• اخر المشاركات

قصص قصير للكاتب الكبير عزيز نيسين

أهم الكتب في كل المجالات...

المشرف: noooooooooooor

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:53 pm

القرآن وماكينة الخياطة
-عزيز نيسين-

فتحت عيناي على عالمٍ يشتعل ناراً. كانت تلك أولى ذكرياتي لألسنة لهب تغطي السماء باللون الأسود. لم أكن استطيع أن أتذكر أي شي قبل ذلك فكانت تلك التفاصيل هي الذكرى الأولى الراسخةً في ذهني. أيقظت والدتي ألسنة النيران وأخذت الكيس المطرز باللون الفضي والذي يحتوي داخلة على القرآن الكريم الذي كان معلقاً بقبضة السرير النحاسية في قمة السرير. فقبّلت هذا المصحف الكريم ووضعته على جبينها ثم علقت الكيس فوق عنقي وانتزعت أختي الصغيرة من مخدعها الذي كان مجرد أرجوحة شبكية.

من خلال نافذة مفتوحة الستائر كان يمكن رؤية سحابٍ أحمرٍ وكأنه شبح يولد ألسنة اللهب ويشعل شرارات النار. وكان على السقف والأرض والجدران أنواراً حمراء تطول وتتقلص. نظرت في المرآة . إنها كذلك مليئة بالسحاب المشتعل.

ثمة شخصٍ ما يطرق الباب بقوة و هناك كانت أصوات وصرخات حادة تشبه زئير الأسد. وبين الحين والآخر أسمع صرخة طفلٍ أو سيدة تطغي على ذلك الصوت القوي رأيت شرارات النار تضرب بقوة أطراف النافذة مثل الحشرات الضخمة- إنه صوت النار- ثم اختفت أطراف النافذة .. فهي إما أن تكون ذابت أو تهشمت وضربت وجهي موجه من الحرارة الشديدة.

انكسر الباب ودخلت عصابة من الرجال . كانوا يقبضون أي شي في متناول يدهم ميسرة وميمنة . اعتقدت والدتي بأن هؤلاء الرجال هم السامرين ( أحد أبناء السامرة بفلسطين) ، إنهم طيبون يحاولن مساعدتنا للحفاظ على بضائعنا من النيران.

أخذتني والدتي تحت ذراعٍ وأختي تحت الذراع الآخر إلى أسفل الدرج ووضعتنا خارج الباب المفتوح على عتبة المنزل . وعادت مسرعةً إلى المنزل .

أحتشد الرجال من الشارع داخل المنزل وعندما خرج الذين كانوا بالداخل بنصيبهم مما سرقوا، داسوا علينا وفوقنا من كل جانبٍ.
أسرعت والدتي للخارج ومعها ماكينة الخياطة نحن ذراع ونونية الأطفال في يدها. كان كل الذي استطاعت والدتي البالغة من العمر ثمانية عشر خريفاً إنقاذه من ذلك الحريق هو ولديها والقرآن الكريم وماكينة الخياطة ونونية الأطفال. كانت ماكينة الخياطة مهرها الذي اكتسبته من خلال عملها الشاق عليها.
تلك الأشياء التي حدثت أرعبتني كثيراً، كنا في احتفالٍ مسائي، وكانت تبدو المناسبة كيوم ترفيه في عطلة. وهذا ما ظل لاصقاً في ذاكرتي.

بعد المشهد من الباب الأمامي توالت الأحداث مثل فيلم سريع.

عندما استيقظت صباح اليوم التالي كنا في المقبرة. حتماً لقد أمضينا أمسيتنا هنالك في الهواء الطلق. كانت المقبرة مليئة بالفقراء وحاجاتهم المنزلية التي تمّ إنقاذها من الحريق . أناس منزعجون وأطفال يصرخون و مازالت أختي راقدة في الأرجوحة الشبكية ممدة بين شجرتين من الصنوبر.

