• اخر المشاركات

مجموغة رائعة من أعمال الأديب العالمي جبران خليل جبران

كلمات ليست ككل الكلمات ... كلمات تنساب عبر الروح

المشرف: إدارة الموقع

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:40 pm

أَعْطِني النَّايَ وَغَنِّ






أعطنــــي النَّــــايَ وَغَـــنِّ فالغِنَــــا سِــــرُّ الخــــلود



وأنيــــنُ النَّــــايِ يبقــــى بعــــد أن يفنـــى الوجـــود



هـــل تَخِــذْتَ الغــابَ مِثــلي مــــــنزلاً دون القُصُـــــور



فَتَتَبَّعْـــــــتَ الســــــواقي وتســــــلَّقْتَ الصخـــــور?



هــــل تحــــمَّمْتَ بعِطـــرٍ وتَنَشَّـــــــفْتَ بنـــــــور



وَشَــــرِبْتَ الفَجْـــرَ خَـــمْرًا فـــي كـــؤوسٍ مِــنْ أثــير?



هــل جَلَسْــتَ العَصْــرَ مثــلي بيــــنَ جَفْنَــــاتِ العِنَــــب



والعنـــــــاقيدُ تــــــدلَّت كَثُرَيَّــــــاتِ الــــــذَّهَب?



فَهْــــيَ لِلصَّــــادي عُيُـــونٌ وَلِمَــــنْ جَــــاعَ الطعــــام



وهـــي شَـــهْدٌ وَهْــيَ عِطْــرٌ وَلِمَــــن شَــــاءَ المُــــدَام



أعطنــــي النَّــــايَ وَغَـــنّ فالغنــــا عــــزمُ النفـــوس



وأَنيــــنُ النَّــــايِ يبقــــى بَعْــــدَ أَن تَفْنَـــى الشـــموس



أعطنــــي النَّــــايَ وَغَـــنّ فالغنــــا خــــيرُ العُلُــــوم



وأنيــــنُ النَّــــايِ يبقــــى بعــــد أن تُطْفَــــا النجـــوم



هـــل فَرَشْــتَ العشــبَ ليــلاً وَتَلَحَّـــــــفْتَ الفَضَــــــا



زاهِـــدًا فـــي مـــا ســيأتي ناســـيا مـــا قـــد مضــى



وســــكون الليــــل بَحْـــرٌ موجُــــه فــــي مَسْـــمَعك



وبِصَــــدْرِ اللَّيــــلِ قلـــبٌ خَــــافِقٌ فـــي مَضْجَـــعك?



أَعطِنــــي النَّــــايَ وَغَـــنِّ فالغِنَــــا خَــــيْرُ الصَّـــلاَة



وأنيــــنُ النَّــــايِ يَبْقَــــى بَعْــــدَ أَن تَفْنَــــى الحَيَـــاة
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:42 pm

أمام عرش الجمال



هربتُ من الاجتماع وهِمْتُ في ذاك الوادي الواسع...


مصغيًا إلى محاورات العصافير... وجلستُ أسامِرُ وَحْدَتي وأناجي نفسي.


نفس ظامئة رأت كل ما يرى سرابًا وكل ما لا يرى شرابًا.


ولما انطَلَقَتْ عاقِلَتي من محبس المادة إلى فضاء الخيال,


التفتُّ فإذا... حورية لم تتخذ من الحلي والحلل سوى غصن من الكرمة تستر


به بعضَ قامَتِها, وإكليلٍ من الشقيق يجمع شعرها الذهبي...


وإذ عَلمَتْ من نظراتي أنني مسلوب الفجأة والحيرة, قالت:


أنا ابنة الأحراج فلا تجزع.


... أنا رمز الطبيعة.


أنا العذراء التي عبدها آباؤك فبنوا لها مذابح وهياكل في بعلبك وأفقا وجبيل...


أما ألوهيتي فهي مستمدة من جمال تراه كيفما حولت عينيك.


جمال هو الطبيعة بأسرها.


جمال كان بدء سعادة الراعي بين الربى,


والقروي بين الحقول,


والعشائر الرحل بين الجبل والساحل.


جمال كان للحكيم مرقاة إلى عرش حقيقة لا تجرح.


قلتُ ودقاتُ قلبي تقول ما لا يعرفه اللسان:


إن الجمال قوة مخيفة رهيبة.


فقالت وعلى شفتيها ابتسامة الأزهار,


وفي نَظَرِها أسرارُ الحياة:


أنتم البشر تخافون كل شيء حتى ذواتكم.


تخافون السماء وهي منبع الأمن.


تخافون الطبيعة وهي مرقد الراحة...


وبعد سكينة مازَجَتْهَا الأَحلامُ اللَّطيفة سألتها:


ما هذا الجمال...?


قالت:


هو ما كان بنفسك جاذب إليه.


هو ما تراه وتودُّ أن تُعطِي لا أن تأخذ.


هو ما شَعَرْتَ, عند ملقاه, بأيد ممدودةٍ لضمّه إلى أعماقك.


هو ما تحسبه الأجسام محنة والأرواح منحة.


هو ألفة بين الحزن والفرح.


هو ما تراه محجوبًا وتعرفه مجهولاً وتسمعه صامتًا.


هو قوة تبتدئ في قدس أقداس ذاتك وتنتهي فيما وراء تخيلاتك...


واقتَرَبَت ابنَةُ الأحراج منِّي,


ووضعت يدها المُعَطَّرة على عيني, ولما رَفَعَتْهَا رأيْتُنِي وحيدًا في ذلك الوادي.


فرجعت ونفسي مردّدة:


إن الجمال هو ما تراه وتود أن تعطي لا أن تأخذ


فقرات من مقال في كتاب (دمعة وابتسامة)



بين الحقيقة والخيال



تحْملنا الحياة من مكان إلى مكان.


وتنتقل بنا التقادير من محيط إلى آخر...


ونحن لا نرى إِلاَّ ما وَقَفَ عثرة في سبيل سيرنا


ولا نسمع سوى صوتٍ يخيفنا.


يتجلى لنا الجمال على كرسي مجده فنقترب منه.


وباسم الشوق ندنّس أذياله,


ونخلع عنه تاج طهره.


يمرُّ بنا الحبُّ مكتسيًا ثوبَ الوداعة, فنخافه ونختبئ في


مغاور الظلمة, أو نتبعه ونفعل باسمه الشرور. والحكيم


بيننا يحمّله نيرًا ثقيلاً وهو ألطف من أنفاس الأزهار


وأرق من نسيماتِ لبنان.


تقف الحكمة في منعطفات الشوارع,


وتنادينا على رؤوس الأشهاد,


فنحسبها بُطلاً ونحتقر متَّبِعِيها.


تدعونا الحرية إلى مائدتها لنلتذَّ بخمرها وأطعمتها, فنذهب ونشره...


فتصير تلك المائدة مسرحًا للابتذال ومجالاً لاحتقار الذات.


تمدُّ الطبيعَةُ نحونا يد الولاء,


وتطلب منا أن نتمتع بجمالها, فنخشى سكينتها ونلتجئ


إلى المدينة, وهناك نتكاثر بعضُنَا على بعض كقطيع رأى ذئبًا خاطفًا.


تزورنا الحقيقة منقادة بابتسامة طفل, أو قبلة محبوبة,


فنوصد دونها أبواب عواطفنا ونغادرها كمجرم دنس


القلب البشري يستنجد بنا,


والنفس تنادينا...


ونحن أشدُّ صَمَمًا من الجماد لا نعي ولا نفهم.


وإذا ما سمع أحد صراخ قلبه ونداء نفسه, قلنا:


هذا ذو جِنَّة, وتبرَّأنا منه.


هكذا تمر الليالي ونحن غافلون.


وتُصَافِحُنَا الأيَّامُ ونحن خائفون من الليالي والأيام.


نقترب من التراب,


والآلهة تنتمي إلينا.


ونمرُّ على خبز الحياة, والمجاعة تتغذى من قوانا.


فما أحب الحياة إلينا,


وما أبعَدَنَا عن الحياة


مقال من كتاب (دمعة وابتسامة)



ابتهال للموسيقى



أيتها الموسيقى!


يا (أوتربي) المقدسة.


لقد رقصت أَخَوَاتُكِ الفنونُ فيما غبر من الأجيال زمنًا


وَوُضِعْن في معاقل النسيان آخر...


وأنتِ تهزئين بهنّ,


ولم تتنازلي عن مسرح النفس يومًا واحدًا,


كأنَّك صدى القبلة الأولى التي وضعها آدم على شفتيْ حوَّاء.


صدًى له صدًى له صدى تتناقل وتتناسخ وتكتنف الكلّ وتحيا بالكلّ...


يا بْنة النفس والمحبة.


يا إناء مرارة الغرام وحلاوته.


يا أخيِلةَ القلب البشري.


يا ثمرَةَ الحزن وزهرةَ الفرح.


يا رائحةً متصاعدة من طاقة زهور المشاعر المضمومة.


يا لسان المحبين ومذيعة أسرار العاشقين.


يا صائغة الدموع من العواطف المكنونة.


يا موحِيَةَ الشّعر ومنظّمَةَ عقودِ الأوزان.


يا موحّدة الأفكار مع نتف الكلام,


ومؤلّفةَ المشاعر من مؤثِّرات الجمال...


ياأيتها التموّجات الأثيريَّة الحاملة أشباح النفس...


إلى أمواجِكِ نُسَلّم أنفُسَنَا


وفي أعماقك نستودع قلوبنا,


فاحمليها إلى ما وراء المادّة


وأَرِينَا ما تُكِنُّه عوالم الغيب


فقرات كتاب (الموسيقى)
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:44 pm

رسائل جبران خليل جبران الى مي زيادة

تحقيق وتقديم:
سلمى حفار الكزبري
والدكتور سهيل بشروني



نيويورك 2 كانون الثاني 1914

حضرة الأديبة الفاضلة.

قد فكرت بأمور كثيرة في تلك الشهور الخرساء التي مرت بدون خطاب ولا جواب ولكنه لم يخطر على بالي كونك " شريرة" أما الآن وقد صرّحت لي بوجود الشر في روحك فلا يجمل بي سوى تصديقك فأنا أصدق وأثق بكل كلمة تقولينها لي ! أنت بالطبع تفتخرين بقولك – أنا شريرة – ويحق لك الافتخار لأن الشر قوة تضارع الخير بعزمها وتأثيرها . ولكن اسمحي لي أن أقول لك مصرحاً بأنك مهما تماديت بالشر فلا تبلغين نصف ما بلغته فأنا شرير كالأشباح الساكنة في كهوف الجحيم بل أنا شرير كالروح السوداء التي تحرس أبواب الجحيم ! وأنت بالطبع ستصدقين كلامي هذا !.

غير أنني للآن لم أفهم الأسباب الحقيقية التي دعتك إلى استخدام الشر ضدي فهلا تكرمت بافهامي ؟ قد أجبت على كل رسالة تكرمت بها عليّ واسترسلت متعمقاً بمعاني كل لفظة تعطفت بهمسها في أذني فهل هناك أمر آخر كان يجب عليّ أن أفعله ؟ أو لم تبدعي لي من " لا شيء" ذنباً لتبيني لي مقدرتك على الاقتصاص ؟ لقد فلحت وأحسنت البيان , أما أنا فقد آمنت باقنومك الجديد الكلي المطلق الجامع بين أسياف " كالي" ربة الهند وسهام " ديانا" معبودة الأغريق .

والآن وقد فهم كل منا ما في روح الآخر من الشر والميل إلى الاقتصاص فلنعد إلى متابعة الحديث الذي ابتدأنا به منذ عامين . كيف أنت وكيف حالك ؟ هل أنت بصحة وعافية ( كما يقول سكان لبنان )؟ هل خلعت ذراعاً ثانية في الصيف الماضي أم منعتك والدتك من ركوب الخيل فعدت إلى مصر صحيحة الذراعين ؟ أما أنا فصحتي أشبه شيء بحديث السكران وقد صرفت الصيف والخريف متنقلاً بين أعالي الجبال وشواطئ البحر ثم عدت إلى نيويورك أصفر الوجه نحيل الجسم لمتابعة الأعمال ومصارعة الأحلام – تلك الأحلام الغريبة التي تصعد بي إلى قمة الجبل ثم تهبط بي إلى أعماق الوادي .

وقد سررت باستحسانك مجلة الفنون فهي أفضل ما ظهر من نوعها في العالم العربي , أما صاحبها فهو فتى عذب النفس دقيق الفكر وله كتابات لطيفة وقصائد مبتكرة ينشرها تحت اسم " ليف" ومما يستدعي الإعجاب بهذا الشاب هو أنه لم يترك شيئاً مما كتبه الافرنج إلا وعرفه حق المعرفة . أما صديقنا أمين الريحاني فقد ابتدأ بنشر رواية جديدة طويلة في مجلة فنون وقد قرأ لي أكثر فصولها فوجدتها جميلة للغاية ولقد أخبرت صاحب الفنون بأنك سوف تبعثين إليّ بمقالة ففرح وبات يترقب .

بكل أسف أقول انني لا أحسن الضرب على آلة من آلات الطرب ولكنني أحب الموسيقى محبتي الحياة ولي ولع خاص بدرس قواعدها ومبانيها والتعمق بتاريخ نشأتها وارتقائها , فان ابقتني الأيام سأكتب رسالة طويلة في الدوائر العربية والفارسية وكيفية ظهورها وتدرجها وتناسخها .

ولي ميل للموسقى الغربية يضارع ميلي للأنغام الشرقية فلا يمر أسبوع إلا وأذهب مرة أو مرتين إلى الأوبرا غير أني أفضل من البيان الموسيقي الأفرنجي تلك المعروفة بالسنفوني والسوناتا والكنتاتا على الأوبرا والسبب في ذلك خلوّ الأوبرا من البساطة الفنية التي تناسب أخلاقي وتتمايل مع أميالي . واسمحي لي الآن أن أغبط يدك على عودك وعودك على يدك وأرجوك أن تذكري اسمي مشفوعاً باستحساني كلما ضربت نغم النهوند على الأوتار فهو نغم أحبه ولي رأي فيه يشابه رأي " كارليل في النبي محمد ". ( كارلايل : أديب ومؤرخ انكليزي درس بعضا من العربية في جامعة كمبردج سنة 1795 وكتب عن النبي محمد فصلا ضمنه إعجابه بشخصيته البطولية في مؤلفه " الأبطال , عبادة الأبطال , والبطولة في التاريخ "

وهلا تكرمت بذكري أمام هيبة أبي الهول ؟ عندما كنت في مصر كنت أذهب مرتين في الأسبوع واصرف الساعات الطوال جالساً على الرمال الذهبية محدقاً بالأهرام وكنت في ذلك العهد صبياً في الثامنة عشرة ذا نفس ترتعش أمام المظاهر الفنية ارتعاش الأعشاب أمام العاصفة , أما أبو الهول فكان يبتسم لي ويملأ قلبي بحزن عذب وندبات مستحبة .

أنا معجب مثلك بالدكتور شميل فهو واحد من القليلين الذين انبتهم لبنان ليقوموا بالنهضة الحديثة في الشرق الأدنى وعندي أن الشرقيين يحتاجون إلى أمثال الدكتور شميل حاجة ماسة كرد فعل للتأثير الذي أوجده الصوفيون والمتعبدون في القطرين مصر وسوريا .

هل قرأت الكتاب الفرنساوي الذي وضعه خير الله افندي خير الله ؟ أنا لم أره بعد وقد أخبرني صديق أن في الكتاب فصل عنك وفصل آخر عني فإذا كان لديك نسختان تكرمي بإرسال نسخة منهما إليّ وأجرك على الله .

ها قد انتصف الليل فليسعد الله مساءك ويبقيك للمخلص .

جبران خليل جبران


****************

نيويورك 24 كانون الثاني 1919


حضرة الأديبة الفاضلة الآنسة ماري زيادة المحترمة .

