبق امامه سوى الاستدانة من اصدقائه ..لكنهم للاسف جميعا مفلسون..عرض عليه احد معارفه العودة الى المدينة والسكن معه فى غرفة واحدة مجانا..اعجبته الفكرة كثيرا..لكن يستحيل عليه اخلاء منزله..فهو مدين للبقال وبائع الخضار وآخرين..وفي ليلة من الليالي وبينما هو يفكر فى مخرج لما هو فيه..اذا بالباب يقرع..كان الحاضرون البقال وبائع الخضار..وصاحب المقهى..اعتذر لهم انه لا يملك شئ ليقدمه لهم..فقالوا له ..لا بأس فقد احضرنا معنا الشاي والسكر..لقد كان يعتقد انهم حضروا للمطالبة بديونهم..قالوا له..لقد سمعنا انك تنوي ان تغادر..قال لهم اطمئنوا لن اغادر المنزل قبل ان ادفع لكم ديونكم..قالوا له ..عيب يا سيد.. ديون ماذا ..وهل بيننا ديون..هل طالبناك بشئ..؟
نحن نعرف ما فعلت من اجل الفقراء والمساكين ..لقد حضرنا لمنزلك لنطلب منك البقاء وعدم الانتقال..فأنت رجل بركه..ومنذ اتيت لهذا الحي..والحركة التجارية في ازدياد مستمر..ونحن من سيدفع لك ايجارك وايضا سندفع لك اجرة لكي تبقي..فانت كما قلنا لك رجل بركه وأي بركه..!
شكرهم على عرضهم..واعتذر عن قبوله..لكنهم اصروا عليه..كان على وشك ان يجهش بالبكاء..ثمة تغيير فى هذا البلد يحدث..وكأن صحوة بدأت توقظ الناس من سباتهم..فهو لم يعمل مع رفاقه كل تلك السنين لأمور تافهه..وهؤلاء الاشخاص الواقفون أمامه كانوا يشيحون بوجوههم عنه ويحتقرونه فيما مضي..!
أدامكم الله ..شكرا جزيل الشكر ..ولكن اسمحوا لي فأنا لا يمكن أن اقبل معونتكم..!..عرضوا عليه أن يستئجروا له منزلا افضل..وان يضعوا خادما يخدمه..وان يبعثوا له بالطعام كل يوم مجانا..لكنه اصر على الرفض..حينها..
نظر الثلاثة في وجوه بعضهم وقرروا انه لابد من اخباره بالحقيقة..اسمع يا استاذنا الكبير..أدامك الله لنا ذخرا وعزا..عندما حضرت الي حينا..بدأت الشرطة السرية تجوب ازقته بمظاهر متعدده(زبال ماسح احذية الخ)..لمراقبتك ووضعك باستمرار تحت انظارهم..وعلي هؤلاء الشرطة جاءت شرطة آخرون لمراقبتهم..وعلى الآخرون جاء آخرون لمراقبتهم..حتى استقر اغلبهم..فى هذا الحي..فازدهرت تجارتنا..واصبحت حالتنا المادية ممتازة..فإذا انتقلت انت من هنا..ستعود المنطقة الى حالها من الفقر والعوز لان جميع افراد الشرطه سيرحلون ليقتفوا أثرك..فلا ترحل الله يخلينياك يا سيدنا لا ترحل..وأجهشوا بالبكاء..وأجهش معهم بالبكاء..ولكن لأمر آخر..!
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:05 pm

قصتي

ولد أبي في إحدى قرى الأناضول ، رحل في سن الثالثة عشر من عمره إلى اسطنبول . أما أمي فقد كانت من قرية اناضولية أخرى ، رحلت هي الثانية وفي سنٍ مبكرة جدا إلى اسطنبول أيضاً، ليلتقيا هناك فيتزوجا ، وأولد أنا .

لَم يكن لدي أدنى خيار عندما ولدت في أكثر الأيام ناريّة وربما أكثرها دموية . فالتوقيت كان غير مناسب أبدا ، حيث اندلعت الحرب العالمية الأولى في عام مولدي أي 1915. ولسخرية الأقدار أن جاءت ولادتي في مكانِ غير مناسب أيضا ، وذلك على جزيرةِ ( (Heybeli التي تقبع بعيدة عن شاطئ اسطنبول التي كانت المصيف المميز لسكان تركيا الأثرياء .

وبطبيعة الحال الأغنياء لا يَستطيعونَ العيش بدون فقراء، فكَان هذا الاحتياج سبباً عظيماً كي أعيش وعائلتي على هذه الجزيرة.

أنا لا أَقْصد بهذه الدلالات أني كُنْت سيئ الحظ أبدا , بل العكس هو الصحيح ، حيث بقيت - طيلة حياتي – أَعتبر نفسي محظوظاً جداً في عدم المَجيء مِنْ عائلةٍِ مشهورةٍ ، نبيلةٍِ ، وغنية .

أطلقت عليّ عائلتي اسم نصرت "Nusret" بالتركية - المستمدة من "نصر من اللهِ" بالعربية، واختيار الاسم دلالته لدى معدمي وفقراء العائلة حيث كان بالنسبة لهم آخر أمل يرَبطَ كُل أمالهم باللهِ.



المتقشّفون القدماءُ كما كان معروفا، كانوا يقتلون وبأيديهم نسلهم الذي يولد ضعيفاً وضئيلاً، ويبقون فقط على القوي منهم، مع تعظيم شأنهم . هذا العرف كنا نمارسه بلا خيار نحن معشر الأتراك من خلال منطق الطبيعة والمجتمع. وقد اَكتْشفت أنّ إخوتي الأربعة قد ماتوا في مرحلة الطفولةِ بسبب عدم قدرتهم على تَحَمُّل بيئتِهم القاسية. أمّا أمّي وفي سن السادسة والعشرينِ من عمرها ، فهي الأخرى لم تحتمل الحياة، فماتت تاركة هذا العالمِ الجميلِ لمن يَستحقوه من هؤلاء الأقوياء. وربما تستطيعون إذن تفهم عنادي و تصميمي على ممارسة حق البَقاء.

* * *

الأجواء في الدول الرأسمالية تبدو ملائمة للتجار، أمّا في البلدان الاشتراكية الأمر يبدو مناسباً أكثر لنا نحن معشر الكتّاب. و بذلك يستطيع الرجل أن يحدد إلى مَن وأين سينتمي، فمهنة الكتابة تعني الانتماء للحالة الاشتراكية. لهذا حددت منذ كان عمري عشر سنوات أي في طفولتي المبكرة موقفي في أن لا أصير تاجرا رأسماليا ففي تركيا ما يكفيها من كومه نفاياتٍ رأسمالية. فكان علي إذن أَنْ أصبح كاتبا حتى و إَنّ خلت عائلتي تماما من أي شخص يستطيع القراءة أو الكتابة ..

والدي ككلّ الآباء الجيدين إذ كان يعتقد بأنَّ نصائحه المستقبلية لابنه قد تثنية عن هذه الفكرةِ السخيفة للكتابة، وأن يختار مستقبلا أكثر استقامة لكسب العيش وكنت أحسن الاستماع إليه.

أما عنادي فقد كان الأقوى من جم نصائح أبي لأنني حزمت أمري و اتخذت القرار بأنْ أكُونَ كاتبا..

دَخلتُ المدرسة بشغف، وحلم جارف لقلمِ يكون في متناول يدي . إلاّ أنني وجدتهم يَدْفعونَ ببندقيةَ في يَديَّ بدلا من القلم.

أثناء سنوات عمري الأولى ، لم أَستطع فعل ما أريد، وبالمقابل لم أحب ما أعْمل ، فقد أردتُ وحلمت بأَنْ أكون كاتبا ، إلاّ أنني وجدت نفسي جندياً. ففي ذَلِك الوَقت كان الأطفال تعساء سيئي الحظ ولا يمكن لهم دراسة معنى الحُريَّة في مدارس كانت عسكريةَ ، لذلك اضطررت الالتحاق بمدرسة داخليةَ عسكريةَ..!

في عام 1933 ظهر إلى الوجود قانون اللقب ، هذا القانون الذي يمنح كل تركي الحق في اختيار الاسم الأخير لنفسه كلقب. ومن خلال هذا القانون أتضح مكنون النفوس الوضيعة فأصبح أشد الناس بخلاً معروفا ب "الكريم", وأكثر الجبناء اتخذوا لقب "الشجعان" ، وأشد الناس كسلا منحوا أنفسهم لقب "دؤوب" . أمّا المثير للمرارة فقد كان في اختيار أحد معلمينا لقبَ "بارعِ " وهو بالكاد يستطيع توقيع اسمه تحت ذيل رسالته .

لقد أصبح هذا القانون هديةُ للتمييز العنصري الذي انتشر بين الناس من خلال خليط من الألقابِ ،التي فقط جعلت منهم أتراك.



دوما كنت أحل بالمرتبة الأخيرة في أيّ نوع من أنواع الصراعات, فكيف إذن بالألقاب .! فقد تخلفت أيضا في معركة الألقاب اللطيفة و لم يتبقى لي أي لقب يمكنني الزهو و الفخر به. لذا اتخذت اسمَ "Nesin" أي "هذا صحيح" ، ربما كان بدافع التأمل والتفكير في مسائلة ذاتي ما إذا كان هذا صحيح..!

في سنة 1937 أصبحتُ ضابطا، و بالطبع تعرفون من هو نابليون. حَسناً أنا كُنْتُ أيضاً أحد هؤلاء المصابين بالعاهة النابليونية Napoleons . فكل ضابط جديد كان يعتقد أنه نابليون. و البعض لم يستطيع أبداً أن يبرأ مِنْ هذا المرض طيلة حياته. والبعض قد تم علاجه بعد حين.

هوس النابليونية '' Napoleonitis '' هذا مرض خطير ومعد. من أعراضه التي تتبدى على ضحاياه أنهم لا ينفكون عن التفكير إلا بانتصاراته ، ولا يفكرون أبدا بهزائمه، هم عرضة للثنيةِ و الزهو بين أزرار السترةِ العسكرية ، تراهم دائماً يقفونَ أمام خريطةَ العالمِ، يرسمون سِهاما بطباشير حمراء اللون، يضعون خطة إخْضاع واِحْتِلال كامل العالم في غضون دقائقِ خمس.

كم أشعر بالأسى لضحايا هذا المرض، ويبدو أن تلك الحمَّى خطيرة جدا, حيث تتضح بذور المخاطر في المراحل التالية، فهم فيما بعد يرون في أنفسهم تيمورلنك و جنكيز خان و هنيبعل, بل يروا في أنفسهم هتلر ذاته.

كضابط مستجد لم يتعدى الاثنين والعشرين عاماً، فَتحتُ أنا أيضاً العالمَ لبضعة أوقات فوق الخريطةِ بطباشير ملونة بالأحمرِ. ودامَ داء عقدة نابليون سَنَةَ أَو اثنتان. على كل حال، حتى أثناء هذا الداءِ لم أكن ميالا إلى الفاشيةِ.

فأنا منذ طفولتي رَغبتُ أنْ أكونَ كاتبا مسرحيا . أما في الجيشِ حيث كنت أحد مشاةَ سلاحَ الفرسان ضمن كتيبة الدبابات والمدفعيةِ، تعين عليّ البحث عن مّخرج عسكري، فبدأت الكتابة المسرحية في سنة 1944.