بعد ذلك بكثير عرفت بأن المكان الذي احرق فيه منزلنا كان في منطقة كاظم باشا في مساحةٍ تعرف ب” نيوفاونتين” .
كان العام هو 1919 م ، لم يكن والدي موجوداً . لقد تركنا لفترةٍ طويلة وقد ذهب إلى أناتوليا حيث كانت حرب التحرير في أناتوليا.
ألا تفهم ؟
هكذا يقول والديّ كثيراً عن أحداثٍ معينة حدثت في فترة طفولتنا وأخيراً وبعد سماعها لمراتٍ عديدة، يبدو أننا نتذكرها. حيث امتزج الواقع بالخيال.
كانت تلك أولى ذكرياتي عن الحريق. كان لون الحريق هو أول انطباع للعالم الخارجي التي رسخت في ذهني كطفل. إلا أن ثمة حدثين حدثا قبل ذلك الحدث كانا موضع الحديث وأنا هنا أذكرهما بكل تفاصيلهما. رغم أنني لا أستطيع تذكر تلك الفترة، لان عمري كان ثلاثة سنوات ونصف.

كان هناك مقبض نحاسي على بابنا و هناك كان ثمة أحد يطرق الباب. في ذلك اليوم خيطت أمي ثوباً جديداً . لو كتب لي أن أرى قطعةً من القماش اليوم لعرفتها في الحال. لقد كانت من الحرير الأحمر الجميل وعليه تصاميم بيضاء جميلة .
وضعت أمي الثوب الجديد ثم نزلت الدرج ذو الحجارة المستطيلة (حجارة ذات صفائح لرصف الطرق ) بلون الكهرمان (وهو لون أصفر ضارب إلى الحمرة ).
فتحت أمي الباب ليدخل أبي حاملاً سلةً في يده وهناك عند الباب أعطى أمي قبلةً ، جريت وبكل إثارة أخبرت جارتنا :” أبي قبل أمي “.
ضحكوا وضحكوا ومن طريقة ضحكهم عرفت بأني قلت شيئاً خاطئاً. وارتبكت . لعل مجهودي المضني طيلة فترة حياتي لكي أنشأ حياة أسرية سليمة وصحيحة قائمة على الحب كان من نتاج هذه الذاكرة وأنا طفل في الثالثة والنصف من العمر .

أما الحادثة الثانية :
فكانت عندما كنا نأكل في منزل ذهبنا لزيارة أهله. ثم تم إحضار سمكة إلى الطاولة وتم تقديمها لكل شخص .
علقت قائلاً: ” إنها جيدة جداً ” .
وافقوني الرأي قائلين:” نعم ، إنها جيدة” .
بعد لحظات قلت :” أوووه ، إنها كانت جيدة جداً” .
وافقوني بقولهم:” نعم ، إنها كانت جيدة جداً ” .
بعد لحظات قليلة كررت القول:” إنها جيدة جداً، أحبها كثيراً، كانت السمكة جيدة “.
“نحن سعداء لأنك أحببتها”.
أخيراً لم أستطيع أن أحتمل أكثر من ذلك فصرخت قائلاً:” إنكم لا تفهمون شيئاً. كنت أخبركم بأن السمكة كانت جيدة حتى تمنحوني المزيد منها في طبقي هذا “.
لا أعرف إذا كنت أتذكر تفاصيل هذه القصة أم أنني أستردها من ذاكره مبهمة, فقد حدثت قبل 47 عاماً.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يوليو 07, 2006 2:54 pm