سلام على روحك الطيبة الجميلة . وبعد فقد استلمت اليوم أعداد المقتطف التي تفضلت بإرسالها إليّ فقرأت مقلاتك الواحدة أثر الأخرى وأنا بين السرور العميق والإعجاب الشديد . ولقد وجدت في مقالاتك سرباً من تلك الميول والمنازع التي طالما حامت حول فكرتي وتتبعت أحلامي ولكن هناك مبادئ ونظريات أخرى وددت لو كان بامكاننا البحث فيها شفاها . فلو كنت الساعة في القاهرة لاستعطفتك لتسمحي لي بزيارتك فنتحدث مليا في " أرواح الأمكنة " وفي " العقل والقلب " وفي بعض مظاهر " هنري برغسن" ( هنري برغسن فيلسوف فرنسي حاز على جائزة نوبل عام 1927 وهو صاحب نظرية الروحانية ضد هجمات المذاهب المادية . من مؤلفاته " المادية والذاكرة" و " التطور والأخلاق" .) غير أن القاهرة في مشارق الأرض ونيويورك في مغاربها وليس من سبيل إلى الحديث الذي أوده وأتمناه .

إن مقالاتك هذه تبين سحر مواهبك وغزارة إطلاعك وملاحة ذوقك في الانتقاء والانتخاب , وعلاوة على ذلك فهي تبين بصورة جلية اختباراتك النفسية الخاصة – وعندي أ، الاختبار أو الاقتناع النفسي يفوق كل علم وكل عمل – وهذا ما يجعل مباحثك من أفضل ما جاء من نوعها في اللغة العربية .

ولكن لي سؤال استأذنك بطرحه لديك وهو هذا : ألا يجيء يوم يا ترى تنصر فيه مواهبك السامية من البحث في مآتي الأيام إلى إظهار أسرار نفسك واختباراتها الخاصة ومخبآتها النبيلة ؟ أفليس الابتداع أبقى من البحث في المبدعين ؟ ألا ترين أن نظم قصيدة أو نثرها أفضل من رسالة في الشعر و الشعراء ؟ إني كواحد من المعجبين بك أفضل أن اقرأ لك قصيدة في ابتسامة أبي الهول مثلا من أن أقرأ لك رسالة في تاريخ الفنون المصرية وكيفية تدرجها من عهد إلى عهد ومن دولة إلى دولة لأن بنظمك قصيدة في ابتسامة أبي الهول تهبيني شيئاً نفسياً ذاتياً أما بكتابتك رسالة في تاريخ الفنون المصرية فانك تدلينني على شيء عمومي عقلي . وكلامي هذا لا ينفي كونك تستطيعين اظهار اختباراتك النفسية الذاتية في كتابة تاريخ الفنون المصرية بيد أني أشعر بأن الفن – والفن اظهار ما يطوف ويتمايل ويتجوهر في داخل الروح- هو أحرى وأخلق بمواهبك النادرة من البحث – والبحث اظهار ما يطوف ويتمايل ويتجوهر في الاجتماع . ليس ما تقدم سوى شكل من الاستعطاف باسم الفن .
فأنا استعطفك لأني أريد أن استميلك إلى تلك الحقول السحرية حيث سافو ( شاعرة اغريقية ولدت في مدينة ليزبوس في أوائل القرن السادس قبل الميلاد , لها تسع دواوين من الشعر الغنائي والاناشيد لم يصلنا منها سوى بضع قصائد ) وايليزبيت براوننغ ( شاعرة بريطانية مبدعة تمتاز قصائدها بالعمق والرقة والنزعة الصوفية . وهي زوج الشاعر الانكليزي روبيرت براوننغ الذي أحبها من خلال قصائدها قبل أن يتعرف إليها ثم زارها في بيتها فأحبته حباً عارماً جعلها تتغلب على مرض عضال كان قد أقعدها .) وأليس شراينر ( كاتبة انكليزية دعت في مؤلفاتها إلى تحرير النساء ) وغيرهن من أخواتك اللواتي بنين سلّما من الذهب والعاج بين الأرض والسماء .
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:45 pm

عزيزتي الآنسة مي .

لقد أعادت رسالتك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع وألف خريف وأوقفتني ثانية أمام تلك الأشباح التي كنا نبتدعها ونسيرها موكباً إثر موكب . تلك الأشباح التي ما ثار البركان ( يقصد بذلك الحرب العالمية الأولى ) في أوربا حتى انزوت محتجبة بالسكوت – وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله .

هل تعلمين يا صديقتي أنني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة , وهل تعلمين بأنني كنت أقول لذاتي هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي تخفره جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلاداً لها وقومي قوماً لها , هل تعلمين بأنني كنت أهمس هذه الأنشودة في إذن خيالي كلما وردت عليّ رسالة منك ؟ لو علمت لما انقطعت عن الكتابة إليّ- وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة .

أما مقالة أبي الهول فالسماء تعلم بأنني لم أطلبها منك إلا بعد إلحاح مستمر من صاحب مجلة الفنون – سامحه الله . فان من طبعي استهجان اقتراح المواضيع على الأدباء خصوصاً تلك الفئة القليلة التي لا تدون إلا ما توحيه الحياة إليها – وأنت من تلك الفئة القليلة – وفوق ذلك فأنا أعلم أن الفن يطلب ولا يطلب منه , وأن في نفس اقتراح المواضيع شيئاً مانعاً عن الإجادة فيها , فلو كتبت إلي في ذلك الزمن قائلة " لا ميل لي الآن إلى كتابة مقالة في أبي الهول " لقلت مترنماً :

" لتعش ميّ طويلا فهي ذات مزاج فني لا غش فيه " الخلاصة أنني سأسبقك في كتابة مقالة , في ابتسامة أبي الهول ! وبعد ذلك سأنظم قصيدة في ابتسامة ميّ ولو كان لدي صورتها مبتسمة لفعلت اليوم , ولكن عليّ أن أزور مصر لأرى ميّ وابتسامتها . وماذا عسى أن يقول الكاتب في ابتسامة المرأة؟ أفلم يقل ليونردو دافنشي آخر كلمة في الموضع عندما انتهى من صورة " لا جوغندا " ؟ , ولكن, أليس في ابتسامة الصبية اللبنانية سر لا يستطيع ادراكه واعلانه غير اللبناني , أم هي المرأة لبنانية كانت أم ايطالية تبتسم لتخفي أسرار الأبدية وراء ذلك النقاب الرقيق الذي تحوكه الشفاه .

والمجنون ( أول مؤلفات جبران باللغة الانكليزية ) وماذا يا ترى أقول لك عن المجنون ؟ أنت تقولين أن فيه ما يدل على " القسوة" بل وعلى " الكهوف المظلمة" . وأنا الآن لم أسمع مثل هذا الانتقاد مع انني قرأت الكثير مما نشرته جرائد ومجلات اماركا وانكلترا في هذا الكتاب الصغير . والغريب أن أكثر الأدباء الغربيين قد استحسنوا القطعتين :
My Minds
و
The Sleep Walkers
( مقالتان لجبران , عقلي والسائرون في نومهم )
واستشهدوا بهما أو ذكروهما بصورة خاصة . أما أنت يا صديقتي فقد وجدت فيهما القسوة – وماذا ينفع الانسان إذا ربح استحسان العالم وخسر استحسان ميّ ؟ وقد يكون ارتياح هؤلاء الغربيين إلى المجنون واخيلته ناتجاً عن مللهم أخيلة نفوسهم وعن ميلهم الطبيعي إلى الغريب والغير مألوف خصوصاً إذا كان شرقي المظاهر . أما تلك الأمثال والقصائد المنثورة التي نشرت في الفنون فقد ترجمها عن الأصل الانكليزي أديب محبته لي أوسع قليلا من معرفته بدقائق البيان الانكليزي .

ولقد رسمت بالحبر الأحمر دائرة حول لفظة " اشمئزاز" التي جاءت في كلامك عن المجنون , فعلت ذلك لعلمي بأنك إذا وضعت كلمات
The Sleep Walkers
بين شفاه الأمس والغد بدلا من وضعها على لسان أم وابنتها لأبدلت لفظة الاشمئزاز بلفظة أخرى – أليس كذلك ؟.

وماذا أقول عن كهوف روحي ؟ تلك الكهوف التي تخيفك – اني التجئ إليها عندما أتعب من سبل الناس الواسعة وحقولهم المزهرة وغاباتهم المتعرشة. إني أدخل كهوف روحي عندما لا أجد مكاناً آخر أسند إليه رأسي , ولو كان لبعض من أحبهم الشجاعة لدخول تلك الكهوف لما وجدوا فيها سوى رجل راكع على ركبتيه وهو يصلي .

أما استحسانك الرسوم الثلاثة في المجنون فقد سرني ودلني على وجود عين ثالثة بين عينيك , وقد طالما عرفت أن وراء أذنيك آذان خفية تسمع تلك الأصوات الدقيقة الشبيهة بالسكوت – تلك الأصوات التي لا تحدثها الشفاه والألسنة بل ما وراء الألسنة والشفاه من الوحدة العذبة , والألم المفرح , والشوق إلى ذلك العالم البعيد الغير معروف .

وأنت تسألين ما إذا كنت أريد أن يفهمني أحد بعد قولي :
For those who understand us enslave something in us
" لأن الذين يدركون خبايا نفوسنا يأسرون شيئا منها"
لا , لا أريد أن يفهمني بشري إذا كان فهمه إياي ضرياً من العبودية المعنوية . وما أكثر الذين يتوهمون أنهم يفهموننا لأنهم وجدوا في بعض مظاهرنا شيئاً شبيهاً بما اختبروه مرة في حياتهم . وليتهم يكتفون بادعائهم ادراك أسرارنا – تلك الأسرار التي نحن ذواتنا لا ندركها – ولكنهم يصموننا بعلامات وأرقام ثم يضعوننا على رف من رفوف أفكارهم واعتقاداتهم مثلما يفعل الصيدلي بقناني الأدوية والمساحيق ! أوليس ذلك الأديب الذي يقول بأنك تقليدينني في بعض كتاباتك من هؤلاء البشر الذين يدعون فهمنا ومعرفة خفايانا؟ وهل تستطيعين اقناعه بأن الاستقلال هو محجة الأرواح وإن أشجار السنديان والصفصاف لا تنمو في ظلال بعضها البعض ؟

ها قد بلغت هذا الحد من رسالتي ولم أقل كلمة واحدة مما قصدت أن أقوله عندما ابتدأت . ولكن من يا ترى يقدر أن يحول الضباب اللطيف إلى تماثيل وانصاب ؟ ولكن الصبية اللبنانية التي تسمع ما وراء الأصوات سترى في الضباب الصور و الأشباح .

والسلام على روحك الجميلة ووجدانك النبيل وقلبك الكبير والله يحرسك .
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:46 pm

نيويورك 11 حزيران – 1919


عزيزتي الآنسة ميّ.

رجعت اليوم من سفره مستطيلة إلى البرية فوجدت رسائلك الثلاث والمقال الجميل الذي تفضلت بنشره في جريدة المحروسة . ولقد علمت من خادمي أن هذه الرسائل بل هذه الثروة الجليلة قد وصلت معاً منذ أربعة أيام . الظاهر أن البريد المصري قد توقف عن اصدار الرسائل من القطر مثلما حجز الرسائل الواردة إليه .

ولقد انصرفت عن كل ما وجدته بانتظاري في هذا المكتب لأصرف نهاري مصغياً إلى حديثك الذي يتمايل بين العذوبة والتعنيف – أقول التعنيف لأنني وجدت في رسالتك الثانية بعض الملاحظات التي لو سمحت لنفسي الفرحة أن تتألم لتألمت منها . ولكن كيف اسمح لنفسي النظر إلى شبه سحابة في سماء صافية مرصعة بالنجوم ؟ وكيف أحول عيني عن شجرة مزهرة إلى ظلّ من أغصانها ؟ وكيف لا أقبل وخزة صغيرة من يد عطرة مفعمة بالجواهر ؟ إن حديثنا الذي أنقذناه من سكوت خمسة أعوام لا ولن يتحول إلى عتاب أو مناظرة , فأنا أقبل بكل ما تقولينه لاعتقادي بأنه يجمل بنا وسبعة آلاف ميل تفصلنا ألا نضيف فتراً واحداً إلى هذه المسافة الشاسعة بل أن نحاول تقصيرها بما وضعه الله فينا من الميل إلى الجميل والشوق إلى المنبع والعطش إلى الخالد . يكفينا يا صديقتي ما في هذه الأيام وهذه الليالي من الأوجاع والتشويش والمتاعب والمصاعب . وعندي أن فكرة تستطيع الوقوف أمام المجرد المطلق لا تزعجها كلمة جاءت في كتاب أو ملاحظة أتت في رسالة. إذا فلنضع خلافاتنا , وأكثرها لفظية – في صندوق من ذهب ولنرمي بها إلى بحر من الابتسامات .

ما أجمل رسائلك يا ميّ وما أشهاها , فهي كنهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترنماً في وادي أحلامي , بل هي كقيثارة اورفيوس ( شاعر وموسيقي تحدثت عنه أساطير اليونان , سحر بأنغامه وحش الغاب وآلهة الجحيم .) تقرب البعيد وتبعد القريب وتحول بارتعاشاتها السحرية الحجارة إلى شعلات متقدة والأغصان اليابسة إلى أجنحة مضطربة . إن يوماً يجيئني منك برسالة واحدة لهو من الأيام بمقام القمة من الجبل فما عسى أن أقول في يوم يجيئني بثلاث رسائل ؟ ذلك يوم انتحى فيه عن سبل الزمن لأصرفه متجولا في إرم ذات العماد.

وبما أجيب على سؤالاتك؟ وكيف أستطيع متابعة الحديث وفي النفس مالا يسيل مع الحبر ؟ ولكن لا بد من متابعة الحديث . فما بقي صامتاً ليس بالغير مفهوم لديك .

تقولين في رسالتك الأولى " لو كنت أنا في نيويورك لكنت زرت مكتبك الفني في هذه الأيام " أفلم تزوري مكتبي قط ؟ أليس رواء أثواب الذكرى الظاهرة جسد خفي للذكرى ؟ انما مكتبي هيكلي وصديقي ومتحفي وجنتي وجحيمي . هو غاب تنادي فيه الحياة الحياة وهو صحراء خالية أقف في وسطها فلا أرى سوى بحر من رمال وبحر من أثير . إن مكتبي يا صديقي هو منزل بدون جدران وبدون سقف .

ولكن في مكتبي هذا أشياء كثيرة أحبها وأحافظ عليها . أنا مولع بالآثار القديمة وفي زوايا هذا المكتب مجموعة صغيرة من طرائف الأجيال وبعض نفائسها كتماثيل وألواح مصرية ويونانية ورومانية وزجاج فينيقي وخزف فارسي وكتب قديمة العهد ورسوم ايطالية وفرنسية وآلات موسيقية تتكلم وهي صامتة . ولا بد من الحصول يوما ما على تمثال كلداني من الحجر الأسود . إني أميل بكليتي إلى كل شيء كلداني فأساطير هذا الشعب وشعره وصلواته وهندسته بل وأصغر أثر أبقاه الدهر من فنونه وصنائعه ينبّه في داخلي تذكارات غامضة بعيدة ويعود بي إلى الماضي الغابر ويجعلني أرى الحاضر من نافذة المستقبل . أحب الآثار القديمة وأشغف بها لأنها من أثمار الفكرة البشرية السائرة بألف قدم من الظلام نحو النور – تلك الفكرة الخالدة التي تغوص بالفن إلى أعماق البحار وتصعد به إلى المجرة .

أما قولك " ما أسعدك أنت القانع بفنك " فقد جعلني أفتكر طويلاً , لا يا ميّ لست بقانع ولا أنا بسعيد . في نفسي شيء لا يعرف القناعة ولكنه ليس كالطمع , ولا يدري ما السعادة غير أنه لا يشابه التعاسة . في أعماقي خفقان دائم وألم مستمر ولكنني لا أريد ابدال هذا ولا تغيير ذاك – ومن كان هذا شأنه فهو لا يعرف السعادة ولا يدري ما هي القناعة ولكنه لا يشكو لأن في الشكوى ضرباً من الراحة وشكلاً من التفوق .