بعض الجنرالاتَ والضبّاطِ كانوا يصابون بأوجاع في حويصلاتِهم من هؤلاء الّذين لديهم النزعة ليكونوا شعراءَ أَو كُتّابَ يكتبون القصائدَ أَو الرواياتَ، كان مفهوم هذا الأمر هزلياً بالنسبة لهم, فهم لا يتصورا أن شاعراً أو كاتباً بعمر خمسين سنة يُصبحَ يوماً ما قائداً لجيشِ.

بدأتُ كتابة القصة أثناء فترة خدمتي العسكريةِ. ومنذ ذلك الوقت نعمت بالحنق والاستياء مِنْ قبل رؤسائي كجندي يكتب للصحافة . لَمْ أَكْتبْ باسمِي الصريح إنما اسم أبي : عزيز نيسين، أما اسمي الحقيقي "نصرت نيسين" فقد حجب وأصبح طي النسيان.

في تلك الأوقات تم الإشارة لي ككاتب صغير. أما أبي فقد كان رجلا عجوزا ذا لحية رمادية يعمل كموظف حكومي. أنهك نفسه في المكاتبِ الرسمية المختلفة محاولا إثبات أسمه: عزيز نيسين إلى أن مات.

بعد سنوات عندما ذهبت لاستلام نقود حقوقَي المحفوظة عن ترجمة كتبي لغات أجنبية, اكتشفت بأنه يتعين عليّ المعاناة أيضا لإثْبات أنّني هو ذاته الكاتب عزيز نيسين، لأن أوراقي الرسمية و هويتي تقول بأنني "نصرت عزيز".

مثل العديد مِنْ الكتاب بدأت بكتابة الشعر . ناظم حكمت الذي بدأ إضرابه عن الطّعامَ، نَصحَني بترك الشعرِ بحجة أنني شاعر سيئ. وبالفعل حصرت كتابتي في القصصِ والرواياتِ. غير أنني أدركت فيما بعد بأن نصيحته كانت تخبئ في طياتها نوعاً من الغيرة. وصرحت لمن تساءلوا سبب عدم كتابتي الشعر مرة أخرى، بأن الشعر لا يجمع مال في بلد كتركيا، و لكن الحقيقة كانت تكمن في احترامي العظيمَ للشعر ذاك هو من جعلني أسقطُه في كتاباتي.

وفي أيامنا هذه، العديد ممن يحملون لقب شاعر، ما زالوا يُواصلونَ الكتابة معتقدين بأن الذي ينتجونه يسمى شعراً، إن هؤلاء لَيس لهم أدنى احترام للشعرِ. أعتقدُ أنّ الشعرِ فَنَّ عظيمَ و أقول هذا بضيق شديد لأني أتمنى لهؤلاء أن يكونوا كتابا و شعراء مشهورين و ناجحين.

كثير من المعجبين وجدوا في قصائدِي المَنْشُورةِ اهتماما كبيرا ليس بسبب روعتها و جمالها و لكن بسبب التوقيع باسم امرأة أسفل القصائد. فقصائدي نُشِرتْ تحت اسم أنثى مستعارِ وأكوامِ الرسائل الغراميةِ كانت لهذا السبب فقط.

يوما أخذت قصة كنت قد كتبتها عن طفولتي ، كان حلمي دفع الناس للبكاء . ذهبت إلى رئيس تحرير إحدى المجلات, متوقعا أنه سينشج في البكاء بينما يقَرأَ قصّتَي، لكن هذا الرجل عديم الفهم تملكه الضحك بصوت عالي و راح يمسح دموعه قائلا: برافو، رائع جداً، أكتبْ المزيد مثل هذه ، واجلبْهم إلينا...

كانت هذه أولى نكسات الكتابة عندي، قرّائي يسخرون من أغلب المواضيع التي كَتبتها لإبْكائهم. لكني عندما أصبحتُ كاتب معروفاً، لم أعرف مكمن المرح في كتاباتي و لكني أستطيع القَول الآن أنني أَعْرفُ كيف أكون صانعاً للمرح. لم يكن هناك وصفةَ أَو صيغه جاهزة تفسر الأمر، لكن ما اكتشفته بنفسي أن المرح عمل جاد جداً.

في عام 1945 تظاهر ضدي عدّة آلاف من الرجعييّن و حطموا صحيفةَ تان حيث كنت أعمل، معتقدين بأني سوف أصبح عاطلا عن العملِ. فعلا بعدها لم يقبل أحد نشر أيّ كتابة تحمل أسمِي، لذلك شَرعتُ في الكتابة للصُحُفِ والمجلاتِ تحت أكثر مِنْ مائتي اسم مستعار. كَانتْ هذه الكتاباتَ تحمل كل أنواع الافتتاحيات والحكايات والتقارير والمقابلات والروايات والقصص البوليسية.

العديد مِنْ المفارقات والفوضى حدثت بسبب هذه الأسماء المستعارة. على سبيل المثال، نَشرتُ كتاب مناجاة الأطفال تحت اسمِ "Oya Atesh" و هو اسم ابنتيِ التي كانت غافلة عن كتابة هذه المناجاة، المفارقة أنه قد تم إدراجها تقريبا في كل مدرسة ابتدائية في تركيا، إضافة إلى جريدة مساء التسالي. "Oya Atesh "أدرجَ اسمها كمؤلّفة في Bibliographie ضمنِ الكاتباتِ التركياتِ الذي تم نشره لاحقا..

من المفارقات الأخرى تلك القصّةُ التي كتبتها وتمّ نشرها في مجلة تحت أسم فرنسي مستعارِ، أدرجت ضمن مختارات أدبية من المرح العالمي كمثال للأدب الساخر الفرنسي. واحده من قصصي الأخرى نشرتها باسم مبدع صيني, نشرتها مجلة على كونها ترجمة مِنْ الأدب الصيني .

أثناء هذا الوقت كنت لا أستطيع العمل ككاتب حر, رغم أن كتاباتي راحت لنقد العديد من أصحاب المهن و الوظائف مثل البقالِ والبائعِ والمحاسبِ وبائع الصحف المتجول و المصور و يبدو أني أخفقت كتاباتي عن هذه الشريحة من الناس، لأني سُجِنتُ خمس سَنَوات ونصف وستّة شهور، بسبب أن الملك فاروق عاهل مصر والشاه الإيراني رضا ادعيا بأنّني أهنتُهم عبر مقالاتي ، بالتالي ومن خلال سفارتيهما بأنقرة جَلباني للمحكمةِ، وكانت النتيجة سجني ستّة شهر حيث كان لدي طفلان من زوجتي الأولى و طفلان من زوجتي الثانية أي أربعة أطفالِ.


أثناء سجني الأول عام 1946 كان السؤال المتكرر من قبل الشرطة لمدّة ستّة أيام:'' مَنْ الكاتب الحقيقي لهذه المقالاتِ التي تنشر باسمِكِ؟ "؟ حتى الشرطة لم يصدقوا أنني كاتب هذه المقالات. و لكن لم يستمر الشك طويلاً حيت اتهمتني الشرطة بعد سنتين بأنّني كَتبتُ مقالات أخرى بأسماء مستعارة.

في المرة الأولى حاولت إثْبات أنّني كتبت، وفي حال الثانيةَ بأنّني لَمْ أَكْتبْ. و بهذا شهد أحد الخبراء أنني كتبت مقالتي باسم مستعار لذا سجنتُ ستّة عشرَ شهرَ بسبب مقال لم أكتبه..!

تزوجت زوجتي الأولى ومن ثم الثانية و مشيت تحت سيوف أصدقائي الضباط، وعزفت الأوركسترا موسيقى التانغو حيث تبادلت خواتم الزواج من زوجتِي الثانيةِ خلف قضبان السجن و بالطبع لم تكن البداية مشرقة أبداً.

كنت نحيفاً و ضعيفاً و لكن تكرار السجن جعلني ازداد وزناً.

في سنة 1956 فزت بالمرتبة الأولى في مسابقةِ المرحِ الدولية، ورَبحتُ النخلةَ الذهبيةَ. الصُحُفُ والمجلاتُ التي لا تَنْشرَ كتاباتَي بتوقيعِي قبل فوزي بالنخلةِ الذهبيةِ، بادروا للنشر باسمي و لكن هذا لَمْ يَدُمْ طويل، حيث منعت الصحف نشر اسمي ثانية فاضطرت دخول المسابقةِ ثانيةً في عام 1957 لرِبْح نخلةِ ذهبية أخرى . بعد ذلك ظهر اسمِي ثانية في الصُحُفِ والمجلاتِ.

في عام 1966، في مسابقةِ المرح الدولية في بلغاريا، حققت المرتبة الأولى ورَبحت القنفذَ الذهبي.

أثناء الثورةِ السياسيةِ في تركيا في 27 مايو/ِ 1960، خلال بهجتِي تَبرّعتُ بنخلتي الذهبيةَ لخزينةِ الدولة. و بعد بضعة شهور من هذا الحدث رميتُ ثانيةً في السجنِ. أنقذتني النخلةَ الذهبيةَ الثانيةَ والقنفذَ الذهبي و جعلتاني متفائل بأيامِ سعيدة و مستقبل أفضل. كنت أقول لنفسي بأن الناس تحتاجني لكي أدهشهم وأضحكهم.

منذ ذلك الحين كَتبتُ أكثر مِنْ ألفي قصّة. لا تندهشوا حيث لا شيء يدعو للاستغراب، فأنا ملتزم بدعم عائلتي و أجد أني ملتزم بكِتابَة أكثر مِنْ أربعة آلاف قصّة ... !

أَنا في عمر ثلاثة وخمسين عاما، لَي ثلاثة وخمسون كِتابُ، و ديوني أربعون ألف ليرةُ, و لي أربعة أطفالِ وحفيدِ واحد. كتاباتي تُرجمتْ إلى ثلاث وعشرين لغةِ، كتاباتي المسرحية التي بلغت سبعة عشرَ مسرحيّة تم عرضها في سبعة بلدانِ.

السببان الوحيدان اللذان يجعلاني أَختفي عن الآخرين: إعيائي، والآخر تقدمي في العمر. و باستثناء هذين السببين أعتقد أني منفتح و مكشوف و قد أبدو شابا بالنسبة لعمري، لكني منهمكاً في العمل طيلة عمري، وهذا ما تبقى لي من العمر.

لَستُ ذلك النوع من الرجال الذي يقول: " إذا ما كَانَ عِنْدَي الفرصةُ للمَجيء إلى هذا العالمِ ثانيةً، أن أقوم بنفس الأشياءِ ثانية من البداية " و لكن لو كتب لي المجيء لهذا العالم ثانية فأني أريد أن أعمل أكثر بكثير الكثير مِنْ أولا وأفضل بكثيرِ كثير.

إذا كان في كامل تاريخِ البشريةِ الخلود لواحد فقطَ، قد أكون بلا مثل نموذجي يوجهني و يلهمني لذلك حاولت الخلود أيضاً، و هذا لَيسَ خطأَي فأنا سَأَمُوتُ كالآخرين.

أَحب الإنسانيةَ كثيراً و بإفراط شديد، و عشت حياتي كلها غير ناقم أو حاقد عليها، فأنا لا أَستطيعُ ذلك.

تلك قصتي التي لم تنتهي لحد الآن.