تقبل الله
- عزيز نيسن -

في السادسة صباحاً مثلما عليه الحال في كل مرة، راح صاحب عمارة الأمل حمزة بيك ينادي، وهو يسعل سعالاً جافاً، البواب أمين أفندي، القاطن في القبو.
- أمين أفندي، أمين أفندي.
- أمين أفندي هذا يعمل بواباً في تلك العمارة منذ أربعة عشر عاماً، وبالإضافة لعمله الأصلي هنا، فقد كان الناطق الرسمي وصديقه القريب مستوعب آلامه، مدير أعماله، حتى عرّافه ، باختصار كان كل شيء بالنسبة له.
- أمين أفندي، أمين أفندي.
إتجه أمين أفندي، وهو ينظف حلقومه، باتجاه النافذة الخلفية حيث مصدر الصوت.
- أتيت، أتيت.
عمارة الأمل هذه مؤلفة من ستة طوابق وكل طابق من شقتين سكنيتين عدا الطابق الأرضي الذي يقع فوق القبو كان مؤلفاً من مخزنين تجاريين أحدهما لتجارة الأجواخ والآخر لصنع الفطائر. أما القبو، بالإضافة لكونه مكان سكن البواب فقد كان مستودعاً لحرّاقات التدفئة.
- أمين أفندي، بينما كنت في حضرة الله أثناء صلاة الصبح.
- تقبل الله.
- هل تعلم ماذا تذكرت؟ فجأة تذكرت الشقة الرابعة، هل أخذت منهم أجرة هذا الشهر؟.
- نعم أخذتها وسلمتك إياها البارحة.
- نعم أعرف ذلك، ولكن أقصد الإجرة التي استلمتها هل كانت دون زيادة أم ماذا؟ تصور يا أمين أفندي أنني تذكرت ذلك فجأة عندما كنت أصلي، لقد طار صوابي، لا، لن أسمح بذلك. هيا يا أمين أفندي إلى المحامي وقل له… الله، الله… هل هؤلاء المستأجرين بلاء فوق رأسي؟ أستغفر الله!.. تصوّر أنهم يشغلون ذهني حتى أثناء الصلاة، اذهب إلى المحامي واطلب منه أن يخليهم من منزلي… إذهب حالاً وقل له أن يرفع دعوى مستعجلة عليهم.. عندما أخذت الأجرة منهم هل أعطيتهم وصلاً يشعر بذلك؟ حسناً قل للمحامي بأنهم لم يدفعوا إجرة البيت حتى لحظته. أوه ألا يستطيع المرء أن يجلس بين يدي ربه صافي البال، هيا يا أمين أفندي.
- ولكن يا بيك لا يمكن أن يكون المحامي في مكتبه.
- أيعقل هذا يا أمين أفندي؟ لقد انتصف النهار، عليه الحضور إلى مكتبه بعد صلاة الصبح مباشرةً… إذهب وانتظره هناك.
- حسناً يا بيك، ولكن لم لا تتصل به هاتفياً.
- ماذا تقول!… لا يجوز حل القضايا الجديّة والحساسة بالهاتف، هيا إذهب وقل له كل شيء هيا اذهب ولا تتكاسل، ما هؤلاء القوم لقد فقدوا دينهم وضميرهم، أستغفر الله يسكنون في شقة مكيّفة صيفاً شتاء وبألف وثمانمائة ليرة.
أمين أفندي كان يعرف تماماً أنه لن يستخدم الهاتف ولن يدفع ليرة واحدة إجرة المخابرة حتى لو دفع أمين أفندي إجرة الطريق من جيبه الخاص. حمزة بيك هذا كان من أصحاب الملايين، لديه معمل يديره إبنه وحصص في مصرفين إثنين حيث أن حصته في الأول عشرون مليون ليرة وفي الآخر ثلاثة ملايين ونصف المليون من الليرات. بالإضافة إلى مصنع لإنتاج الصابون يديره حفيده. هذا ما عدا الشقق الكثيرة، خاصةً العمارة التي بناها العام الماضي، عمارة مثل المدينة ذات ثمان وعشرين شقة. هذا عدا عن سوق تجاري كامل في الطابق الأول.
ذات يوم وبينما كان أمين أفندي يتناول طعام الغداء سمع طرقات متتالية على النافذة وبعدها سمع صوت يقول:
- أمين أفندي، أمين أفندي.
فتح الباب وإذ حمزة بيك هو الطارق:
- تفضل يا بيك.