وهل أنت سعيدة وقانعة بمواهبك العظيمة ؟ أخبريني يا ميّ هل أنت قانعة وسعيدة ؟ أكاد أسمعك هامسة : " لا لست بقانعة ولا أنا بسعيد " إن القناعة هي الاكتفاء والاكتفاء محدود وأنت غير محدودة .
أما السعادة فهي أن يملأ المرء نفسه من خمرة الحياة ولكن من كان كأسه سبعة آلاف فرسخ بالطول و سبعة آلاف فرسخ بالعرض لا ولن يعرف السعادة حتى تنسكب الحياة بكاملها في كأسه . أفليس كأسك يا ميّ سبعة آلاف فرسخ وفرسخ ؟

وماذا أقول عن " جوي المعنوي؟" لقد كانت حياتي منذ عام أو عامين لا تخلو من الهدوء والسلامة أما اليوم فقد تبدل الهدوء بالضجيج والسلامة بالنزاع . إن البشر يلتهمون أيامي ولياليّ ويغمرون أحلامي بمنازعهم ومراميهم فكم مرة هربت من هذه المدينة الهائمة إلى مكان قصيّ لأتخلص من الناس ومن أشباح نفسي أيضاً . إنما الشعب الأماركي جبار لا يكل ولا يمل ولا يتعب ولا ينام ولا يحلم , فإذا بغض هذا الشعب رجلا قتله بالإهمال وإذا أحبه قتله بالانعطاف فمن شاء أن يحيى في نيويورك عليه أن يكون سيفاً سنيناً ولكن في غمد من العسل : السيف لروع الراغبين في قتل الوقت والعسل لارضاء الجائعين !

وسوف يجيء يوم أهرب فيه إلى الشرق . إن شوقي إلى وطني يكاد يذيبني ولولا هذا القفص الذي حبكت قضبانه بيدي – لاعتليت متن أول سفينة سائرة شرقاً . ولكن أي رجل يستطيع أن يترك بناءً صرف عمره بنحت حجارته وصفّها ؟ حتى وإن كان ذلك البناء سجناً له فهو لا يقدر أو لا يريد أن يتخلص منه في يوم واحد .

سامحيني أيتها الصديقة العزيزة فقد أزعجتك بالكلام عن نفسي وبشكواي من أمور أدعى إلى الجهاد منها إلى التذمر .

إن استحسانك " المواكب" قد جعلها عزيزة لديّ . أما قولك بأنك ستستظهرين أبياتها فمنّة أحني أمامها رأسي , غير أنني أشعر بأن حافظتك خليقة بقصائد أسمى وأبلغ وأنبل من كل ما جاء في المواكب , بل ومن كل ما كتبته وأكتبه . وأما قولك في رسوم الكتاب " أنتم أهل الفن تبرزون هذه البدائع بقوى أثيرية احتفظتكم عليها ملوك الجوزاء فنأتي بغباوتنا أشقياء مظلومون ونحن بها أشقياء خاسرون " فكلام لا أقبله بل إني استميحك بالتمرد عليه و ( ما أكثر تمردي) – أنت يا ميّ منا وفينا . بل وأنت بين بنات الفن وأبنائه كالوردة بين أوراقها . إن ما جاء في مقالتك التي نشرت في " المحروسة" عن رسوم المجنون لأكبر دليل على شعور فني عميق وفكرة خاصة دقيقة وبصيرة نفاذة ترى ما لا يراه غير القليل من الناس . ولست بمبالغ إذا قلت بأنك أول صبية شرقية مشت في غابة " الأخوات التسع ( إشارة إلى الآلهات التسع في الميثولوجيا الاغريقية المشرفات على الآداب والفنون وقد عرفن بأسماء عديدة في عصور التاريخ القديم .) بقدم ثانية ورأس مرفوع وملامح منفرجة كأنها في بيت أبيها . ألا فأخبريني كيف عرفت كل ما تعرفين وفي أي عالم جمعت خزائن نفسك وفي أي عصر عاشت روحك قبل مجيئها إلى لبنان ؟ إن في النبوغ سراً أعمق من سر الحياة .

وأنت تريدين أن تسمعي ما يقوله الغربيون عني , فألف شكر لك على هذه الغيرة وهذا الاهتمام القومي . لقد قالوا الشيء الكثير وكانوا مبالغين في أقوالهم متطرفين في ظنونهم متوهمين وجود الجمل في وكر الأرنب . ويعلم الله يا صديقتي بأنني ما قرأت شيئاً حسناً عني إلا ونحت في قلبي . إن الاستحسان نوع من المسؤولية يضعها الناس على عواتقنا فتجعلنا نشعر بضعفنا . ولكن لا بد من المسير حتى ولو قوّص الحمل الثقيل ظهورنا , ولا بد من استنباط القوة من الضعف . أنا باعث إليك في غلاف آخر بشيء من أقوال الجرائد والمجلات وستعلمين منها أن الغربيين قد ملوا أشباح أرواحهم وضجروا من ذواتهم فأصبحوا يتمسكون بالغريب الغير مألوف خصوصاً إذا كان شرقياً . هكذا كان الشعب الأثيني بعد انقضاء عصره الذهبي . لقد بعثت منذ شهر أو أكثر بمجموعة من أقوال الصحف في المجنون إلى اميل زيدان ( تولى رئاسة تحرير مجلة الهلال سنة 1914 التي أسسها والده الأديب العلامة جرجي زيدان .) وهو بالطبع من أصدقائك .

أحمد الله وأشكره على انقضاء الأزمة عندكم . ولقد كنت أقرأ أخبار تلك المظاهرات فأتخيلك هائبة فأهاب , مضطربة فاضطرب . ولكنني كنت أردد في الحالين قول شكسبير :
Do not fear our person .
There’s such divinity doth hedge a king
That treason can but peep to what it would
Acts little of his will .
لا تخافي منا
فالملك تحيط به هالة من القداسة
وليس في مقدور الخيانة
أن تبلغ ما ترمي إليه
أو تحد من عزيمته

وأنت يا ميّ من المحروسين وفي نفسك مَلَكٌ يحميه الله من كل مكروه .
وتسألين ما اذا كان لكم من صديق في ربوعنا ؟

أي والحياة وما في الحياة من حلاوة جارحة ومرارة مقدسة إن لكم في ربوعنا صديقاً إرادته تدافع عنكم ونفسه ترغب في الخير لكم وابعاد السوء عنكم وتحميكم من كل أذى . وقد يكون الصديق الغائب أدنى وأقرب من الصديق الحاضر . أفليس الجبل أكثر هيبة وأشد وضوحاً وظهوراً لسائرٍ في السهل منه لساكنيه ؟

ها قد غمر المساء هذا المكتب بوشاحه فلم أعد أرى ما تخطه يدي . وألف تحية لك وألف سلام عليك والله يحفظك ويحرسك دائماً .
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:47 pm

نيويورك 25 تموز 1919


عزيزتي الآنسة ميّ

منذ كتبت إليك حتى الآن وأنتِ في خاطري . ولقد صرفت الساعات الطوال مفكراً بكِ مخاطباً إياكِ مستجوباً خفاياك مستقصياً أسراركِ . والعجيب أنني شعرت مرات عديدة بوجود ذاتك الأثيرية في هذا المكتب ترقب حركاتي وتكلمني وتحاورني وتبدي رأيها في مآتيَّ وأعمالي .

أنت بالطبع تستغربين هذا الكلام ، وأنا أستغرب حاجتي واضطراري إلى كتابته إليك . وحبذا لو كان بامكاني معرفة ذلك السر الخفي الكائن وراء هذا الاضطراب وهذه الحاجة الماسة .

قد قلت لي مرةً " ألا إن بين العقول مساجلةً وبين الأفكار تبادلاً قد لا يتناوله الإدراك الحسي ولكن من ذا الذي يستطيع نفيه بتاتاً من بين أبناء الوطن الواحد ؟".

إن في هذه الفقرة الجميلة حقيقة أولية كنت فيما مضى أعرفها بالقياس العقلي ، أما الآن فإني أعرفها بالاختيار النفسي . ففي الآونة الأخيرة قد تحقق لي وجود رابطة معنوية دقيقة قوية غريبة تختلف بطبيعتها ومزاياها وتأثيرها عن كل رابطة أخرى ، فهي أشد وأصلب وأبقى بما لا يقاس من الروابط الدموية والجينية حتى والأخلاقية . وليس بين خيوط هذه الرابطة خيط واحد من غزل الأيام والليالي التي تمر بين المهد واللحد . وليس بين خيوطها خيط غزلته مقاصد الماضي أو رغائب الحاضر أو أماني المستقبل ، فقد تكون موجودة بين اثنين لم يجمعهما الماضي ولا يجمعهما الحاضر – وقد لا يجمعهما المستقبل .

وفي هذه الرابطة يا ميّ , في هذه العاطفة النفسية ، في هذا التفاهم الخفي ، أحلام أغرب وأعجب من كل ما يتمايل في القلب البشري – أحلام طيّ أحلام طيّ أحلام .

وفي هذا التفاهم يا " ميّ" أغنية عميقة هادئة نسمعها في سكينة الليل فتنتقل بنا إلى ما وراء الليل ، إلى ما وراء النهار ، إلى ما وراء الزمن ، إلى ما وراء الأبدية .

وفي هذه العاطفة يا ميّ غصّات أليمة لا تزول ولكنها عزيزة لدينا ولو استطعنا لما أبدلناها بكل ما نعرفه ونتخيله من الملذات والأمجاد .

لقد حاولت في ما تقدم ابلاغك ما لا ولن يبلغك إياه إلا ما يشابهه في نفسك . فإن كنت قد أبنت سراً معروفاً لديك كنت من أولئك الذين قد حبتهم الحياة وأوقفتهم أمام العرش الأبيض . وإن كنت قد أبنت أمراً خاصاً بي وحدي فلكِ أن تطعمي النار هذه الرسالة .

استعطفك يا صديقتي أن تكتبي إليَّ ، واستعطفك أن تكتبي إليَّ بالروح المطلقة المجردة المجنحة التي تعلو فوق سبل البشر . أنت وأنا نعلم الشيء الكثير عن البشر ، وعن تلك الميول التي تقربهم إلى بعضهم البعض ، وتلك العوامل التي تبعد بعضهم عن البعض . فهلا تنحينا ولو ساعة واحدة عن تلك السبل المطروقة ووقفنا محدقين ولو مرة واحدة بما وراء الليل ، بما وراء النهار ، بما وراء الزمن ، بما وراء الأبدية ؟

والله يحفظك يا ميّ ويحرسك دائماً


صديقك المخلص
جبران خليل جبران
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:48 pm

نيويورك 9 تشرين الثاني 1919


عزيزتي الآنسة "مي"
أنتِ حاقدة عليّ , ناقمة عليّ , ولك الحق , ومعك الحق , وما عليّ سوى الامتثال فهلا نسيت إثماً اقترفته وأنا بعيد عن عالم المقاييس والموازين ؟ هلا وضعت في " صندوق الذهب" ما لا يستحق الحفظ في الصندوق الأثيري ؟

إن ما يعرفه الحاضر يجهله الغائب وليس من العدالة أن تحسب جهل الغائب جريمة فالجرائم لا تكون الا في موضع الإدراك والمعرفة , وأنا لا أريد أن أسكب سهواً قليلاً من الرصاص المذوب أو الماء الغالي على أصابع العارفين المدركين لعلمي أن الجريمة نفسها عقاب المجرمين وأن مصائب أكثر الناس في ما أسند إليهم من الأعمال .

لقد استأنست بذلك العنصر الشفاف الذي تتلاشى أمامه المسافة والحدود والحواجز , والنفس المستوحشة لا تستأنس إلا بذلك العنصر ولا تستصرخ سواه ولا تستنجد غيره . وأنتِ – أنتِ التي تعيشين كثيراً في عالم المعنى تعلمين أن العنصر الشفاف فينا يتنحى عن جميع أعمالنا ويبتعد حتى وعن أجمل ميولنا البيانية وأنبل رغائبنا الفنية , فهو وإن جاور الشاعرية فينا لا ينظم ذاته نشيداً غنائياً ولا يضع خفاياه في الخطوط والألوان . كل بشري يستطيع التكلف بمنازعه واللعب بمطامعه والمتاجرة بأفكاره ولكن ليس بين البشر من يستطيع التكلف بوحشته أو اللعب بألمه أو المتاجرة بجوعه وعطشه . ليس بين الناس من يقدر أن يحول أحلامه من صورة إلى صورة أو ينقل أسرار نفسه من مكان إلى مكان . وهل بإمكان الضعيف والصغير فينا أن يؤثر على القوي والعظيم فينا ؟ هل بإمكان الذات المقتبسة وهي من الأرض أن تحور وتغير الذات الوضعية وهي من السماء ؟ إن تلك الشعلة الزرقاء تنير ولا تتغير وتحول ولا تتحول وتأمر ولا تأتمر . وهل تظنين حقيقةً , وأنت أبعد الناس فكراً , أن " التهكم الدقيق " ينبت في حقل يفلحه الألم وتزرعه الوحشة ويحصده الجوع والعطش ؟ هل تظنين أن "النكتة الفلسفية " تسير بجانب الميل إلى الحقيقة والرغبة في المجرد المطلق ؟ لا يا صديقتي , أنت أرفع من الشك والارتياب . الشك يلازم الخائفين السلبيين والارتياب يلاحق من ليس لهم الثقة بنفوسهم , أما أنت فقوية إيجابية ولكِ الثقة التامة بنفسك فهلا كنتِ مؤمنة بكل ما تضعه الأيام في راحتيك ؟ هلا حولتِ عينيكِ عن المظاهر الجميلة إلى الحقيقة الجميلة ؟

قد صرفت شهور الصيف في منزل منفرد منتصب كالحلم بين البحر والغاب فكنت كلما أضعت نفسي في الغاب أذهب إلى البحر فأجدها وكلما فقدتها بين الأمواج أعود إلى ظل الأشجار فألتقي بها . إن غابات هذه البلاد تختلف عن غابات الأرض كافةً , فهي غضة كثيفة متعرشة تعود بالذكرى إلى الأزمنة الغابرة , إلى البدء اذ كان الكلمة عند الله وكان الكلمة لله ! أما بحرنا فبحركم وذلك الصوت المجنح الذي تسمعونه على شواطئ مصر نسمعه نحن على هذه الشواطئ , وذلك القرار الرهاوي الذي يملأ صدوركم بهيبة الحياة وهولها يملأ صدرنا بهول الحياة وهيبتها . لقد أصغيت إلى نغمة البحر في مشارق الأرض ومغاربها فكانت ولم تزل هي هي الأغنية الأزلية الأبدية التي تعلو وتهبط بالروح فتكسبها تارةً الحزن وطوراً الطمأنينة . لقد أصغيت إلى تلك النغمة حتى وعلى رمال الإسكندرية – نعم على رمال الإسكندرية – وكان ذلك في صيف 1903 فسمعت اذ ذاك حديث الدهور من بحر المدنية القديمة مثلما سمعته بالأمس من بحر المدنية الحديثة , ذلك الحديث الذي سمعته للمرة الأولى وأنا في الثامنة فاحترت بأمري وألبست عليّ حياتي فأخذت أحارب بسؤالاتي الكثيرة صبر المرحومة أمي وجلدها , ذلك الحديث الذي أسمعه اليوم فأطرح السؤالات ذاتها ولكن على الأم الكلية فتجيبني بغير الكلام وتفهمني أموراً كلما حاولت اظهارها للآخرين تحولت الألفاظ في فمي إلى سكوت عميق . أنا اليوم , وقد صرت في (الثمانين؟؟؟؟) مثلما كنت وأنا في الثامنة , أجلس على شط البحر وأنظر إلى أبعد نقطة من الأفق الأزرق وأسأل ألف سؤال وسؤال : " ترى هل لنا من مجيب في ربوعكم ؟" ترى هل تتفتح الأبواب الدهرية ولو لدقيقة واحدة لنرى ما ورائها من الأسرار والخفايا ؟ أليس بامكانكم أن تقولوا لنا كلمة واحدة عن تلك الأنظمة السرية النافذة حولنا في الحياة قبل أن يضع الموت نقابه الأبيض على وجوهنا ؟" وأنت تسألين ما اذا كنت لا " أستطيب الفائدة في التفكهة بلا اجهاد " إني أستطيب الفائدة , أستطيبها إلى درجة قصوى ولكن بعد أن أترجم لفظها إلى لغتي الخاصة !!! أما الاجهاد فسلّم نصعد عليه لنبلغ العليّة . أنا بالطبع أفضل الصعود إلى عليتي طائراً ولكن الحياة لم تعلّم جانحيّ الرفرفة والطيران فماذا أفعل ؟ وأنا أفضل الحقيقة الخفية على الحقيقة الظاهرة , وأفضل الحاسة الصامتة اكتفاءً واقتناعاً على الحاسة التي تحتاج إلى التفسير والتعليل . غير أنني وجدت أن السكوت العلوي يبتدئ دائما بكلمة علوية .