اعلم بأنّ القرّاء غالباً ما يضجرون من المقالاتِ الطويلة، لذا أعتقد بأن الاستنتاج لن يطول لمدة أطول و هو الشيء الذي يجعلني متشوّق لمعرفة نهايةَ هذه القصّة.. فربما أكُونَ ما أزال قادرا على التَعَلّم.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:16 pm

قصة إذا"


صديقي الغالي بحري فلفل..
شكراً على رسالتك التي بعثتها لي .
إذا لم تَضِع رسالتي هذه في مكتب البريد ، واذا لم تُنسَ في مكان ما ، وإذا اجتازت الرقابة بسلام ، وإذا استطاع عامل البريد قراءة العنوان ، وإذا بقيت في بيتك الذي تسكن فيه دون ان ياخذ منك ساعة وصول هذه الرسالة ، فإني آمل أن تصل إليك..

صديقي بحري فلفل..

تسألني عن موعد زواجي من خطيبتي..إذا وجدت حبيبتي عملاً ما ، وّإذا أمنت الراحة التامة لمديرها في العمل ، وإاذا لم يطردها من عملها بحجة أنها لا تعطيه ما يريده ، وإذا استطعنا براتبي وراتبها استئجار بيت ، وإذا استطعنا أن نشتري عدة أشياء لهذا البيت ، وإذا تحقق الازدهار الذي وعدنا به رئيس مجلس الوزراء وإذا زاد راتبي الشهري ، وإذا تحسن مستوى الحياة الذي من يوم عرفت هذه الدنيا وانا أسمع بأنه سيتحسن ، وإذا لم ينفذ صبر حبيبتي التي انتظرتني عشر سنوات ، حتى يتحقق كل هذا ، وإذا لم يعتقلوني بأمر وزاري ، وإذا لم ينفوني الى مكان ما ، وإذا لم يطرودني من عملي ، فإني سأتزوج قريباً جداً .

صديقي بحري فلفل..

تسألني عن خالتي صافيا خانم..إذا وجدنا العلاج الذي وصفه الدكتور السابع في الصيدليات ، وإذا استطعنا أن نجد لها سريراً فارغاً في المشفى من أجل العملية ، وإذا خرجت من المشفى بصحة جيدة ، وإذا استطعنا إيجاد العملة الصعبة لإرسالها الى أوروبا للعلاج ، لأنها لن تشفى هنا ، وإذا لم يحجزوا الباخرة مقابل قرض ما ، وإذا لم تكشف الأشياء المهربة التي في الباخرة ، وإذا استطاعت أن تنقذ نفسها من معاينة الجمرك ، وإذا لم تسجن بتهمة التهريب لأنها احضرت ربطة عنق لزوجها ، وإذا أعطاها الله عمراً حتى تلك الأيام ، فإنها وبإذن الله ستشفى في القريب العاجل .

أخي العزيز بحري فلفل..

تسألني عن وضع فريقنا القومي لكرة القدم في هذه السنة..إذا ضيَّق مرماه قليلاً ، وإذا لم تأت الشمس بعيون لاعبينا ، وإذا لم يكن تيار الهواء معاكساً لهم ، وإذا لم يظلمنا الحكم ، وإذا صاح جمهور فريقنا بأعلى صوته(يا حمير...يلا ياكلاااااب)) موجهين كلامهم للفريق الخصم ، وإذا نال جمهور فريقنا-بحركات أيديهم وأرجلهم البذيئة-من الروح المعنوية لفريق الخصم ، وإذا استعمل جمهور فريقنا الزجاجات الفارغة والعلب من اجل ضرب أعضاء الفريق الخصم وجرحهم ، وإذا زرنا مقام السلطان أيوب وقدمنا القرابين ، متوسلين إليه كي يوفق الله فريقنا ، فإن فريقنا سيكون بطل الكأس لهذا العام .
أما بالنسبة لنا..فإذا لم ينهمر المطر وعلى أثره تتعطل الهواتف ، وإذا لم ينقطع الغاز بسبب تعطل الهاتف ، وإذا لم ينقطع التيار الكهربائي بسبب انقطاع الغاز ، وإذا لم تتعطل الإذاعة بسبب انقطاع الكهرباء ، وإذا لم تتفجر مواسير المياه بسبب انقطاع الإذاعة ، وإذا لم يتراكم السير ويزدحم بسبب انفجار مواسير الماء ، وإذا لم يزيدوا أسعار الرغيف بسبب تراكم السير ، فٌإننا سنكون على خير ما يرام .
سأحدثكم- صديقي بحري فلفل-عن عمي الذي سالتموني عن اخباره..إذا استطاع أن يذهب الى العاصمة ، وإذا استطاع عن طريق الرشوة أو الهدايا أن يسير أعماله ، وإذا تعرف عليه ولم ينكر معرفته ذلك الرجل الذي كان في يوم من الأيام من اصدقاء دراسته ، وإذا اعطاه ((كرت)) واسطة ، وإذا استطاع الحصول على الشهادة الجامعية ، وإذا استطاع الحصول على قرض من المصرف وإذا وفق في تجارته ، وإذا استطاع أن يتحمل كل المشقات حتى ذلك الوقت ، فإن اعماله-عما قريب-ستكون على خير ما يرام .

أخي بحري فلفل..

أما بالنسبة الى اخي الصغير ..فإذا لم يحشر مع تسعين طفلاً في صف واحد مثلما حصل السنة الماضية ، وإذا انقضت السنة بدون دروس فراغ بسبب عدم وجود المعلمين ، وإذا لم يحولوا السنة الدراسية الى نظام الفصول الثلاثة ، وإذا استطاع أن يقدم مواد تكميلية بسبب رسوبه في الفصل الثاني ، وإذا قدم الوزير تسهيلات أكثر للطلاب كي يزيد نسبة النجاح ، فإن أخي الصغير سينجح هذه السنة أيضاً .

أخي بحري فلفل..

ذهبت وسألت عن الشيء الذي تسألني وتريد معلومات عنه ، وقد حصلت على هذه المعلومات التالية: إذا خرج السمك الى اليابسة وإذا نبت الشعر على وجه الأجرد ، وإذا بنى الجاموس عشاً له على أغصان شجر الصفصاف ، وإذا أصبح ذو البشرة السوداء ذا لون أبيض وإذا غسلت القطة غسليها ، وإذا صعدنا الى السماء بسلم ، فإن الذي سألتني عنه سيحدث حتماً .

صديقي الغالي فلفل...أنتظر رسالتك بفارغ الصبر
.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:21 pm

العفريت والمحيط

غالباً ما يسألوني ” كيف تكتب كثيراً هكذا؟”

يقولون أن لدى بعض الفنانين محيط ينفس الفن في أرواحهم. عندما أتذكر هذا المحيط أذكر فتاة تشبه حورية الماء يكون جزئها الأعلى لفتاه وجزئها الأسفل لسمكة – إنها طائرة من أسفل أما جزئها الأعلى فهو جمال أخاذ وخلاق يكسوه شعر ذهبي. هذا الطائر النصفي والبنت من النصف الآخر يهمس إلهاماً في أذن الفنان حينما تمد يديها على كتفه. إنها تعطيه النسخة .

ليس لدي محيط إلاّ أنني أمتلك عفاريت وساحرات وشياطين ملهمة، هذه التي أمتلكها ليست نصفها طائر ونصفها الآخر لفتاة بل أن عشرها آدمي والباقي حيوانات غريبة، إنها لا تقعد على أكتافي ، إنها تتسلق على ظهري ، أستلقي تحتها بالدم والدموع، متعباً ومرهقاً . ليس لدي عفريت واحد ولا ساحرة واحدة بل لدي العشرات والعشرات. في حالة أن تظهر اثنتان منهما، يصعد إلى ظهري ثلاثة غيرهن .

إن لديها جمال لا يضاهيه جمال، بيد أن الساحرات والعفاريت بقبحٍ لم أر مثله.

إن الجنية دائماً تداعب وتلاطف والعفاريت تهاجم والقوارص تعض.

الجنية الإلهامية تهمس في أذن الفنان عندما تقعد على كتفه . إنها تلهمه .

إن الساحرات والعفاريت والحيوانات الغريبة التي هي على ظهري يرقدون علي ويتمددون في يأمروني ويرغموني ويلمنني:

أكتب ! أكتب ! لا تتوقف ! استمر بالكتابة ! لماذا تتوقف ؟ هل لك الحق في أن تنام؟ أنت؟ استيقظ- لا تجلس هكذا ! انهض بسرعة ، لن تمرض جراء الكتابة . بسسسست، تعال هنا أكتب !

إن ساحراتي وعفاريتي وحيواناتي الغريبة هن أولئك اللاتي يطالبن بالإيجار وهن اللاتي يطلبن المال ، هن من أدين لهن، هن غاياتي اللاتي لا أكل منها ولا أمل. إذا لم أكتب، ماذا عسى أن أفعل؟

في كل هذا العالم، لا يوجد شي يستلهم ويرغم الفنان للعمل مثل الحفر الموجودة في حذائه.

لو كانت ملكي وفي يدي ، سيكون عندي المجتمع الكبير للدفاع عن حقوق الإنسان ونضيف الفقرة التالية :

“إن الحق في أن تصبح مريضاً هو حق الإنسان الذي لا غنىً عنه وهو حق نهائي وطبيعي واجتماعي. كل إنسان يمكن أن يصبح مريضاً”.

دائماً أحسد السعداء الذين يرقدون على ظهورهم في السرير عندما يمرضون. في حياتي التي امتدت إلى نصف قرن، لم استخدم حقي في أن أمرض حتى لو ليومٍ واحد. ذلك لأن ساحراتي وحيواناتي الغريبة، مصدر إلهامي، لن يتركوني وحيداً. إنهن حلمي بالليل وخيالي بالنهار. وهن العالم كله بالنسبة لي.

“أكتب” .

“أنا أكتب ” .

“أكتب أكثر” .

فعندما أطالع المروج الخضراء مع نغمات وندى الصباح مع الشوق الدفء في قلبي أريد أن أتمدد بطول قامتي على الحشائش. لو أستطيع أن أتمشى هنالك بأرجلٍ حافية فسوف ينزاح تعب الخمسين عاماً من جهد وشقاء من قدمي.

سوف أخلد إلى راحةٍ أبدية، في يومٍ ما بطريقةٍ ما، ولكن يا للشفقة ! عندها لن أستطيع أن أدرك بأني في راحة.

عندما يسألني شخص ما “كيف يكون بمقدورك أن تكتب كثيراً؟” حقيقةً أشعر بغضبٍ لا أستطيع أن أظهره.

بعد كل هذا “هل أنا أكتب من أجل السعادة؟” أنا مرغم لذلك ، فأنا في ضيقٍ وشدة .

ولكن لو قدر لي أن أولد ثانية (وهو شي لا أركن له كثيراً).

لو آتي إلى هذا العالم مرةً أخرى، فأنا لن أختار طريقاً آخر. أحب أن أكون متعباً وأن أسير على ذات الدرب. بنفس ذات الإحساس المجهد و بنفس التعب الممزوج والمغمور بالسعادة لهذا العمل.

لو أكتب بأنماط مختلفة وصور روائية مختلفة وأن أعالج موضوعات مختلفة، أعتقد أن هذا كله بسبب عيشي مع أناس مختلطون، بمستوياتٍ مختلفة من مجتمعنا ويشكلون دوائر مختلفة. حسناً هنا بعض الأعمال التي قمت بها حتى الآن .

بائع متجول وراعي وعسكري ومحاسب ودهان وعامل في قسم الأخبار وأمين مستودع ومدرس خصوصي ومصور فوتوغرافي وكاتب وعامل في صحيفة وبائع في بقالة ومتهم (هذا عمل أيضاً من أصعب الأعمال) وبلا وظيفة (وهو الأصعب من بين كل الوظائف أن تكون بلا وظيفة) وماسح ورنيش أحذية وحلاق وأعمال أخرى.

إن ذاكرتي ليست جيدة. أعرف تماماً أن هذه الوظائف ليس لها أدنى فائدة في حقيقتها. بيد أنه من وجهة نظر حياة كل منكم هي انعكاس لمجتمعنا والفترة التي قد عشنا فيها. . يعتريني أمل بأن هذا قد يجذب ويسترعى انتباهكم عندما أحكي لكم ذكرياتي بلا كذبٍ وبلا خداع
.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:25 pm

الذئب اصله خاروف
-عزيز نيسن

--------------------------------------------------------------------------------

في مكان مجهول لا تعرف موقعه بسهولة يعيش راع وأغنامه وكلابه. لكن الراعي لا يشبه الرعاة الآخرين.. فهو لا يعرف للرحمة معنى. ولا يعتقد أن للألم وجوداً.. كان ظالما. يحمل بدل الناي صفارة.. وبيده هراوة. والنعاج – التي يحلبها ويجز صوفها ويبيع أمعاءها ويأخذ روثها ويسلخ جلدها ويأكل لحمها ويستفيد من كل ما فيها – لا يكن لها شفقة أو محبة.. يحلب الأغنام يوميا ثلاث مرات حتى يسيل الدم من أثدائها.. وعندما تشكو ذارفة الدموع من عينها ينهال عليها ضربا على رؤوسها وظهورها.

لم تحتمل النعاج وحشيته فكانت تتناقص يوما بعد يوم.. لكنه ازداد قسوة.. فقد كان على العدد المتناقص من الأغنام أن يعوضه عن كل ما هرب أو مات من القطيع.. وقد فقد الراعي عقله وجن لأنه كان يحصل على حليب وصوف أقل مما كان يحصل عليه. وراح يطارد الأغنام المتبقية في الجبال والسهول حاملا هراوته في يده. ومطلقا كلابه أمامه. كان بين الأغنام خروف نحيف كان الراعي يريد حلبه والحصول منه على حليب عشرين جاموسة.. وكان غضبه أنه لا يحصل على قطرة حليب منه.. لأنه ببساطة خروف. وليس نعجة.. وفي يوم غضب الراعي منه وضربه ضربا مبرحا جعله يهرب أمامه.. فقال له الخروف : «ياسيدي الراعي أنا خروف قوائمي ليست مخصصة للركض بل للمشي.... الأغنام لا تركض. أتوسل إليك لا تضربني ولا تلاحقني ». لكن الراعي لم يستوعب ذلك ولم يكف عن ضربه.. ومع الأيام بدأ شكل أظلاف الخروف يتغير لكثرة هروبه إلى الجبال الصخرية والهضاب الوعرة للخلاص من قسوة الراعي القاتل.. طالت قوائمه ورفعت.. فازدادت سرعة ركضه هربا لكن الراعي لم يترك إليته.. فاضطر الخروف للركض أسرع. ولكثرة تمرغه فوق الصخور المسننة انقلعت أظلافه ونبتت مكانها أظافر من نوع آخر.. مدببة الرأس ومعقوفة.. لم تعد أظافر بل مخالب.

مرة أخرى لم يرحمه الراعي فواصل الخروف الركض فكان أن شفط بطنه إلى الداخل واستطال جسمه وتساقط صوفه.. ونبت مكان الصوف وبرة رمادية قصيرة وخشنة. وأصبح من الصعب على الراعي أن يلحق به.. لكن ما ان يلحق به حتى يواصل ضربه وإهانته. وهو ما جعل الخروف يرهف السمع حتى يستعد للهرب كلما سمع صوت قدوم الراعي أو كلابه. ومع تكرار المحاولة انتصبت أذناه وأصبحت مدببة قابلة للحركة في كل إتجاه.. على أن الراعي كان يستطيع أن يصل إليه ليلا وضربه براحته فالخراف لا ترى في الظلام.. وفي ليلة قال الخروف له : سيدي الراعي.. أنا خروف.. لا تحاول تحويلي إلى شيء آخر غير الخروف.. لكن الراعي لم يستوعب ما سمع.. فكان أن أصبح الخروف يسهر ليلا ويحدق بعينه في الظلام.. ولكثرة تحديقه كبرت عيناه وبدأت تطلقان شررا.. وغدت عيناه كعودي كبريت في الليل.. تريان في الظلام أيضا.

كانت نقطة ضعف الخروف هي إليته.. فهي ثقيلة تعطله عن الركض. لكن.. لكثرة الركض ذابت إليته واستطالت. وفي النهاية أصبحت ذيلا على شكل سوط. ورغم فشل الراعي في اللحاق به فإنه كان يلقي الحجارة عليه ويؤلمه.. وكرر الخروف على مسامع الراعي : «إنني خروف يا سيدي.. ولدت خروفا.. وأريد أن أموت كبشا.. فلماذا تضغط علي كي أتحول إلى مخلوق آخر ؟».


لم يكن الراعي يفهم..فبدأ الخروف يهاجم الراعي عندما كان يحصره في حفرة ما لحماية نفسه من الضرب. وغضب الراعي أكثر.. فضاعف من قسوته بجنون لم يشعر به من قبل.. فاضطر الخروف أن يستعمل أسنانه. لكنه لم يستطع ذلك لأن أسنانه داخل ذقنه المفلطحة. وبعد محاولات دامت أياما بدأت أسنانة تنمو. وفيما بعد استطال لسانه أكثر. واصبح صوته غليظا خشنا. ولم يستوعب الراعي ذلك.. وواصل ما يفعل وبالقسوة نفسها.

ذات صباح شتوي استيقظ الراعي مبكرا ليجد المكان مغطى بالجليد. وتناول هراوته التي سيحث بها نعاجه المتبقية على حليب عشر بقرات وذهب إلى الزريبة. لكن ما ان خرج من الباب حتى وجد بقعا من الدم الأحمر فوق الثلج.. ثم رأى أشلاء أغنام متناثرة.. لقد قتلت كافة النعاج ومزقت. ولم يبق منها ولا واحدة.. وظلل عينيه بيديه ونظر بعيدا فرأى الخروف.. كان الخروف قد مد قائمتيه الأماميتين قدامه وتمدد بجثته الضخمة على الثلج وهو يلعق بلسانه الطويل الدماء من حول فمه. ثمة كلبا حراسة يتمددان على جانبيه دون حراك.. ونهض الخروف وسار بهدوء نحو الراعي.. كان يصدر صوتا مرعبا.. وبينما الراعي يتراجع إلى الخلف مرتجفا قال متمتما : «يا خروفي.. ياخروفي.. ياخروفي الجميل ». عوى الخروف قائلا : «أنا لم أعد خروفا » كرر الراعي ما قال.. عوى الخروف قائلا : «في السابق كنت خروفا. ولكن بفضلك أصبحت ذئبا». وجرى وراءه
آخر تعديل بواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:42 pm، عدل 1 مرة.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:28 pm

عاش الشيخ شزالت
- عزيز نيسن

--------------------------------------------------------------------------------

الاسم يشبه الاسم والمكان يشبه المكان والإنسان يشبه الإنسان والرجل كأنه الرجل والمرأة كأنها المرأة. إن ما نحكيه حكاية.. فإذا زل لساننا وذكرنا اسمكم فنرجو عفوكم ».. كان يامكان في أحد الأيام رجل في مدينة «بخارى» قلبه أطهر من الماء. عيناه في الأرض.جبينه في السماء.. ولا يتوانى لحظة عن ذكر الله. لا يقدم على سوء.. ولا يخطو خطوتين دون وضوء.. لا يعير انتباها لهراء.. ولا يقطع وقت صلاة.. بلغ الأربعين.. طوال حياته ما حفر أمام إنسان.. وما خلع ثيابه في الحرام. وما كتب حرفا دون معنى في كلام.. كان ملاكا لا ينقصه إلا جناحان.. اعتكف على الدعاء والرجاء وهو يكرر : «اللهم اجعلني أسمو في طريق الحق».. وفي نهاية الليلة الثالثة للدعاء سمع صوتا يدعوه أن يفتش في الأرض عن الشيخ «شزالت » ليهب نفسه له ويكون عبدا من عبيده.

قطع الرجل الجبال والوديان وسار على مدى صيفين وشتاء وفي النهاية وصل مدينة «بغداد ».. كان يسأل من يقابله عن الشيخ «شزالت».. لكن لا أحد كان يعرفه.. ووصل مدينة دمشق ومنها إلى مدينة شيراز لكنه لم يجد مايريد.. صار الرجل عجوزا شعره منسدل على كتفيه ولحيته إلى صدره وعاد من جديد إلى مدينته : «بخارى».. مرت أيام لم يذق فيها زادا ولم يغمض له جفن ولم تعد ركبتاه تقدران على حملة فانهار على جانب النهر.. نظر إلى الماء قائلا لنفسه : «لأجدد وضوئي وأقيم الصلاة ». وبينما كان يتوضأ رأى خيارة تنساب إليه مع تيارالماء..لم يستطع المقاومة.. التقط الخيارة ليسد جوعه.. خيارة كبيرة أكلها على مرتين مضغها وبلعها.. لكنه سرعان ما قال لنفسه : «أكلت خيارة لا أعرف صاحبها.. هذه ثمرة محرمة.. سأبحث عن حقلها ثم سأعرف صاحبها واستسمحه عن الخيارة التي أكلتها.. ونهض بسرعة وسار في عكس التيار فوجد حقل خيار وسأل عن صاحبه وعرف مكانه».


قرع الباب فوجد أصوات شتائم قوية تنبعث من الداخل.. وفتح الباب رجلا تتطاير من وجهه علامات الشر. وسأله : «ماذا تريد يا حمار ؟. فقال : أريد صاحب حقل الخيار».


ودخل الرجل ليجد أربعين غرفة في الدار.. في كل غرفة أربعون من اللصوص والأشرار يلعبون القمار.. كان صاحب حقل الخيار يجلس متربعا يجمع حصته من الرابحين. قال له الرجل مزمجرا : «ماذا تريد يا حمار ؟.. فروى له قصة الخيارة وطلب أن يسامحه فيها.. فقال الرجل : هذا الحقل ليس لي وحدي.. نحن ثلاثة أخوة. رجلان وامرأة. أخي الأصغر يسكن في مدينة تدعى بلخ أما أختي فتسكن في مدينة مروة والخيارة التي أكلتها ليس لي فيها سوى الثلث.. سأسامحك فيه إذا ما خدمت في هذا البيت الذي أديره في القمار عشر سنوات. ثم بعد ذلك اذهب لتحصل على ثلثي السماح من أخي وأختي».