- شكراً يا أمين أفندي، ولكن بينما كنت أصلي صلاة الظهر.
- تقبل الله يا بيك.
- هل تعلم ماذا خطر ببالي، تماماً وأنا في حالة السجود؟
- ماذا يا بيك؟
- في الصباح مررت بنيخو صاحب محل الفطائر تصوّر يا أمين أفندي أنه لا يستطيع تلبية طلبات الزبائن، مثل خلية النحل، تصوّر أن زوجته تساعده في المحل ولكن دون جدوى، كم إيراد المحل يومياً، أموال مثل الكشك، بالله عليك هل أنا على حق، أنا أحمق هاه؟ لا حول ولا قوة إلا بالله أستغفر الله، لا يجب أن أرفع الأجرة… هل إنتفت الأخلاق . إذهب وقل لنيخو، هذا الكافر، بأن أجرة المحل أصبحت واعتبارً من هذا الشهر ألفا ليرة، هل فهمت؟ قل له ذلك كي لا تدخل في متاهات المحاكم. كان سيفسد صلاتي هذا الكافر، لعنة الله عليك يا نيخو…
حمزة بيك، وحسب البطاقة الشخصية، في الثانية والسبعين إلا أنه كان يحاول إظهار نفسه أكبر من ذلك كثيراً. يقول أنه في الخامسة والثمانين، ومنذ أن بلغ الخمسين عاماً راح يردد عبارة إحدى قدماي في القبر لأنه كان يفكر أن إطالة العمر يعني الوقار والاحترام.
ذات يوم راح حمزة بيك، القاطن في الطابق السادس، يصرخ بأعلى صوته:
- أمين أفندي…
كان يصرخ على الرغم من وجود جرس كهربائي يصل ما بين شقته وبين أمين أفندي ولكن لم الجرس الكهربائي والتبذير؟.
أطلّ أمين أفندي من نافذة بيته قائلاً:
- أمرك يا بيك.
- هيا اصعد إليّ.
صعد أمين أفندي ستة طوابق مثل لمح البصر، بينما كان حمزة بيك في انتظاره.
- يهو: يا أمين أفندي بينما كنت أصلي صلاة العصر… الله يتقبل مني… هل تعلم ماذا تذكرت؟…
- يهو… ومن أين لي أن أعرف…؟
- الله، الله… ألم أقل لك.. صبرك يا أيوب. ألا يستطيع المرء الوقوف بين يديه مرتاح البال… ماذا قلت لك؟… ألم أخبرك ما جرى للخط الكهربائي الذي ينير الدرج… هيا إذهب إلى جميع القاطنين واجمع من كل واحد خمس عشرة ليرة كي أصلح الخط… آه يا أمين أفندي كم هو رائع أنني تذكرت ذلك.. هل جمعت المبلغ أم نسيت مثل كل مرة؟ هيا اذهب إليهم واجمع منهم المبلغ المطلوب، أو قل لهم أن يبحثوا عن الشخص الذي خرب خط الإنارة كي يصلحه على نفقته… البدو… يسكنون بشقق فخمة مكيفة.. والله لم يبق سوى أن أوزع عليهم مصاريفهم اليومية… أستغفرك يا رب… أنت الوحيد يا ربي العارف بعذابي… قل لهم أن حمزة بيك لن يصلح التيار ما لم تدفعوا ما عليكم، هيا إذهب وقل لهم ذلك… إن الله مع الصابرين.
ذات مرة أتى خادم حمزة بيك إلى بيت أمين يخبره بأن حمزة بيك بانتظاره، ولإنشغال أمين أفندي بحلاقة ذقنه، قل له أن البيك بانتظاره وعليك الصعود إليه بعد الانتهاء من حلاقة ذقنك.
صعد أمين أفندي من فوره يستطلع الأمر قائلاً:
- أمرك يا بيك لقد شغلت بالي.
- يهوه يا أمين أفندي الله يتقبل صلاتي وبينما كنت أصلي صلاة العشاء فجأة هل تدري ماذا تذكرت؟.
- ماذا يا بيك؟.
- بعد الغداء مررت بصاحبنا كامل بيك صاحب مخزن تجارة الأجواخ وسألته عن أحوال العمل، أجابني جامد السوق، واقف لا بيع ولا شراء!.. ولك هل شظن أنني أحمقاً أو معتوهاً، أليس لديه غير هذا الرد، أوف لقد فقد الانسان مصداقيته وأمانته تصور، مخزنه مليء بشتى أنواع المنسوجات والأجواخ والرجل يشكو من قلة البيع والشراء هل تعلم لماذا يا أمين أفندي؟ يقول ذلك حتى لا أرفع إجرة المخزن، لا والله لن أدعه يسرقني. تصوّر يا أمين أفندي مخزن كبير بألفي ليرة، لا والله لن أدعه يخدعني هل فهمت؟ تصور كل ما أدخل إليه يدعو ربه كي لا يأتي إليه أحد حتى لا أراه يعمل، ولو دخل أي زبون كان يعتذر عن بيعه لعدم توفر المطلوب. إنهم بلا ضمير يا أمين أفندي بلا إيمان، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. لقد ارتفع ضغط دمي ثانية.. آه يا أمين أفندي، ماذا أفعل مع هؤلاء المستأجرين، سيقتلوني.. تصور أنني أتذكرهم في حضرته عز وجل… هيا يا أمين أفندي. إذهب إليه وقل له: “طالما أنك تخسر في المخزن لمَ لا تخرج وتسلم المخزن ها؟” أنا لا أحب الضرر لأحد لأن إحدى قدماي في القبر… قل لعديم الضمير “كامل بيك” أن هناك من سيدفع 50 ألف ليرة فروغاً للمحل… وسلفة مقدمة عن عام بحدود خمسة آلاف ليرة، قل له أن يخلي المحل أو ستصبح الأجرة ثلاثة آلاف ليرة.
اضطرب حمزة بيك وأخذ يصرخ بأعلى صوته سيقتلوني أنا الرجل العجوز ، ها قد بدأت بالرجفان هل سيدفعون لي ثمن الدواء فيما لو مرضت؟
سمع أمين صوت الجرس الكهربائي بينما كان يهم بالدخول إلى غرفة النوم ومن المعروف أن الجرس الكهربائي كان يستخدم في الليل فقط لدعوته، لذلك إرتدى ثيابه وصعد مسرعاً كأنما لدغته أفعى.
- أمين أفندي…
- نعم يا بيك.
- ليتقبل الله صلاتي، هل تعلم ماذا تذكرت في صلاة العشاء؟ عزيزي أمين لا تشغل جهاز التدفئة غداً. الطقس والحمد لله لم يعد بارداً. ما شاء الله سيكون فصل الصيف في هذا العام حاراً، لقد نظرت إلى التقويم وجدت أن طيور السنونو ستمر غداً من فوق بلادنا… لم التدفئة المركزية؟ حرام… سيحاسبنا الله على تبذيرنا سيسألني الله يوم القيامة يا عبدي لقد أرسلت لك طيور السنونو مبشرةً بقدوم فصل الصيف وأنت ما زلت تشغل جهاز التدفئة، حرام إن الله لا يحب المبذرين، لذلك لا تشغل جهاز التدفئة غداً فأنا أخاف الله، قل لهم لقد انتهى فصل الشتاء. أمين أفندي لقد سمعت أحوال الطقس من المذياع عندما كنت أصلي، لقد أذاعوا بأن سرعة الرياح ستكون طبيعية وأن درجة الحرارة ستتجاوز الخمس مئوية.
أوف يا ربي ، المسألة مسألة نهب واحتيال، يدفعون مائتي ليرة مقابل تشغيل جهاز التدفئة وكأ،هم بذلك يريدون تشغيل التدفئة ليلاً نهاراً آه يا ربي ألهمني الصبر. آه آه… وحتى المياه الساخنة إقطعها عنهم، ومن لا يعجبه هذا الاجراء ليخرج من البيت، لأنني لا أجبر أحد على البقاء في بيتي. مثلما عليه الحال كل يوم طرق الباب:
- أمين أفندي، أمين أفندي…
أردف إثر هذا الصباح بمعزوفته اليومية والتي تتجلى بالسعال الجاف. فتح أمين أفندي الباب وهو يرتدي بنطاله:
- تفضل يا بيك.
ليتقبل الله صلاتي، بينما كنت بين يدي الله في صلاة الصبح، قلت في نفسي طالما أنهم يسكنون مرتاحي البال ها ه ه ه؟… خطرت ببالي فكرة، لمَ لا أعلن عن بيع البناء برمته، إعلان كاذب وهكذا سيتوافد الزبائن ليتفحصوا الشقق، ألن يدفعوا نقوداً مقابل شراء الشقق؟ لذا من حقهم تفحص ما يودون شراءه. من الطبيعي لن يأتي الزبون لوحده بل مع زوجته وأولاده ليشاطروه الرأي. أمين أفندي… سأعلن عن بيع البناء بأسعار متهاودة جداً كي أجلب الزبائن وهكذا سيتدفق الزبائن، وبذلك سيفتح قاطنو الشقق أبوابهم مرات عديدة، قل ثلاثين مرة على أقل تقدير يومياً كي يدخلوا ويتفحصوا ، نعم ثلاثون مرة سيدخلون ويخرجون، هل فهمت؟ وهكذا سنخرجهم من جلودهم طوال العام، سنعيشهم على القلق ما بين الاستقبال والوداع ولن يستطيعوا الإعراب عن إستيائهم لأن الشقق ملكي ومن حقي البيع والشراء.
لقد أتعبوني يا أمين أفندي، لذلك علينا مضايقتهم كي يخرجوا من هنا؟ كيف؟ أليست فكرة ذكية هاه؟ وبذلك نرغمهم على الإخلاء وبشكل غير مباشر، فأنا يا أمين كما تعلم طيب القلب تصور يا أمين أن هذه الأفكار تراودني أثناء الصلاة.
بينما كان أمين أفندي منهمكاً بمسح جدران الدرج صدفه حمزة بيك قادماً من الزقاق.
- أمين أفندي، انظر واسمعني جيداً ها أنا ذا قادم من المسجد بعدما أديت صلاة الجمعة، الله يتقبل مني صلاتي، هل تعلم يا أمين أفندي ما تذكرت عندما كنت أصلي؟ لقد تذكرت أولئك القاطنين في الشقة الثامنة؟ لقد نسيت إخبارك بأن المياه تتسرب من عندهم طوال الليل، لقد خربوا ماسورة المياه إنهم سيهدمون عمارتي… فأنا إحدى قدماي في القبر.. لقد.. صلاة الجمعة بسببهم… أفهمت؟ هذه العمارة ليست ملك كفار، قل لهم أن حمزة بيك يرغب أن تدفعوا له أجرة سنوية سلفاً، سلفاً، هل فهمت… لأنك لن تجد هذه الأيام شقة يمئتي ليرة، تصور يا أمين أفندي أنهم خربوا الحديقة، آه منهم، إن ما فعلوه تعجز عنه قوات الاحتلال.
- أمين أفندي، أمين أفندي.
- نعم يا بيك.
إنني قادم من صلاة العيد، الله يتقبل مني، لقد راودتني فكرة أثناء الصلاة ولكن ما هي يا ربي؟… آه لقد نسيت ما أود قوله… إن تصرفات أولئك المستأجرين ستزهق عقلي. آه شيئاً ما كنت أود إعلامك به تصوّر كنت في حالة الركوع عندما تذكرت ولكن ما هو…؟ لقد أخذوا عقلي… آه نعم لقد تذكرت، عندما كنت أصلي ، الله يتقبل مني، تذكرت أولئك القاطنين في الشقة الثالثة، خدعوني، تصور لقد قالوا بأن ليس لديهم أولاد، وإذ بهم يرزقون بولد بعد ثلاثة أشهر من سكنهم وهكذا في كل سنة، هذا ل يجوز يا أمين أفندي، قال الله إن الكذب ممنوع في الدين الاسلامي، آه يا أمين أفندي لقد تذكرت ذلك وأنا في حضرة الله، قل لهم أنني أمهلهم مدة شهر كي يجدوا شقة أخرى. إقطع عنهم الماء وتحجج لهم بأن المواسير مكسورة، ما هذا طفل في كل عام!.. وهل افتتحت بيتي داراً لحضانة الأطفال أن أعشاش لهم، أوف ألا يستطيع المرء أن يقف بين يدي الله مرتاحاً،أوف يا أمين أفندي حتى صباح هذا اليوم المبارك يشغلون تفكيري.
صعد أمين أفندي الذي يعمل بواباً منذ أربع عشرة سنة إلى الشقة السادسة وقرع بابها، سأل الخادم…
- أين البيك؟.
- يصلي…
دخل غرفة الانتظار وقال للخادم:
- عندما ينهي صلاته أخبره بأنني هنا.
بعد لحظات دخل حمزة بيك غرفة الانتظار وقال:
- يا للمصادفة، كنت سأرسل خلفك لأقول لك منذ قليل بينما أنا بين يدي الله…
رفع أمين أفندي يده مشيراً لحمزة بيك بالتوقف عن الكلام:
- قبل أن تقول لي ماذا تذكرت أثناء الصلاة سأقول لك بأنني قبل لحظات دخلت المرحاض وبينما أنا هناك قلت بيني وبين نفسي لمَ ينزعج بيكنا؟ لم؟ قلت أفضل شيء، لم لا يبيع هذه العمارة ويستريح من هم المستأجرين ، هكذا فجأة ولكن هذا الشيطان الملعون قاتله الله. قلت، عفوك يا بيك، هذا القواد يملك العمارات ، هذا الكافر يملك الملايين هذا عديم الضمير يملك المعامل، ولك هذا الشيخ الهرم قدميه الاثنتين في القبر، هل فهمت؟ هكذا والله يا بيك، خطرت ببالي بينما كنت في المرحاض، أموال لا تأكلها النيران. أوف إنه لا يريحني حتى في المرحاض!!
إصفر لون وجه حمزة بيك، ويداه أخذتا بالرجفان وخار على الأريكة.
- أمين أفندي، لا تصدق ما أوحاه لك الشيطان، نعم أملك الكثير من الأموال والعقارات ولكن لو بعت هذه العقارات فإني سأموت نعم سأموت يا أمين أفندي لأنني اعتدت على المشاجرة مع أولئك المستأجرين. ماذا أفعل؟
في اليوم التالي اقترب حمزة بيك من مقهى الحي وكأنه يعرف أن أمين البواب موجود فيه، ولعل ما زاد استغرابه أن ذاك الوقت لا يصادف أي موعد للصلاة، وكما هو معروف أن حمزة بيك لا يتذكر الأشياء إلا أثناء الصلاة:
- أبحث عنك يا أمين أفندي، أين أنت منذ ساعة، فاليوم أنا معكر المزاج.
بالفعل، مظهره الخارجي كان يدل على ذلك، صوته يرتجف كالباكي.
- أوف يا أمين أفندي لقد واريت صديقي، بل أعز أصدقائي، الثرى وها أنا ذا قادم من الجنازة. إيه هذا مصير الانسان، إنا لله وإنا إليه لراجعون. ولكن أتدري ما خطر ببالي أثناء صلاة الجنازة؟ لقد قدم إليّ أحدهم وطلب مني أن أقبله بواباً للعمارة وأن يدفع ثلاثة آلاف ليرة شهرياً، تصوّر يا أمين أفندي، سيدفع كي يعمل بواباً وأنا لا آخذ منك ولا متليكاً واحداً.
قال أمين البواب:
- حسناً ، ليأتي ذلك الرجل وليستلم البيت الذي أسكنه وليستلم العمل وأنا ذاهب لأجمع حوائجي.
استغرب حمزة بيك تصرفه كثيراً بل إنه لم يصدق ما يحدث أمامه..
- كيف ، الآن، ولماذا؟..
- نعم حالاً.
- هكذا بكل بساطة دون أن تغضب أو تنزعج، وتعويضاتك عن خدماتك، هكذا دون محامي وقاضي حتى دون مخافر!
- لا أريد قلت لك لا أريد، سأذهب وأجمع حوائجي.
- يا خسارة الدنيا، لم يعد لها طعم ولا لون. آه، لأذهب، إذ حان موعد صلاة العصر.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة Dr Rabie في الجمعة يوليو 07, 2006 8:51 pm

نووووووووووووووووووووووووووووور المبدعة شكرا لك

بالفعل صعقت من شدة الصدمة , فقد وضعت الموضوع كمقدمة و عندي 3 قصص قصيرة كنت قررت أن أقوم بتنزيلها عندما أجلس في المساء على النت , و لكن المفاجأة أن نووور و كعادتها قامت بإغناء الموضوع بالردود الرائعة و بعدد كبير من القصص الرائعة للكاتب الرائع

شكرا مرة أخرى لك و شكرا لجميع مشتركينا الذواقين للأدب و العلوم و السياسة و المعلومات و الرياضة و بالفعل أنتم ثروة لهذا المنتدى الذي كبر معكم و بكم و أصبح موسوعة غنية نفتخر بها أمام الجميع
____
صورة العضو
Dr Rabie
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 858
اشترك في: الأحد ديسمبر 05, 2004 3:05 am

السابق

العودة إلى مكتبة المتن الالكترونية

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron