• اخر المشاركات

منع الأزمة المصرفية القادمة في أوروبا

أخبار سياسية و اقتصادية , دراسات و تحليلات

المشرفون: noooooooooooor, ali

منع الأزمة المصرفية القادمة في أوروبا

مشاركةبواسطة noooooooooooor في السبت إبريل 19, 2008 9:00 pm

منع الأزمة المصرفية القادمة في أوروبا

مع استمرار توابع زلزال الرهن العقاري الثانوي في الولايات المتحدة، تتعاظم الشكوك بشأن قدرة أوروبا علي التعامل مع أزمة مالية واسعة النطاق. لقد أدت الانحرافات الشديدة في التنظيمات المصرفية في ألمانيا، وبريطانيا، وربما في فرنسا إلي إلحاق الضرر بمصداقية الهيئات الإشرافية الوطنية. إلا أن هذا يمثل جزءاً من المشكلة. فما زال الاتحاد الأوروبي غير مؤهل وغير مجهز للتعامل مع الأزمة التي لم تقع بعد: أي الأزمة العابرة للحدود والناتجة عن زيادة الاعتماد المتبادل بين البنوك في الاتحاد الأوروبي.

بدأ التكامل المالي الجاد في الاتحاد الأوروبي أثناء فترة ثمانينيات القرن العشرين، ولقد قطعت المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي أشواطاً بعيدة في إصلاح القطاع المالي. ومن بين المعالم البارزة في هذا السياق القرارات التي اتخذت أثناء الفترة من العام 1986 إلي العام 1988 لإزالة كافة القيود المفروضة علي تدفق رؤوس الأموال عبر الحدود، وإطلاق خطة عمل تشريع الخدمات المالية في العام 1999. ومنذ تقديم عملة اليورو تحولت بسرعة إلي العملة الثانية من حيث الأهمية علي مستوي العالم بعد الدولار.

قد لا يكون من الواضح بنفس القدر أن قرار الاتحاد الأوروبي بتبني المعايير الدولية للإقرارات المالية في الفترة من العام 2000 إلي العام 2002 كان سبباً في تحرك غير عادي نحو التوفيق بين القواعد المحاسبية المختلفة علي مستوي العالم. وفي نفس الوقت عملت المفوضية علي ترسيخ عملية حماية المنافسة في القطاع المصرفي وخاصة في البرتغال، وألمانيا، وإيطاليا، وبولندا الأمر الذي أنهي العصر الذي اتسم بالنزوع إلي الحماية المتخفية تحت قناع الانضباط المتعقل؛ ولقد ساعد هذا في تحفيز التكامل المالي عبر الحدود إلي درجة غير مسبوقة في البلدان ذات الأنظمة الاقتصادية المتقدمة.

جاءت هذه الإنجازات أثناء فترة من الاستقرار الملحوظ في الأسواق المالية الأوروبية. وحتي أثناء الأيام المظلمة التي شهدها النظام النقدي الأوروبي طيلة العام المالي 1992-1993، بدت أوروبا وكأنها ملاذ آمن وسط عالم مالي غير مستقر. فقد عانت العديد من البلدان خارج الاتحاد الأوروبي من الأزمات المصرفية، بما في ذلك البلدان المجاورة مثل النرويج، والسويد، وفنلندا، وتركيا، فضلاً عن العديد من بلدان أوروبا الشرقية أثناء انتقالها من الشيوعية إلي نظام السوق.

وفي المقابل، لم تسفر أخطر الأزمات المصرفية داخل المجلس الأوروبي أثناء فترة التسعينيات بما في ذلك أزمة بنك الائتمان والتجارة الدولي، وأزمة كريديت ليونيز، وأزمة بارينغز إلا عن تكاليف مالية محدودة نسبياً وتأثير ضئيل علي النمو. وفي وقت لاحق، كانت الفضائح الخاصة بحوكمة الشركات في آسيا ثم في الولايات المتحدة، وخاصة بعد انفجار فقاعة الإنترنت والانهيارات المحاسبية في إنرون وورلد كوم وغيرها، سبباً في تشجيع الأوروبيين علي الاعتقاد بأن "القارة القديمة" نجحت علي نحو ما في الحفاظ علي معايير أرفع.

ثم جاءت العاصفة التي أحدثتها أزمة الرهن العقاري الثانوي لكي تنهي هذا الجو من الرضا عن الذات. ومن وجهة نظر السياسة العامة كان من الممكن إدراك ثلاث نقاط في أعقاب هذه الأزمة.

كانت النقطة الأولي تشكل نبأً طيباً: ألا وهو أن البنك المركزي الأوروبي نجح في إثبات ذاته باعتباره ملاذاً أخيراً للإقراض بالنسبة للنظام المالي الأوروبي. فحين بدأت الأزمة في الاشتداد في شهر أغسطس 2007، جاء رد البنك المركزي الأوروبي سريعاً فتدخل كلما رأي أن سوق الإنتربانك في حاجة إلي الدعم. وقد كان ذلك مفيداً للبنوك في منطقة اليورو وغيرها. وفي المقابل كان عزوف بنك إنجلترا عن ضخ السيولة بسبب مخاوفه المرتبطة ب"المخاطر الأخلاقية" اختياراً رديئاً.