لم يجد الرجل الزاهد مفرا من العمل عشر سنوات في المقمرة حارسا وكانسا وماسحا.. وخلال هذه السنوات تعلم كل ألعاب القمار وحيل الغش ليصبح مقامرا ما عرف التاريخ مثله. وما أن انتهت المدة حتى قال له الرجل : «سامحتك بثلث الخيارة التي أكلتها والآن اذهب إلى أخوي واستسمحهما.. أخذ العنوان وخرج إلى الطريق.. لكن لأنه اعتاد على القمار ما عاد يستطيع الاستغناء عنه. وفي كل مكان ينزل فيه كان يكسب من يلاعبهم. وإذا وقع في طريقه بيت في قرية حوله إلى مقمرة.

وصل إلى البيت الذي يبحث عنه وقرعه ليجد رجلا ثملا يفتح له وسأله : ماذا تريد يا حمار ؟.. وحكى حكايته.. فأخذوه إلى صاحب البيت الذي طلب منه أن يسامحه في ثلث الخيارة. لكن الرجل أصر على أن يخدم في بيته المكون من أربعين غرفة في كل غرفة مشرب لمدة عشر سنوات حتى يسامحه.. وبعد أن انتهت المدة حلل الثلث الثاني من الخيارة التي أكلها في الحرام.. لكنه في المقابل تعلم فنون الشراب وطرد السكارى وأصبح سكيرا لا يوجد له مثيل في العالم.. صار يشرب في وقفة زجاجة وفي جلسة برميلا. وقال له صاحب البيت : سامحتك بثلث خيارتي والآن اذهب إلى أختي وها هو العنوان.


أخذ العنوان وذهب.. ولأنه اعتاد على الخمر والقمار فما عاد يستطيع دونهما صبرا. ولو صادف في طريقه قرية مؤلفة من بيتين حول الأول إلى مقمرة وحول الثاني إلى خمارة..وواصل سيره حتى وصل إلى البيت الثالث.. وما ان طرق الباب حتى وجد إمرأة عارية تفتح له الباب وهي تقول : تفضل يا روحي.. دخل.. كان في الداخل 40 غرفة في كل غرفة نساء عاريات ورجال يحتضونهن مع موسيقى وشراب وغناء. صاحبة البيت عجوز شمطاء صرخت في وجهه : ماذا تريد يا حمار ؟. فحكى لها الحكاية وطلب منها أن تسامحه في ثلث الخيارة الباقي ليستريح ضميره.

قالت له : بيتي هذا بيت دعارة. أديره بعيدا عن الدولة. إذا عملت عندي هنا عشر سنوات سأسامحك بثلث الخيارة. وإلا فلن أسامحك.. وعبثا حاول المقاومة.. وعندما لم يجد مخرجا خدم في البيت عشرة أعوام.. وفي هذه الفترة استقبل الزبائن واشترى واصبح في هذا العمل خبيرا ما عرف التاريخ مثله. وعندما انتهت المدة قبل ثوب المرأة واستأذنها.. فقالت له : سامحتك بثلث الخيارة التي أكلت.. هيا اذهب سهل الله لك الطريق. ليجعل الله التراب ذهبا بين يديك.

ومشى بلاد الله وعرف خلق الله.. قطع ودياناً وجبالاً..سار على مدى صيفين وشتاء.. ثم رأى في صباح أحد الأيام مدينة لا يعرف اسمها. كان ينبعث منها صوت الطبل والزمر.. قال لنفسه : لابد أنه العيد. دخل من باب المدينة ليجد زينة. أعلام وفوانيس.. طبول تقرع. ومزامير تصدح.. كان يسير وأمامه خمسة عازفين. وعلى بعد كل مئة خطوة تذبح الكباش والعجول والجمال والأغنام قرابين.. آلاف الأشخاص على جانبي الطريق احتشدوا وهتفوا بكل قوتهم «عاش الشيخ شزالت » دهش الرجل عندما وجد أشخاصا يلبسون معاطف رسمية يتوجهون إليه ويقبلون قدميه وثوبه ويديه. قال الرجل وهو في ذهول : ما هذا ؟. من هو الشيخ شزالت ؟ انني أبحث عنه منذ سنوات.. قال مقبلو اليدين والثوب والقدمين : «رحماك.. نحن الذين نبحث عن الشيخ شزالت.. تعال لتكون على رأسنا.. قال : لا بد أن في الأمر خطأ.. قالوا «شهرتكم ملأت الأصقاع ». قالوا : «توقفوا. أنا مصاب بعلة ». قالوا : «كلنا مصابون بعلة ».. قال : «لكنني مقامر».. قالوا : «كلنا مقامرون لكن لم يرتق أحد منا لسموك.. لهذا ستكون ملكنا » قال : «لكني أيضا سكير » قالوا : «نحن جميعا نشرب ولكن لا أحد يشرب مثلك ».. قال : «وأنا كذلك.....» قالوا : «أحسن يا سلطاننا.. تفضل بالجلوس على عرشكم».

فهم الرجل أنه أمضى ثلاثين عاما.. كل عشرة في مكان لكي يصل إلى علو «شزالت » وأن الشخص الذي يبحث عنه هو ذاته.. وقد انتظروه سنوات طويلة لكي يتوجوه وسط فرق الموسيقى. ودخل القصر. وجلس على العرش.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:31 pm

الفئران تاكل بعضها
- عزيز نيسن -

في احد الازمان واحد البلدان ... لا, الحكاية لا تصح هكذا , تصح اذا حددنا الزمان والمكان .
الزمان : بعد الميلاد .
المكان : مكان ما في هذا العالم .
هاقد صار الزمان والمكان معروفين .

لنات الى الحادثه , في المكان الذي ذكرناه , والزمان الذي حددناه , كان ثمة مخزن كبير . المخزن كان مملوءاّ بما يؤكل , يحرق , يلبس , ..يغسل . كل شيء مفصل مرتب.
الخضار اليابسة كالحمص والفاصولياء والفول ... في طرف , الحبوب كالذرة والارز والشعير ..في طرف ... والاحذية والالبسة في طرف آخر .

كان يدير المخزن المحدد المكان والزمان , مدير ناجح, في يوم لم يعد يعرف المدير الناجح ماذا يعمل , الفئران احتلت المخزن . الماكولات صارت تتناقص. الفئران قرضت الجبن والخبز المقمر .


المدير الناجح لا يجلس ويداه على خصره ابداَ, حارب الفئران بكل ما أوتي من بأس , لكنه وبالرغم من كل ما بذله , لم يكسب الحرب . الصابون وقطع الجبن تتناقص يوما بعد يوم , الملابس اصبحت مثقبه ومهبرة , أعشاش الفئران بنيت داخل اكياس الطحين ..
لم يبق اطمأنان على سلامة المخزن من الفئران التي أخذت تسمن وتسمن وتعجعج وتتكاثر كلما اكلت من الحبوب والاطعمة , غصّ المخزن بالفئران , واحتل جيش منها المخزن الكبير .. بدا انه حتى الوقوف بالمخزن مستحيل .. لم تكتفي الفئران بالتهام المأكولات وقرض الملبوسات وقضم الجبن والسجق , بل انها راحت تسن اسنانها واظافرها بالجلود والاحذية والخشب ..
اصبحت الفئران من وفرة الغذاء , بحجم القطط ,, ومع الزمن بحجم الكلاب , كانت لا تهجع ابدا تتراكض وتتلاعب وتنط في المخزن .. وفوق ذلك سدت اكثر اماكن التهوية والانارة والجمال فيه ..

المدير الناجح استمر في حربه مع الفئران دون هوادة .. وضع اكثر أنواع السموم مضاء كل جهة وكل صوب ... لم يستفد شيئا ... لا بل ان الفئران اعتادت على السم المقدم لها .. لانها كانت تنتشي بتناولها كما ينتشي الانسا ن المعتاد على سموم النشوة , وبدات مع مرور الزمن تطلب السم اكثر .. واذا لم يقدم لها هذا السم .. مع الزيادة عن اليوم السابق .. كانت تدب على الارض بارجلها فتكاد تهد المخزن .
جمع مدير المخزن أفضل أنواع القطط وفلتها في المخزن ليلا ..وفي الصباح وجد وبر القطط المسكينة وبقايا عظامها , لم تستطع القطط مجابهة الفئران , ولم يقتلها اقوى السموم .
بدا المدير الناجح بصلي افخاخ كبيرة .. وصار ... يحدث ان يقع بعض الفئران فيها في الفخ ... لكن اذا وقعت خمسة فارات في الفخ ليلا ... فانها تلد ما لايقل عن عشرين او ثلاثين فارا في النهار .

وفكر المدير ... اهتدى الى طريقة فريدة : صنع ثلاث اقفاص جديدة .. رمى في كل منها ما كان يقع من الفئران الحية في الفخ ..امتلا كل قفص من الاقفاص بالفئران .. لم يقدم للفئران طعاما او اي شيء.. اختارت الفئران التي باتت على الطوى ثلاث أيام , خمسة ايام , اختارت الفئران الاضعف بينها , قطعتها اكلتها اشبعت بطونها .. وبعد وقت جاعت ... بدات تتصارع ... وبنتيجة صراعها الدامي هذا ... سطت على واحدة منها .. حنقتها ,, قطعتها ... اكلتها ..وهكذا اخذ عدد الفئران يتناقص مع مرور الايام .. تبقى الفارة الاكبر , صاحبة العزم الاقوى , وتتقطع الفارات الضعيفات ويؤكلن .

تحولت الاقفاص المملوءة بالفئران الى ساحات حرب حقيقية ... بقي في كل قفص من الاقفاص الثلاث ثلاث الى خمس فئران ... الفارات الباقيات صرن يترامين على بعضهن ويتعاضضن ..قبل ان يشعرن بالجوع ..ذلك ان الواحدة منهّن اذا لم تفتك بلاخرى فان الاخرى ستقطعها تقطيعا ..
لذلك صارت كل فارة من الفئران من اجل حماية نفسها تستغل فترة نوم او سهو الفارة الاخرى لتنقض عليها وتخنقها وتقطعها ... واكثر من ذلك ... صارت تتحد فارتان او ثلاث في كل قفص ويهاجمن اخرى .. وتلك المتحدة في المطاف الاخير ... تتحاين الفرصة لياكل بعضها الاخر ...
اخيرا بقي في كل قفص فأرة واحدة : الاقوى , الاذكى , الاكبر , الاكثر صمودا ...
عندما بقي في كل قفص فارة واحدة ... فتح الرجل أبواب القفص وفلت الفئران الثلاثة داخل المخزن .. واحدة واحدة ...؟؟
بدات تلك الفئران الثلاث , الضخمة , المغذاة ... المتوحشة , المعتادة على اكل بنات جنسها , تنقض على فئران المخزن .. مهما بلغ عددها , تخنقها وتقطعها وتلتهمها .. ولكونها توحشت ... صارت تاكل ما ياكل من الفئران وتقتل الباقي من اجل حماية نفسها ... كيلا تخنقها وتلتهمها الفارات الاخريات ...
وهكذا , وحلال مدة قصيرة... تخلص المخزن الآنف الذكر من الفئران
...
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:34 pm

الحمار الحائز على وسام
-عزيز نيسن -

--------------------------------------------------------------------------------

كان في قديم الزمان .. بلد , الغربال في التبن , والجمل دلاّل,والجربوع حلاق , و أنا في حضن امي اهتز , وبكري مصطفى شيخ الاسلام, والجاويش انجلي قائد عام

, وكركوز رئيس وزراء, وكان حاكم سلطان ,البلاد التي كانت تحت نفوذ هذا السلطان أشرقن شمس الحرية عليها , واخضوضرت شجرة الديمقراطية في تربتها .. الخير كثير والراحة أكثر , سكانها لا هم لهم ولا غم .
راحت ايام جاءت أيام , حل فيها -وقاكم الله – قحط لا يوصف . الذين كانو يأكلون الكثيرواللذيذ أصبحوا محرومين حتى من كسرة الخبز اليابس .
وجد السلطان ان المجاعة ستفتك بالرعية فبحث عن طريق للخلاص . أطلق المنادين في انحاء البلاد , دارها بلدة بلدة , قرية قرية , حارة حارة , كان القرار الذي نادى به

هكذا : – يا أهالي البلد !الحاضر يعلم الغايب ! كل من قدم خدمة للسلطنة أو نفعا للوطن , فليسرع الى القصر ليقدم له مولانا السلطان وساماَ.
نسي الناس جوعهم, حرمانهم , همومهم , ديونهم ,مصاريفهم ... وهرعوا الى السلطان هائمين بأوسمته .. فلكل وسام حسب حجم خدماته .. وسام المرتبه الاولى مطلي بالذهب, وسام المرتية الثانية بماء الذهب , وسام المرتية الثالثة بالفضة , وسام المرتبه الرابعة بالقصدير ,والخامس توتياء والسادس تنك وهكذا .. وهكذا فلاوسمة انواع ..

الذاهب يحصل على وسام والآيب يحصل على وسام وبقي الحال على هذا حتى انه , من فرط صنع الاوسمة , لم يبق في بلاد السلطان ذاك شيء من خردة الحديد او توتياء
او تنك ..
وكيف ان (الجنجل ) المعلق في رقبة البغل يصدر باهتزازه صوتا (شنغر شنغر )هكذا أخذت الاوسمة تهتز على السطور المنفوخة كالمنافيخ.
سمعت بقرة عن الاوسمة ,شنغر شنغر, تقرقع على صدور الناس , وان السلطان يمنح قاصديه اوسمه , ففكرت : – الوسام في الواقع من حقي انا !
ووضعت في ذهنها فكرة الحصول على الوسام.
وبالرغم من كون عمودها الفقري وقفصها الصدري ناقبين , وانها تطب على الارض كمن يزحف زحفا , فقد حضرت الى باب القصر ركضاَ ,قالت لرئيس البوابين : – اخبرو السلطان بأن بقرة تريد مقابلته .
أرادوا صرفها فبدات تخور : – لا أخطو خطوةواحدة من أمام الباب قبل ان أواجه السلطان !
أرسلوا للسلطان : – مولانا , بقرة من رعيتكم تسأل المثول أمامكم .
لتات لنرى باية حال هي هذه البقرة !
قال السلطان : – خوري لنرى ما ستخورين به !
قالت البقرة : – مولاي , سمعت بانك توزع أوسمة اريد وساما .
فصرخ السلطان : – باي حق ؟ و ماذا قدمت ؟ ما نفعك للوطن حتى نعطيك وساما !؟
قالت البقرة : – اذا لم اعط انا وساما فمن يعطاه ؟؟؟ ماذا اقدم الانسان بعد كل هذا ؟ تأكلون لحمي وتشربون حليبي وتلبسون جلدي . حتى روثي لا تتركونه .. بل تستعملونه فمن اجل

وسام من التنك ماذا اعمل ايضا ؟؟؟
وجد السلطان الحق في طلب البقرة فأعطاها وساما من المرتبة الثانية . علقت البقرة الوسام في رقبتها وبينما هي عائدة من القصر , ترقص فرحا َ, التقت البغل : – مرحبا يا اختي البقرة ؟ – مرحبا يا أخي البغل! – ما كل هذا الانشراح ؟من اين انت قادمة ؟ – شرحت البقرة كل شيء بالتفصيل , واذ قالت انها أخذت وساما من السلطان , هاج البغل , وبهياجه , وبنعاله الاربعة , ذهب الى قصر السلطان : – سأواجه مولانا السلطان ! – ممنوع
الا انه وبعناده الموروث عن ابيه , حرن وتعاطى على قائميه الخلفيين .أبى التراجع عن باب القصر. نقلوا الصورة الى السلطان فقال : – البغل ايضا من رعيتي , فليأت ونرى ؟؟
مثل البغل بين يديه . أخذ سلاما بغلياًَ , قبّل اليد والثوب, ثم قال أنه يريد وساما فسأله السلطان : – مالذي قدمته حتى تحصل على وسام ؟؟ – آ ... يا مولاي.. ومن قدم أكثر مما قدمت ؟ ألست من يجمل مدافعكم وبنادقكم على ظهره أيام الحرب ؟ألست من يركب اطفالكم وعيالكم ظهره أيام السلم ؟؟ لولاي ما

استطعتم فعل شيء
أصدر السلطان اذ راى البغل على حق قرارا :
اعطوا مواطني البغل وساما من المرتبه الاولى
وبينما كان البغل عائدا من القصر بنعاله الاربعة , وهو في حالة فرح قصوى .. التقى بالحمار . قال الحمار : – مرحبا يا ابن الاخ
قال البغل : – مرحبا ايها العم . – من اين انت قادم والى اين انت ذاهب ؟
حكى له البغل حكايته قال الحمار : – ما دام الامر هكذا سأذهب انا الاخر الى سلطاننا وآخذ وساماً!
وركض بنعاله الاربعة الى القصر . صاح حراس القصر : داه .. جي .. لكنهم لم يستطيعوا صده بشكل من الاشكال , فذهبوا الى السلطان : – مواطنكم الحمار يريد المثول بين أيديكم . هلا تفضلتم بقبوله ايها السلطان ؟؟
قال السلطان: – ماذا تبغي يا مولطننا الحمار ؟
فاخبر الحمار السلطان رغبته . فقال السلطان وقد وصلت روحه الى أنفه : – البقرة تنفع الوطن والرعية بلحمها وحليبها وجلدها وروثها , واذا قلت البغل , فانه يحمل الاحمال على ظهره في الحرب والسلم , ومن ثم فانه ينفع وطنه , ماذا قدمت انت

حتى تأتي بحمرنتك وتمثل أمامي , دون حياء , وتطلب وساماً؟ .. ما هذا الخلط الذي تخلطه ؟
فقال الحمار وهو يتصدر مسرورا ً: – رحماك يا مولاي السلطان. ان اعظم الخدمات هي تلك التي تقدم اليكم من رعاياكم الحمير , فلو لم يكن الالوف من الحمير مثلي بين رعيتكم , أفكنتم تستطيعون الجلوس على

العرش ؟هل كانت استمرت سلطتكم ؟ احمد ربك على كون رعيتكم حمير مثلي تماما , ومن ثم على استمرار سلطنتكم !
أيقن السلطان أن الحمار الذي أمامه لن يرضى بوسام من التنك كغيره فقال : – ايه يا مواطني الحمار, ليس عندي وسام يليق بخدماتكم الجليلة , لذا آمر بأن يقدم لك عدل من التبن يوميا في اسطبل القصر . كل كل .كل حتى تستمرسلطنتي
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:36 pm

تنكة صدئة في الخزينة
- عزيز نيسين -

--------------------------------------------------------------------------------

كان يا ما كان..كان، او ما كان...في قديم الزمان،مكان ما في العام،مكان ما كان فيه شئ ،في هذا المكان الذي ما كان فيه شئ،كان ثمة سلطان ، السلطان عنده خزينة،في الخزينة أمانة الشعب الغالية.الشعب يفخر بهذه الامانة الآيلة إليه من أجداده...يتناسى فقره وبؤسه ويتباهى بها قائلأ:
وحتى لو لم يكن عندنا شئ يكفينا أن تكون عندنا هكذا أمانة من الأجداد لا يفعل ذلك شخص شخصان..وإنما كل فرد من أفراد الشعب يستأثر بحصة من المباهاة بهذه الأمانة القيمة الباقية له من أجداده...يحميها بروحه وجسده.
وطالما أن أحسن مكان لحفظ الأمانة التي هي مال الشعب .هو خزينة السلطان فقد خبئت فيها،يحرسها رجال مدججون،لا يغمض لهم جفن ولا يدعون الطير تطير فوقها.
السلطان والصدر الاعظم وذوو المراتب في القصر يقسمون بشرفهم مرة كل عام على حمايتها.
ودارت الايام،ومرة الايام...حتى جاء يوم فكر فيه السلطان بمعرفة ما هي هذه الأمانة التي يستفديها الناس بأرواحهم ودمائهم
فصار يتحرق شوقأ إلى معرفة ما بداخل خزينة الأمانة تلك.ولم يعد يطيق صبرأ فدخل جناح الخزينة.
لا يستطيع الحراس القول للسلطان.ممنوع. فالسلطان والصدر الأعظم والوزراء يدخلون متى ما شاؤوا ليرو ما إذا كانت الخزينة لا تزال في مكانها.
السلطان فعل هكذا: الأمانة موجودة في غرف متداخلة.كل غرفة تؤدي إلى أخرى حتى الحادية والأربعين،حيث الخزينة الخزينة في خزائن متداخلة كل خزينة تفتح عن خزينة...حتى الحادية والاربعين .فتح الاربعين غرفة وخش الحادية والأربعين.فتح أربعين خزينة...وبينما كان يفتح الحادية والاربعين،أخذ قلبه يضرب...ذلك أنه كان يمتلك الكثير من الفضول لمعرفة الشئ الذي يحمونه طيلة هذه السنين.فماذا رأى؟
كانت جوهرة لم تقع عين بشر على مثيلها حتى ذلك الزمان
جوهرة تتلألأ وتضطرم كألسنة النار.لو قلت من ذهب ما حزرت،أو قلت بلاتينأ لأخطأت،أو قلت من فضة ما أصبت.
لم يتمالك نفسه قال:آخذ أمانة الأجداد هذه لي ،تصبح ملكي...ومن الذي سيعرف وكيف؟
أخذالأمانة المقدسة التي كانت تتلألأ كقطعة من الشمس ودسها في جيبه.لكنه بدأ يتخوف ماذا لو اكتشفوا أنني سرقتها؟..لأضع مكانها قطعة من الذهب مزينة بالماس واللؤلؤ والزمرد والصدف والياقوت.وطالما أنه لم يسبق لأحد أن رآها فلن يفهم أنها مسروقة،فيما لو فتحت الخزنة ذات يوم..
ومثلما قال فعل.أقفل إحدى وأربعين خزينة متداخلة،وفوقها واحدأ وأربعين بابأ،وهو يرتعش من خشية أن يشك أحد أنه سرق الأمانة.
حتى ذلك الزمان كان يقسم يمين واحد في السنة على حماية الأمانة،فضاعفها إلى متين:يجتمع أبناء الشعب والمديرون والسلطان ويقسمون على أنهم سيحمون الأمانة المقدسة الباقية من الأجداد، بأرواحهم ودمائهم.
الصدر الأعظم رجل داهية.داخله الشكل فقال لنفسه كنا نقسم مرة في السنة فلكاذا رفعها السلطان إلى اثنين؟وفي يوم من الأيام دخل جناح الخزينة موسوسأ: ما هي هذه الأمانة التي نحميها طيلة هذه السنين؟مر من إحدي وأربعين غرفة،فتح إحدى وأربعين خزينة رأى الأمانة.وقف مشدوهأ أمام قطعة الذهب التي وضعها السلطان لئلا ينتبه لفعلته أحد.آخذ هذه الأمانة مكانها قطعة ذهب مزينة بحجارة لماعة. وكيفما كانت،وطالما أن الأمانة لا يعرفها أحد، فإن من يفتح الصندوق يومأ سيعتقد أن هذه هي الأمانة المقدسة..
ومثلما قال فعل.وخوفأ من أن تكشف عملته أزمع أن يرفع عدد المرات التي يقسم فيها اليمين إلى أربع : في الصيف والشتاء والربيع والخريف، مثلما سبق للسلطان أن رفعها إلى أثنتين.
ومثلما قال فعل.أقفل إحدى وأربعين خزينة متداخلة،وفوقها واحدأ وأربعين بابأ،وهو يرتعش من خشية أن يشك أحد أنه سرق الأمانة.
حتى ذلك الزمان كان يقسم يمين واحد في السنة على حماية الأمانة،فضاعفها إلى متين:يجتمع أبناء الشعب والمديرون والسلطان ويقسمون على أنهم سيحمون الأمانة المقدسة الباقية من الأجداد، بأرواحهم ودمائهم.
الصدر الأعظم رجل داهية.داخله الشكل فقال لنفسه كنا نقسم مرة في السنة فلماذا رفعها السلطان إلى اثنين؟وفي يوم من الأيام دخل جناح الخزينة موسوسأ: ما هي هذه الأمانة التي نحميها طيلة هذه السنين؟مر من إحدي وأربعين غرفة،فتح إحدى وأربعين خزينة رأى الأمانة.وقف مشدوهأ أمام قطعة الذهب التي وضعها السلطان لئلا ينتبه لفعلته أحد.آخذ هذه الأمانة مكانها قطعة ذهب مزينة بحجارة لماعة. وكيفما كانت،وطالما أن الأمانة لا يعرفها أحد، فإن من يفتح الصندوق يومأ سيعتقد أن هذه هي الأمانة المقدسة..
ومثلما قال فعل.وخوفأ من أن تكشف عملته أزمع أن يرفع عدد المرات التي يقسم فيها اليمين إلى أربع : في الصيف والشتاء والربيع والخريف، مثلما سبق للسلطان أن رفعها إلى أثنتين.
أحد الوزراء رجل داهية.دخل الشكل نفسه كنا،حتى الآن نقسم مرتين فلماذا زادوها إلى أربع؟
هو الآخر،وطالما أنه يستطيع الدخول دون أعتراض من أحد، فقد دخل يوما عبر الإحدى والأربعين غلافة،فتح الإحدى والأربعين خزينة،فلمعت عيناه بلفرح إذ رأى قطعة الذهب المزينة بالحجارة اللماعة:لو آخذها وأضع مكانها قطعة فضة،فمن سيعرف؟
ومثلما قال فعل ورفعمدفوعأ بخوفه من أن يكتشف أمره عدد مرات الحلفان إلى مرة كل شهر..صار الشعب يجتمع في الساحات العامة مرة كل شهر،ويقسم على أنه سيحمي الأمانة المقدسة حتى آخر رجل وآخر قطرة دم.
مشرف القصر واحد داهية، توسوس من رفع معدلات الإقسام إلى مرة في الشهر قال:ثمة ما يريب.لأذهب وأر مر من إحدى وأربعين غرفة،فتح الإحدى وأربعين خزينة.. رأى أمانة الأجداد المقدسة فأعجب بها:لو آخذها وأضع مكانها قطعة نحاس فمن الذي سيدري ؟
ومثلما قال فعل .فعلها، وخوفأ من افتضاح أمره،ولكي يعتقد الناس أنه حريص عليها،فقد جعل اليمين يقسم مرة في الأسبوع.
الضابطالذي يحمي الخزينة_ هو الآخر _ داهية:ما الذي يجري ؟ كل اسبوع نقسم. لأذهب وأر هذه الأمانة المقدسة .. وكما فعل الأخرون مر من إحدى وأربعين غرفة فتح احدى واربعين خينة . رأى قطعة نحاس الللامعة ففرح بها: إذا أخذتها ووضعت مكانها قطعة حديد ، فمن سيعرف؟
ومثلما قال فعل .ولكي يملص من عملته ، وليعتقد الناس أنه غيور على الأمانة يفتديها بروحه وجسده، فقد رفع معدلات الحلفان الى مرة في اليوم

.ودارت الأيام، ومرت الأيام..ظهر من بين الناس رجل قال :
كل يوم ونحن نقسم على أننا سنحمي الأمانة الباقية من الأجداد بدمائنا وأرواحنا..ونحن في واقع الحال نخبئها في الخزينة ونحميها على نحو جيد..لكن ما هذه الأمانة؟ ألسنا نحن المؤتمنين عليها؟ تعالو إذن نفتح الغرف والخزائن لنر ما نحمي.
أحدثت كلمات الرجل تأثيرأ كتأثير القنبلة. الذين خانو الأمانة، وعلى رأسهم السلطان، تقدموا نحوه وطوقوه، الذين أخذوا الأمانة، على التوالي ، واستبدلوها بأشياء مزورة، مكل واحد منهم يعتقد أنه فعلها دون علم الآخرين، ارتعشوا خوفأ من اكتشاف السرقة، فقالوا للرجل الذي قال لنر الأمانة التي نحميها:
_ آخ يا خاين..وأنت من أنت حتى ترى الأمانة المقدسة التي انتقلت الينا من الأجداد؟؟
ألبسوه تهمة الاقلال من هيبة الأمانة.. وما بقى إلا شئ قليل حتى يتحول الرجل إلى ..ممسحة..
قال السلطان:
إذا كنا سنقتل هذا الرجل فلنقتله وفق القانون...
ولكي يعدموا الرجل سنوا قانونأ خاصأ، وقتل الرجل بقرار محكمة خاصة.
بيد أن المسألة لم تنته باعدام الرجل. كلماته انتقلت من افم الى الفم.. والفكرة أخذت تكبر كجرف ثلجي .
في يوم من الايام فكر رجل من الناس لنذهب ونر هذه الامانة طالما أننا سنموت في سبيلها لكنه ولأنه يعرف ما جرى للذي قبله لم يتفوه بكلمة أمام البشر ، وضع في رأسه أنه سيتسلل الى الخزينة ويرى ما بداخلها سرأ .
السلطان والصدر الأعظم والوزراء،وكافة حرامية الأمانة بمن فيهم الضابط الذي استبدل قطعة الحديد بتنكة صدئة ولكيلا تظهر سرقتهم ، أو بالأحرى لئلا يكتشف أنهم استبدلوها صاروا يحرسونها على نحو أشد.
وبينما كان الرجل الذي نجح في الدخول سرأ إلى الخزينة ،بينما كان خارجأ بالأمانة المقدسة ليريها للناس،رأى الضابط التنكة في يده، فصرخ:
_هذه ليست هي!
الوزير قال أيضأ:هذه ليست هي !
الذين في القصر،بمن فيهم السلطان،قالوا:
هذه ليست هي !..هذه ليست هي !..
فسألهم الرجل الممسك بالتنكة الصدئة:
وكيف عرفتم أن هذه ليست الأمانة المقدسة؟ وإذا لم تكن هي ، فما هي..؟
لم يتمكن أحد من الحاضرين من الاجابة على سؤاله،ذلك أن كل واحد منهم قد فهم أن الشئ الذي وضعه بدل الأمانة قد سرق فيما بعد.
خنقوا الرجل الممسوك وأعادوا التنكة الصدئة الى مكانها ضمن احدى وأربعين خزينة واحدى وأربعين غرفة .ولحماية الأمانة المقدسة سنوا قانونأ يتوجب على كل فرد من الشعب بموجبه أن يحلف صباحأ وظهرأ ومسأء على حماية الأمانة المقدسة.

ولم يستطيع أحد من الذين يقسمون الأيمان أن يعرف أن الأمانة قد تحولت من سرقة الى سرقة إلى تنكة صدئة.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:38 pm

السيدة قردة
- عزيز نسين -

--------------------------------------------------------------------------------

كان في القفص أكثر من عشرة قرود, وكن يقمن بحركات على العصي العرضانية, تشبه الحركات اتي يؤديها لاعبي الجمباز.كانت إحداها تجلس طرقة وكأنها (المفكر)لرودان. لم استطع تمييز القرد الكبير هذا عن الشمبانزي,تبادلت معه النظر فترة طويله : – هل تسمحون ؟
كنت سائرة قرب القفص ولامر ما عدت . – أقول لكم يا سيدي..هل تسمعوني دقيقة ..؟؟
كان المتكلم هو ذاته القرد الذي كان صافنا .. – هل انت من يتكلم ؟ – دخيلك بهدوء.. لءلا يسمعنا مربي القرود فيمنعني عن الكلام . – لكنم تحكون كالبشر.
-طبيعي فنحن بشر .
-كيف ؟ هل انتم بشر؟ مادام الامر كذلك , ماذا تفعلون بالقفص؟
-لست اول بشري يدخل القفص ياه..البعض يتزوج فيدخل القفص.. والبعض الآخر يدخل في قفص جدول الرواتب ... الم تدخلواالقفص قط ؟ – لا تنظري الي فانا كاتب ساخر وعندما نصل اليها , فسيقولون لي ( حتى السبع يدخل القفص) ويزقومني بالسجن. – السيد كاتب ساخر لي عندكم رجاْء. – تفضل يا سيد قرد .. – انا لست سيدا ... انا سيدة .. – اني اسمعك يا سيدة قردة.. – قلت لك اني لست قردة ... انا بشر ... – وما عملك هنا انا لست افهم ..؟؟؟ – هذا ما ساحكيه لك ..:انا احب السينما كثيرا . كنت في يوم من الايام معجبعه بجريتا جاربو.. بدأت بجياة عجيبة,مثلها . تركت شعري ملخبطا على كتفي . لو رايتموني في تلك الفترةبعدها جذبتني مارلينا ديتريش فرققت حاجبي بالملقط وتشبهت بها..دهنت وجهي ببودرة صفرة السل مثل مارلينا ديتريش , صرت اشد خدي من الداخل , مثلها تماما, ثم ظهرت زارة ليونارد , فرحت أقلدها , أسرح شعري مثلها , وأغني بصوت مخنوق مثلها. – ارجوك سيدتي ... لماذا اتيتم هنا ..؟؟ – ها انا احكي لك ... بعد زارة ليونارد تشبهت ب كلارابو....صبغت شعري بلاسود الغامق .ونحزمت بالكورصة حتى ألاقق خصري ..وعملت حاجبي رقييقين للغاية ..ولما ماتتجين هارلو – مع الاسف – بحادث طيرة ..ابحت فيرونيكا ليك موديلي المفضل صار شعري يغطي احدى عيني ..مثل فيرونيكا تماما ..وصرت أطلي شفتي الكبيرتين المكتنزتين بلاحمر الغامق مثلها ..؟؟ – ارجوك سيدتي ما الذي تريدينه مني ..؟
-لو تسمعون لي خمس دقائق فستعرفون ما اريد .. مرت موضة فيرونيكا بسرعة..لمعت اليزابيت تايلور, فأخذت اصبغ نفسي مثلها .. عملت شعري خصلا خصلا ... مثلها , صار من يراني يقول : اليزابيت محلية ..!! لكن ... عندما تزوجت ريتاهايورايث من آغا خان , صبغت شعري بلاحمر ..ورسمت على وجهي شامات ... مثلها بالضبط ..ولما تزايدت سرعة مارلين مونرو بالظهور ..بدلت هيئة وجهي وجسمي على موديلها فصار من يراني يقول (مارلين مونرو__نا (. – عن اذنكم انا مستعجل عندي شغل .. – قصتي على وشك الانتهاء ..؟؟ارجوك قدم لي معروفا ..؟ – بسرعة رجاءا.. – لو انكم شاهدتموني ايام ظهرت اوردي هيبيرون كل شيء في اصبح مثلها ...من شعري القصير كشعر الرجال ..حتى.. كل شيء..لكن جينا لولو بريجيدا غيرت كل شيء.. – فهمت اصبحت تشبهين جينا ثم قلدت صوفيا لورين .. – صح , كيف عرفت ذلك . وفي الاخر شبهنت نفسي بجريس كيلي صرت اصبغ نفسي على طرازها ..وارتدي قبعات ثقيلة كما تفعل وهكذا وفجاة قبضوا علي .. – لماذا قبض عليكم ...؟؟ – نعم في يوم كنت ماشية في الشارع . قبضوا علي وجاؤوا بي الى هنا ..صحت بهم انا بشر ... لكنهم لا يسمعونني.. – لو انكم راجعنم المحكمة .. – راجعنها . ارسلوني الى خبير معتمد ..الخبراء المعتمدون قدموا تقريرهم على اني قردة ..والان: رجائي منك : من هي آخر نجمة سنمائة مشهورة اليوم ..؟؟كيف تلبس؟كسف تصنع مكياجها ..؟؟كيف شعرها ؟ كيف تقف ؟ كيف تحكي ؟
وهنا مر بي مربي القرود وصاح بالقردة التي كانت تحادثني: – أنت جديد ؟ أمن جديد ؟ اما زلت تقولين لهذا وذاك انك لست قردة .؟؟
واخذ بضرب الحيوان المسكين بالعصا ..امسكت مربي الحيوانات وقلت له : ما تفعله مخالف للقانون .. كيف تضرب انسانا ؟؟؟
قال مربي الحيوانات : – يا سيدي وهل صدقتم كلام هذه القردة ؟ ارجوكم انظرو الى هذا الوجة ..الى تفاصيل وجهها .. هل فيها شيء لا يشبه القردة .؟؟ اليس هذا وجه قردة الخالق الناطق ؟ وهل بقيت بينها وبين الانسانية صلة ؟
نظرت في المرأة في القفص بتمعن .. ان المربي على حق قلت – نعم انها قردة . – طبعا قردة . لقد عاينها كل الاساتذة والاطباء والبيطريون وقدموا تقاريرهم على انها قردة ..
وبينما كنت ابتعد كانت السيدة قردة ترد: – آه ..من هي النجمة الاولى اليوم ...ارجوكم ...
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:51 pm