إني أستطيب الفائدة , بل وأستطيب كل شيء في الحياة إلا الحيرة , فإذا جاءت الفائدة وعلى منكبيها غمر من الحيرة أغمضت عينيَّ وقلت في سري " هذا صليب آخر علي أن أحمله مع المئة صليب التي أحملها " وليست الحيرة بذاتها من الأمور المكروهة ولكنني قد رافقتها حتى مللتها – قد أكلتها خبزاً وشربتها ماءً وتوسدتها فراشاً ولبستها رداءً حتى صرت أتبرم من لفظ اسمها وأهرب من ظل ظلها .

أظن أن مقالتك في " المواكب" هي الأولى من نوعها باللغة العربية . هي أول بحث في ما يرمي إليه الكاتب بوضع كتاب . حبذا لو كان بإمكان أدباء مصر وسوريا أن يتعلموا منكِ استجواب أرواح الكتب دون أجسادها واستفسار ميول الشعراء النفسية قبل استقصاء مظاهر الشعر الخارجية . يجب عليّ أن لا أحاول اظهار امتناني الشخصي على تلك المقالة النفيسة لأنني أعلم أنها كتبت وأنت منصرفة عن كل شيء شخصي . وإذا ما حاولت اظهار امتناني القومي بصورة عمومية أوجب عليّ ذلك كتابة مقالة في تلك المقالة وهذا أمر يحسبه الشرقيون في الوقت الحاضر من الأمور التي لا تجاور الذوق السليم ! ولكن سيجيء يوم أقول فيه كلمتي في " مي " ومواهبها , وستكون كلمتي هائلة ! وستكون طويلة عريضة ! وستكون صادقة لأنها ستكون جميلة .

إن الكتاب الذي سيصدر في هذا الخريف هو كتاب رسوم خالٍ من " ضجيج التمرد والعصيان ." ولولا اضراب العمال في المطابع لظهر منذ ثلاثة أسابيع . وفي السنة القادمة سيصدر كتابان الأول " المستوحد " وربما دعوته باسم آخر " وهو مؤلف من قصائد وأمثال والثاني كتاب رسوم رمزية باسم " نحو الله " وبهذا الأخير انتهي من عهد وابتدئ بعهد آخر . وأما " النبي " فكتاب فكرت به منذ ألف سنة ولكنني لم أكتب فصلاً من فصوله حتى أواخر السنة الغابرة . وماذا عسى أقول لك عن هذا النبي ؟ هو ولادتي الثانية ومعموديتي الأولى . هو الفكرة الوحيدة التي تجعلني حرياً بالوقوف أمام وجه الشمس . ولقد وضعني هذا النبي قبل أن أحاول وضعه , وألفني قبل أن أفكر بتألفيه , وسيرني صامتاً وراءه سبعة آلاف فرسخ قبل أن يقف ليملي عليّ ميوله ومنازعه .

أرجوك أن تسألي رفيقي ومعاوني العنصر الشفاف عن هذا النبي وهو يقص عليك حكايته . اسألي العنصر الشفاف , اسأليه في سكينة الليل عندما تنعتق النفس من قيودها وتتملص من أثوابها وهو يبوح لكِ بأسرار هذا النبي وبخفايا من تقدمه من الأنبياء أجمعين .

أنا أعتقد يا صديقي أن في العنصر الشفاف من العزم ما لو وضعنا ذرةً منه تحت جبل لانتقل من مكان إلى مكان آخر , واعتقد , بل واعلم , أننا نستطيع أن نمد ذلك العنصر سلكاً بين بلاد وبلاد فنعلم بواسطته كل ما نريد أن نعلمه ونحصل على كل ما نشوق إليه ونبتغيه .

ولدّي أمور كثيرة أريد أن أقولها عن العنصر الشفاف وغيره من العناصر ولكن عليّ أن أبقى صامتاً عنها . وسوف أبقى صامتاً حتى يضمحل الضباب وتنفتح الأبواب الدهرية ويقول لي ملاك الرب " تكلم , فقد ذهب زمن الصمت وسر فقد طال وقوفك في ظلال الحيرة ."

أي متى يا ترى تنفتح الأبواب الدهرية ؟ هل تعلمين ؟ هل تعلمين أي متى تتفتح الأبواب الدهرية ويضمحل الضباب ؟

والله يحفظك يا " مي" ويحرسك دائماً
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:49 pm

يويورك 28 كانون الثاني 1920


عزيزتي الآنسة مي

تريدين أن تعلمي بالضبط معنى ندامتي وماورء طلبي المغفرة منك من الأسرار النفسية . وإليك بالضبط البسيط ما كان وسيكون وراء تلك الندامة وتلك المعاني وتلك الأسرار وتلك النفسيات .

لم أندم على كتابة تلك الرسالة المعروفة لديك " بالنشيد الغنائي " - ولن أندم .

لم أندم على أصغر حرف فيها لا ولا على أكبر نقطة فيها - ولن أندم .

لم أكن في ضلال لذلك لم أر داعياً للاهتداء.

وكيف يا ترى أندم على أمر موجود الآن في نفسي مثلما كان موجوداً إذ ذاك ؟

وأنا لست ممن يندمون على وضع ما في نفوسهم بين شفاههم .
ولست ممن ينفون في يقظتهم ما يثبتونه في أحلامهم , لأن أحلامي هي يقظتي ويقظتي هي أحلامي , لأن حياتي لا تقسم إلى خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء .

أما الاثم الذي اقترفته - أو توهمت بأني اقترفته وأنا بعيد عن عالم الموازين والكمية - فهو هذا : بعد أن قرأت كلامك عن ذلك اللبناني الذي زارك قبل مغادرتك القاهرة إلى رمال الاسكندرية - أعني ذلك الرجل الذي " بكل أسف لم تسكبي سهواً بعض قطرات من الماء الغالي على يده " معاقبة له على " أمر غير محمود" - بعد أن قرأت كلامك هذا انتبهت لشيء كان من الواجب عليَّ أن أفطن له قبل أن أضع تلك الرسالة في صندوق البريد , فظننت أو تخيلت , أو تصورت , أن تلك الرسالة قد سببت لك بعض الانزعاج من هذه الوجهة . ومن منا لا يتأفف ويتبرم إذا علم أن الأشياء المختصة به دون سواه قد مرت بين أصابع وأمام عيون من ليس لهم الحق بمعرفتها ؟

هذا هو الأمر الذي انتبهت له فندمت وهذا هو الشيء الوحيد الذي طلبت إليك وضعه في صندوق النسيان . وقد دعوت " قلم المراقبة " والأسباب التي أوجدته والنتائج التي أوجدتها " بعالم الموازين والكمية "- دعوته بهذا الاسم لبعده عن العالم الذي كان يشغل فكري حينئذ بعد الجحيم عن غابة الحق .

ولقد عرفت في العام الغابر عن " قلم المراقبة" ما يضحك البوم بين القبور ! فقد كان بعض الفتيان الموظفين في تلك الادارة النبيلة يفتحون الرسائل الواردة إليّ من الشرق ويذيلونها بالحواشي والسلامات والتحيات والملاحظات السياسية والعمرانية والأدبية وبعضهم كان يطلب مني المال لأغراض لم أسمع بمثلها .

وأغرب من هؤلاء جميعهم مراقب في دمشق وجد فسحة بيضاء واسعة في رسالة موجهة إليّ فنمقها وطرزها بقصيدة طويلة يمدحني بها! ولو أخبرتك حكاية تلك القصيدة بتمامها لغضبت عليّ .

أما تلك الرسالة المعروفة " بالنشيد الغنائي " فهي مني وبي وفيّ , وهي أنا مثلما كنت ومثلما سأكون , وهي الآن مثلما كانت بالأمس ومثلما ستكون في الغد فهلا آمنت وصدقت يا توما ( هو القديس توما أحد رسل المسيح الاثني عشر . لم يؤمن بقيامته الا بعد أن رأى آثار جراحاته ووضع فيها اصبعه . وهو الذي أدخل المسيحية إلى الهند .) أتريدين وضع اصبعك في الجرح يا ميّ ؟

واسمحي لي أن أقول ثانية أنني أكره التهكم الدقيق والغير دقيق بين الأصدقاء , وأكره النكتة الفلسفية والغير فلسفية بين المتفاهمين بالروح , وأكره التكلف والتصنع في كل أمر حتى وفي الصعود إلى السماء . وأما سبب كرهي هذه الأشياء فهو ما أراه حولي في كل دقيقة من مظاهر هذه المدنية الآلية ونتائج هذا الاجتماع السائر على دواليب لأنه بدون أجنحة .

أظن أن السبب الذي يجعلك أن تعزي إليّ " التهكم الدقيق " هو بعض ما جاء في " المجنون" وإذا صح ظني أكون أول ضحايا ذلك الكتاب لأن " المجنون" ليس أنا بكليتي , والأفكار والمنازع التي أردت بيانها بلسان شخصية ابتدعتها ليست كل ما لدي من الأفكار والمنازع , واللهجة التي وجدتها مناسبة لميول ذلك المجنون ليست اللهجة التي اتخذها عندما أجلس لمحادثة صديق أحبه وأحترمه . ولكن إذا كان لا بد من الوصول إلى حقيقتي بواسطة ما كتبته فما عسى يمنعك عن اتخاذ فتى الغاب في كتاب " المواكب " لهذه الغاية بدلا من " المجنون" ؟ إن روحي يا مي أقرب بما لا يقاس إلى " فتى الغاب" ونغمة نايه منها إلى " المجنون" وصراخه . وسوف يتحقق لديك بأن " المجنون" لم يكن سوى حلقة من سلسلة طويلة مصنوعة من معادن مختلفة . لا أنكر أن " المجنون" كان حلقة طويلة مصنوعة من معادن مختلفة . لا أنكر أن " المجنون" كان حلقة خشنة مصنوعة من حديد , ولكن هذا لا يدل على أن السلسلة بكليتها ستكون من الحديد الخشن . لكل روح فصول يا مي , وشتاء الروح ليس كربيعها , ولا صيفها كخريفها .

قد سررت جداً لانتسابك إلى عائلة لاويّة ( نسبة إلى لاوي الابن الثالث ليعقوب وقد خرج اللاويون , كهنة بني اسرائيل, من سبطة) , سررت إلى درجة قصوى وسبب هذا السرور الهائل هو هذا أنا ابن كاهن ماروني!! نعم فقد كان جدي , والد أمي, كاهنا متعمقاً بالأسرار اللاهوتية ! ( بيد أنه كان مولعاً بالموسيقى الكنائسية والغير كنائسية ولهذا قد غفرت له كهنوتيته.) وقد كانت أمي أحب أبنائه إليه أشبههم به . والغريب أنها عزمت واستعدت وهي في ربيع العمر للدخول إلى دير القديس سمعان للراهبات في شمال لبنان . أما أنا فقد ورثت عن أمي تسعين بالمئة من أخلاقي وميولي ( لا أقصد بذلك أنني أماثلها من حيث الحلاوة والوداعة وكبر القلب ) ومع أنني أشعر بشيء من البغضاء نحو الرهبان فأنا أحب الراهبات وأباركهن في قلبي . وقد يكون حبي لهن ناتجاً عن تلك الرغائب السرية التي كانت تشغل خيال أمي في صباها . وإني أذكر قولها لي مرة , وقد كنت في العشرين :

لو دخلت الدير لكان ذلك أفضل لي وللناس
فقلت لها:
- لو دخلتِ الدير لما جئت أنا .
فأجابت :
- أنت مقدّر يا ابني .
فقلت :
- نعم , ولكن قد اخترتكِ أماً لي قبل أن أجيء بزمن بعيد .
فقالت :
- لو لم تجىء لبقيت ملاكاً في السماء .
فقلت
- لم أزل ملاكاً !
فتبسمت وقالت :
- أين جوانحك ؟
فوضعتُ يدها على كتفي قائلاً :
- هنا
فقالت:
- متكسرة !

بعد هذا الحديث بتسعة أشهر ذهبت أمي إلى ما وراء الأفق الأزرق . أما كلمتها " متكسرة" فظلت تتمايل في نفسي ومن هذه الكلمة قد غزلت ونسجت حكاية " الأجنحة المتكسرة ".

لا يامي لم أكن قط من جدود جدود أمي . لقد كانت ولم تزل أما لي بالروح . وإني أشعر اليوم بقربها مني وتأثيرها عليّ ومساعدتها لي أكثر مما كنت أشعر به قبل أن تذهب - أكثر بما لا يقاس . ولكن هذا الشعور لا ينفي الروابط الأخرى الكائنة بيني وبين أمهاتي وأخواتي بالروح , وليس هناك من فرق بين شعوري نحو أمي وشعوري نحو أمهاتي سوى الفرق الموجود بين الذكرى الواضحة والذكرى الضئيلة .

هذا شيء قليل عن أمي . واذا جمعتنا الأيام أخبرتك الشيء الكثير عنها , وإني لا أشك بأنك ستحبينها . ستحبينها لأنها تحبك . والأرواح السابحة هناك تحب الأرواح الجميلة السائرة هنا . وأنت يا مي روح جميلة اذاً لا تستغربي قولي " إنها تحبك"

أما الوجه الآخر الذي نشر في " الفنون" فهو وجهها في حالة الألم النفسي . والوجه المنشور في أول صفحة من " عشرون رسماً" ( عنوان لكتاب يتضمن رسوماً بريشة جبران كتبت مقدمته اليس رافائيل نشر في نيويورك سنة 1919 .) هو وجهها أيضاً , ولقد دعوته " نحو اللانهاية" لأنه يمثلها في آخر دقيقة من حياتها هنا وأول دقيقة من حياتها هناك .

وأما من جهة عائلة والدي فإني أستطيع أن أتبجح وأتباهى بثلاثة أو أربعة من الكهان مثلما تباهيتِ وتبجحتِ بكهنة وقسس بيت زيادة !!!! أقرّ لك بميزة واحدة وهي وجود القسس عندكم , إن شجرتنا لم تثمر من هذا النوع ! ولكن قد ظهر عندنا خور و" سقفس" أي خوري ونصف خوري , فهل ظهر عندكم من هذا الجنس ؟ ولقد كان هذا الخوروسقفس أو هذا المونسنيور الجبراني , يصلي ويبتهل لله ليرجعني إلى حضن الكنيسة الجامعة الرسولية مثلما ارجع الابن الشاطر إلى أبيه! وحضن الكنيسة كما تعلمين يشابه صدر أبينا ابراهيم - الأول لراحة الخطأة والثاني لراحة الأموات . والمسيحي المسكين لا يتملص من هذا حتى يهبط في ذاك وأنا والحمد للسماء لم أكن من الخطأة ولن أصير من الأموات ! بيد أنني أشفق على ابراهيم إجمالاً وعلى صدر ابراهيم خصوصاً ...

هذا ولا يغرب عن بالكِ أن نصف سكان شمال لبنان من الكهنة والقساوسة والنصف الثاني من أبناء وأحفاد الكهنة ! فهل في بلدكم - وأظنها غزير- ( قرية في لبنان تقع بالقرب من مسقط رأس مي زيادة أي من قرية شحتول , كانت تؤمها للاصطياف.) مثل ذلك ؟ أما في بلدنا - بشري ( مسقط رأس جبران) فمن الصعوبات احصاء عدد الكهان والرهبان !

أجل لنتحدث عن كتاب "دمعة وابتسامة" فأنا لست بخائف! ظهر هذا الكتاب قبل نشوب الحرب بمدة قصيرة . وقد بعثت إليك بنسخة منه يوم صدوره . نعم قد بعثت إليك بنسخة من كتاب " دمعة وابتسامة" يوم صدوره من مطبعة الفنون ولكنني لم أسمع منك كلمة واحدة عن وصولها فتأثرت ولم أزل متأثراً !!

أما مقالات " دمعة وابتسامة " فهي أول شيء نشر لي في الجرائد . هي من حصرم كرمي وقد كتبتها قبل " عرائس المروج " بزمن ولقد شاء نسيب عريضة فجمعها واضاف إليها مقالتين كتبتا في باريس منذ 12 سنة . سامحه الله ! لقد كتبت ونظمت قبل " دمعة وابتسامة" أعني بين الطفولية والشباب المجلدات الضخام ! ولكنني لم أقترف جريمة نشرها , ولن أفعل . وأنا باعث إليك بنسخة ثانية من " دمعة وابتسامة " مع الأمل بأنك ستنظرين إلى روحها لا إلى جسدها .

أنا من الميالين إلى شارل جيران ( شاعر فرنسي له عدة دواوين من الشعر العاطفي الرقيق .) ولكنني أشعر أن المدرسة التي ينتمي إليها أو الشجرة التي هو غصن من غصونها لم تكن في الغابة العلوية . إن الشعر الافرنسي في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين كان خاتمة لشيء وجد بدلاً من أن يكون بداية لشيء غير موجود - أعني غير موجود في عالم الحواس . ففي عقيدتي أن رودان النحات ( وهو المثال الافرنسي المشهور الذي تأثر به جبران.) وكيريار المصور ( رسام افرنسي اشتهرت لوحاته بأنها كانت تعتمد على أرضية من الضباب .) وديبوسي الموسيقي ( من أشهر مؤلفي الموسيقى ومجدديها في القرن العشرين.) قد ساروا على سبل جديدة فكانوا حقيقة من العظام . ولكن جيران ورفاقه كانوا وما برحوا يسيرون حتى الساعة على السبل التي رسمتها لهم الحالة المعنوية في أوربا قبل زمن الحرب . ومع أنهم يشعرون بجمال الحياة وما في الحياة من الألم والغبطة والمظاهر والأسرار فهم يمثلون مساء عهد بدلاً من صباح عهد آخر . وعندي أن كتاب وشعراء العالم العربي في أيامنا هذه يمثلون , ولكن بصورة مصغرة جداً , نفس الفكرة ونفس الحالة ونفس العهد .

وعلى ذكر العالم العربي فإني أسألك : لماذا يا ترى لا تعلمّي كتاب وشعراء مصر المسير على السبل الجديدة؟ أنتِ وحدكِ قادرة على ذلك فماذا يمنعك ؟ أنتِ يا مي من بنات الصباح الجديد فلماذا لا تنبهي الراقدين ؟ إن الصبية الموهوبة كانت وستكون بمقام ألف رجل موهوب . وإني لا أشك بأنكِ إذا ناديتِ تلك النفوس الضائعة الحائرة المستعبدة بقوة الاستمرار أيقظتِ فيها الحياة والعزم والميل إلى الصعود نحو الجبل . افعلي هذا وثقي بأن من يسكب الزيت في السراج يملأ بيته نوراً - أفليس العالم العربي بيتك وبيتي ؟

أنت تتأسفين لأنك لم تستطيعي الحضور إلى " الوليمة الفنية " وأنا أستغرب أسفك هذا , أستغربه جداً أفلا تذكرين ذهابنا سوية إلى المعرض ؟ هل مسيت انتقالنا من صورة إلى صورة ؟ هل نسيت كيف سرنا ببطء في تلك القاعة الواسعة نبحث وننتقد ونستقصي ما وراء الخطوط والألوان من الرموز والمعاني والمقاصد ؟ هل نسيت كل ذلك ؟ الظاهر أن " العنصر الشفاف" فينا يقوم بكثير من الأعمال والمآتي على غير معرفة منا , فهو يسبح مرفرفاً إلى الجهة الثانية من الأرض ونحن في غرفة صغيرة نقرأ جرائد المساء . ويزور الأصدقاء البعيدين ونحن نجالس ونحدث الأصدقاء القريبين , ويسير في حقول وغابات بعيدة سحرية لم ترها عين بشري ونحن نسكب الشاي في فنجان سيدة تخبرنا عن الاحتفال بعرس ابنتها .

ما أغرب العنصر الشفاف فينا يا مي وما أكثر أعماله المجهولة لدينا . ولكن عرفناه أو لم نعرفه فهو أملنا ومحجتنا . وهو مصيرنا وكمالنا . وهو نحن في الحالة الربانية .

هذا و أنا أعتقد بأنكِ إذا أجهدتِ حافظتكِ قليلاً تتذكرين زيارتنا إلى المعرض فهلا فعلت ؟

لقد طالت رسالتي - ومن يجد لذةً في شيء أطاله .

قد ابتدأت بهذا الحديث قبل نصف الليل وها قد صرت بين نصف الليل والفجر ولكنني للآن لم أقل كلمة واحدة مما أردت أن أقوله عندما ابتدأت . إن الحقيقة الوضعية فينا , ذلك الجوهر المجرد , ذلك الحلم الملتف باليقظة لا يتخذ غير السكوت مظهراً وبياناً .

نعم كان بقصدي أن أسألك ألف سؤال وسؤال وها قد صاح الديك ولم أسألك شيئاً . كان بقصدي أن أسألكِ مثلاً ما اذا كانت لفظة " سيدي" موجودة حقيقة في قاموس الصداقة ؟ لقد فتشت عن هذه اللفظة في النسخة الموجودة لديّ من هذا القاموس ولم أجدها .. فاحترت بأمري غير أنني أشعر أن نسختي هي النسخة المصححة - ولكن قد أكون غير مصيب !

هذا سؤال صغير , أما السؤالات الكبيرة فسأتركها إلى فرصة أخرى - إلى ليلة أخرى- فليلتي هذه قد شاخت وهرمت , وأنا لا أريد أن أكتب إليك في ظلال الليالي المسنة .

وإني أرجو أن يملأ العام الجديد راحتيك بالنجوم .

والله يحفظك يا مي ويحرسك


صديقك المخلص
جبران خليل جبران



بعد أن ختمت هذه الرسالة فتحت نافذتي فوجدت المدينة متشحة برداء أبيض والثلج يتساقط بهدوء وعزم وغزارة , فتهيبت لهذا المشهد الجليل بطهره ونقاوته , وعدت بالفكر إلى شمال لبنان , إلى أيام حداثتي عندما كنت أصنع التماثيل من الثلج ثم تطلع الشمس فتذيبها .

إني أحب عواصف الثلج محبتي لكل أنواع العواصف . وسأخرج في هذه الدقيقة وأمشي تحت هذه العاصفة البيضاء . ولكنني لا ولن أمشي وحدي .

جبران
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:50 pm

نيويورك 3 تشرين الثاني 1920

يا صديقتي يا مي

لم يكن سكوتي في الآونة الأخيرة سوى الحيرة والالتباس ولقد جلست مرات بين حيرتي والتباسي في هذا " الوادي" لأحدثك وأعاتبك ولكنني لم أجد ما أقوله لك . لم أجد ما أقوله يا مي لأنني كنت أشعر بأنك لم تتركي سبيلاً للكلام . ولأنني أحسست بأنك تريدين قطع تلك الأسلاك الخفية التي تغزلها يد الغيب وتمدها بين فكرة وفكرة وروح وروح .

جلست مرات في هذه الغرفة ونظرت طويلاً إلى وجهك ولكنني لم أتلفظ بكلمة . أما أنت فكنت تحدقين بي وتهزين رأسك وتبتسمين ابتسامة من يجد لذة في تلبك وتشويش جليسه .

وماذا أقول لك الآن ورسالتك العذبة أمامي ؟ إن هذه الرسالة العلوية قد حولت حيرتي إلى الخجل . أنا مخجول من سكوتي ومخجول من ألمي ومخجول من الكبرياء التي جعلتني أضع أصابعي على شفتي وأصمت . كنت بالأمس أحسبك " المذنبة" أما اليوم وقد رأيت حلمك وعطفك يتعانقان كملاكين فقد صرت أحسب نفسي المذنب .

ولكن اسمعي يا صديقتي فأخبرك عن أسباب سكوتي وألمي :

حياتي حياتان , حياة أصرفها بالعمل والبحث ومخالطة الناس ومصارعة الناس واستقصاء السر الخفي في أعماق الناس , وحياة أخرى أصرفها في مكان قصي هادئ مهيب مسحور لا يحده مكان ولا زمان . ففي العام الغابر كنت أن بلغت ذلك المكان البعيد ألتفت فأرى روحاً ثانية جالسة بجانب روحي تبادلها ما هو أدق من الأفكار وتشاركها بما هو أعمق من العواطف . فعزوت هذا الأمر في البداية إلى أوليات بسيطة اعتيادية , ولكن لم يمر شهران إلا وتقرر لديّ أ، هناك سراً أبعد من الأوليات وأدق من الاعتياديات . والغريب أنني كنت أعود من هذه السفرات النفسية شاعراً بيد شبيهة بالضباب تلامس وجهي , وفي بعض الأحايين كنت أسمع صوتاً دقيقاً ناعماً كلهاث الطفل متموجاً في أذني .

يقول بعض الناس أنني من " الخياليين" , وأنا لا أعرف ماذا يعنون بهذه الكلمة ولكنني أعرف أنني لست بخيالي إلى درجة الكذب على نفسي . ولو حاولت الكذب على نفسي فنفسي لا تصدقني .

النفس يا ميّ لا ترى في الحياة إلا ما بها , ولا تؤمن إلا باختباراتها الخصوصية , وإذا ما اختبرت أمراً صار غصناً في شجرتها . وأنا قد اختبرت أمراً في العام الغابر . قد اختبرته ولم أتخيله . اختبرته مرات عديدة . اختبرته بنفسي وعقلي وحواسي . اختبرته وكان بقصدي أن أكتمه كشيء خصوصي . ولكنني لم أكتمه , بل أظهرته لصديقة لي . أظهرته لها لأنني شعرت إذ ذاك بحاجة ماسة إلى إظهاره . وهل تعلمين ماذا قالت لي صديقتي ؟ قالت لي على الفور " هذا نشيد غنائي "! لو قيل لوالدة تحمل طفلها على منكبيها " هذا تمثال من الخشب وأنت تحملينه " بعياقة" فبماذا يا ترى تجيب تلك الوالدة ؟ وبماذا تشعر ؟

ومرت الشهور وهذه الكلمة " نشيد غنائي" تحفر في قلبي . ولم تكتفي صديقتي ! لم تكتفي بل ظلت واقفة لي بالمرصاد , فلم أقل كلمة إلا وذيلتها بالتعنيف , ولم أحدق بشيء إلا وأخفته وراء القناع , ولم أمد يداً إلا وثقبتها بمسمار .

بعد ذلك قنطت . وليس بين عناصر النفس عنصر أمر من القنوط . ليس في الحياة شيء أصعب من أن يقول المرء لنفسه " لقد غُلبت " .

والقنوط يا مي جزر لكل مد في القلب . والقنوط يا مي عاطفة خرساء . لذلك كنت أجلس أمامك في الشهور الأخيرة وأنظر طويلاً إلى وجهك بدون أن أنبث ببنت شفة . لذلك لم أكتب بدوري . لذلك كنت أقول في سري ( لم يبق لي دور) .

ولكن في قلب كل شتاء ربيع يختلج , ووراء نقاب كل ليل صباح يبتسم . وها قد تحول قنوطي إلى شكل من الأمل .

ما أقدس تلك الساعة المهيبة التي رسمت فيها صورة " نحو اللانهاية" . وما أعذب وأهيب الامرأة التي تضع شفتيها على عنق امرأة أخرى وتناجيها . وما أبهى ذلك النور الذي يتكلم في أعماقنا , ما أبهى ذلك النور يا مي .

وماذا أقول عن رجل أوقفه الله بين امرأتين امرأة تحوك من أحلامه اليقظة وامرأة تحوك من يقظته الأحلام ؟ ماذا أقول عن قلب وضعه الله بين سراجين ؟ ماذا أقول عن هذا الرجل ؟ هل هو كئيب ؟ لا أدري , ولكنني أعلم أن الأنانية لا تجاور كآبته . هل هو سعيد ؟ لا أدري , ولكنني أعلو أن الأنانية لا تقترب من سعادته . هل هو غريب عن هذا العالم ؟ لا أدري , ولكنني أسألك ما إذا كنت تريدين أن يبقى غريباً عنك ؟ هل هو غريب وليس في الوجود من يعرف كلمة من لغة نفسه ؟ لا أدري , ولكنني أسألك ما إذا كنت لا تريدين محادثته بلغة أنت أعرف الناس بها ؟

أو لست أنت أيضاً غريبة عن هذا العالم ؟ ألست بالحقيقة غريبة عن محيطك وعن كل ما في محيطك من الأغراض والمنازع والمآتي والمرامي ؟ أخبريني , أخبريني يا مي هل في هذا العالم كثيرون يفهمون لغة نفسك ؟ كم مرة يا ترى لقيتِ من يسمعك وأنت ساكتة ويفهمك وأنت ساكتة ويطوف معك في قدس أقداس الحياة وأنت جالسة قبالته في منزل بين المنازل ؟

أنت وأنا من الذين حباهم الله بالأصدقاء والمحبين والمريدين الكثيرين . ولكن قولي لي هل يوجد بين هؤلاء الغيورين المخلصين من يستطيع الواحد منا أن يقول له " ألا فاحمل صليبي عني يوماً واحداً " هل بينهم من يعرف أن وراء أغانينا أغنية لا تسجنها الأصوات ولا ترتعش بها الأوتار ؟ هل بينهم من يعرف الفرح في كآبتنا والكآبة في فرحنا ؟

تقولين لي " أنت فنّي وأنت شاعر ويجب عليك أن تكون سعيداً مقتنعاً لأنك فنّي وشاعر " ولكن يا مي أنا لست بفني ولا بشاعر . قد صرفت أيامي وليالي مصوراً وكاتباً ولكن " أنا" لست في أيامي ولياليَّ . أنا ضباب يا مي . أنا ضباب وفي الضباب وحدتي وفيه وحشتي وانفرادي وفيه جوعي وعطشي . ومصيبتي أن هذا الضباب , وهو حقيقي , يشوق إلى لقاء ضباب آخر في الفضاء . يشوق إلى استماع قائل يقول " لست وحدك , نحن اثنان , أنا أعرف من أنت "

اخبريني , اخبريني يا صديقي , أيوجد في هذا العالم من يقدر ويريد أن يقول لي " أنا ضباب آخر أيها الضباب , فتعال نخيم على الجبال وفي الأودية . تعال نسير بين الأشجار وفوقها , تعال نغمر الصخور المتعالية . تعال ندخل معاً إلى قلوب المخلوقات وخلاياها , تعال نطوف في تلك الأماكن البعيدة المنيعة الغير معروفة " قولي لي يا مي , أيوجد في ربوعكم من يريد ويقدر أن يقول لي ولو كلمة واحدة من هذه الكلمات ؟

وأنتِ تريدين أن ابتسم " وأعفو"

لقد ابتسمت كثيراً منذ هذا الصباح . وها أنا ابتسم في أعماقي , وابتسم في كليتي , وابتسم طويلاً , وابتسم كأنني لم أخلق الا للابتسام . أما " العفو" فكلمة هائلة فتاكة جارحة أوقفتني مخجولاً متهيباً أمام الروح النبيلة التي تتواضع إلى هذا الحد , وجعلتني أحني رأسي طالباً منها العفو . أنا وحدي المسيء . قد أسأت في سكوتي وفي قنوطي لذلك استعطفك أن تغتفري ما فرط مني وتسامحيني .

كان الأحرى بنا تصدير هذا الحديث بالكلام عن كتاب " باحثة البادية " ( اسم مستعار اتخذته الكاتبة المصرية ملك حفني ناصيف واتخذته مي عنوانا للسيرة التي وضعتها عن ملك ونشرتها عام 1920 ) ولكن للخصوصيات دالة علينا , وفي الخصوصيات قوة تجتذبنا إليها من أقصى الأمور وأجلها .

ما قرأت قط كتاباً عربياً أو غير عربي مثل كتاب " باحثة البادية" . لم أر في حياتي صورتين مرسومتين بمثل هذه الخطوط وهذه الألوان . لم أر في حياتي صورتين في إطار واحد , صورة امرأة أديبة مصلحة وصورة امرأة أكبر من أديبة وأعظم من مصلحة . لم أر في حياتي وجهين في مرآة واحدة – وجه امرأة يخفي نصفه ظل الأرض , ووجه امرأة يغمره نور الشمس . قلت " وجه امرأة يخفي نصفه ظل الأرض " لأنني شعرت منذ أعوام ولم أزل أشعر بأن باحثة البادية لم تتملص من محيطها المادي ولم تتجرد عما يساورها من المؤثرات القومية والاجتماعية حتى حل الموت قيودها . أما الوجه الثاني , الوجه اللبناني المغمور بكليته بنور الشمس , فهو في عقيدتي وجه أول امرأة شرقية تعالت حتى بلغت ذلك الهيكل الأثيري حيث تنزع الأرواح أجسادها المصنوعة من غبار التقاليد والعادات والزوائد وقوة الاستمرار .

هو وجه أول امرأة شرقية أدركت وحدة الوجود بما في الوجود من الخفي والظاهر ومن المعروف وغير المعروف . وغداً , بعد أن يطرح الزمن ما يكتبه الكتاب وينظمه الشعراء في ( هوة) النسيان يظل كتاب " باحثة البادية" موضوع اعجاب الباحثين والمفكرين والمستيقظين . أنت يا مي صوت صارخ في البرية . أنت صوت رباني , والأصوات الربانية تبقى متموجة في الغلاف الأثيري حتى نهاية الزمن .

والآن عليّ أن أجيب عن كل سؤال من سؤالاتك اللذيذة . عليّ أن لا أنسى شيئاً . أولاً " كيف أنا؟" – لم أفكر في الآونة الأخيرة بكيفية أنا , بيد أنني أرجح أنني في حالة حسنة رغم ما في حياتي اليومية من الرفاصات المتباينة والدواليب المختلفة بالصورة والحجم . " وماذا أكتب؟" – أكتب سطراً أو سطرين بين كل مساء وصباح . قلت بين كل مساء وصباح لأنني في الوقت الحاضر أصرف نور نهاري مهموكاً برسوم زيتية كبيرة عليّ اتمامها قبل نهاية هذا الشتاء . ولولا هذه الصور والمعاهدة التي تربطني بها لكنت صرفت هذا الشتاء بين باريس والشرق . " وهل اشتغل كثيراً؟"- اشتغل دائماً , اشتغل حتى وفي نومي , اشتغل وأنا جامد كالصخر . ولكن شغلي الحقيقي ليس بالكتابة أو التصوير , في أعماقي يا مي حركة أخرى لا علاقة لها بالكلام ولا بالخطوط والألوان . فالشغل الذي ولدت له لا يتناول الريشة والقلم . " وما لون البذلة التي ارتديها اليوم ؟" – من عوائدي أن ارتدي بذلتين في وقت واحد , بذلة من نسج الناسجين وخياطة الخياطين وبذلة من لحم ودم وعظام ! أما اليوم فإني أرتدي ثوباً واحداً طويل الأذيال واسع الجوانب عليه أثر الحبر والألوان وهو بالإجمال لا يختلف عن ملابس الدراويش إلا بنظافته ! أما الثوب الثاني المصنوع من لحم ودم وعظام فهو مطروح في الغرفة المحاذية , لأني أفضل محادثتك وبعيد بعيد عني . " وكم سيجارة دخنت منذ الصباح؟" ما أعذب هذا السؤال وما أصعب الجواب عليه ! هذا يا مي يوم تدخين بتدخين فقد حرقت منذ صباحه أكثر من عشرين سيجارة ! والتدخين عندي لذة لا عادة قاهرة , فقد يمر بي الأسبوع الكامل بدون سيجارة واحدة . نعم , دخنت اليوم أكثر من عشرين سيجارة . والحق عليك ! فلو كنتُ وحدي في هذا " الوادي" لما دخنت أبداً !! ولكنني لا أريد أن أكون وحدي . أما بيتي فلم يزل بدون سقف ولا جدران , وأي منا يا ترى يريد أن يكون مسجوناً ؟ وأما بحار الرمل وبحار الأثير فهي اليوم مثلما كانت بالأمس – عميقة كثيرة الأمواج وبدون شواطئ . والسفينة التي أخوض بها هذه البحار تسير ولكن ببطء . من يقدر ويريد أن يضيف شراعاً جديداً إلى شراع سفينتي ؟ ليت شعري من يقدر ويريد ؟ أما كتاب " نحو الله" فما برح في المعمل السديمي وأفضل رسومه لم تزل خطوطاً في الهواء وعلى وجه القمر . وأما " المستوحد " فقد ظهر منذ ثلاثة أسابيع باسم " السابق" ( كتابه الانكليزي الثاني فيه يظهر المنحى الجديد الذي بدأه في المجنون وتظهر نزعته الصوفية العميقة , نشره عام 1920 ) وقد بعثت إليك بنسخة منه . وفي البريد نفسه بعثت إليك بنسخة من " العواصف" ( مجموعة باللغة العربية من المقالات والقصص القصيرة والقصائد النثرية كانت قد نشرت في الصحف والمجلات ما بين 1912 و 1918 ) وبنسخة ثالثة من حصرم كرمي " دمعة وابتسامة" , ولم أرسل إليك القائمة التي يصدرها في الصيف ناشر كتبي لأنني في الصيف كنت في البرية البعيدة – وهناك سبب آخر !! وأما الرسوم , والخزف , والزجاج والكتب القديمة والآلات الموسيقية والتماثيل المصرية واليونانية والغوطية فهي كما تعهدينها , مظاهر للروح الأزلية الأبدية , كلمات منثورة من كتاب الله . وكم جلست أمامها مفكراً بالشوق الذي أوجدها , كم حدقت بها حتى غابت عن نظري وحل مكانها أشباح الأزمنة التي نقلتها من عالم الغيب إلى عالم المرئيات . لم أحصل بعد على التمثال الكلداني من الحجر الأسود . ولكن في الربيع الغابر كتب إليّ صديق انكليزي موجود في العراق مع الحملة البريطانية وقال " إذا وجدت شيئاً فهو لك "

قد أجبت على جميع سؤالاتك ولم أنس شيئاً . وقد بلغت الحد من هذه الصفحة قبل أن أقول كلمة مما أردت قوله عندما ابتدأت في رأس الصفحة الأولى . لم ينعقد ضبابي قطراً يا مي وتلك السكينة , تلك السكينة المجنحة المضطربة لم تتحول إلى ألفاظ . ولكن هلا ملأت يدك من هذا الضباب ؟ هلا أغمضت عينيك وسمعت السكينة متكلمة ؟ وهلا مررت ثانية بهذا الوادي حيث الوحشة تسير كالقطعان وترفرف كأسراب الطيور وتتراكض كالسواقي وتتعالى كأشجار السنديان ؟ هلا مررت ثانية يا مي ؟ والله يحفظك ويحرسكِ .


جبران
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:52 pm

لعازر وحبيبته
مسرحية
جبران خليل جبران

[...] فقال لها يسوع: "ألم أقلْ لكِ إنك إن آمنتِ فسترين مجد الله؟" فرفعوا الحجر. فرفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: "يا أبتِ، أشكركَ لأنك سمعتَ لي. وقد علمتُ أنك تسمع لي في كلِّ حين. لكنْ قلتُ هذا لأجل الجمع الواقف حولي ليؤمنوا أنك أنتَ أرسلتَني." ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم: "يا لعازر، هلمَّ خارجًا!" فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطة بلفائف، ووجهُه ملفوف بمنديل. فقال لهم يسوع: "حلُّوه، ودعوه يذهب."
إنجيل يوحنا 11: 40-41

الأشخاص: لعازر؛ أخته مريم؛ أخته مرتا؛ أمُّه؛ فيليبُّس (أحد التلاميذ)؛ المجنون.
المكان: الحديقة خارج دار لعازر في بيت عنيا، حيث تقيم أمُّه وأختاه.
الزمان: بعد ظهر يوم الاثنين الذي يلي أحد القيامة.
***
[يُرفَع الستار، ومريم جالسة على يمين المسرح، تحدِّق إلى التلال، ومرتا على اليسار قرب الباب، جالسة إلى النول. وفي زاوية الدار، في أقصى اليسار، جلس المجنون إلى الجدار.]
مريم: [تلتفت إلى مرتا.] لا أراك تحوكين. منذ فترة لا تحوكين.
مرتا: أنتِ لا تفكرين في ما أعمل. كَسَلِي جعلكِ تفكرين في ما قاله المعلِّم. يا للمعلِّم الحبيب!
المجنون: يأتي زمان لا حائك فيه، ولا من يلبس ما حاك من قماش. سنقف جميعًا عراة تحت الشمس.
[فترة صمت تطول. لم تسمع المرأتان ما قاله المجنون. لا تسمعانه أبدًا.]
مريم: نحن في ساعة متأخرة.
مرتا: نعم، نعم، أعرف أننا في ساعة متأخرة.
[تطل الأم خارجة من باب الدار.]
الأم: هل عاد؟
مرتا: لا يا أماه، لم يعد بعد.
[تنظر النساء الثلاث باتجاه التلال.]
المجنون: هو نفسه لن يعود. ما قد ترونه ليس غير نَفَسٍ يجاهِد في جسد.
مريم: يبدو لي أنه لم يعد بعدُ من العالم الآخر.
الأم: إن موت المعلِّم أثَّر عليه كثيرًا. فمنذ أيام لا يأكل، وفي الليل لا ينام. أنا متأكدة أن موت صديقنا وراء كلِّ ذلك.
مرتا: لا يا أماه. ثمة شيء آخر، شيء لا أفهمه.
مريم: نعم، نعم، ثمة شيء آخر. أعرف ذلك أيضًا. عرفت ذلك من أيام، ولكني لا أستطيع أن أشرحه. عيناه أكثر عمقًا. يحدِّق إليَّ كأنه يرى شخصًا آخر من خلالي. محبٌّ، إلا أن محبته لشخص ليس هنا. صامت، وكأن خاتَم الموت لا يزال على شفتيه.
[صمت يلفُّ النساء الثلاث.]
المجنون: كلُّ إنسان يرى شخصًا آخر من خلال الشخص الذي ينظر إليه.
الأم: [قاطعة الصمت.] أتمنى أن يعود. أمضى مؤخرًا الساعات الطويلة وحيدًا بين هاتيك التلال. يجب أن يكون معنا هنا.
مريم: أماه، منذ زمن طويل وهو ليس معنا.
مرتا: كان دائمًا معنا. غاب عنا هذه الأيام الثلاثة فقط.
مريم: الأيام الثلاثة؟ ثلاثة أيام! نعم يا مرتا، أنتِ على حق. ثلاثة أيام فقط.
الأم: أتمنى أن يعود ابني من التلال.
مرتا: سيعود قريبًا يا أمي. لا تقلقي.
الأم: من عاد من القبر، يرجع من التلال. يصعب عليَّ أن أتصوَّر، يا ابنتي، كيف قُتِل بالأمس الذي أعاد ابني إلى الحياة.
مريم: أي هذا، وأي وجع!
الأم: آه، كم كانوا قساة مع الذي أعاد ابني إليَّ.
[صمت.]
مرتا: ولكن يجب ألا يبقى لعازر طويلاً بين التلال.
مريم: سهلٌ على الحالِم أن يضيع بين بساتين الزيتون. أعرف مكانًا أحبَّه لعازر، يطلبه، وفيه يجلس ويحلم ويستكين. يقع هذا المكان، يا أمي، قرب جدول صغير لا يصل إليه إلا مَن يعرفه. أخذني مرة معه في الربيع، وجلسنا على حجرين كالأطفال، والأزهار من حولنا. وفي فصل الشتاء كنا نتذكر هذا المكان، وكان، كلما تحدَّث عنه، لمع في عينيه نورٌ غريب.
المجنون: بلى، ذاك النور الغريب. لذلك ظلَّ بعيدًا عنَّا، مع أنه كان دائمًا معنا.
مريم: تعرفين، يا أمي، أن لعازر كان دائمًا بعيدًا عنَّا، مع أنه كان دائمًا معنا.
الأم: تقولين أشياء كثيرة لا أفهمها. [فترة توقف.] أتمنى أن يعود ابني من
التلال، أتمنى أن يعود! [توقف.] عليَّ أن أذهب الآن. فَطَبَقُ العدس على النار، ولا يحتمل المزيد من الطهي.
[تخرج الأم من باب الدار.]
مرتا: أتمنى لو أستطيع أن أفهم كلَّ ما تقولينه يا مريم. تتكلَّمين كأن شخصًا آخر يتكلَّم.
مريم: [بصوت غريب.] أعرف ذلك، يا أختي، أعرفه. دائمًا ثمة شخص آخر يتكلَّم عندما نتكلَّم.
[فترة صمت طويلة. مريم تسهو بعيدًا، ومرتا تراقبها ببعض الفضول. يعود لعازر من التلال ويدخل من الخلف، من الجهة اليسرى. يرمي بنفسه على العشب، تحت أشجار اللوز قرب الدار.]
مريم: [راكضة نحوه.] أراك متعبًا، منهوك القوى، يا لعازر. يبدو أنك مشيت مسافة طويلة.
لعازر: [يتكلم وكأنه غائب.] نمشي، نمشي، ولا نصل إلى مكان. نطلب، ولا نجد شيئًا. من الأفضل أن نكون بين التلال.
المجنون: كيف لا، والمكان أقرب إلى التلال الأخرى قدر ذراع فقط.
مرتا: [بعد برهة صمت.] لستَ على ما يرام. وتتركنا طوال النهار فنقلق عليك. فرِحْنا لعودتك يا لعازر. ولكن عندما تتركنا وحدنا هنا تُبدِّل فرحَنا قلقًا.
لعازر: [يدير وجهه صوب التلال.] هل تركتُكم طويلاً هذا النهار؟ أعجب كيف تُسمُّون لحظة بين التلال انقطاعًا. أحقيقة أني بقيت أكثر من لحظة بين التلال؟
مرتا: تركتنا النهار بطوله.
لعازر: دعنَني أفكر! يوم كامل بين التلال! من يصدِّق؟
[صمت. تدخل الأم خارجة من باب الدار.]
الأم: إني مسرورة بعودتك، يا بنيَّ. تأخرتَ، والضباب ملأ التلال. خفتُ عليك، يا بنيَّ.
المجنون: يخافون الضباب، والضباب بدايتهم ونهايتهم.
لعازر: نعم، عدت إليكم من التلال. يا للأسف! كلُّ هذا يدعو للأسف؟
الأم: ما هذا الذي تتكلَّم عنه يا لعازر؟ ما الذي يدعو كلُّه للأسف؟
لعازر: لا شيء، يا أمي، لا شيء!
الأم: يا لغرابة ما تقول. لا أفهمك، يا لعازر. قلتَ أشياء قليلة منذ عودتك، لكن ما تقوله يبدو لي غريبًا.
مرتا: يبدو غريبًا حقًّا.
[توقُّف.]
الأم: الضباب يتكدَّس هنا. تعالوا يا أولادي ندخل إلى الدار.
[تدخل الأم الدار بعد أن تقبِّل لعازر بحنان كئيب.]
مرتا: في الهواء قليل من البرودة، وعليَّ أن أنقل النول والكتان إلى داخل الدار.
مريم: [جالسة على العشب تحت شجر اللوز تقول لمرتا.] لا تصلح أمسيات نيسان لا للنول ولا للكتان. أتريدين أن أساعدك في إدخالها؟
مرتا: لا، لا. أستطيع أن أحملها وحدي. كنت دائمًا أُدخِلُها وحدي.
[تحمل مرتا النول وتدخل إلى الدار. وحين تعود لتحمل نسيج الكتان تهبُّ ريح تهزُّ الشجر، ويتساقط زهر اللوز على مريم ولعازر.]
لعازر: الربيع يعزِّينا، والأشجار تبكي لأجلنا. لو تعرف كلُّ الاشياء على الارض سقوطنا وحزننا لأشفقتْ علينا وبَكَتْ من أجلنا.
مريم: لقد حلَّ الربيع. حتى لو جاء محجوبًا بحجاب الأسى يظل ربيعًا. دعنا من الكلام عن الشفقة. لنتقبَّل ربيعنا وأحزاننا بالاعتراف بفضلها. ولنتأمل في صمتٍ عَذْبٍ ذاك الذي وهبكَ الحياة وسلَّم حياتَه هو. دعنا من الكلام عن الشفقة يا لعازر.
لعازر: الشفقة؟ الشفقة أن أكون ممزَّقًا من ألف ألف سنة برغبة القلب. ألف ألف سنة بجوع القلب. الشفقة أن أعود ثانية، بعد ألف ألف ربيع، إلى هذا الشتاء.
مريم: ماذا تعني يا أخي؟ لماذا تتكلَّم عن ألف ألف ربيع؟ كنت بعيدًا عنَّا ثلاثة أيام فقط. ثلاثة أيام قصيرة. إلا أن أحزاننا استمرت أكثر من ثلاثة أيام.
لعازر: ثلاثة أيام؟ ثلاثة قرون، ثلاثة دهور! كلُّ الزمان. كلُّ الزمان مع التي أحبَّتْها روحي قبل أن يكون زمان.
المجنون: بلى، ثلاثة أيام، ثلاثة قرون، وثلاثة دهور. غريب كيف أنهم دائمًا يقيسون ويَزِنون. دائمًا ساعة شمسية وميزان.
مريم: [بدهشة.] التي أحبَّتْها روحُك قبل أن يكون زمان؟ لماذا تقول هذه الأشياء يا لعازر؟ إنه مجرَّد حلم كنتَ تحلمه في حديقة أخرى. أما الآن فنحن هنا في هذه الحديقة، على مرمى حجر من القدس. نحن هنا، وتعرف، يا أخي، أن المعلِّم أرادك أن تكون معنا في هذه اليقظة لتحلمَ بالحياة والحب، ولتكون التلميذ الغيور، والشاهد الحيَّ على مجده.
لعازر: لا حلم هنا ولا يقظة. أنتِ وأنا وهذه الحديقة مجرَّد وهم، بل ظلٌّ للحقيقي. اليقظة هنا، حيث كنتُ مع حبيبتي والحقيقة.
مريم: [واقفة.] حبيبتك؟
لعازر: [يقف أيضًا.] نعم حبيبتي.
المجنون: بلى، بلى. حبيبته، الفضاء البكر، حبيبة كلِّ إنسان.
مريم: أين حبيبتك؟ مَن حبيبتك؟
لعازر: توأم قلبي التي بحثتُ عنها هنا، ولم أجدها. وجاء الموت، الملاك ذو القدمين المجنَّحتين، وحمل شوقي إلى شوقها، وعشت معها في قلب الله. دنوتُ منها ودنتْ مني، حتى صرنا واحدًا. كنَّا كوكبًا يتلألأ تحت الشمس، وكنَّا أغنية بين النجوم. كنَّا كلَّ هذا، وأكثر، يا مريم. حتى جاء صوت، صوت من الأعماق. صوت العالم ناداني، والذي كان موحَّدًا تطاير إربًا. وألف ألف سنة أمضيتُها مع حبيبتي في الفضاء لم تحمِني من قوة ذلك الصوت الذي دعاني للعودة.
مريم: [ناظرة إلى السماء.] أيتها الملائكة المباركة – يا ملائكة الساعات الصامتة – ساعدنَني على فهم هذا! لن أكون غريبة في هذه الأرض الجديدة التي اكتشفها الموت. تابع كلامك، يا أخي. أظنُّ أنني في أعماقي أتابع حديثك.
المجنون: اتبعيه، إن كنت تستطيعين، أيتها المرأة الصغيرة. أتستطيع السلحفاة أن تتبع المهر؟
لعازر: كنتُ جدولاً أنشد البحر، حيث تقيم حبيبتي. ولما وصلتُ إلى البحرأعادوني إلى التلال لأركض ثانية بين الصخور. كنت أغنية أَسَرَها الصمتُ، أتوق إلى قلب حبيبتي. ولما حرَّرتْني رياحُ السماء، وأطلقتْني في تلك الغابة الخضراء، استردَّني صوتٌ، وأعادني ثانية إلى الصمت. كنت جذرًا في غابة الأرض المظلمة، وصرت زهرة في الفضاء، ثم عطرًا. أرتفع لأغمر حبيبتي، فتمسك بي يدٌ وتعيدني جذرًا من جديد، جذرًا في الأرض المظلمة.
المجنون: إن كنتَ جذرًا تستطيع أن تهرب من العواصف في الأغصان. خيرٌ لك أن تظلَّ جدولاً يجري، حتى بعد وصولك إلى البحر. وخيرٌ للمياه أن تجري صَعَدًا.
مريم: [لنفسها.] يا للغرابة! يا لغرابة ما يجري. [توجِّه حديثها إلى لعازر.] ولكن، يا أخي، خيرٌ أن يكون الإنسان جدولاً يجري، وخيرٌ أن يكون أغنية لم تُغنَّ بعد، وخيرٌ أن يكون جذرًا في الأرض المظلمة. عرف المعلِّم هذا كلَّه، وناداك لتعود إلينا، حتى نعرف أنْ لا حجاب بين الموت والحياة. ألا ترى أنك شاهدٌ حيٌّ على البقاء؟ ألا ترى كيف أنَّ كلمة واحدة نطق بها بمحبة تجمع لعناصر التي بَعْثَرَها وَهْمٌ سمَّيناه الموت؟ آمِن، آمِن، لأن الإيمان معرفتُنا الأعمق. به وحده تستطيع أن تجد العزاء.
لعازر: العزاء! العزاء الغادر المُهلِك! العزاء الذي يخدع حواسنا ويسخِّرنا للساعة العابرة. لن يكون عزاءٌ لديَّ، بل غضب. سأُحرَق في الفضاء البارد مع حبيبتي. سأكون في الفضاء الذي لا حدود له مع رفيقتي، مع ذاتي الأخرى. آه، يا مريم! كنتِ مرة أختي، يا مريم، وعَرَفَ الواحد منَّا الآخر حين لم يكن أقرب المقرَّبين إلينا يعرفُنا. والآن اسمعيني. اسمعيني بقلبك.
مريم: أسمعك، يا لعازر.
المجنون: ليسمع العالم كلُّه. فالسماء سُتحدِّث الأرض الآن. إلا أن الأرض صمَّاء. الأرض شبه صمَّاء – مثلي ومثلك.
لعازر: كنتُ مع حبيبتي في الفضاء، وكنَّا كلَّ الفضاء. كنَّا في النور، وكنَّا كلَّ النور. كنَّا نطوف على وجه الغمر، كما الروح الأزلية. وكان الزمان كلُّه اليوم الأول. كنَّا المحبة نفسها تقيم في قلب الصمت الأبيض. وفجأة دوَّى صوتٌ كالرعد، صوتٌ كأنه رماح عديدة تخترق الأثير. صرخ قائلاً: "تعال يا لعازر!" وكان للصوت صدًى ترجَّعَ في الفضاء. ومع أني كنت مدَّ الطوفان فقد صرتُ جَزْرَه. صرتُ بيتًا منقسمًا على ذاته، ثوبًا ممزقًا، شبابًا ضائعًا، برجًا سَقَطَ، ومن حجارته المحطِّمة أقيمَ نصبٌ. وصرخ صوتٌ: "لعازر هَلُمَّ خارجًا!" ونزلتُ من عرش السماء إلى قبر داخل قبر – هذا الجسد – في كهف مختوم.
المجنون: يا حادي القافلة، أين رجالك وأين جمالك؟ هل ابتلعتْها الأرض؟ هل لفَّتْها ريحُ السَّموم بالرمال؟ لا. رفع يسوع الناصري يده، وأطلق يسوع الناصري كلمة. أخبرني الآن: أين جمالك ورجالك وكنوزك؟ في الرمال، حيث لا أثر، في الرمال، حيث لا أثر. إلا أن رياح السَّمُوم ستعود ثانية وتنبشها. ريح السَّموم دائمًا تعود.
مريم: أوه. إنه حلم حُبِلَ به على رأس جبل. أعرف، يا أخي، أعرف العالم الذي زرتَه، مع أني ما رأيته أبدًا. ومع هذا، ما تقولُه يبدو غريبًا. إنها قصة يرويها شخصٌ في القاطع الآخر من الوادي، وأكاد لا أسمعها.
لعازر: في القاطع الآخر من الوادي يختلف الأمر كثيرًا. هناك لا وزن، ولا قياس. هناك أنتِ مع حبيبك. [صمت.] يا حبيبتي. يا حبيبتي، يا عطرًا في الفضاء! يا أجنحة منشورة لي! أخبريني في سكون قلبي هل تطلبينَني، وهل آلمكِ الانفصالُ عنِّي؟ هل كنتُ أنا أيضًا عطرًا وأجنحة منشورة في الفضاء؟ أخبريني الآن، يا حبيبتي: هل كانت القسوة مضاعفة؟ هل كان لكِ شقيقٌ في عالم آخر ناداكِ من الحياة إلى الموت؟ وهل كان عندك أمٌّ وشقيقات وأصدقاء اعتبرنَها معجزة؟ هل كانت قسوة مضاعفة، أُعطِيَتْ ببركة؟
مريم: كلا، كلا، يا أخي! ثمة يسوع واحد في عالم واحد. كلُّ الاشياء الأخرى ليست أكثر من مجرد حلم، تمامًا مثل حبيبتك.
لعازر: [في انفعال كبير.] كلا، كلا! إن لم يكن يسوع حلمًا، فهو لا شيء. إن لم يعرف ما خلف هذه القدس، فهو لا شيء. إن لم يعرف حبيبتي في الفضاء، فهو ليس المعلِّم. يا صديقي يسوع، مرة أعطيتَني كأس خمر قائلاً: "اشرب هذه لذكري." وغمستَ كسرةَ خبز في الزيت وقلتَ: "كُلْ هذا، إنه حصتي من الرغيف." يا صديقي، وضعتَ يدك على كتفي وناديتَني: "يا بنيَّ." قالت أمي وشقيقتاي في قلوبهنَّ: "يحب لعازر." وأنا أحببتُك. بعد ذلك ذهبتَ لتبني أبراجًا جديدة في السماء، وذهبت أنا إلى حبيبتي. أخبرني الآن. أخبرني لماذا أعدتَني؟ ألم تكن تعرف في قلبك العارف أني كنت مع حبيبتي؟ ألم تلقَها وأنت تتجوَّل فوق قمم لبنان؟ بالتأكيد رأيتَ صورتها في عينيَّ حين عدتُ ووقفتُ أمامك على باب القبر. وأنتَ، ألا حبيبة لك تحت الشمس؟ أتريد أن يأتي مَن هو أعظم منك ويفصلها عنك؟ وما عساك تقول بعد الفصل؟ وما عساي أقول لكَ الآن؟
المجنون: أمَرَني أيضًا أن أعود، لكني لم أُطِعْه. ولهذا يسمُّونني المجنون.مريم: هل لي، يا لعازر، حبيبٌ في السماء؟ هل أبدعتْ رغبتي كائنًا خلف هذا العالم؟ وهل عليَّ أن أموت لأكون معه؟ أخبرني، يا أخي، هل من رفيق لي أنا أيضًا؟ إذا كان الأمر كذلك، فما أحلى أن نعيش ونموت، ونعيش ونموت ثانية – إذا كان الحبيب ينتظرني حتى أحقِّق ذاتي، وأنتظره حتى يحقِّق ذاته؟
المجنون: لكلِّ امرأة حبيبٌ في السماء. إن قلب كلِّ امرأة يبدع كائنًا في الفضاء.
مريم: [تكرِّر في رفق كأنها تحدِّث نفسها.] هل من حبيب لي في السماء؟
لعازر: لا أعرف. ولكن إذا كان لديك حبيب، ذاتٌ أخرى في مكان ما أو زمان ما، وتجتمعين به، فبالتأكيد لن يفصلك عنه أحد.
المجنون: ربما كان هنا. ربما يناديها. ولكنها، مثل كثيرات سواها، قد لا تسمع.
لعازر: [يتقدَّم إلى وسط المسرح.] أن ننتظر، أن ننتظر كلَّ فصل حتى يقهر فصلاً آخر. وبعد ذلك ننتظر أن يأتي فصلٌ آخر يقهر هذا. أن تراقب كلَّ الأشياء تنتهي قبل أن تأتي نهايتك – ونهايتك هي أيضًا بدايتك. أن تصغي إلى كلِّ الأصوات وتعرف أنها كلَّها تذوب في الصمت، ما عدا صوت القلب الذي يبكي حتى في النوم.
المجنون: تزوج أبناءُ الله أبناءَ الإنسان. وبعد ذلك طلَّقوهم. والآن يتوق أبناء الإنسان لأبناء الله. أشفِقْ عليهم جميعًا، على جميع أبناء الله وأبناء الإنسان.
[صمت.]
مرتا: [تبدو في مدخل الدار.] لماذا لا تدخل الدار، يا لعازر؟ حضَّرتْ أمُّنا طعام العشاء. [بشيء من نفاد الصبر.] عندما تكون مع مريم تتكلَّمان، وتتكلَّمان، وتتكلَّمان، ولا يعرف أحد ما تقولان.
[تقف مرتا لحظات قليلة ثم تدخل الدار.]
لعازر: [يُكلِّم نفسه كأنه لم يسمع مرتا.] ضاع عمري سُدًى، تبددتُ جوعان وعطشان. ألا أعطيتَني قليلاً من الخبز والخمر؟
مريم: [تمشي إليه وتضمُّه بذراعها.] سأعطيك ما أردتَه يا أخي، ولكن تعال ندخل الدار. فأمُّنا حضَّرت طعام العشاء.
المجنون: يسأل عن خبز لا تستطيعون خَبْزَه، وعن خمر لا تعرفُها جرارُكم.
لعازر: أقلت لكم إني جوعان وعطشان؟ لست جائعًا لخبزكم، ولا عطشان لخمركم. أقول لكم: لن أدخل دارًا إلا ويدُ حبيبتي على مزلاج الباب. لن أجلس إلى الوليمة إلا وهي بجانبي.
[تطلُّ الأم من باب الدار.]
الأم: لماذا لا تزال في الضباب، يا لعازر؟ وأنتِ، يا مريم، لماذا لا تدخلين الدار؟ أضأتُ الشموع ووضعت الطعام على الطبق، وأنتما في الخارج تثرثران وتلوكان كلماتكما في الظلام.
لعازر: أمي تريدُني أن أدخل إلى قبر. تريدني أن آكل وأشرب. حتى إنها تأمرني أن أجلس بين الوجوه المقنَّعة، وأن أتلقَّى الزبدية من أيدٍ ذابلةٍ، وأستمدَّ الحياة من كؤوس الطين.
المجنون: أيها الطائر الأبيض الذي طار جنوبًا، حيث الشمس تحبُّ كلَّ الأشياء، ما الذي أمسك بكَ في الهواء، ومن أعادَك؟ أعادك صديقُك يسوع الناصري لأنه أشفق على الذين لا أجنحة لهم ليطيروا معك. أيها الطائر الأبيض، الطقس باردٌ هنا، وأنتَ ترتجف وريح الشمال تضحك بين أرياشك.
لعازر: تكون في الدار تحت سقف. تكون بين جدران أربعة وشبَّاك. تقف هنا، من دون أن ترى. عقلُك هنا، ونفسي هناك. كلُّكم على الأرض، وأنا بكلِّيتي في لفضاء. تزحفون إلى الدُّور، وأطير خلف قمم الجبال. كلُّكم عبيد، الواحد منكم عبدُ الآخر، وتعبدون أنفسكم. تنامون، ولا تحلمون. تستيقظون، ولكنكم لا تمشون بين التلال. بالأمس مللتُكم، ومللتُ حياتكم، وكنتُ أتوق إلى العالم الآخر الذي تسمُّونه الموت. وان كنت قد متُّ فلتوقي. أما الآن فإني أقف ههنا، في هذه اللحظة، متمرِّدًا على ما تسمُّونه الحياة.
مرتا: [تخرج من الدار ولعازر يتكلَّم.] لكن المعلَّم رأى أحزاننا وآلامنا، وناداك لتعود إلينا – وأنت تتمرد. يا للثوب يتمرَّد على حائكه! يا للدار تتمرَّد على بانيها!
مريم: عَرَفَ قلوبنا وكان رفيقًا بنا. وعندما رأى أمَّنا، ورأى في عينيها ابنها الميت، وقد دفنوه تحت التراب، أَسَرَهُ حزنُها. هدأ لحظة وصمت. [وقفة.] بعد ذلك لحقنا به إلى قبرك.
لعازر: أجل، كانت أحزانُ أمِّي وأحزانُكما والشفقةُ، الشفقةُ على النفس، هي التي أعادتني. كم من الأنانية في الشفقة على النفس، وكم من العمق! أقول إني أتمرَّد. أقول إن الآلهة نفسها يجب ألا تبدِّل الربيع شتاء. تسلقتُ التلال توقًا. إلا أن أحزانكنَّ أعادتني إلى الوادي. أردتنَّ أن يرافقكنَّ الابنُ والأخُ في هذه الحياة. جيرانكنَّ انتظروا أعجوبة. وأنتن وجيرانكنَّ، مثل آبائكنَّ وأجدادكن، تنتظرن أعجوبة لتؤمِنَّ بأشياء الحياة البسيطة. يا قاسيات القلوب، كم مظلم هو الليل في عيونكنَّ. لذلك تُسقِطْنَ الأنبياء من مجدهم لتفرحنَ، ومن بعدُ تقتلنَهم.
مرتا: [بشيء من التوبيخ.] تقول إن أحزاننا شفقة على النفس. وهل شكواك هذه غير شفقة على الذات. اهدأ واقبل الحياة التي وهبكَ إياها المعلِّم.
لعازر: لم يهبني حياة. وهبَكنَّ حياتي. أخذ حياتي من حبيبتي، وأعطاكنَّ إياها معجزة، لتفتح عيونكنَّ وآذانكن. ضحَّى بي، كما ضحَّى بنفسه. [يكلِّم السماء.] اغفر لهم، يا أبتاه، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون.
مريم: [في رهبة.] إنه هو الذي قال هذه الكلمات وهو معلَّق على الصليب.
لعازر: أجل، قال هذه الكلمات، عنِّي وعنه وعن جميع المجهولين الذين يَفهمون ولا يُفهمون. ألم يقل هذه الكلمات عندما طلبتْ دموعُكم أن تعيدني؟ رغباتُكم، لا مشيئتُه، هي التي أمرتْ روحَه أن تقف على الباب المختوم وتحثَّ الأبدية لتسلِّمني إليكم. إن هذا التوق القديم للابن والأخ هو الذي أعادني.
الأم: [تقترب منه وتضع ذراعها حول كتفيه.] كنت دائمًا يا لعازر الابن المطيع والابن المحب. ما حصل لك؟ تعال معنا وانسَ ما يُقلِقُك.
لعازر: [رافعًا يده.] أمِّي وإخوتي وأخواتي هم الذين يسمعون كلماتي.
مريم: هذه أيضًا كلماته هو.
لعازر: أجل، قال هذه الكلمات عنِّي وعنه وعن جميع الذين اتخذوا الارض أمًّا والسماء أبًا، وعن جميع الذين يولدون وقد تحرَّروا من قيود الشعب والوطن والعِرق.
المجنون: يا رُبَّان سفينتي، ملأت الريحُ أشرعتك، فتحديتَ البحر وطلبتَ الجزر المباركة. أيُّ ريح غيَّرتْ اتِّجاه سيركَ، ولماذا رجعتَ إلى هذه الشواطئ؟ أمَرَ يسوع الناصري الريح بنَفَس من نفسه، فملأ الشراعَ الفارغَ، وأفرغَ الشراعَ الملآن.
لعازر: [فجأة ينسى الجميع، يرفع رأسه ويفتح ذراعيه.] يا حبيبتي! كان فجرٌ في عينيك. وفي ذلك الفجر كان السرُّ الصامت للَّيل العميق، والوعد الصامت ليوم كامل. وها أنا اكتملتُ وصرتُ وحدة تامة. يا حبيبتي، إن هذه الحياة حجابٌ بيننا الآن. هل عليَّ أن أعيش هذا الموت، وأموت ثانية لأعود إلى الحياة؟ هل على رغباتي أن تتريَّث حتى تصفرَّ جميع الأشياء الخضراء وتتعرَّى ثانية وثانية. [وقفة.] لا أستطيع أن ألعنه. ولكن لماذا اختارني وحدي، من دون سائر الرعاة، للعودة إلى الصحراء من المراعي الخضراء.
المجنون: لو كنتَ من الذين يلعنون لما متَّ صغيرًا.
لعازر: يا يسوع الناصري، أخبرني الآن لماذا فعلتَ هذا بي. أمِنَ العدل أن تضعني حجرًا حقيرًا حزينًا يقود إلى أوْجِ مجدك؟ تستطيع أن تُمجِّد اسمَك بإعادة أيِّ مَيْتٍ آخر إلى الحياة. لماذا باعدتَ بين هذا الحبيب وحبيبته لماذا دعوتَني إلى عالمٍ كنتَ تعرف في أعماق أعماقك أنك ستتركه؟ [يصرخ في صوت عالٍ.] لماذا، لماذا، لماذا دعوتَني من قلب الأزل الحيِّ إلى هذا الموت الحيِّ؟ يا يسوع الناصري، لا أستطيع أن ألعنك! لا أستطيع أن ألعنك؟ بركتي أعطيك. [صمت. يبدو لعازر كأنَّ نهرًا جَرَفَ قوته. يقع رأسُه إلى الأمام ويستند إلى صدره. وبعد لحظة صمت هائلة يرفع رأسه ثانية، ويبدو وجهُه وقد تبدَّل، فيصرخ في صوت عميق مرتعد.] يا يسوع الناصري! يا صديقي! كلانا صُلِبَ. اغفِرْ لي! اغْفِرْ لي. عليك البركة، الآن وكلَّ الأوان.
[وفي هذه اللحظة يبدو التلميذ راكضًا من جهة التلال.]
مريم: فيليبُّس!
فيليبُّس: قام. قام المعلِّم من بين الأموات وذهب ناحية الجليل.
المجنون: قام، ولكنه سيُصلَبُ من جديد آلاف المرات.
مريم: فيليبُّس، يا صديقي، ماذا تقول؟
مرتا: [تركض في اتجاه التلميذ وتمسك بذراعيه.] كم أنا سعيدة برؤيتك ثانية. ولكن مَن الذي قام؟ عمَّن تتكلَّم؟
الأم: [تسير في اتجاهه.] تعال يا بنيَّ. ستشاركنا هذه الليلة طعام العشاء.
فيليبُّس: [من دون أن تؤثر فيه كلماتهم جميعًا.] أقول لكم إن المعلِّم قام من بين الأموات وذهب ناحية الجليل.
[صمت عميق.]
لعازر: ليسمعني جميعُكم. إنْ قام من بين الأموات سيصلبونه ثانية. ولكن لن يصلبوه وحده. سأنادي به وسوف يصلبونني أيضًا. [يدور، يتلفَّت مغتبطًا ويسير في اتجاه التلال.] يا أمي وأختاي، سألحق بالذي أعطاني الحياة، حتى يعطيني الموت. نعم، سأُصلَبُ أنا، وذاك الصلب سوف ينهي هذا الصلب. [صمت.] سوف أطلب روحَه الآن، وسوف أتحرر. ولو أوثقوني بسلاسل من حديد فلن يقيِّدوني. ولو تعلقتُ بألف أمٍّ وألف ألف أخت بثيابي فلن يوقفوني. سوف أرحل مع رياح الشرق، أنَّى تروح. وسوف أطلب حبيبتي عند الغروب، حيث تجد السلامَ كلُّ أيامنا. وسوف أطلب حبيبتي في الليل، حيث ينام كلُّ صباح. وسأصبح الرجل الوحيد الذي عانى الحياة مرتين، والموت مرتين، وعرف الأزل مرتين.
[ينظر لعازر إلى وجه أمه، ومن بعدُ إلى وجْهَيْ أختيه، ثم إلى وجه فيليبُّس. ويعود فينظر إلى وجه أمِّه، كأنه يمشي في نومه. يدور ويركض صوب التلال. يختفي. الجميع مذهولون يرتجفون.]
الأم: يا ولدي، يا ولدي، عُدْ إليَّ.
مريم: إلى أين أنت ذاهب يا أخي؟ عُدْ، يا أخي، عُدْ إلينا.
مرتا: [كأنها تكلِّم نفسها.] الظلمة قاتمة، ويبدو لي أنه سوف يضيع.
الأم: [تكاد تصرخ.] لعازر، يا ولدي.
[صمت.]
فيليبُّس: ذهب إلى حيث سنذهب جميعًا، ولن يعود.
الأم: [تذهب إلى عمق المسرح، قرب المكان الذي اختفى منه لعازر، وتصرخ.]
لعازر، لعازر، يا ولدي! عُدْ إليَّ!
[صمت. خطوات لعازر المسرعة تضيع في المسافة.]
المجنون: ذهب إلى حيث لا تستطيعون الوصول. على أحزانكم أن تبحث عن لعازر آخر.
[يتوقف.] مسكين لعازر. إنه أول الشهداء وأعظمهم.
*** *** ***
نقلها عن الإنكليزية: قيصر عفيف
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:54 pm

المحبــّـــة


يقولون أن ابن آوى يشرب من الجدول الواحد الذي يشرب منه الأسد..
ويقولون أن النسر والشوحة ينقدان الجيفة الواحدة وهما متفقان متسالمان..
فيا أيتها المحبة العادلة,
يا من كبحتِ جماح رغائبي بيدك القديرة,
وحوّلتِ مجاعتي وعطشي إلى إباءٍ وشمم,
لا تأذني للقويّ العزومِ فيَّ , أن يأكل الخبز , أو يشرب الخمر , اللذين يستهويان ذاتي الضعيفة.
ذريني بالأحرى فأقضي جوعاً , بل دعي قلبي يلتهب عطشاً , واتركيني أموت وأفنى , قبل أن أمدّ يدي لقدح لم تملئيه , أو كأس لم تباركيه.

الظلم مرتعه وخيم
هذه أغنية التنّينة التي تحرس كهوف البحر السبعة:
(( سيأتي قريني راكباً على الأمواج ,
(( وسيملأ الأرض رعباً بهديره العجاج ,
(( وستندلع نيران منخريه في أقاصي الفضاء.
(( عند كسوف القمر سأزف إليه ,
((وعند خسوف الشمس سألد جورجيوس آخر فيذبحني )).

هذه أغنية التنّينة التي تحرس كهوف البحر السبعة.


الطمــــع

رأيتُ في جولاني في الأرض وحشاً على جزيرةٍ جرداء , له رأسٌ بشري , وحوافرٌ من حديد.
وكان يأكل من الأرض , ويشرب من البحر بلا انقطاع.
فوقفْتُ أراقبه ردحاً , ثم دنوتُ منه وسألتُه قائلاً:
(( ألم تبلغ كفافك بعدُ....؟...أليس لجوعك من شبع أو لظمأك من ارتواء ؟ ))
فأجابني وقال:
(( نعم , نعم قد بلغتُ كفافي , بل لقد مللت من الأكل والشرب , ولكنني أخاف أن لا تبقى إلى غدٍ أرضٌ آكلُ منها وبحرٌ لأرتوي من مائه )) .
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:55 pm

القصيدة.. بعنوان: أيها الفن..
ودائمـًا للمبدع جبران


أيها الفن


أيها الفنُّ العظيمُ بتأثيره,
الغريبُ بأعماله,
السامي بجماله وأسراره.
أنت شَبَحٌ من مقدرة المبدع الأزلي في نفوس النوابغ المبدعين
أنت فكرة مستيقظة في هذا العالم النائم..
بحراكه, الجامد في مسيره.
بأصابعك الخفيَّة تتناول العناصر وتكوِّنُ منها
صُوَرًا وأشباحًا, وأجسامًا, وأنغامًا...
تبقي ببقاء الزمن,
وتظلُّ جَمِيلةً إلى النهاية...
إنَّ العدم يصير وجودًا عندما يمرُّ أمامك,
واللاشيءَ يصبح شيئًا إذ يلامس أطراف أذيالك,
والموتَ ينقَلِبُ حَيَاةً بوقوفه لديك..
جميعُ الأصواتِ والألوانِ والخطوط,
وجميعُ العناصِرِ والأرواح والخيالات,
وكل ما تحدثه الطبيعة بحراكها,
والإنسان بكيانه...
يستسلِمُ إلى مشيئتك, ويتكوَّن بكيانك,
ويتمايل مع أميالك..
أنتَ تُلاَمِسُ الزَّمَنَ فيتحجَّر الزَّمن
وينقَلِبُ تماثيلَ منتَصِبَةً أمامَ وَجْهِ الأبدية.
أنت تَتَنَفَّسُ في الهواء فينسكب الهواء خمرَةً عُلويَّةً
من بين شفاه المغنين وأصابع الموقعين..
أنت ترتعش بين دقائق النور فيسيل النور مع الحبر
على وجوه الأسفار والكتب..
أنت تتناول أشعَّة الشَّفَقِ وألوان قوسِ قُزَح
وتبتَدِعُ منها صورًا ورسومًا..
أمام عرشك تظل الأجيال واقفة,
مستيقظة مترنمة... فما مضى منها يبقي حاضرًا
بحضورك, وما سيأتي يطوف الآن مرفرفًا
حول أذيالك..
إن مجد الأمم يبقي ما بقيت,
ويذهب إن ذَهَبْت.
لأنك من حياة الأُمَم بمقامِ القلوب من الأجساد...
فالسَّائر على ضِفَّة (النيل) يرى أشباحك
حائمة بين القصور والهياكل.
والواقف على (الأكروبوليس)
يشاهد شُعْلاتِ أنفاسِك طائفةً فَوْقَ الأَعمِدَة
والأصنام...
إذا كان التاريخُ مِرآة العصور,
فأنت اليدُ التي جَلَتْ وصَقَلَتْ
أَدِيمَ تلكَ المرآة.
وإن كان العِلمُ سلَّمًا ترفَعُ الإنسان
إلى ما وراء الكواكب, فأنت العزم
الذي يبني ويُبقي درجاتِ تلك السلم...
أيها الفن الغريب بخفاياه,
القوي بِرقَّته,
الفاتِنُ بهدوئه ومهابَتِه,
كيف نصفك,
وبماذا نشبِّهُك وأَنْتَ روحُ الوصف
وعِلَّةُ التشبيه؟
هل ندعوكَ عاطِفَةً وَأَنْتَ مولّد
العواطِفِ والإحساس؟
أم ندعوك قوَّةً وأنتَ مُظَهِّرُ
القوَّاتِ والعزائم؟
نحن نرى مجدَك,
ونسمَع أناشِيدَك,
ونلثُمُ أطرافَ أذيالك...
ولكنَّنا لا نستطيع أن نَخُطَّ حرفًا من حروف
اسمِك حَتَّى تلامِسَ أَصَابِعُنَا أصابعَك..
ولا نقدِر أن نتكلَّم عن جمالك... فأنت, بنفسك,
مظهِّرٌ لنفسك.
ونحن, بقوَّةِ الحب الذي وَضَعْتَهُ في أعماقِنا,
نقتَرِبُ مِن محبَّةِ القوَّةِ الَّتي وَضَعَهَا
الله في أعماقك.
اجعلني أيها الفنُّ خادِمًا مِنْ خُدَّامك
المُتَسَلِّطينَ على الحياة.
وصيِّرني جُنْديًّا من جنودِكَ المنتَصِرِين
على الدهور...
والمُس نفسي بشعاعك... لعلَّها
تقتَرِبُ من مُبدِعِهَا ومُبدِعِك
*********
تحياتي إلى كل عشاق هذا المبدع
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

السابق

العودة إلى منتدى الشعر والنثر والأدب

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 6 زائر/زوار

cron