وتتلخص النقطة الثانية في عجز النظام الإشرافي المصرفي الوطني في أوروبا عن الوفاء بالمتطلبات علي النحو الذي جعل مصداقيته الآن موضع تساؤل. ففي ألمانيا كانت السلطات متسامحة إلي حد يثير الشفقة مع تورط البنوك التجارية في الاستثمار في السندات المعقدة المدعومة بالأصول، والتي ظلت خارج دفاتر موازنة هذه البنوك عن طريق ما أطلق عليه عمليات "الوساطة" في أيرلندا.

وحتي لو كانت البنوك الألمانية الثلاثة الأكثر تضرراً بأزمة الائتمان ساكسن إل بي، وآي كيه بي، ووست إل بي قد التزمت فنياً بمتطلبات الكفاية الخاصة برأس المال، فإن عمليات "الوساطة" التي تورطت فيها كانت تشكل عامل مجازفة مرتفعا للغاية، حيث بلغ 30% و20% و13% من إجمالي أصولها علي التوالي. وكان الأمر يتطلب قدراً أعظم من الإشراف القوي.

وفي بريطانيا، كان انهيار بنك نورثرن روك سبباً في تسليط الضوء علي المشاكل المرتبطة بالهيئات الثلاث المسئولة عن الاستقرار المالي: وزارة المالية، وهيئة الخدمات المالية، وبنك إنجلترا. وفي فرنسا ألقيت الشكوك علي الضوابط الخاصة بالمجازفة في بنوك الاستثمار الكبري بنك كاليون أولاً، ثم بنك ناتيكسس، ثم في يناير 2008، بنك سوسيتيه جنرال.

النقطة الثالثة والأخيرة ترتبط بالضوء الذي سلطته الاضطرابات المالية الحالية علي المشكلة القديمة الملحة التي تعاني منها أوروبا: والتي تتلخص في الافتقار إلي الترتيبات الجديرة بالثقة فيما يتصل بإدارة الأزمات المصرفية عبر الحدود. فحتي وقت قريب كانت أغلب البنوك تركز علي البلد الأصلي، وعلي هذا فقد ارتفعت معدلات المجازفة إلي حد كبير في ظل الأنظمة الإشرافية الوطنية.

بيد أن البنوك الأوروبية عملت علي توسيع عملياتها بصورة جذرية عبر الاتحاد الأوروبي. فمنذ عشرة أعوام كانت الأصول غير المحلية تشكل سدس إجمالي الأصول الأوروبية لدي أكبر البنوك في الاتحاد الأوروبي؛ أما اليوم فقد وصلت هذه النسبة إلي الثلث. وفي المقابل، لم تتغير نسبة الأصول المملوكة خارج الاتحاد الأوروبي تقريباً.

من المرجح أن تستمر عمليات الاندماج والاستحواذ بسرعة بمجرد انتهاء الاضطرابات الحالية التي تعاني منها السوق، الأمر الذي لابد وأن يؤدي إلي زيادة احتمالات حدوث أزمة مصرفية كبري عبر الحدود. والحقيقة أن النظرية الاقتصادية والخبرات السابقة تؤكد أن الهيئات التنظيمية الوطنية المتناثرة التي تواجه ضغوطاً متضاربة لن تتمكن من التعامل مع مثل هذه الأزمات بكفاءة. وفي غياب إطار العمل الإشرافي الأكثر ميلاً إلي المركزية لعدد محدود من البنوك الدولية الكبري، فمن المرجح أن تكون التكاليف المترتبة علي أي أزمة عبر حدودية يتورط فيها أي من هذه البنوك في المستقبل أضخم من أن يستطيع الاقتصاد الأوروبي أن يتحملها.

هذا يعني أننا لدينا العديد من الأسباب الوجيهة التي تدفعنا إلي وضع المناقشات بشأن إنشاء مؤسسات إشرافية جديدة علي مستوي الاتحاد الأوروبي علي رأس أولويات الأجندة السياسية. ولابد من اتخاذ القرار بشأن الترتيبات الصارمة اللازمة. بيد أن هذه الترتيبات لابد وأن تسمح باتخاذ القرار بصورة أفضل وأكثر اطلاعاً، وأن تحترم في نفس الوقت الحقوق المالية الوطنية. إن وجود نظام مؤسس علي تفويض محدود قد يكون أكثر كفاءة وأقل إثارة للجدال مقارنة بوجود عدد من الهيئات التنظيمية المالية ذات التفويض الشامل. ولن يخلو الأمر من بروز بعض القضايا السياسية والفنية المعقدة، وبالتالي إيجاد الحلول لهذه المشاكل، إلا أن الفوضي الائتمانية الحالية كانت سبباً في توليد شعور جديد بخطورة الأمر وضرورة التحرك العاجل. وحتي بريطانيا، الخصم اللدود للهيئات التنظيمية المالية في الاتحاد الأوروبي، قد تدرك في النهاية أن الإصلاح من شأنه أن يحقق مصالحها باعتبارها المركز المالي لأوروبا علي نحو أفضل.

تحضرني هنا العبارة الشهيرة التي جاءت علي لسان والتر باجوت: "إن المال لا يدير نفسه". إذ أن القطاع الخاص لا يستطيع أن يعمل بمفرده علي حل هذه الفوضي المالية؛ فهو يحتاج إلي الدعم من جانب المؤسسات العامة. وإن كنا نريد للنظام المالي الأوروبي أن يحقق غاياته علي النحو الأمثل فلابد وأن ندرك أكثر من أي وقت مضي الحاجة الملحة إلي إيجاد نظام إشرافي مستحدث يقوم عليه الاتحاد الأوروبي.
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

العودة إلى سياسة و أخبار عربية وعالمية

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: Google [Bot] و 9 زائر/زوار