ذنب الكلب ( كيف انتحرت)

--------------------------------------------------------------------------------

بالرغم من أن نشر أخبار الانتحار في الجرائد شيء ممنوع، وبما أن الخبر
خاص بانتحاري أنا ، فأتوقع أن تفرح الأوساط الرسمية والجدية جداً ، لانتحار
إنسان غير جدّي.
في أحد الأيام كنت مصاباً بمرض الانتحار، حيث كان الانتحار يخطر ببالي دائماً.
انتحاري الأول كان هكذا.
قلت لنفسي أيها العاشق اختر نوعاً من أنواع الموت ، بالمسدس ، بالسكين؟
الموت واحد ... وحتى يكون الموت مميزاً قررت أن أنتحر بالسم كالملوك القدماء.
أخذت سماً مدهشاً. حبست نفسي في الغرفة ، ثم كتبت رسالة طويلة
رومانسية قلت في نهايتها : " الوداع أيتها الدنيا الفانية ، الوداع أيها الزمن
الملعون ، الوداع أيها الصدر الأعظم ..."
بعد أن قلت هكذا ، شربت كأس السم دفعة واحدة , ثم تمددت على الأرض .
وانتظرت ، الآن سيجف دمي وبعد قليل ستشل يديّ ورجليّ ، ولكن لم يحدث
شيء لي ، شربت كأساً آخر من السم ، ومرة أخرى لم يحدث شيء ,
و أخيراً علمت أن المواد المغشوشة في هذا البلد ليست الحليب و الزيت والجبن فقط،
بل السم مغشوش أيضاً.وهكذا فإن الانسان هنا لا يستطيع الانتحار حتى, كما يريد.
و من جهتي فإني إذا وضعت شيئاً في رأسي فسأعمله بالتأكيد ، وفي هذه
المرة قررت أن أطلق رصاصة على رأسي.
وهكذا وضعت فوهة المسدس على رأسي وإصبعي على الزناد
- طق.
حاولت مرة ثانية أيضاً : - طق.
مرة أخرى و أيضاً : - طق.
و لكن ظهر أن هذا النوع من المسدسات أتى من أمريكا على هيئة مساعدات،
و بدون قطع تبديل.
و بعد أن عرفت عدم إمكانية الانتحار بالرصاص ، فكرت بالموت بالغاز
لأن الموت بهذه الطريقة مضمون تماماً.
من المعلوم و حسب ما أعرف فإن التسمم بالغاز يؤدي إلى موت شاعري.
فتحت صنبور الغاز إلى آخر حد ، وكنت قد أغلقت جميع الثقوب في الغرفة،
و تمددت على الكنبة ، وأخذت وضعية بحيث يجدوا جثتي وهي في منتهى
الجدية ثم بدأت أنتظر عزرائيل
أتى الظهر ثم المساء ولكني لم أمت
في المساء دخل صديقي إلى الغرفة.
صرخت : - لا تدخل
- مالأمر؟
- أنا أموت.
- أنت لا تموت ، أنت مجنون.
شرحت لصديق عن المشروع ، ولكنه ضحك :
- حقاً ،إنك غبي جداً ،فهذا الصنبور لا يخرج منه غاز بل هواء.
و بعدها سألني :
- هل تريد أن تنتحر حقاً؟
- طبعاً.
- أرغب في مساعدتك .
وبعد ذلك طلب مني أن أذهب إلى محل السكاكين وأشتري سكيناً من
نوع بورصا ، ونصحني بأن أغمد السكين في بطني وأخرج أمعائي بيدي
كالأبطال اليابانيين. شكرت صديقي لمساعدته، وذهبت مباشرة واشتريت
سكين بورصا متينة، في الحقيقة إنه أمر غير جميل أن يمسك الانسان سكيناً
و يمزق أمعاءه، لأن الأطباء الذين سيفحصون جثتي في المشفى ، لن يجدوا
أي نوع من أنواع الغذاء في أمعائي وهذا بالطبع أمر محرج بالنسبة لي، ولكن
فليكن ما يكون، وضعت السكين في جيبي و بينما أنا عائد إلى البيت مسروراً
هجم علي شرطيان ، و بدأت أعرفهما عن نفسي:
- يا سادة ، توقفوا ، استمعوا إلي للحظة ، أنا أدفع الضريبة بشكل منتظم،
ولا أتكلم أي شيء بحق حكومتنا، رجل شريف مثلي..
و لكنهما قطعا حديثي في منتصفه ، عندما وجدوا السكين في جيبي وصاحا:
- ما هذه ؟
إذاً ، أنا تورطت مع دورية من دوريات قسم مكافحة الجرائم، قلت لنفسي:
- يا ربي ، نتيجة القرارات الصائبة في هذا البلد ، فإننا لا نستطيع أن
نعيش ، ولا نتسطيع أن نموت أيضاً؟ هل سنبقى نتعذب دائماً هكذا؟
و لكن صاحب الإرادة والعزم يجب أن يكون مثلي ، فإذا قلت أنني
سأموت فهذا يعني أنني سأموت حتماً.
أخذت من الدكان حبلاً ثخيناً ، ولوح صابون ، صوبنت الحبل جيداً
و ربطته في الحلقة الموجودة في السقف و أدخلت عنقي في عقدة المشنقة الزلاقة
كمن يدخل إلى مصلحة الضرائب وأوقعت الكرسي من تحت قدمي ولكني
سقطت أرضاً قبل أن أتأرجح مرة واحدة.
الحبال أيضاً كانت تالفة ، وإيجاد حبال سليمة أمر غير ممكن ، قال لي
صاحب المحل:
- وهل يعقل أن تكون البضاعة سليمة ويبيعونها, لقد فهمت تماماً، أنه لا
يوجد إمكانية للموت ، و قلت لأعيش إذاً على الأقل . و كما تعلمون ، فالحياة
تبدأ من المعدة أولاً و هكذا أكلت بسطرما بالبيض و بعض المعلبات و المحاشي
الكاذبة ، و بالإضافة لذلك أكلت المعكرونة وبعد ذلك ذهبت إلى محل
حلويات وأكلت 5 ، 6 قطع من المعمول.
و دخل إلى المحل بائع جرائد وبدأ يصرخ:
- 16 صفحة ، إذا لم تقرأها غلف بها.
لم يكن من عادتي قراءة الصحف المؤيدة للحزب الحاكم، قلت : لأقرأها
و بينما أقرأ العناوين وجدت نفسي نائماً، شعرت بألم في بطني ، كطعنة
السكين، ولكن كيف ... ألم لا يوصف ... لم أستطع التحمل أكثر من ذلك
فبدأت أصرخ و أولول ، و بالكاد أخذوني في سيارة الاسعاف إلى المشفى
مغمياً عليّ.
لما فتحت عيني وجدت الطبيب فوق رأسي يسألني:
- أنت مصاب بالتسمم ، لا يخفى شيء على الطبيب ، هل انتحرت؟
- أين تلك الأيام السعيدة يا دكتور ؟ أين هي؟
- أنا أقول أنك مصاب بالتسمم ، ماذا أكلت؟
- بسطرما.
صرخ الطبيب:
- ماذا ؟ هل أكلت بسطرما؟ أنت مجنون؟ و هل تؤكل البسطرما؟ ألم تقرأ الجرائد؟
إنها مليئة بأخبار المتسممين من البسطرما... ولكن هذا لا يشبه تسمم البسطرما،
ماذا أكلت غير ذلك؟
- ذهبت إلى المطعم.
- أنت مخبول.
- في المطعم أكلت معلبات.
- هكذا إذاً؟ و ماذا أكلت بعد؟
- معكرونة ومعمول...
- طبعاً سوف تتسمم . معلبات، معكرونة ،معمول!.. و ماذا أيضاً؟
- و الله لم آكل شيئاً آخر ، بينما كنت أقرأ الجريدة المؤيدة للحكومة ...
صرخ الطبيب:
- ماذا؟ توجه بالدعاء إلى الله لأنك لم تمت , لقد مرت هذه المشكلة
ببساطة هذه المرة.
عندما خرجت من المشفى كنت أفكر : طيب نحن ماذا سنفعل ، لا
يتركوننا نموت ولا يتركوننا نعيش... ولكن بإمكاننا أن نزحف بكل سهولة إلى القبر.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

التالي

العودة إلى مكتبة المتن الالكترونية

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار