• اخر المشاركات

مجموغة رائعة من أعمال الأديب العالمي جبران خليل جبران

كلمات ليست ككل الكلمات ... كلمات تنساب عبر الروح

المشرف: إدارة الموقع

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:26 pm

البيع و الشراء

ثم دنا منه تاجر و قال له : هات حدثنا عن البيع والشراء
فأجاب وقال : إن الأرض تقدم لكم ثمارها , ولو عرفتم كيف تملئون أيديكم من خيراتها لما خبرتم طعم الحاجة في حياتكم.
لأنكم بغير مبادلة عطايا الأرض لن تجدوا وفراً من الرزق ولن يشبع جشعكم
فيجدر بكم أن تتموا هذه المقايضة بروح المحبة و العدالة و إلا فإنها تؤدي بالبعض منكم إلى الشراهة و بغيرهم إلى الطمع و المجاعة
و إذا ذهبتم إلى ساحة المدينة أيها الدائبون في خدمة البحر و الحقول و الكروم فاجتمعوا بالحاكة و الخزافين و جامعي الحنوط و الطيوب
و اضرعوا في تلك الساعة إلى الروح المتسلطة على الأرض أن تحل عليكم وتبارك مقاييسكم وموازينكم التي تعينون بها مقدار ما تجري عليه مقايضاتكم
و لا تأذنوا لذوي الأيدي العقيمة من ذوي البطالة أن يشتركوا في معاملاتكم لأنه لا شيء لهم يتاجرون به سوى أقوالهم التي يبيعونها لكم بأعمالكم
بل قولوا لأمثال هؤلاء:
" تعالوا معنا إلى الحقل , أو اذهبوا مع اولادنا إلى البحر و ألقوا هناك شباككم , لأن الأرض و البحر يجودان عليكم ,متى عملتم , كما يجودان علينا "
و إن جائكم المغنون و الراقصون والعازفون , فاشتروا من عطاياهم و لاترفضوهم ,
لأنهم يجمعون الأثمار و العطور نظيركم ومع أن ما يقدمونه لكم مصنوع من مادة الأحلام , فإنه أجمل كساء و أفضل غذاء لنفوسكم.
و قبل أن تبرحوا ساحة المدينة انظروا ألا ينصرف أحد منها فارغ اليدين
لأن الروح السيدة في الأرض لا تنام بطمأنينة وسلام على تموجات الرياح حتى تشاهد بعينيها أن الصغير فيكم قد نال كالكبير بينكم كل ما هو في حاجة إليه .


الجرائم و العقوبات

حينئذ وقف أحد قضاة المدينة وقال له : هات لنا خطبة في الجرائم والعقوبات
فأجاب و قال : عندما تسير أرواحكم هائمة فوق الرياح و تمسون منفردين ليس لكم طوارئ السوء , حينئذ تقترفون الاثم ضد غيركم و ضد أنفسكم
و لأجل ذلك الاثم الذي تقترفونه يجب أن تقرعوا برهة و تنتظروا على بوابة القدوس
فإن ذاتكم الإلهية بحر عظيم
كانت نقية منذ الازل و ستظل نقية إلى آخر الدهور
وهي كالأثير لا ترفع إلا ذوي الاجنحة
أجل إن ذاتكم الالهية كالشمس , لا تعرف طرق المناجذ *( جمع خلد من غير لفظه ) و لا تعبأ بأوكار الأفاعي
غير أنها لا تقطن و حيدة في كيانكم
لأن كثيراً منكم لا يزال بشراً و كثيراً غيره لم يصر بشراً بعد بل هو مسخ لا صورة له يسير غافلاً في الضباب وهو ينشد عهد يقظته
فلا أود أن احدثكم الآن إلا عن هذا الانسان فيكم , لأن هذا الانسان دون ذاتكم الإلهية و دون المسخ الهائم في الضباب هو الذي يعرف الجرائم والعقوبات على الجرائم في كيانكم
قد طالما سمعتكم تتخاطبون فيما بينكم عمن يقترف اثما كأنه ليس منكم بل غريب عنكم و دخيل فيما بينكم
ولكنني الحق أقول لكم كما أن القديس و البار لا يستطيعان أن يتساميا فوق الذات الرفية التي في كل منكم
هكذا الشرير و الضعيف لا يستطيعان أن ينحدرا إلى أدنى من الذات الدنيئة التي في كل واحد منكم
و كما أن ورقة الشجرة الصغيرة لا تستطيع أن تحوّل لونها من الخضرة إلى الصفرة إلا بإرادة الشجرة و معرفتها الكامنة في أعماقها
هكذا لا يستطيع فاعل السوء بينكم أن يقترف إثما بدون إرداتكم الخفية و معرفتكم التي في قلوبكم
فإنكم تسيرون معاً في موكب واحد إلى ذاتكم الإلهية
أنتم الطريق و أنتم المطرقون
فإذا عثر أحد منكم فإنما تكون عثرته عبرة للقادمين وراءه فيتجنبون الحجر الذي عثر به
أجل و تكون عثرته توبيخاً للذين يسيرون أمامه بأقدام سريعة ثابته لأنهم لم ينقلوا حجر العثار من طريقه
و إليكم يا أبناء اورفيليس هذه الكلمة التي و إن جلت ثقيلة على قلوبكم , فهي القيقة بعينها :
إن القتيل ليس بريئاً من جريمة القتل
وليس المسروق بلا لوم في سرقته
لا يستطيع البار أن يتبرأ من أعمال الشرير و الطاهر النقي اليدين من بريء الذمة من قذارة
المدنسين
كثيرا ما يذهب المجرم ضحية لمن وقع عليه جرمه , كما يغلب أن يحمل المحكوم عليه الاثقال التي كان يجب أ، يحملها الأبرياء غير المحكومين
لذلك لا تستطيعون أن تضعوا حداً يفصل بين الأشرار و الصالحين أو الابرياء و المذنبين لأنهم يقفون معاً أمام وجه الشمس كما أن الخيط الأبيض و الخيط الأسود ينسجمان معاً نول واحد
فإذا انقطع الخيط الأسود ينظر الحائك إلى النسيج بأسره ثم يرجع إلى نوله يفحصه و ينظفه
لذلك إذا جاء أحدكم بالزوجة الخائنة إلى المحاكمة فليزن أولا قلب زوجها بالموازين و ليقس نفسه بالمقاييس
و كل من شاء ان يلطم المجرم بيمينه يجدر به اولا أن أن ينظر ببصيرة ذهنه إلى روح من أوقع الجرم عليه
و لإ، رغب أد منكم في أن يضع الفأس على أصل الشجرة الشريرة باسم العدالة فلينظر اولاً إلى أعماق جذورها
و هو لا شك واجد أن جذور الشجرة الشيرة و جذور الصالحة و غير المثمرة كلها متشابكة معاً في قلب الأرض الصامت
أما أنتم أيها القضاة الذين يريدون أن يكونوا أبرارا أي نوع من الأحكام تصدرون على الرجل الأمين بجسده السارق بروحه ؟
أم أي عقاب تنزلون بذلك الذي يقتل الجسد مرة ولكن الناس يقتلون روحه ألف مرة ؟
و كيف تطاردون الرجل الذي مه أنه خداع ظالم بأعماله فهو موجع القلب , ذليل , مهان بروحه ؟
أجل , كيف تستطيعون أن تعاقبوا اللذين لهم توبيخ ضمائرهم وهو أعظم من جرائمهم أكبر قصاص على الأرض ؟
أليس توبيخ الضمير هو نفسه العدالة التي تتوخاها الشريعة التي تتظاهرون بخدمتها؟
فأنتم لا تستطيعون أن تسكبوا بلسم توبيخ الضمير في قلوب الأبراء كما أنكم لا تقدرون أن تنزعوه من قلوب الأشقياء
فهو يأتي لذاته في ساعة من الليل لا ننتظرها , داعيا الناس إلى النهوض من غفلتهم و التأمل بحياتهم وما فيها من التداعيات و المخالفات
و أنتم أيها الراغبون في سبر غور العدالة كيف تقدرون أن تدركوا كنهها إن لم تنظروا إلى جميع الأعمال بعين اليقظة في النور الكامل؟
في مثل هذا النور تعرفون أن الرجل المنتصب و الرجل الساقط على الأرض هما بالحقيقة رجل واحد في الشفق بين الليل ذاته الممسوخة و نهار ذاته الإلهية
و أن حجر الزاوية في الهيكل ليس بأعظم من الحجر الذي في أسفل أساساته
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:27 pm

الشرائع

ثم قال له مشرع : وماذا تعتقد بشرائعنا أيها المعلم
فأجاب قائلاً :
إنكم تستلذون أن تضعوا شرائع لأنفسكم , بيد أنكم تستلذون أكثر أن تكسروها و تتعدوا فرائضها
لذلك أتم كالأولاد الذين يلعبون على الشاطئ يبنون أبراج عظيمة من الرمل بصبر وثبات , ثم لا يلبثون أن يهدوموها ضاحكين صاخبين
فعندما تبنون ابراجكم الرملية يأتي البحر برمال جديدة إلى الشاطئ و عندما تهدمون أبراجكم يضحك البحر منكم في نفسه لأن البحر يضحك من الأبرياء ابداً
ولكن أقول لكم في من ليست الحياة بحراً في عقيدتهم بل ليست الشرائع التي تسنها حكمة الانسان البالغة أبراجا من الرمال فحسب
أولئك الذين يحسبون أن الحياة صخرة صلدة و أن الشريعة إزميل حاد يأخذونه بأيديهم لكي ينحتوا هذه الصخرة على صورتهم و مثالهم وفي الثور الذي يحب نيره و يتهم الوعل و الإبل و الظبي أنها حيوانات متمردة ناشزة ؟
وفي الأفعى العتيقة الأيام التي لا تستطيع أن تخلع جلدها و لذلك تنبري متهمة جميع الحيوانات بالعري وقلة الحياء ؟
وفي ذلك الذي يسبق غيره إلى وليمة العرس و عندما يملأ جوفه من الأطعمة و يبلغ حده من النهم و اشراهة يترك الوليمى و يذهب في طريقه قائلاً إن جميع الولائم مخالفة للناموس و جميع الذين يجتمعون إليها متعدّو الشريعة ؟
ماذا أقول في امثال هؤلاء؟ انهم كجميع الناس يقفون في أشعة الشمس و لكنهم يولون الشمس ظهورهم
فهم لذك لا ينظرون سوى ظلالهم و ظلالهم هي عند التحقيق شرائعهم المقدسة
و هل اعترافاتهم بالشريعة سوى انهم ينحون و يطأطئون رؤوسهم لكي يستقصوا ظلالهم على الأرض ؟
أما أنتم الذين يمشون وهم يحدقون إلى الشمس بأجفان غير مرتعشة فهل في الأرض من صورة تستطيع أن تستوقفكم هنيهة ؟
و أنتم المسافرون مع الريح أية صفحة من الصفحات الدالة على مجاري الرياح تقدر أن تقودكم في مسالككم ؟
وما هي الشريعة البشرية التي تفيدكم إذا كنتم لم تحطموا نيركم على باب سجن من سجون الانسان؟
و أية شرائع ترهبون إذا كنتم ترقصون ولكنكم لا تعثرون بقيد من قيوم العالم الحديدية ؟
ومن هو الرجل الذي يستطيع أن يأتي بكم إلى المحاكمة إذا مزقتم أثوابكم و لكنكم لم تضعوها في طريق أحد الناس ؟
أجل يا أبناء اورفليس إنكم تستطيعون أن تخمدوا صوت الطبل و تحلوا أوتار القيثارة ولكن مَن مِن أبناء الانسان يستطيع أن يمنع قبرة السماء عن الغناء ؟

الحرية

ثم قال له خطيب : هات حدثنا عن الحرية
فأجاب قائلاً : قد طالما رأيتكم ساجدين على ركبكم أمام أبواب المدينة و إلى جوانب المواقد تعبدون حريتكم
و أنتم بذلك أشبه بالعبيد الذين يتذللون أمام سيدهم العسوف الجبار يمدحونه و ينشدون له وهو يعمل السيف في رقابهم
نعم , وفي غابة الهيكل وظل القلعة كثيراً ما رأيت أشدكم حرية حمل حريته كنير ثقيل لعنقه و غل متين ليديه و رجليه
رأيت كل ذلك فذاب قلبي في اعماق صدري و نزفت دماؤه لأنكم لا تستطيعون أن تصيروا أحراراً حتى تتحول رغبتكم في السعي وراء الحرية إلى سلاح تتسلحون يه و تنقطعوا عن التحدث بالحرية كغايتكم و مهجتكم
إنكم تصيرون أحرار بالحقيقة إذا لم تكن أيامكم بلا عمل تعملونه و لياليكم بلا حاجة تفكرون بها أو كآبة تتألمون ذكراها
بل تكونون أحراراً عندما تنطق هموم الحياة و أعمالها أحقاءكم بمنطقة الجاد و العمل و تثقل كاهلكم بالمصاعب و المصائب و لكنكم تنهضون من تحت أثقالها غزاة طليقين
لأنكم كيف تستطيعون أن ترتفعوا إلى ما فوق أيامكم و لياليكم إذا لم تحطموا السلاسل التي أنتم أنفسكم في فجر إدراككم قيدتم بها ساعة ظهيرتكم الحرة ؟
الا إن ما تسمونه حرية إنما هو بالحقيقة أشد هذه السلاسل قوة و إن كانت حلقاته تلمع في نور الشمس و تخطف أبصاركم
و ماذا يجدر بكم طرحه عنكم لكي تصيروا أحراراً سوى كسر صغيرة رثة في اذنكم البالية ؟
فإذا كانت هذه الكسر شريعة جائرة وجب نسخها لأنها شريعة سطرتها يمينكم و حفرتها على جبينكم
بيد أنكم لا تستطيعون أن تمحوها عن جباهكم بإحراق كتب الشريعة التي في دواوينكم كلا و لا يتم لكم ذلك بغسل جباه قضاتكم ولو سكبتم عليها كل ما في البحار من مياه
و إن كانت طاغية تودون خلعه عن عرشه فانظروا أولاً إن كان عرشه القائم في اعماقكم قد تهدم
لأنه كيف يستطيع طاغية أن يحكم الاحرار المفتخرين مالم يكن الطغيان أساسا لحريتهم و العار قاعدة لكبريائهم؟
و إن كانت هماً ترغبون في التخلص منه فإن ذلك الهم إنما أنتم اخترتموه ولم يضعه أحد عليكم
و إن كانت خوفاً تريدون طرده عنكم فإن جرثومة هذا الخوف مغروسة في صميم قلوبكم وليست في يدي من تخافون
الحق أقول لكم إن جميع الأشياء تتحرك في كيانكم متعانقة على الدوام عناقاً نصفياً : كل ما تشتهون و ما تخافون وما تتعشقون وما تستكرهون وما تسعون وراءه وما تهربون منه
جميع هذه الرغبات تتحرك فيكم كالأنوار و الظلال , فإذا اضمحل الظل ولم يبق له من أثر أمسى النور المتلألئ ظلاً لنور آخر سواه
وهكذا الحال في حريتكم إذا حلت قيودها أمست هي نفسها قيداً لحرية أعظم منها .


العقل و العاطفة

ثم طلبت إليه العرافة ثانية قائلة : هات حدثنا عن العقل و الهوى
فأجاب قائلاً : كثيرا ما تكون نفوسكم ميداناً تسير فيه عقولكم ومدارككم حربا عواناً على اهوائكم وشهواتكم و إنني أود أم أكون صانع سلام في نفوسكم
فأحول ما فيكم من تنافر و خصام إلى وحدة و سلام و لكن أنى يكون لي ذلك إذا لم تصيروا أنتم صانعي سلام لنفوسكم ومحبين جميع عناصركم على السواء
إن العقل و الهوى هما سكان* ( * دفة السفينة ) النفس و شراعها وهي سائرة في بحر العالم فإذا انكسر السكان أو تمزق الشراع فإن سفينة النفس لا تستطيع أن تتابع سيرها بل ترغم على ملاطمة الأمواج يمنة و يسرة حتى تقذف بكم إلى مكان أمين تحتفطون به في وسط البحر
لأن العقل اذا استقل بالسلطان على الجسد قيد أهواءه و لكن الاهواء إذا لم يرافقها العقل كانت لهيباً يتأجج ليفني نفسه
فاجعل نفسك تسمو بعقلك إلى مستوى أهوائك و حينئذ ترى منها ما يطربك و يشرح لك صدرك
وليكن لك من عقلك دليل و قائد لأهوائك لكي تعيش أهواؤك في كل يوم بعد موتها و تنهض كالعنقاء متسامية فوق رمادها
و أرغب إليكم أن تعنوا بالعقل و الهوى عنايتكم بطيفين عزيزين عليكم فإنكم ولا شك لا تكرمون الواحد أكثر من الثاني لأن الذي يعتني بالواحد و يهمل الآخر يخسر محبة الاثنين و ثقتهما
و إذا جلستم في ظلال الحور الوارفة بين التلال الجميلة تشاطرون الحقول و المروج البعيدة سلامها و سكينتها و صفائها فقولوا حينئذ في أعماق قلوبكم متهيبين خاشعين : إن الله يتحرك في الاهواء
وما دمتم نسمة من روح الله وورقة في حرجه فأنتم أيضا يجب أن تستريحوا في العقل و تتحركوا في الأهواء
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:28 pm

الألم

ثم نهضت من بين الجمع امرأة و قالت له : هات حدثنا عن الألم
فأجاب و قال : إن ما تشعرون به من الألم هو انكسار القشرة التي تغلف إدراككم
و كما أن القشرة الصلدة التي تحجب الثمرة يجب أ، تتحطم حتى يبرز قلبها من ظلمة الأرض إلى نور الشمس
هكذا أنتم أيضا يجب أن تحطم الآلام قشوركم قبل أن تعرفوا معنى الحياة لأنكم لو استطعتم أن تعيروا عجائب حياتكم اليومية حقها من التأمل و الدهشة لما كنتم ترون آلامكم أقل غرابة من أفراحكم
بل كنتم تقبلون فصول قلوبكم كما قد قبلتم في غابر حياتكم الفصول التي مرت في حقولكم
و كنتم ترقبون و تتأملون بهدوء و سكون شتاء أحزانكم و آلامكم
أنتم مخيرون في الكثير من آلامكم
و هذا الكثير من آلامكم هو الجرعة الشديدة المرارة التي بواسطتها يشفي الطبيب الحكيم الساهر في أعماقكم أسقام نفوسكم المريضة
لذلك آمنوا بطبيب نفوسكم , وثقوا بما يصفه لكم من الدواء الشافي و تناولوا جرعته بسكينة و طمأنينة
لأن يمينه و إن بدت لكم ثقيلة قاسية فهي مقودة بيمين غير المنظور اللطيفة و الكأس التي يقدمها إليكم و إن أحرقت شفاهكم فهي مصنوعة من الطين الذي جلبته يدا الفخاري الأزلي بدموعه المقدسة.

معرفة النفس


ثم قال له رجل : هات حدثنا عن معرفة النفس
فأجاب قائلاً : إن قلوبكم تعرف في السكينة أسرار الأيام و الليالي , ولكن آذانكم تتشوق لسماع صوت هذه المعرفة الهابطة على قلوبكم غير أنكم تودون لو تعرفون بالألفاظ و العبارات ما تعرفونه بالأفكار و التأملات
و تتوقون إلى أ، تلمسوا بأصابعكم جسد أحلامكم العاري
وحسن أنكم تتوقون إلى جميع ذلك فإن الينبوع الكامن في أعماق نفوسكم سينفجر يوما ما و يجري منحدراً إلى البحر و الكنز المطمور في أعماقكم غير المتناهية سينقب في ساعة لا تعلمونها و تفتح أبوابه أمام عيونكم
ولكن حذار أن تأخذوا معكم موازينكم لكي تزنوا بها كنزكم غير المعروف
كلا , و لا تسبروا غور معرفتكم بقياس محدود أو حبل مشدود لأن الذات بحر ولا وزن ولا قياس له
أجل ولا تقل في ذاتك : " قد وجدت الحق " بل قل بالأحرى : " قد وجدت حقاً "
و لا تقل : " قد وجدت طريق النفس " بل قل بالأولى : " قد رأيت النفس تمشي على طريقي "
لأن النفس تمشي على جميع المسالك و الطرق
النفس لا تمشي على حبل أو خيط كلاّ ولا هي تنمو كالقصبة , النفس تطوي ذاتها كالبشنين ( نبات يقوم على ساق لا ورق له ) ذي البتلات التي لا تحصى عديدها.

التعليم

ثم قال له معلم : هات لنا كلمة في التعليم.
فقال ما من رجل يستطيع أن يعلن لكم شيئاً غير ما هو مستقر في فجر معرفتكم وأنتم غافلون عنه.
أما المعلم الذي يسير في ظل الهيكل محاطاً بأتباعه ومريديه، فهو لا يعطي شيئاً من حكمته، بل إنما يعطي من إيمانه وعطفه ومحبته .
لأنه إذا كان في الحقيقة حكيماً فإنه لا يأمركم أن تدخلوا بيت حكمته ، بل يقودكم بالأحرى إلى عتبة فكركم وحكمتكم.
فإن الفلكي يستطيع أن يقص عليكم شيئاً من معرفته لنظام السماء، ولكنه لا يقدر أن يعطيكم معرفته.
والموسيقي يستطيع أن ينشدكم أجمل ما في العالم من الأناشيد والأنغام، ولكنه لا يستطيع أن يمنحكم الأذن التي تضبط النظام في النغم ولا الصوت الذي يوجد الألفة في الألحان.
والرياضي النابغ في ضبط الأرقام يستطيع أن يوضح لكم عدد الموازين والمقاييس وخصائص كل منها، ولكنه لا يستطيع أن يمنحكم معرفته .
لأن الوحي الذي يهبط على رجل ما لا يعير جناحيه لغيره.
وكما أن لكل منكم مقاماً منفرداً في معرفة الله إياه، هكذا يجب عليه أن يكون منفرداً في معرفته لله وفي إدراكه لأسرار الأرض.
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:29 pm

الصداقة

ثم قال له شاب: هات حدثنا عن الصداقة.
فأجاب وقال:
إن صديقك هو كفاية حاجاتك.
هو حقلك الذي تزرعه بالمحبة وتحصده بالشكر.
هو مائدتك وموقدك.
لأنك تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءه مستدفئاً.
فإذا أوضح لك صديقك فكره فلا تخشى أن تصرح بما في فكرك من النفي أو أن تحتفظ بما في ذهنك من الإيجاب.
لأن الجبل يبدو للمتسلق له أكثر وضوحاً وكبراً من السهل البعيد.
وإذا صمت صديقك ولم يتكلم فلا ينقطع قلبك عن الإصغاء إلى صوت قلبه.
لأن الصداقة لا تحتاج إلى الألفاظ والعبارات في إنماء جميع الأفكار والرغبات والتمنيات التي يشترك الأصدقاء بفرح عظيم في قطف ثمارها اليانعات.
وإذا فارقت صديقك فلا تحزن على فراقه.
لأن ما تتعشقه فيه، أكثر من كل شيء سواه ، ربما يكون في حين غيابه أوضح في عيني محبتك منه في حين حضوره.
ولا يكن لكم في الصداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم.
لأن المحبة التي لا رجاء لها، سوى كشف الغطاء عن أسرارها ليست محبة، بل هي شبكة تلقى في بحر الحياة ولا تمسك إلاّ غير النافع.
وليكن أفضل ما عندك لصديقك.
فإن كان يجدر به أن يعرف جزر حياتك، فالأجدر بك أيضاً أن تظهر له مدها..
لأنه ماذا ترتجي من الصديق الذي تسعى إليه لتقضي معه ساعاتك المعدودة في هذا الوجود؟
فاسعَ بالأحرى إلى الصديق الذي يحيي أيامك ولياليك.
لأن له وحده قد أعطي أن يكمل حاجاتك، لا لفراغك ويبوستك. وليكن ملاك الأفراح واللذات المتبادلة مرفوعاً فوق حلاوة الصداقة.
لأن القلب يجد صباحه في الندى العالق بالصغيرات، فينتعش ويستعيد قوته.


الحديث

ثم قال له عالم: هات حدثنا عن الكلام.
فأجاب وقال:
أنكم تتكلمون عندما توصد دونكم أبواب السلام مع أفكاركم.
وعندما تعجزون عن السكنى في وحدة قلوبكم، تقطنون في شفاهكم ، والصوت يلهيكم ويسليكم.
وفي الكثير من كلامكم يكاد فرحكم يقضي ألماً وكآبة.
لأن الفكر طائر من طيور الفضاء، يبسط جناحيه في قفص الألفاظ ولكنه لا يستطيع أن يحلق طائراً.
إن بينكم قوم يقصدون الثرثار المهذار، ضجراً من الوحدة والإنفراد. لأن سكينة الوحدة تبسط أمام عيونهم صورة واضحة لذواتهم العارية يرتعدون لدى رويتها فيهربون منها.
ومنكم الذين يتكلمون، ولكنهم عن غير معرفة، وبدون سابق قصد، يظهرون حقيقة لا يدركونها هم أنفسهم.
منكم الذين أودع الحق قلوبهم ، ولكنهم يأبون أن يلبسوه حلة اللفظ. وفي أحضان هؤلاء تقطن الروح في هدوء وسكون .
فإذا رأيت صديقك على جادة الطريق ، أو جمعتك به ساحة المدينة، فدع الروح التي فيك تحرك شفتيك وتدير لسانك.
أفسح المجال للصوت الذي في أعماق صوتك فيخاطب أذن أذنه.
لأن نفسه تحتفظ بسر قلبك كما يتذكر فمه طعم الخمرة الطيبة، وإن نسي الفكر لونها وتحطمت الكأس التي حملتها.

الزمان

ثم قال له فلكي: أيها المعلم، ماذا تعتقد بالزمان؟
فأجابه قائلاً:
أنت تريد أن تقيس الزمان غير المحدود، الذي لا قياس له.
وتود أن تطبق سلوكك وتعين مسالك روحك على مقتضى الساعات والفصول.
بل أنت تريد أن تجعل الزمان جدولاً تجلس إلى حافته وتراقب انسجام مياهه وتصغي إلى خريرها.
بيد أن غير المقيد فيك بالزمان يعرف حقيقة أن الحياة لا تعرف حدود الزمان. وأن ليس أمس سوى ذكرى اليوم ، وليس الغد سوى حلم اليوم.
وإن القوة التي تترنم وتتأمل فيك لا تزال قاطنة ضمن حدود تلك الثانية الأولى التي فرقت الكواكب في الفضاء,.
وهل بينكم رجل لا يشعر أن قوته على المحبة فائقة الحدود؟
بل من هو الذي لا يشعر بتلك المحبة ، غير المحدودة ، المحصورة في صميم كيانه، ولا ينتقل من فكر محبه إلى فكر محبه، ومن أعمال محبه إلى أعمال محبة غيرها؟
والزمان ، أليس الزمان، كالمحبة، لا ينقسم ولا يستقصي؟
ولكن إذا شئتم أن تقسموا الزمان إلى فصول مختلفة في أفكاركم، فاجعلوا كل فصل من فصوله يحيط بجميع الفصول الأخرى.
واجعلوا الحاضر يعانق الماضي بالتذكارات، والمستقبل بالحنين والتشوقات.
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:29 pm

الصداقة

ثم قال له شاب: هات حدثنا عن الصداقة.
فأجاب وقال:
إن صديقك هو كفاية حاجاتك.
هو حقلك الذي تزرعه بالمحبة وتحصده بالشكر.
هو مائدتك وموقدك.
لأنك تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءه مستدفئاً.
فإذا أوضح لك صديقك فكره فلا تخشى أن تصرح بما في فكرك من النفي أو أن تحتفظ بما في ذهنك من الإيجاب.
لأن الجبل يبدو للمتسلق له أكثر وضوحاً وكبراً من السهل البعيد.
وإذا صمت صديقك ولم يتكلم فلا ينقطع قلبك عن الإصغاء إلى صوت قلبه.
لأن الصداقة لا تحتاج إلى الألفاظ والعبارات في إنماء جميع الأفكار والرغبات والتمنيات التي يشترك الأصدقاء بفرح عظيم في قطف ثمارها اليانعات.
وإذا فارقت صديقك فلا تحزن على فراقه.
لأن ما تتعشقه فيه، أكثر من كل شيء سواه ، ربما يكون في حين غيابه أوضح في عيني محبتك منه في حين حضوره.
ولا يكن لكم في الصداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم.
لأن المحبة التي لا رجاء لها، سوى كشف الغطاء عن أسرارها ليست محبة، بل هي شبكة تلقى في بحر الحياة ولا تمسك إلاّ غير النافع.
وليكن أفضل ما عندك لصديقك.
فإن كان يجدر به أن يعرف جزر حياتك، فالأجدر بك أيضاً أن تظهر له مدها..
لأنه ماذا ترتجي من الصديق الذي تسعى إليه لتقضي معه ساعاتك المعدودة في هذا الوجود؟
فاسعَ بالأحرى إلى الصديق الذي يحيي أيامك ولياليك.
لأن له وحده قد أعطي أن يكمل حاجاتك، لا لفراغك ويبوستك. وليكن ملاك الأفراح واللذات المتبادلة مرفوعاً فوق حلاوة الصداقة.
لأن القلب يجد صباحه في الندى العالق بالصغيرات، فينتعش ويستعيد قوته.


الحديث

ثم قال له عالم: هات حدثنا عن الكلام.
فأجاب وقال:
أنكم تتكلمون عندما توصد دونكم أبواب السلام مع أفكاركم.
وعندما تعجزون عن السكنى في وحدة قلوبكم، تقطنون في شفاهكم ، والصوت يلهيكم ويسليكم.
وفي الكثير من كلامكم يكاد فرحكم يقضي ألماً وكآبة.
لأن الفكر طائر من طيور الفضاء، يبسط جناحيه في قفص الألفاظ ولكنه لا يستطيع أن يحلق طائراً.
إن بينكم قوم يقصدون الثرثار المهذار، ضجراً من الوحدة والإنفراد. لأن سكينة الوحدة تبسط أمام عيونهم صورة واضحة لذواتهم العارية يرتعدون لدى رويتها فيهربون منها.
ومنكم الذين يتكلمون، ولكنهم عن غير معرفة، وبدون سابق قصد، يظهرون حقيقة لا يدركونها هم أنفسهم.
منكم الذين أودع الحق قلوبهم ، ولكنهم يأبون أن يلبسوه حلة اللفظ. وفي أحضان هؤلاء تقطن الروح في هدوء وسكون .
فإذا رأيت صديقك على جادة الطريق ، أو جمعتك به ساحة المدينة، فدع الروح التي فيك تحرك شفتيك وتدير لسانك.
أفسح المجال للصوت الذي في أعماق صوتك فيخاطب أذن أذنه.
لأن نفسه تحتفظ بسر قلبك كما يتذكر فمه طعم الخمرة الطيبة، وإن نسي الفكر لونها وتحطمت الكأس التي حملتها.

الزمان

ثم قال له فلكي: أيها المعلم، ماذا تعتقد بالزمان؟
فأجابه قائلاً:
أنت تريد أن تقيس الزمان غير المحدود، الذي لا قياس له.
وتود أن تطبق سلوكك وتعين مسالك روحك على مقتضى الساعات والفصول.
بل أنت تريد أن تجعل الزمان جدولاً تجلس إلى حافته وتراقب انسجام مياهه وتصغي إلى خريرها.
بيد أن غير المقيد فيك بالزمان يعرف حقيقة أن الحياة لا تعرف حدود الزمان. وأن ليس أمس سوى ذكرى اليوم ، وليس الغد سوى حلم اليوم.
وإن القوة التي تترنم وتتأمل فيك لا تزال قاطنة ضمن حدود تلك الثانية الأولى التي فرقت الكواكب في الفضاء,.
وهل بينكم رجل لا يشعر أن قوته على المحبة فائقة الحدود؟
بل من هو الذي لا يشعر بتلك المحبة ، غير المحدودة ، المحصورة في صميم كيانه، ولا ينتقل من فكر محبه إلى فكر محبه، ومن أعمال محبه إلى أعمال محبة غيرها؟
والزمان ، أليس الزمان، كالمحبة، لا ينقسم ولا يستقصي؟
ولكن إذا شئتم أن تقسموا الزمان إلى فصول مختلفة في أفكاركم، فاجعلوا كل فصل من فصوله يحيط بجميع الفصول الأخرى.
واجعلوا الحاضر يعانق الماضي بالتذكارات، والمستقبل بالحنين والتشوقات.
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:30 pm

الخير والشرّ.

ثم قال له أحد شيوخ المدينة: هات حدثنا عن الخير والشر.
فأجاب قائلاً:
إنني أستطيع أن أحدثكم عن الخير ، لا الشر الذي فيكم.
لأن أليس الشر هو بعينه الخير المتألم ألاماً مبرحة من تعطشه ومجاعته؟
فإني الحق أقول لكم إن الخير إذا جاع سعى إلى الطعام ولو في الكهوف المظلمة ، وإن عطش فإنه يشرب حتى من المياه الراكدة المنتنة.
أنت صالح يا صاح ، إذا كنت واحداً مع ذاتك.
وإذ لم تكن واحداً مع ذاتك أنت لست بالشرير.
لأن البيت المنقسم على ذاته ليس مغارة للصوص، ولكنه بيت منقسم على ذاته لا أكثر ولا أقل.
والسفينة التي تضيع سكانها وتهيم في البحار بين الجزر تحدق بها الأخطار من كل جهة ولكنها لا تغرق إلى قعر البحر.
أنت صالح يا صاح إذا جاهدت لكي تعطي الناس من ذاتك. ولكنك لست بالشرير إذا سعيت وراء منفعة نفسك.
لأنك في سعييك وراء منفعة نفسك تشبه جذر الشجرة الذي يريق دموعه على الأرض ثم يمتص الحليب من ثدييها.
الحق أقول لك ، إن الثمرة لا تستطيع أن تقول للجذر:"كن مثلي ناضجاً ، جميلاً، جواداً، يبذل كل ما فيه لأجل غيره..."
لأن العطاء حاجة من حاجات الثمرة لا تعيش بدونها ، كما أن الأخذ حاجة من حاجات الجذر لا يحيا بغيرها.
أنت صالح يا صاح إذا كنت تبلغ كمال يقظتك في خطابك.
بيد أنك لست بالشرير إذا نمت وكان لسانك يهذر من غير مرمى.
لأن الكلام ، وإن كان مجاملة للعثرات، لا بد أن يشدد لساناً ضعيفاً.
أنت صالح يا صاح ، إذا كنت تسير إلى محجتك راسخ العزم، ثابت الخطى.
غير أنك لست بالشرير إذا كنت تمشي إلى محجتك متلكئاً.
لأن العرج أنفسهم لا يسيرون إلى الوراء.
ولكنك ، وأنت صحيح القدم قوي الجسد، انظر ألا تعرج أمام العرج وأنت تحسب ذلك رقة وظرفاً!
أنت صالح بطرق عديدة يا صاح، وإذا لم تكن صالحاً فإنك لست بالشرير، بل أنت كسول متراخٍ.
ويا ليت الظباء تستطيع أن تعلم السلاحف البطيئة السرعة والرشاقة!.
أجل إن الخير الذي فيك إنما هو في حنينك إلى ذاتك الجبارة، وهذا الحنين فيكم جميعكم.
غير أنه يشبه في البعض منكم سيلاً جارفاً يجري بقوة منحدراً إلى البحر، فيحمل معه أسرار التلال والأودية وأناشيد الأحراج والجنان.
وهو في غيرهم أشبه بجدول صغير يسير به الزمان قبل أن يصل إلى الشاطئ .
ولكن لا يقال ذو الحنين الكثير إلى ذي الحنين القليل: "لماذا أنت كسيح بطيء؟"
لأن الصالح الصالح لا يسأل العراة: "أين ثيابكم؟" ولا الغرباء:"أين منازلكم؟".


الصلاة

ثم قالت له الكاهنة: هات حدثنا عن الصلاة.
فأجاب وقال:
إنك تصلين في ضيقك وفي حاجاتك.
ولكن حبذا لو أنك تصلين في كمال فرحتك ووفرة خيراتك!
وهل الصلاة غير اتساع ذاتك في الأثير الحي؟
فإذا كنت تتعزين في أن تسكبي كأس ظلمتك في الفضاء، فإنك ولا شك تفرحين أيضا في أن تسكبي فيه فجر فؤادك.
وإذا كنت لا تستطعين أن تمسكي عن البكاء عندما تدعوك نفسك إلى الصلاة، فالأجدر بنفسك أن تنخسك بمنخس حاد مرة بعد مرة، على رغم الدموع المتساقطة على وجنتيك، لكي تأتي إلى الصلاة فرحة باسمة.
وإذ صليت فأنت ترتفعين بروحك لكي تجتمعي بتلك الساعة بأرواح المصلين، الذين لا تستطعين أن تجتمعي معهم بغير الصلاة.
لذلك فلتكن زيارتك لذلك الهيكل غير المنظور مدعاة للهيام السماوي والشركة الروحية السعيدة.
لأنك إذا دخلت الهيكل ولا غاية لك سوى السؤال فإنك لن تنالي شيئاً.
وإن دخلت الهيكل لكي تظهري وفرة اتعاظك وخشوعك فإنك لن تجدي رفعة.
بل لو جئت الهيكل وأنت ترجين أن تلتمسي خيراً لغيرك من الناس فإنك لن تجابي إلى سؤالك.
لأنه يكفيك أن تدخلي الهيكل من غير أن يراك أحد.
لا أستطيع أن أعلمك الصلاة بالألفاظ.
لأن الله لا يصغي إلى كلماتك ما لم يضعها تعالى اسمه على شفتيك وينطق بها بلسانك.
ولا أقدر أن أعلمك صلاة البحار والأحراج والجبال، بيد أنك وأنت إبنة الجبال والأحراج والبحار، تستطعين أن تجدي هذه الصلاة محفورة على صفحات قلبك.
فإذا أصغيت في سكينة الليل سمعت الجبال والبحار والأحراج تصلي بهدوء وخشوع:
" ربنا وإلهنا، يا ذاتنا المجنحة،
إننا بإرادتك نريد،
وبرغبتك نرغب ونشتهي
بقدرتك تحول ليالينا وهي لك إلى أيام هي لك أيضاً
إننا لا نستطيع أن نلتمس منك حاجة ،
لأنك تعرف حاجاتنا قبل أن تولد في أعماقنا.
أنت حاجاتنا، وكلما زدتنا من ذاتك زدتنا من كل شيء."

اللذة

حينئذ دنا منه ناسك يزور المدينة مرةً في السنة، وقال له: هات حدثنا عن اللذة.
فأجاب وقال :
اللذة أنشودة الحرية،
ولكنها ليست حرية بذاتها.
اللذة زهرة رغباتكم،
ولكنها ليست ثمرة لها .
اللذة عمق ينشد علوّاً ،
ولكن لاهي بالعمق ولا هي بالعلو.
اللذة جناحٌ قد أفلت من قفصه ،
ولكنها ليست فضاء حرّاً طليقاً،
أجل ، إن اللذة بالحقيقة أنشودة الحرية
وإنّه ليطربني أن تترنموا بها في أعماق قلوبكم ، ولكنني لا آذن لكم أن تستسلموا بقلوبكم للفناء .
***
إن فريقاً من أحداثكم يسعون وراء اللذة سعيهم وراء كل شيء ، ولذلك يحكم عليهم بالقصاص والتأديب .
أما أنا فلا أدينهم ، ولا أحد عليهم ، ولكنني أسألهم أن يقتشوا وينقبوا .
لأنهم سيجدون اللذة في تفتيشهم، ولكنهم لن يجدوها وحدها فقط : فإن لها سبع شقيقات ،أحقرهنّ أوفر جمالاً منها .
وأنتم ألم تسمعوا بذلك الرجل الذي كان يحفر الأرض لكي يستخرج الجذور من أعماقها فوجد كنزاً عظيماً ؟
***
وفريق آخر من شيوخكم يتذكرون لذات شبابهم آسفين ، كأنما هي جرائم اقترفوها في أوقات السكر والجهالة .
ولكن الأسف هو بالحقيقة غمامة تغمّ الفكر ولا تؤدبه .
ولذلك يجدر بهم أن يتذكروا لذاته بالحمد والثناء كما يتذكرون حصاد الصيف .
ولكن إذا كان الأسف يعزيهم فلا بأس أن يتعزّوا به .
***
وهنالك فريق ثالث ممن ليسوا بالأحداث لكي يجاهدوا مفتشين عن لذات جديدة ، ولا بالشيوخ لكي يتذكروا لذّات شبابهم .
ولكنهم لشدة خوفهم من عناء الجهاد في التفتيش والألم في التذكارات ، يعرضون عن جميع اللذات ،لئلاّ يهملوا الروح أو يجدفوا عليها .
غير أن لهم من هذا الإعراض بعينه لذة لأنفسهم .
ولذلك فهم أيضاً يجدون كنزاً لذواتهم مع أنهم يحفرون لأجل الجذور بأيد مرتعشة.
ولكن هل لك أن تخبرني وأنت الناسك الحكيم ، من هو الذي يستطيع أن يكدّر على الروح صفوها ؟
أيستطيع البلبل أن يعكّر صفو سكينة الليل ، أم الحباحب نور السماء ؟
وهل يقدر لهيب نارك أو دخانها أن يثقل كاهل الريح ؟
أم هل تعتقد أن الروح بركة هادئة وفي استطاعتك كلما خطر لك أن تزعج هدوءها بعصاك ؟
كلما أنكرت على ذاتك التمتع بلذةٍ ما تغلق بيديك على تلك اللذة في مستودعات كيانك .
ومن يدري هل تعود اللذة التي ترفضها اليوم فتترقب عودتك إليها في الغد ؟
لأن جسدك يعرف حاجاته الضرورية وميراثه الحقيقي ،فلا يستطيع أحد أن يخدعه.
أجل ، إن جسدك هو قيثارة نفسك ،
وأنت وحدك تستطيع أن تخرج منها أنغاماً فتانة أو أصواتاً مشوشة مضطربة .
***
ولعلك تسأل في قلبك قائلاً : ( كيف نستطيع أن نميز بين الصالح والشرير من اللذات ؟)
فاذهب إلى القول والبساتين وهنالك تتعلم ان لذة النحلة قائمة امتصاص العسل من الزهرة ،
ولكن لذة الزهرة أيضا تقوم بتقديم عسلها للنحلة.
والنحلة تعتقد أن الزهرة ينبع الحياة ،
والزهرة تؤمن بأن النحلة هي رسول المحبة المحيية ،
والنحلة والزهرة كلتاهما تعتقدان أن اقتبال اللذة وتقديمها حاجتان لا بدّ منهما وافتتان لا غنى للحية عنه .
***
أجل ،يا أبناء أورفليس ،كونوا في لذاتكم كالنحل والأزهار .
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:31 pm

الجمال

ثم قال له شاعر : هات لنا شيئاً عن الجمال .
فأجابه قائلا :
أين تفتش عن الجمال ، وكيف تقدر أن تهتدي إليه ما لم يكن هو نفسه طريقاً لك ودليلاً ؟
وكيف تستطيع أن تتحدث عن الجمال ما لم ينسج لك ثوباً لائقاً بخطابك ؟
فالحزين المتألم يقول: ( الجمال رقة ولطف ، وهو يمشي بيننا كالأمّ الفتية الحيية من جلالها. )
والغضوب يقول: ( كلا، بل الجمال قوة وبطش ، فهو كالعاصفة يهزّ الأرض تحت أقدامنا والسماء فوق رؤوسنا.)
والتعب الملول يقول: ( إن الجمال لطيف المناجاة يتكلم في أرواحنا ويتموج صوته في سكون أذهاننا كما يرتعش النور الضئيل خوفاً من الظلّ الظليل .)
غير أن القلق المضطرب يقول: (قد سمعنا الجمال يصيح بصوته بأعلى الجبال ،
( يرافق صوته وقع الحوافر ، وخفقان الأجنحة وزمجرة الأسود .)
وعند انتصاف الليل يقول حارس المدينة: ( سينزع الجمال مع الفجر من المشرق)
وعند الظهيرة يقول العمال وعابرو السبيل: ( قد رأينا الجمال يطلّ على الأرض من نوافذ المغرب .)
***
وفي الشتاء يقول جامعو الثلوج: ( سيأتي الجمال مع الربيع وهو يقفز على التلال)
وفي الصيف يقول الحصادون: ( قد رأينا الجمال يرقص مع أوراق الخريف ، وشاهدنا كومة من الثلج على رأسه .)
***
كل هذا سمعتكم تقولونه في الجمال ،غير أنكم في الحقيقة لم تقولوا فيه كلمة، وإنما تحدثتم بحاجاتكم غير المكمّلة ، والجمال ليس بالحاجة غير المكمّلة بل هو انشغاف وافتتان .
أجل، وليس الجمال فماً متعطشاً أو يداً ممدودة ،بل هو قلب ملتهب ، ونفس مفتونة مسحورة.وليس بالصورة التي ترغبون في رؤيتها أم الأنشودة التي ترحبون سماعها,بل هو صورة تبصرونها ولو أغمضتم عيونكم، وأنشودة تسمعونها ولو أغلقتم آذانكم
وليس بالعصارة الجارية في عروق الأشجار ،ولا بالجناح المتعلق بالمخالب ، بل هو بستان تزينه الأزهار إلى الأبد ،وجوقة من الملائكة ترفرف بأجنحتها إلى منتهى الدهور .
***
نعم يل أبناء أورفليس ، إن الجمال هو الحياة بعينها سافرة عن وجهها الطاهر النقي .
ولكن أنتم الحياة وأنتم الحجاب .
والجمال هو الأبدية تنظر إلى ذاتها في مرآة .
ولكن أنتم الأبدية وأنتم المرآة .


الدين

ثم دنا منه كاهن شيخ وقال له: هات حدثنا عن الدين.
فأجاب قائلاً :
وهل تكلمت اليوم في موضوع آخر غير الدين ؟
أليس الدين كل ما في الحياة من الأعمال والتأملات ؟
أليس الدين كل ما في الحياة مما ليس هو بالعمل ولا بالتأمل بل غرابة وعجب ينبعان من جداول النفس أبداً وإن عملت اليدان في نحت الحجارة أو إدارة الأنوال؟
من يستطيع أن يفصل إيمانه عن أعماله ،وعقيدته عن مهنته ؟
من يستطيع أن يبسط ساعات عمره أمام عينيه قائلاً :
( هذه لله ، وهذه لي ، هذه لنفسي ، وهذه لجسدي ) ؟
فإن جميع ساعات الحياة أجنحة ترفرف في الفضاء منتقلة من ذات إلى ذات .
وإن من ينظر إلى فضيلته نظرته إلى أفضل حلة يلبسها فالأجدر به أن يسير بين الناس عارياً.
لأن الريح والشمس لا تمزقان بشرته .
وكل من يقيد سلوكه وتصرفه بقيود الفلسفة والتقليد إنما يحبس طائر نفسه الغريد في قفص من حديد .
لأن أنشودة الحرية لا يمكن أن تخرج من بين العوارض والقضبان .
وكل من يعتقد أن العبادة نافذة يفتحها ثم يغلقها فهو لم يبلغ هيكل نفسه المفتوحة نوافذه من الفجر إلى الفجر .
***
إن حياتكم اليومية هي هيكلكم وهي ديانتكم .
فخذوا معكم كل ما لكم عندما تدخلون هيكلها .
خذوا السكة والكور والمطرقة والطنبور ،
وكل ما لديكم من الآلات التي صنعتموها رغبة في قضاء حاجاتكم أو سعياً وراء مسراتكم ولذاتكم .
لأنكم لا تستطيعون أن ترتفعوا بتأملاتكم فوق أعمالكم ولا تقدرون أن تنحدروا بتصرفاتكم إلى أدنى من خيباتكم .
وليرافقكم جميع معارفكم من أبناء الإنسان .
لأنكم لا تستطيعون في عبادتكم أن تحلقوا فوق آمالهم ولا أن تضعوا ذواتكم إلى أحقر من يأسهم .
***
وإن شئتم أن تعرفوا ربّكم فلا تعنوا بحلّ الأحاجي والألغاز ، بل تأملوا ما حولكم تجدوه لاعباً مع أولادكم .
وارفعوا أنظاركم إلى الفضاء الوسيع تبصره يمشي في السحاب، ويبسط ذراعيه في البرق، وينزل إلى الأرض مع الأمطار.
تأملوا جيداً تروا ربكم يبتسم بثغور الأزهار ، ثم ينهض ويحرك يديه بالأشجار.*

الموت

ثم قالت له المطرة : نود أن تحدثنا الآن عن الموت.
فقال لها:
إنكم تريدون أن تعرفوا أسرار الموت.
ولكن كيف تجدونها إن لم تسعوا إليها في قلب الحياة؟
لأن البومة التي لا تفتح عينيها إلا في الظلمة، البومة العمياء عن نور النهار، لا تستطيع أن تنزع الحجاب عن أسرار النور.
فإذا رغبتم بالحقيقة في أن تنظروا روح الموت، فافتحوا أبواب قلوبكم على مصاريعها لنهار الحياة.
لأن الحياة والموت واحد، كما أن النهر والبحر واحد أيضاً.
ففي أعماق آمالكم ورغباتكم تتكئ معرفتكم الصامتة لما وراء الحياة.
وكما تحلم الحبوب الهاجعة تحت الثلوج بالربيع، هكذا تحلم قلوبكم بربيعها.
لذلك فلتكن ثقتكم عظيمة بالأحلام ، لأن بوابة الأبدية مختفية فيها.
أما خوفكم من الموت فهو أشبه بارتعاش الراعي الواقف أمام الملك الذي يريد أن يرفع يمينه فوقه لكي يكرمه وينعم عليه بوسام الرضى والفخر.
أفلا يفرح الراعي مع ارتعاشه لأن مليكه يقلده وسام الشرف والرضى؟
ولكن ألا يشعر مع ذلك بارتعاشه وخفقان قلبه؟
وهل موت الإنسان هو أكثر من وقوفه عارياً في الريح وذوبانه في حرارة الشمس؟
أم هل انقطاع التنفس غير تحرير النفس من دورانه المتواصل ، لكي يستطيع أن ينهض من سجنه ويحلق في الفضاء ساعياً إلى خالقه من غير قيد ولا عائق؟
إنكم لا تستطيعون أن تترنمــوا بالأناشيد حتى تشربوا من نهر الصمت .
ولا تستطيعون أن تباشروا الصعود إلى الجبال حتى تبلغوا قننها.
ولن تقدروا أن ترقصوا حتى تتسلم الأرض جميع أعضائكم
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:32 pm

الوداع

وكان المساء .
فقالت العرافة المطرة :مبارك هذا اليوم وهذا المكان الذي جمعنا بك .ومباركة روحك التي خاطبت أرواحنا .
فأجاب وقال وهل أنا الذي تكلمت ؟ ألم أكن أنا سامعاً نظيركم ؟)
ثم نزل عن درجات الهيكل ومشى ، فتبعه الشعب بأسره .
وظلّ يجدّ في سيره والشعب يلحق به حتى وصل إلى المرفأ فصعد إلى سفينته ووقف على ظهرها .
حينئذ رفع صوته والشعب ينظر إليه وقال لهم :
يا أبناء أورفليس ، إن الريح تأمرني أن أفارقكم .
ومع أنني لست كالريح عجولاً ، فإنني مرغم أن أطيع أوامرها .
لأننا نحن الهائمين، الذين ينشدون أبداً أشدّ الطرق وحدةً ،لا نبدأ أعمال نهار ما عندما نفرغمن نهار غيره، ولا يجدنا شروق شمس حيث تركنا الغروب الذي تقدمه .
لأننا ،وإن نامت الأرض ، مستيقظون نوالي مسيرنا .
نحن بذور نبات غريب عجيب ، وفي بلوغنا واكتمال نمو قلوبنا قد وهبنا منحة للريح فتفرقنا على وجه الأرض .
***
قليلة كانت أيامي بينكم ، وأقلّ منها كلماتي التي تركتها لكم . ولكن إذا تلاشى صوتي في آذانكم وزالت محبتي من قلوبكم فحينئذٍ آتي إليكم سريعاً .
وأخاطبكم ثانية بقلب أوفر عطفاً من قلبي وشفتين أجزل إثماراً للروح من شفتيّ .
أجل إنني سأرجع مع المدّ، فإن حجبني الموت عنكم الآن ، وضمني الصمت العظيم بين طيات سكينته، فإنني سأنشد إدراككم مرة أخرى ولا تذهب أتعابي في ذلك الحين عبثاً.
فإن كنت قد خاطبتكم اليوم بالحق الصريح، وفإن هذا الحق سيظهر ذاته لكم في ذلك اليوم بصوت أنقى من صوته اليوم، وبكلمات أقرب إلى أفكاركم من كلماته اليوم .
***
إنني ماضٍ مع الريح، يا أبناء أورفليس، ولكنني لن أهبط إلى العالم السفلي ، إلى الفراغ المرعب.
فإذا لم يكن هذا اليوم قد أمل حاجاتكم وأفعمكم من محبتي ، فليكن موعداً ليوم أخر. فإن حاجات الإنسان تتبدل ولكن محبته لا تتغير و مثلها رغبته في أن تشبع المحبة حاجاتها.
فاعلموا إذن أنني سأرجع إليكم من عالم الصمت والسكينة .
لأن الضباب الذي يفارق الأرض عند بزوغ الفجر من غير أن يترك سوى قطرات صغيرة من الندى في الحقول، إنما يرتفع في الجو لكي يتجمع هنالك.
فيؤلف السحاب الذي لا يلبث أن يعود إلى الأرض مطراً غزيراً.
وقد كنت بينكم مثل هذا الضباب .
ففي سكين الليل كنت أمشي في شوارعكم وكنت أدخل بروحي إلى أعماق منازلكم.
وكانت نبضات قلوبكم تتردد في قلبي وسحائب لهاثكم تنتشر على وجهي، وقد عرفتكم بعجركم وبجركم.
نعم ، قد عرفت فرحكم وحزنكم ، وفيه هجوعكم كانت أحلامكم أحلاماً لي.
وكثيراً ما كنت بينكم بحيرة بين الجبال . فكانت تتسم على صفحات مرآتي قننكم الشاهقة ، ومنحدراتكم المتعرجة ، حتى قطعان أفكاركم ورغباتكم العابرة عليها.
وكان ضحك أولادكم يجري إلى سكينتي مع مياه الجداول ، وكان حني شبانكم وشاباتكم يأتي إلي مع مجاري الأنهار.
ومع أن الجداول والأنهار كانت تبلغ أعماقي فإنها لم تكن تنقطع البتة عن الغناء.
ولكن هنالك ما هو أحلى من الضحك أعذب من الحنين بين من جاء إلي بكم، ألا وهو الكائن غير المحدود فيكم ، الإنسان البالغ العظمة فيكم ، الذي لستم سوى أنسجة وعضلات في كيانه، والمرنم الذي ليس غناءكم أمام غناءه سوى اختلاج وهيمنة . وأنتم لا تعرفون العظمة إلا بهذا الإنسان العظيم الذي فيكم، وعندما رأيته رأيت حقيقتكم، وأحببتكم .
لأنه هل في الوجود علوّ أو بعد تصل إليهما المحبة ولا يحيط بهما بدائرة كيانه العظيمة الاتساع ؟.
أم هل هنالك تصورات أو تمنيات أو أحلام تستطيع أن تسمو فتبلغ أقصى ارتفاعه؟
أجل ، إن هذا الإنسان العظيم هو بالحقيقة كالسنديانة الجبارة المغطاة ببراعم التفاح الجميلة .
فقدرته تقيدكم بالأرض ، وشذاه يرفعكم إلى أعالي الفضاء ، وفي عزمه وصبره على عواصف الطبيعة أنتم خالدون.
***
قد أُخبرتم فيما مضى أنكم كالسلسلة ضعفاء كأضعف حلقة في كيانكم .
غير أن هذا إنما هو نصف الحقيقة فأنتم أيضاً أقوياء كأقوى حلقة من سلسلتكم.
لأننا إذا حكمنا عليكم بأصغر أعمالكم كنا كمن يحكم على قوة البحر بما في زبده من الضعف وسرعة الزوال.
وإن حكمنا عليكم بخيبتكم كنا كمن يلوم الفصول لتعاقبها وعدم ثباتها.
***
أجل إنكم بالحقيقة كالأقيانوس العظيم . فمع أن سفناً عظيمة تنتظر مد البحر وجزره على شواطئكم فأنتم كالأقيانوس، لا تستطيعون أن تعجنوا مده وجزره.
وأنتم كالفصول أيضا يا أبناء أورفليس ، فإنكم تنكرون ربيعكم في شتائكم، ولكن الربيع لا ينكركم، بل يبتسم لكم في غفلته ، من غير أن يغضب أو يتعكر صفوه .
ولا يخطر لكم أني أقول لكم هذا لكل أحملكم على أن تهمسوا بعضكم لبعض قائلين: (قد أجاد في مديحنا والثناء علينا ، ولم يرى سوى الصالح فينا.)
فإنني أنقل إليكم بألفاظي ما تدركونه أنتم بأفكاركم.
وهل المعرفة اللفظية سوى ظل من معرفة غير اللفظية؟
لأن أفكاركم وكلماتي ما هي عند التحقيق إلا أمواج تقذف بها بحيرة الذاكرة المختومة التي تحتفظ بدواوين ماضينا ومجرياته.
وحوادث الأيام المنصرمة عندما لم تكن الأرض تعرفنا وكانت تجهل ذاتها أيضاً، وأحلام الليالي عندما كانت الأرض خربة خالية خاوية.
***
قد جاءكم الحكماء قبلي لكي يقدموا لكم من حكمتكم أما أنا فقد أتيت إليكم لكي أغرف من معين حكمتكم . وها أنذا قد وجدت ما هو أعظم من الحكمة.
قد وجدت روحاً ملتهبة فيكم ما برحت تستزيد جمع مبعثرات ذاتها ، غير أنكم كنتم وما زلتم غافلين عن اتساعها وتعاظمها تنوحون وتبكون على أيامكم الزائلة.
فإن الحياة تفتش عن الحياة في أجسام الذين يخافون القبور.
ولكن لا قبور ههنا .
لأن هذه الجبال والسهول إنما هي بالحقيقة سرير ومرقاة. فإذا قادتكم خطواتكم إلى الحقل الذي وضعتم فيه أسلافكم فتأملوا جيداً جميع جهاته ، تروا ذواتكم ترقصون مع أولادكم جنباً إلى جنب.
فإنني الحق أقول لكم: إنكم كثيراً ما تفرحون وأنتم لا تعرفون.
وآخرون جاؤوا إليكم وعللوكم بالمواعيد الذهبية التي تبنون عليها صروح إيمانكم، فوهبتم لهم ثروة وقوة وعظمة.
أما أنا فقد أعطيتكم أحقر موعد ولكنكم أظهرتم نحوي أريحية لم تظهروها لسواي. فقد أعطيتموني تعطشي الشديد للحياة.

فإنني أصارحكم القول إنه ما من عطية في هذا العالم أجزل فائدة للإنسان من العطية التي تحول كل ما في كيانه من الميول والرغبات إلى شفتين محترقتين عطشاً وتجعل حياته جميعها ينبوعا حياً باقياً. وهو ذا فخري وأجري.
في أية ساعة جئت الينبوع متعطشاً أجد الماء الحي المتدفق من فم الينبوع متعطشا أيضاً، فيشربني هذا الماء كما أشربه.
***
وقد خيل إلى البعض منكم أنني عيوفٌ حييّ فلا أقبل عطية من عطاياكم .
على أنني بالحقيقة أكره قبول الأجور ، ولكنني لا أرفض العطايا . وأنه غير خافً عليكم أنني كنت أتقوت بأثمار العليق والتوت بين التلال في حين أنكم كنتم ترغبون في أن أجالسكم حول موائدكم. وكنت أنام في رواق الهيكل في حين أن كلا منكم كان يفرح لو يتاح له أن يؤويني في بيته. ولكن أليست محبتكم الشديدة الممزوجة بدموع العناية بأيامي ولياليّ هي التي جعلت الطعام حلواً في فمي وحفت نومي بالوحي والأحلام؟
***
لأجل هذا أبارككم من أعماق قلبي .
لأنكم تعطون كثيراً ولا تعرفون أنّكم تعطون شيئاً .
الحق أقول لكم : إن اللطف الذي ينظر إلى ذاته في مرآة ينقلب حجراً .
والعمل الصالح الذي يسميّ نفسه بأسماء جميلة يصير والداً للعنة كريهة .
وقد دعاني فريق منكم متوحداً ثملاً بمحبة وحدتي .
أما أنتم فقلتم بعضكم لبعض : لا تبالغوا في عذله وملامته ، فإنّه يجب أن يؤلف مجلسه من أشجار الأحراج وليس من أبناء الإنسان .
وهو يستلذّ الجلوس على رؤوس التلال والنظر إلى مدينتنا . وإنني بالحقيقة قد تسلقت التلال ومشيت في أراضٍ بعيدة جداً.
لأنه كيف أمكنني أن أراكم من غير أن أكون في علو شاهق أو بعد شاسع ؟
أو كيف يستطيع أحد أن يكون قريباً ما لم يكن بعيداً ؟
***
وغيركم من كان يناديني ولكن بغير الألفاظ ، ويقول لي :
( أيها الغريب ،أيها الغريب المتعشق ما لم يبلغ من الشاهقات ، لماذا تقطن بين قنن الجبال حيثما تبني النسور أعشاشها ؟
لماذا تسعى إلى ما لا سبيل للحصول عليه ؟
أي نوع من العواصف تريد أن تصطاد لشبكتك ،وما هي الطيور البخارية التي تفتش عنها في السماء ؟
هلّم إلينا ، وكن واحداً منا . اهبط من علوّك ،وسكـّن حدة مجاعتك بخبزنا ، واخمد لظى عطشك بلذيذ خمرتنا )
قالوا هذه الأقوال كلها في وحدة نفوسهم . ولو كانت وحدتهم أعمق مما هي لأدركوا أنني لم أكن أسعى إلا إلى إدراك سرّ أفراحكم وآلامكم ، ولم أكن أصطاد سوى ذواتكم الكبرى السائرة نحو السماء .
ولكن الصياد قد صار صيداً :
لأن كثيراً من سهامي لم تترك قوسي إلا لكي تسعى إلى صدري .
والطائر قد صار زحافة :
لأنني عندما بسطت جناحيّ في الشمس صار ظلهما على الأرض سلحفاة .
وأنا المؤمن صرت مرتاباً : لأنني كثيراً ما وضعت إصبعي في جنبي رجاء أن أبلغ كمال إيماني بكم ومعرفتي لحقيقتكم .
***
وبهذا الإيمان وهذه المعرفة أقول لكم:
إنكم لستم محصورين في سجون أجسادكم ، كلا، ولستم مقيدين بجدران بيوتكم وحدود حقولكم.
فإن الذات الخفية التي تمثل حقيقتكم تقطن فوق الجبال وتهيم مع الرياح.
لأنها لا تدب إلى الشمس مستدفئة ولا تتلمس طريقها في الظلمة مستنجدة، بل هي روح حرة طليقة تغلف الأرض متركب دقائق الأثير.
وإن جاءت كلماتي هذه غامضة على إفهامكم فلا تسعوا إيضاحها. فإن الغموض والسديم هما بداءة كل شيء لا نهايته.
وإنني بملء الرغبة أود أن تتذكروني كبداءة.
والحياة، وجميع الكائنات الحية، إنما تتصور أولا في الضباب وليس في البلور.
ومن يدري أن البلور لم يكن ضباباً متجمداً؟
***
وهذا ما أود أن تحتفظوا به مع ذكراي:
إن ما يبدو لكم ضعيفاً متضعضفاً فيكم هو أقوى وأثبت ما في كيانكم .
لأنه أليس لهاثكم هو الذي يقيم بنيان عظامكم ويشدده.
بل أليس الحلم الذي لم يحلم به أحدٌ منكم قط هو الذي بنى مدينتكم وعمل كل ما فيها؟
فلو كان لكم أن تنظروا مجاري ذلك اللهاث لما كانت لكم حاجة إلى أن تنظروا شيئاً آخر غيرها.
ولو استطعتم أن تسمعوا مناجاة ذلك الحلم لما كنتم ترغبون في سماع أي صوت آخر في العالم. ولكنكم لا تنظرون ولا تسمعون، وحسناً تفعلون فإن الحجاب المسدول على عيونكم سترفعه اليد التي حاكته. والطين الذي يسد أذانكم ستنتزعه الأصابع التي جبلته. وحين إذن تبصرون ، وحين إذن تسمعون.
بيد أنكم لم تتحسروا على أنكم كنتم عمياً أو صما.
لأنكم في ذلك اليوم ستعرفون المقاصد الخفية في كل شيء.
وستباركون الظلمة كما تباركون النور.
***
وعندما قال هذا نظر حواليه، فرأى ربان سفينته منتصباً أمام السكان وهو ينظر تارة إلى الأشرعة وطوراً إلى البحر.
فقال:
إن ربان سفينتي واسع الصدر جزيل الصبر.
فإن الريح تهب بعنف، والأشرعة مضطربة.
حتى إن السكان نفسه يحتاج إلى من يديره.
ومع كل هذا فإن ربان سفينتي ينتظر سكوتي.
وهؤلاء الملاحون رفقائي الذي سمعوا جوق المنشدين في البحر الأعظم، لقد أصغوا إليّ بطول أناة.
ولكنهم لن ينتظروا ثانية واحدة بعد.
فإنني على أتم الأهبة للسفر.
فقد وصل الجدول إلى البحر ، وأتيح للأم العظيمة أن تضم ابنها إلى صدرها مرة ثانية.
***
فالوداع ، الوداع يا أبناء أورفليس.
قد غربت شمس هذا اليوم.
وأغلق علينا أبوابه كما تغلق زنبقة الغور أوراقها على غدها.
فكل ما أعطينها ههنا سنحتفظ به، وإذا لم يكن كافياً لسدّ حاجتنا، فإننا نأتي ثانية إلى هذا المكان ونمدّ أيدينا معاً لمن أعطانا.
ولا تنسوا أنني سآتي إليكم مرة أخرى.
فلن يمرّ زمن قليل حتى يشرع حنيني في جمع الطين والزبد لجسد آخر.
قليلاً ولا تروني، وقليلاً وترونني،
لأن امرأة أخرى ستلدني.
***
أودعكم وأودع الشباب الذي قضيته بينكم .
فإننا في الأمس قد اجتمعنا كما في حلم.
قد أنشدتم لي في وحدتي، وبنيت لكم من أشواقكم برجاً في السماء.
ولكن عهد النوم قد انقضى ، والحلم قد مضى ، ولسنا الآن عند بزوغ الفجر.
لأن الظهيرة ترقص فوق رؤوسنا، ويقظتنا الناقصة قد تحولت إلى نهار كامل، فيجدر بنا أن نفترق.
فإذا جمعنا شفق الذكرى مرة أخرى فإننا حينئذ نتكلم معاً، وحينئذٍ تنشدون لي أنشودة أوقع في النفس من أنشودة اليوم.
وإن اجتمعت أيدينا في حلم ثانٍ فهنالك سنبني برجاً آخر في السماء.
وعندما قال هذا أشار إلى الملاحين إشارة تؤذن بالسفر، فرفعوا مرساة السفينة في الحال وحلوا حبالها وساروا نحو الشرق.
فصرخ الشعب كله بصوت عظيم كأنه صادر من قلب واحد ، وتعالى صراخهم في الشفق فحملته دقائق الهواء فوق البحر كأنه صوت بوق عظيم.
أما المطرة العرافة فكانت صامتة وحدها، تشيع السفينة بنظرها حتى توارت في الضباب.
ثم تفرق الشعب كل في سبيله ، بيد أنها ظلت وحدها واقفة على شاطئ البحر تردد في قلبها كلمات المصطفى الأخيرة:
" قليلاً ولا ترونني ، وقليلاً وترونني،
لأن امرأة أخرى ستلدني ".
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:34 pm

رسائل جبران خليل جبران إلى هيلانة منشورة ومعروفة.. فما مدعاة الاحتفاء؟
المرأة التي أحبته دون أن يبادلها شغفها

بيروت: جان دايه



رغم وصول الصراع السياسي في لبنان الذروة، فقد كان لجبران خليل جبران حضور ثقافي واعلاني في الشهرين الاخيرين من العام الماضي، وبخاصة علاقته بآنسة لبنانية تدعى هيلانة غسطين. ويعود سرّ الحضور الجبراني النسائي الى ثلاثة اسباب: اولاً، شهرة جبران الواسعة التي اقتضت ان يلقي الباحثون والصحافيون الضوء على سيرته وعلاقته بالمرأة، بعد درسهم لأدبه. ثانياً، صدور «اوراق جبرانية» للكاتب اللبناني الفرنكوفوني اسكندر نجار، في ترجمة عربية لكتابه الفرنسي الذي صدر منذ ثلاث سنوات، وتأكيد مؤلفه في مقدمة الطبعة العربية المؤرخة في يوليو (تموز) 2006 ان الكتاب يحتضن «رسائل غير منشورة من جبران الى صديقته هيلانة غسطين». ثالثا، تنويه بعض الزملاء في الدوريات اللبنانية بالوثائق الجبرانية المجهولة التي احتضنها الكتاب الجديد وبخاصة الرسائل التي تكشف علاقة جبران بامرأة اخرى، رغم ان اللائحة الخاصة بحبيبات جبران الاجنبيات والعربيات طويلة جدا مقارنة بقصر عمره.

من هي هيلانة غسطين؟ وهل كانت حبيبة ام صديقة؟ ولماذا بقيت مغمورة رغم القاء الاضواء الكاشفة على سائر «نساء» جبران وبخاصة ماري هاسكل ومي زيادة؟ وهل يعتبر اسكندر نجار أول من اماط اللثام عن علاقة جبران بهيلانة، ونشر بعض رسائله لها؟
ولنبدأ من النهاية. في عدد يناير (كانون الثاني) 1982 نشر في مجلة «قب الياس» اللبنانية الاغترابية مقال للاديب الاردني المقيم في نيويورك ابراهيم ناصر سويدان، وعد فيه القراء بنشر «رسائل جبران الى الآنسة الاديبة هيلانة غسطين، وهي النسخ الاصلية بالذات». وبالفعل نشر الاديب المهجري دزينة من الرسائل في اعداد لاحقة من «قب الياس».
وفي العام 1996، خصصت فصلا كبيرا في كتابي «المعلم رزق الله حلبي» عن علاقة جبران بهيلانة، واعدت نشر معظم رسائله اليها، اضافة الى قصيدة قصيرة بعنوان «دقوا المسامير». والجدير ذكره ان حلبي هو صاحب مجلة «قب الياس» ورئيس تحريرها.
وفي 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2002، نشر الزميل حمزه عبود تحقيقاً في ملحق «النهار» الثقافي، نشر في اطاره بعض رسائل جبران لهيلانة، وقد توّجها بالقول انها «لم تنشر ولا احد يعرف عنها شيئاً». وردّ عليه الاديب الفرنكوفوني، اسكندر نجار بأن الرسائل معروفة وانه نشر شيئاً منها في كتابه. وكانت لي مداخلة في الملحق بتاريخ 8 ديسمبر (كانون الاول) 2002، نوهت فيها بريادة الاديب المهجري الراحل ابراهيم سويدان في كشف الرسائل ونشرها.
ولنقلب الصفحة، ونطل على سيرة هيلانة غسطين التي يجهل القراء اصلها وفصلها، في الوقت الذي يعرفون الشيء الكثير عن بعض صديقات جبران وبخاصة مي زيادة وماري هاسكل.
ولدت هيلانة جرجس غسطين في مصيف بزبدين من اعمال جبل لبنان. ولكن بلدة بزبدين لا تحتضن الآن عائلة واحدة من آل غسطين. فهل هاجر كل افراد آل غسطين كما هو حال العديد من العائلات اللبنانية في بعض قرى جبل لبنان؟ كلا. ذلك ان الاسم الكامل لصديقة جبران هو هيلانة غسطين بعقليني. وآل بعقليني كانوا وما زالوا في المصيف الذي يبعد حوالي 25 كيلومترا عن العاصمة بيروت.
كان الشيخ جرجس مقتدراً من الناحية المالية، ومقدرا للعلم، ومؤمناً بتعليم البنات. لذلك، لم يكتفِ بتعليم ابنته هيلانة في مدارس لبنان، بل اوفدها الى باريس لتكمل علمها في جامعة السوربون الشهيرة. بعد التخرج، عادت هيلانة الى لبنان في اواخر الحقبة العثمانية، ونشطت في الحقل الادبي، حيث انضمت الى عصبة ادبية كان يقودها الاديب والخطيب الشهير فليكس فارس. وفي اطار الجمعة الادبية، تعرفت هيلانة بعدد من الاديبات والادباء من مثل امين الريحاني والاخطل الصغير (بشارة عبد الله الخوري) وسلمى صايغ وحبوبة حداد صاحبة مجلة «الحياة الجديدة».
في العام 1917، هاجرت الآنسة هيلانة الى الولايات المتحدة الاميركية، ودشّنت اعمالها في جريدة «الهدى» النيويوركية العربية. اما لماذا الصحافة، ولماذا «الهدى» بالتحديد، فلأن صاحب الجريدة ورئيس تحريرها نعوم مكرزل هو خال هيلانة، اضافة الى ان كل العاملات والعاملين في حقل الصحافة، كانوا ادباء، ولم يتخرجوا من كليات الاعلام.
إبان الانتداب الفرنسي في سورية ولبنان، سافر الاديب والسياسي فليكس فارس والنحات جان دبس الى الولايات المتحدة، في جولة سياسية. كانت نيويورك محطتهما الرئيسية. وفي 24 يونيو (حزيران) 1922 اقيمت للزائرين حفلة خطابية في احد مطاعم الجالية، تولّى تقديم المتكلمين فيها صاحب «الهدى» نعوم مكرزل. كانت هيلانة غارقة في حزنها بسبب وفاة والدتها، ولكن اعجابها بفليكس فارس وانخراطها في الحركة الادبية، دفعاها الى الاشتراك في الاحتفال والقاء كلمة مقتضبة قالت فيها: «انتم الان تكرمون الوطنية الحقة والشجاعة الادبية في السيد فليكس فارس، وتكرمون الفن في السيد جان دبس، وقد اردتم ان تشترك السيدات في هذا الواجب لتعلم اخواتنا المتخلفات ـ اي الباقيات في الوطن ـ ان تلك الزنابق التي نبتت على شواطئ بحر الروم، لا تزال نامية زاهية على ضفاف الهدسن». لم يتمكن جبران من الاشتراك في الاحتفال بسبب وجوده خارج نيويورك. ولكنه ارسل البرقية التالية التي قرئت في الاحتفال: «ان طول المسافة يجعل السفر مستحيلاً الا على الروح. محبتي لكم ولرفيقيكم الى الابد».
تكلم فارس في ختام الحفلة، فنوه بجميع الخطباء، ومما قاله للخطيبة: «ايتها الآنسة الكريمة الممثلة ذكاء بلادي وكرامتها في هذا المحيط العظيم، انني اجد كل عمل ادبي لا يطمح الى تعزيز مقام المرأة وحل المشاكل الاجتماعية، عملا ناقصا».
بعد اشهر من عودة فارس، الى لبنان، تلقى رسالة جوابية من هيلانة مؤرّخة في 6 نوفمبر(تشرين الثاني) 1922 على الرسالة التي تلقتها منه في 6 اكتوبر (تشرين الاول) 1922 واعلمها فيها عن مرضه. وعلّقت هيلانة على حالته المرضية بقولها: «لو شاهدت الآن صديقك جبران، لهان عليك الانقطاع عن الدخان. لأنه بالانقطاع عنه، وبالراحة التامة، فقط، ملك صحة جيدة، وقد اصبح (كابن عشرين) كما قال لي بالتلفون، ولامني كثيراً لأني ما ذهبت برفقتك اليه حيث كان». ان هذه العبارة تؤكّد ان علاقة جبران بهيلانة كانت قائمة في العام 1922.
ولنتوقف امام بعض رسائل جبران للتعرف على طبيعة علاقته بهيلانة، ناهيك من الوقوف على مزيد من تحديد معالم شخصيتها.
يقول جبران في احدى الرسائل: «جئت بوسطن منذ كم يوم لكي اقاتل واجاهد واشعر بغربتي بين أبناء بلادي، وانت تعلمين يا هلّون قصتي. لذلك اطلب اليك ان لا تعاتبيني ولا (تعزليني) لسكوتي وقصوري. لو رأيتيني في هذه الحالة لكنتِ عطوفة شفوقة. بل وكنت ابعد الناس عن اللوم والتعنيف».
واستهل رسالة اخرى مؤرخة في 29 يناير (كانون الثاني) 1924 بالقول لها: «منذ بضعة ايام خاطبتني صديقتك مدام (كاس) بواسطة التليفون، وقالت لي انك ترغبين في استرجاع بعض الرسائل التي كتبتها اليّ في العام الغابر (1923)». وختم قائلاً: «انا لا ارى لماذا تريدين استرجاع تلك الرسائل، او اية اهمية لها عندك؟».
وقال لها في رسالة ثالثة: «انت يا هيلانة ميّالة الى الشكوى حينما لا يكون هناك من سبب الى الشكوى. فتتأففين من الظلام مع انك جالسة في نور الشمس. الله يساعدني على السيدات اللطيفات المغنجات الشاكيات المشككات». ويُعلم جبران عزيزته «هلّون» في رسالة رابعة انه «طريح الفراش» بعد عودته من بوسطن الى نيويورك. ويضيف مستغيثاً ومتوسلا: «ارغب في مشاهدتك. انا اعرف بقلبي انك لا ترفضين زيارة رجل مريض، مكسور الخاطر، حزين الروح». ومن اسباب رغبته في مشاهدتها «ميلي الى اظهار شكري وامتناني لك بصورة شفاهية على كل ما اظهرته نحوي من العطف والمودة والمعروف اثناء ثلاثة اعوام».
وفي 6 يناير (كانون الثاني) 1925 كتب جبران رسالة لهيلانة لم تتضمن عتاباً او نقداً، بل شكراً «من صميم قلبي على هديتك.. لأنك ما برحت تذكرين يوم مولدي فتظهرين لي عطفك ومودتك».
زار معرّب الالياذة سليمان البستاني نيويورك للاستشفاء في العام 1925. وتصرف اعضاء الرابطة القلمية وفي طليعتهم عميدهم جبران، وكأنهم افراد عائلة البستاني. وتوفي المريض بعد اشهر. فقرر جبران ورفاقه تنظيم احتفال تأبيني ثقافي لتكريم الفقيد. ولما كان لهيلانة شغف وخبرة في تنظيم الاحتفالات الثقافية، فقد بعث لها جبران برسالة قال فيها: «هنالك بعض أمور تتعلّق بفقيدك وفقيدي سليمان البستاني اريد ان ابحث فيها معك. وانت تعلمين انه ليس في الجالية السورية سواك من يستطيع ان يساعدني على القيام ببعض ما يجب علينا من تكريم تلك الروح الجميلة الكبيرة الطاهرة». وختم بالعبارة التالية: «الله يحفظك يا ابنتي الحلوة». وتعليقا على صورتي هيلانه اللتين ارسلتهما اليه، قال جبران، في احدى رسائله عليهما: «لقد استحسنت الصورتين جدا، خصوصاً الصغرى، تلك التي تدل على الهدوء والتعقّل والتفكّر العميق. حبذا لو كان بإمكاني مصادقة امرأة من لحم ودم وعظم، تشابه هذه الصورة البديعة. لا بأس، سوف اجد تلك الصديقة، او خيالها، في عالم الارواح بين ثنايا الابدية».
يستنتج مما سبق حقيقتان: الاولى، ان هيلانة مغرمة بجبران، والادلة كثيرة، منها تزويدها له بصورتيها، وهي عادة تتبعها المغرمات. ومن علامات غرامها بجبران محاولتها استرداد رسائلها له وتوجيه العتاب واللوم والتعنيف. اضافة الى تقديمها الهدايا له، وبخاصة في عيد ميلاده. ناهيك بأنها كانت تتغنّج عليه، وتشكو منه وتشكّك به.
وبالمقابل تفيد الحقيقة الثانية ان جبران لم يكن حبيباً لهيلانة، والادلة اكثر من ان تعدّ وتحصى، اكتفي بذكر اثنين منها. الاول، حيث يقول جبران لها: «الله يحفظك يا ابنتي الحلوة». والحبيب لا يقول لحبيبته (يا ابنتي) حتى لو كان اكبر منها سناً كما هو حال جبران بالنسبة لهيلانة. الدليل الثاني، اضطرار جبران لان يبلّغ هيلانة بصورة مباشرة عدم استعداده او بالاحرى قدرته على حبه لها، بسبب مرضه وربما لأسباب اخرى منها انه كان على علاقة حب او صداقة مع عشرات النساء، بينهن من كنّ اكثر ثقافة كماري هاسكل وماري زيادة (مي) وبعضهن اكثر جمالاً كميشلين وسلطانة تابت.
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:35 pm

قصيدة على باب الهيكل

على باب الهيكل
قد طهَّرتُ شفتيَّ بالنار المقدَّسة لأتكلَّم عن الحب،
ولَّما فتحت شفتَّي للكلام وجدتُني أخرس.
كنت أترنّم بأغاني الحب قبل أن أعرفه.
ولما عرفته تحوَّلتِ الألفاظ في فمي إلى لهاث ضئيل،
والأنغام في صدرشَ إلى سكينة عميقة.
وكنتم
أيها الناس، فيما مضى، تسألونني عن غرائب
الحب وعجائبه، فكنت أحدثكم وأُقنعكُم. أما الآن، وقد غمرني الحب
بوشاحه، فجئتُ بدوري أسألكم عن مسالكه ومزاياه فهل بينكم من
يجيبني ؟
... هل بينكم من يستطيع أن يُبَيِّن قلبي
لقلبي ويوضح ذاتي لذاتي؟
ألا فأخبروني ما هذه الشعلة التي تَتَّقِد في صدري وتلتهم قواي وتُذيب
عواطفي وميولي؟
وما هذه الأيدي الخفية الناعمة الخشنة التي تَقبضُ
على روحي في ساعة الوِحدة والانفراد، وتَسكب في
كبدي خمرة ممزوجة بمرارة اللذة وحلاوة الأوجاع؟
وما هذه الأجنحة التي تَرفرف حول مضجعي
في سكيِنةِ
الليل فأسهَرَ مترقباً ما لا أعرفه،
مُصغياً إلى ما لا أسمعه،
مُحدّقاً إلى ما لا أراه،
مفكّراً بما لا أفهمه،
شاعراً بما لا أُدركه ،
مُتأوِّهاً لأَنِّ في التأوُّه غصَّات أَحبَّ
لدي من رنةِ الضحِكَ والابتهاج،
مستسلماً إلى قوةَ غيرِ منظورة تُميتُني
وتُحييني ثم تُميتُني وتُحَييني حتى يطلع الفجر
ويملأ النور
زوايا غرفتي فأنام إذ ذاك...
وبين أجفانيِ الذابلة ترتعش أشباح اليقظة
وعلى فراشي الحجري تتمايل خيالات الأحلام.

وما هذا الذي ندعوه حباً؟
أخبروني ما هذا السر الخفيّ
الكَامِن خلفَ الدهور،
المختبئ وراءَ المرئَّيات،
السَّاَكِنُ في ضمير الوجود؟
ما هذه الفكرة المطلقة التي تجيءُ سبباً
لجميع النتائج
وتأتي نتيجة لجميعِ الأسباب؟
ما هذه اليقظة التي تتناولِ الموتَ والحياة،
وتبتدعِ منهما حلماً أغرَبَ مِن الحياة
وأعمق من الموت؟
أخبروني أيها الناس.
أخبروني هل بينكم من لا يستيقظ من رقدة الحياة
إذا ما لمس الحبُّ روحَه بأطرافِ أصابعه؟
هل بينكم من لا يترك أباه وأمَّه ومَسقط رأسه
عندما تناديه الصبيةُ التي أحبَّها قلُبه؟
هل فيكم من لا يمخر البحر ويقطع الصحاري، ويجتاز
الجبال والأودية ليلتقي المرأة التي اختارتها روحه؟
أي فتى لا يتبع قلبه إلى أقاصي الأرض إذا
كان له في أقاصي الأرض حبيبة
يستطيب نكهة أنفاسها،
ويستلطف ملامس يديها،
ويستعذب رَّنة صوتها؟
أي بشريّ لا يحرق نفسه بخوراً أمام إله
يسمَعُ ابتهاله ويستجيبُ صَلَوَاتِه؟

وقفتُ بالأمس على باب الهيكل
أسأل العابرين عن خفايا الحب ومزاياه.
مرَّ أمامي كهل... وقال متأوهاً:
الحبُّ ضعف فطري ورثناه عن الإنسان الأوّل.
ومَّر فتى ... مفتول الساعدين وقال مترّنماً :
الحبُّ عزم يلازم كياننا
ويصل حاضرنا بماضي الأجيال ومستقبلها.
ومَّرت أمرأة كئيبة... وقالت متنهدة:
الحب سمٌ قتَّال تتنفسه الأفاعي السوداء...
ومَّرت صبية موردة الوجنتين وقالت مبتسمة:
الحب كوثر تسكبه عرائس الفجر في الأرواح...
ومرَّ طفلٌ ابنُ خمس وهتف ضاحكاً:
الحبُّ أبي والحبُّ أمي.

وانقضى النَّهار.
والناس يَمُرُّون أمام الهيكل.
وكلٌ يصور نفسَه متكّلِماً عن الحب،
ويبوح بأمانيه مُعْلناً سرَّ الحياة.
ولَّما جاء المساء، وسكنت حركة العابرين،
سَمعْتُ صوتاً آتياً من داخل الهيكل يقول:
الحَياة نصفان: نصف متجلّد ونصف ملتهب.
فالحب هو النصف الملتهب.
فدخلت الهيكل إذ ذاك،
وسجدت راكعاً، مبتهلاً، مصلياً، هاتفاً :
اجعلني يا رب طعاماً للهيب.
اجعلني أّيها الإله مأكلاً للنارِ المقدسة
آمين
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:36 pm

الليل والمجنون


المجنون : " أنا مثلك أيها الليل قاتم عار ، أمشي على طريق ناري يمتد فوق أحلام نهاري . وحيثما تمسّ رجلي الأرض ، فهناك تنبثق سنديانة جبارة" .
الليل : "كلا ، لست مثلي أيها المجنون ، فإنّك مازلت تتلفّت إلى وراءك لترى آثار قدميك على الرمال" .
المجنون : "أنا مثلك أيها الليل الصامت وعميق ، وفي قلب وحدتي تتكئ إلاهة تتمخض بمولود علوي تأتلف بكيانه الجنّة والجحيم" .
الليل : " كلا ، لست مثلي أيها المجنون ، فإنّك لاتزال ترتعش أمام الآلام فيهولك سماع أناشيد الهاوية " .
المجنون : " أنا مثلك أيها الليل ، آبد جبّار ، فإنّ أذنيّ مثقلتان بنحيب الأمم المستعبدة والتحسّر على الممالك المهجورة " .
الليل : " كلا ، لست مثلي أيها المجنون ، لأنّك لاتزال تتخذ ذاتك الصغرى رفيقاً وفيّاً ، ولا تستطيع أن تتّخذ لك من ذاتك الجبّارة صديقاً " .
المجنون : " أنا مثلك أيها الليل صارم وفظيع ، فإن قلبي لايطرب إلاّ لرؤية لهيب المراكب المحترقة في البحار ، وشفتيّ لا تستلذّان سوى دماء الأبطال المصروعين في ساحات الوغى " .
الليل : " كلا ، لست مثلي أيها المجنون ، لأن بك شوقاً إلى أخت روحك متسلطاً عليك يسيرك كيف شاء . ولم تصر بعد شريعة لنفسك " .
المجنون : أنا مثلك أيها الليل ، جذل وطروب ، فإن الرجل الذي يرافقني سكران أبداً من الخمرة العذراء ، والمرأة التي تصادفني ترتكب الإثم وهي منشرحة الصدر" .
الليل : " كلا ، لست مثلي أيها المجنون ، لأن روحك مقنّعة بقناع ذي طيات سبع وأنت للان لم تحمل قلبك على كفّك " .
المجنون : " أنا مثلك أيها الليل ، صبور وكئيب . فإن في صدري ألوفاً من قبور المحبين الذين ماتوا مخلصين فحنّطتهم الدموع وكفّنتهم القبلات الذابلة " .
الليل : " وهل أنت مثلي؟ أحقاً أنت مثلي أيها المجنون ؟ وهل تستطيع أن تمتطي العاصفة جواداً وتمتشق البرق حساماً؟ " .
المجنون : "أنا مثلك أيها الليل ، أنا مثلك قدير عظيم . وقد بنيت عرشي على آكام الآلهة الساقطة وجعلت الأيام تمر أيامي صاغرة تقّبل أهداب ثوبي من غير أن تجرؤ على التطلّع إلى وجهي " .
الليل : " هل أنت مثلي يا ابن قلبي الدامس المدلهم ؟ هل أنت مثلي ؟ وهل تخطر لك أفكاري الجامحة أم تتكلم لغتي الواسعة البيان " .
المجنون : " بلى ، إنّنا أخوان توأمان أيها الليل ، فأنت تكشف مكنونات اللانهاية ، وأنا أكتشف مكنونات نفسي " .
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:36 pm

الرمانة


عشت مرة في قلب رمانة . وبينما أما جالس يوماً في خليتي سمعت حبة تقول "سأصير في المستقبل شجرة متعالية تترنم الأرياح بأغصانها وترقص الشمس على أوراقها ، وسأكون قوية جميلة على ممر الفصول" .
فأجابت حبة ثانية وقالت : "ما أجهلك أيتها الرفيقة ! فإنّي حين كنت صغيرة مثلك حلمت أحلامك . ولكنني بعد أن صرت قادرة على تحديد كل شيء بمقياس ومعيار أدركت أنّ جميع آمالي كانت باطلة" .
ثم قالت حبة ثالثة : "أمّا أنا فإنّني لا أرى فينا ما ينبئ بمثل هذا المستقبل العظيم" .
فأجابت حبة رابعة وقالت : "إذا لم ترم حياتنا إلى مستقبل أنبل وأبهى فباطلة هي " .
فوقفت إذ ذاك حبة خامسة وقالت : " ما بالنا نتجادل فيما سيؤول إليه أمرنا في المستقبل في حين أنّنا لا نعرف ما نحن عليه اليوم ؟ ".
فقالت حبة سادسة : "إنّنا سنظلّ أبداً على ما نحن عليه الآن " .
فأجابتها حبة سابعة قائلة : "إن في ذهني صورة واضحة للمستقبل ولكنني لا أستطيع أن أرسمها بالألفاظ " .
ثم تكلمت حبة ثامنة وتاسعة وعاشرة وحبوب كثيرة حتى تكلم الجميع فلم أفهم شيئاً لوفرة الأصوات وبلبلتها .
فتركت الرمانة في ذلك اليوم وأتيت فسكنت في سفرجلة حيث لا يوجد إلا قليل من الحبوب تعيش بصمت وسكون .
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:38 pm

لكم لغتكم ولي لغتي


لكم من اللغة العربية ما شئتم، ولي منها ما يوافق أفكاري وعواطفي.
لكم منها الألفاظ وترتيبها، ولي منها ما تومئ إليه الألفاظ ولا تلمسه، ويصبو إليه الترتيب ولا يبلغه.

لكم منها جثث محنطة باردة جامدة، تحسبونها الكل بالكل، ولي منها أجساد لا قيمة لها بذاتها، بل كل قيمتها بالروح التي تحل فيها.

لكم منها محجة مقررة مقصودة، ولي منها واسطة متقلبة لا أستكفي بها إلا إذا أوصلت ما يختبئ في قلبي إلى القلوب وما يجول في ضميري إلى الضمائر.

لكم منها قواعدها الحاتمة، وقوانينها اليابسة المحدودة ولي منها نغمة أحول رناتها ونبراتها وقراراتها إلى ما تثبته رنة في الفكر، ونبرة في الميل، وقرار في الحاسة.

لكم منها القواميس والمعجمات والمطولات، ولي منها ما غربلته الأذن وحفظته الذاكرة من كلام مألوف مأنوس تتداوله ألسنة الناس في أفراحهم وأحزانهم.

لكم لغتكم ولي لغتي.

لكم منها العروض والتفاعيل والقوافي، وما يحشر فيها من جائز وغير جائز، ولي منها جدول يتسارع مترنما نحو الشاطىء، فلا يدري ما إذا كان الوزن في الصخور التي تقف في سبيله، أم القافية في أوراق الخريف التي تسير معه.

لكم منها الشعراء الفحول الفطاحل الخناذيذ، ومن صدرهم وشطرهم وخمسهم وذيلهم وشرحهم، ولي منها ما يتمشى متهيبا خجلا في قلوب الشعراء الذين لم ينظموا بيتا ولم ينثروا سطرا.

لكم منها الرثاء والمديح والفخر والتهنئة، ولي منها ما يتكبر عن رثاء من مات وهو في الرحم، ويأبى مديح من يستوجب الإستهزاء، ويأنف من تهنئة من يستدعي الشفقة، ويترفع عن هجو من يستطيع الإعراض عنه، ويتنكف من الفخر إذ ليس في الإنسان ما يفاخر به سوى الإقرار بضعفه وجهله.

لكم لغتكم ولي لغتي.
لكم من لغتكم "البديع" و "البيان" و "المنطق" ولي من لغتي نظرة في عين المغلوب، ودمعة في جفن المشتاق، وابتسامة على ثغر المؤمن، وإشارة في يد السموح الحكيم.

لكم منها ما قاله سيبويه والأسود وابن عقيل ومن جاء قبلهم وبعدهم من المضجرين المملين، ولي منها ما تقوله الأم لطفلها والمحب لرفيقته، والمتعبد لسكينة ليله.

لكم منها "الفصيح" دون "الركيك" و "البليغ" دون "المبتذل" ولي منها ما يتمتمه المستوحش وكله فصيح، وما يغص به المتوجع وكله بليغ، وما يلثغ به المأخوذ وكله فصيح وبليغ.

لكم منها "البنيان المرصوص" ولي منها أسراب من الشحارير والبلابل تتطاير وتنتقل مرفرفة بين حقول الخيال ورياضه.

لكم منها "الترصيع" و "التنزيل" و "التنميق" وكل ما وراء هذه البهلوانيات من التلفيق، ولي منها كلام إذا قيل رفع السامع إلى ما وراء الكلام وإذا كتب بسط أمام القارئ فسحا في الأثير لا يحدها البيان.

لكم منها ماضيها وما كان في ماضيها من الأمجاد والمفاخر، ولي منها حاضرها ومستقبلها بما في حاضرها من التأهب وما سيكون في مستقبلها من الحرية والاستقلال.

لكم لغتكم عازفا يتناولكم عودا فيضرب عليكم أنغاما تختارها أصابعه المتظلفة، ولي من لغتي قيثارة أتناولها فأستخرج منها أغنية تحلم بها روحي وتذيعها أصابعي.

ولكم أن تسكبوا لغتكم بعضكم في مسامع بعض ليسر ويعجب بعضكم ببعض، ولي أن أستودع لغتي عصفات الريح وأمواج البحر، فللريح آذان أشد غيرة على لغتي من آذانكم وللبحر قلب أربأ بها من قلوبكم.

ولكم أن تلتقطوا ما يتناثر خرقا من أثواب لغتكم، ولي أن أمزق بيدي كل عتيق بال، وأطرح على جانب الطريق كل ما يعيق مسيري نحو قمة الجبل.

ولكم أن تحنطوا ما يبتر من أعضائها المعتلة، وأن تحتفظوا به في متاحف عقولكم، ولي أن أحرق بالنار كل مفصل مشلول.

لكم لغتكم ولي لغتي.

لكم لغتكم عجوزا مقعدة، ولي لغتي صبية غارقة في بحر من أحلام شبابها. وما عسى أن تصير إليه لغتكم وما أودعتموه لغتكم عندما يرفع الستار عن عجوزكم وصبيتي؟
أقول أن لغتكم ستصير إلى اللاشيء.
أقول أن السراج الذي جف زيته لن يضيء طويلا.
أقول أن الحياة لا تتراجع إلى الوراء.
أقول أن أخشاب النعش لا تزهر ولا تثمر.
أقول لكم أن ما تحسبونه بيانا ليس بأكثر من عقم مزركش وسخافة مكلسة.
أقول أن القيظ في نفوسكم يسيركم مرغمين إلى مستنقعات الكلم.
أقول أن الصلابة في قلوبكم تخضعكم إلى الرخاوة في ألسنتكم، والصغارة في خيالكم تبيعكم عبيدا من الثرثرة.
أقول لكم أنه لا ينتهي هذا الجيل إلا يقوم لكم من أبنائكم وأحفادكم قضاة وجلادون.
أقول لكم إنما الشاعر رسول يبلغ الروح الفرد ما أوحاه إليه الروح العام، فإن لم يكن هناك رسالة فليس هناك من شاعر.
وأقول إنما الكاتب محدّث صادق، فإن لم يكن هناك من حديث صحيح مقرون ثابت فليس هناك من شاعر.
وأقول إنما الكاتب محدث صادق، فإن لم يكن هناك من حديث صحيح مقرون ثابت فليس هناك من كاتب.
أقول لكم أن النظم والنثر عاطفة وفكر وما زاد على ذلك فخيوط واهية وأسلاك متقطعة.
والآن وقد طلع الفجر، أتحسبون أنني أشكو لغتكم لأبرر لغتي؟ لا والذي جعلني نارا ودخانا بين عيونكم وأنوفكم.
إن الحياة لا ولن تحاول تبرئة نفسها أمام الموت، والحقيقة لا ولن تشرح ذاتها لدى البطل، والقوة لا ولن تقف أمام الضعف، لكم لغتكم ولي لغتي.
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:39 pm

اللؤلؤة

قالت محارة لمحارة تجاورها : " إن بي ألماً جدّ عظيم في داخلي ، إنّه ثقيل ومستدير ، وأنا معه في بلاء وعناء" .
وردت المحارة الأخرى بانشراح فيه استعلاء : " الحمد للسماوات والبحار . لا أشعر في سرّي بأي ألم . أنا بخير وعافية داخلاً وخارجاً " .
ومرّ في تلك اللحظة سرطان مائي ، وسمع المحارتين وهما تتساقطان الحديث ، وقال للتي هي بخير وعافية داخلاً وخارجاً : " نعم! أنت بخير وعافية ، ولكن الألم الذي تحمله جارتك في داخلها ، إنما هو لؤلؤة ذات جمال لا حدّ له "
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:39 pm

جبران خليل جبران
يصنّف الناس إلى أربعة أنواع بشكل غاية في الروعة.. بالإضافة إلى واقعيته..
النص كالتالي:

الناس أربعة: رجل تتهيبة حين تستقبله ورجل لا تتهيبه وقد تستضعفه حين تستقبله، ولكن لا تلبث بعد عشرة قصيرة أن تستقويه وربما تضطر أن تتهيبه. ورجل تتهيبه حين تستقبله، ولكن بعد عشرة قصيرة أو طويلة تزول هيبته من نفسك، وربما حملته على أن يتهيبك. ورجل تستضعفه مذ تستقبله وتحمله على أن يتهيبك دائمًا.
أما الأول الذي تتهيبه أولاً وآخرًا فهو العظيم النفس والجسد معًا، وعظمة نفسه مقرونة بالذكاء الطبيعي وقوة الجنان. وعظمة جسده مقرونة بالملامح الحادة أي أن أخلاقه جلية في عينيه وسحنته.
ويمتاز هذا المهوب بقوة إرادته وتهيّبه وتيقظه وحدة ذهنه، ويكثر عناؤه في الأمور ولا تندر أصالة رأيه وحكمته. فكأن القوة والفهم مجتمعان فيه؛ فإذا لم تكن مساويًا له فيها سطا عليك من أول وهلة واستضعفك واضطررت أن تتهيبه.
هذا الصنف من الناس أسبق الأصناف الأربعة إلى قيادة الهيئة الاجتماعية واستلام مقاليد الأمور وأكثرها نفوذًُا وسؤؤدًا ويغلب أن ذووه من مديري الأعمال المسيطرين وندر من يستسلم منهم لسيطرة حتى ولو كان مرؤوسًا.
وهم لا يبتغون المال إلا لكي يستخدموه للنفوذ والاستقواء. وربما كانوا أكثر استقامة من سواهم لاعتمادهم على قوتهم. على أنهم قلما يرثون للضعيف وإن فعلوا فلسياسة غالبًا لا دائمًا، ولا ريب أنهم هم العنصر الأهم في الاجتماع الإنساني وربما كان رقيه متوقفًا عليهم حتى إذا كثروا فيه كان أسرع رقيًا. وهؤلاء هم الذي نقول إن السعد خادمهم إذ نرى أن الأمور موفقة لهم. والحقيقة أننا لا نشعر بأن نفوذهم يقود الأمور حسب رغبتهم لأنهم بما لهم من الهيبة يسطون على العناصر الأخرى العاملة في الاجتماع ويجعلونها كآلات في أيديهم فتلك العناصر تعمل معًا لمصلحتهم. فهي بحسب الظاهر تعمل متباينة والحقيقة أن صاحب النفوذ يفتكر ويريد، والعناصر العاملة تنفذ إرادته لا إرادتها، فتتفق طبعًا ولهذا نرى الأمور موفقة لهم. أما الثاني الذي لا تتهيبه بل قد تستضعفه حين تستقبله ولكن لا تلبث بعد عشرة قصيرة أن تستقويه ولا يبعد أن تضطر أن تتهيبه فهو العظيم النفس دون الجسد وعظمة نفسه مقرونة بالذكاء الطبيعي وقوة الجنان، ولكن ليس في ملامحه ما يدل على تلك العظمة بجلاء وقل أن تشعر بحدة في عينيه.
وهو كالأول من حيث قوة الإرادة والتنبيه والتيقظ وحدة الذهن والعناء في الامور وأصالة الرأي وإلا فلا يتسنّى له أن يصبح ذا سطوة وهيبة وسيطرة.
وإنما يختلف عن الأول غالبًا بالدهاء واستعمال الحيلة لأنه يعتمد على قوة عقله أكثر من قوة فراسته، وقد لا يقل عن الأول في قوة جنانه وجرأته.
ويغلب أن يكون أصحاب الدسائس والمكايد من هذه الصنف وأكثر أهل السياسة ومديري دفة الأحكام ومديري الأعمال الكبرى من متاجر وشركات... إلخ، إنما هم من هذا الصنف من البشر.
هؤلاء هم الذي كلما عرفناهم ازددنا تهيبًا لهم لأننا نشعر بقوة إرادتهم وأصالة رأيهم ورسوخ كلمتهم وثباتهم على مبادئهم وجهادهم في تنفيذ مآربهم.
أما الثالث الذي تتهيبه حين تستقبله ولكن بعد عشرة قصيرة أو طويلة تزول هيبته من نفسك وربما حملته على أن يتهيبك فهو الذي تنحصر قوته في ملامحه ومظاهره الخارجية، وأما دماغه وجنانه فصغيران. هو الذي يغشك مظهره ويفضحه مخبره. وكثيرون من اهل هذا الصنف من البشر يغشك مظهرهم إذا كان عندهم قليل من الجرأة والإقدام والحزم استطاعوا التمويه والتهويل وظلوا في عيون المحيطين بهم من السذّج نافذين معظّمين ومسيّدين مع أن رؤوسهم فارغة وقلوبهم ضعيفة.
ويكثر في هذه الطبعة المغرورون الذين لا يدرون بغرورهم ولا يعرفون أقدار نفوسهم فيتبعون غرورهم ويهوّلون على بسطاء الناس فيجوز تهويلهم. ولا يندر أن يكون من ذوي الدعاوى الفارغة ولكن مظاهرهم تؤيد دعاويهم في نظر الساذجين فينخدعون بهم.
أما الذي تستضعفهم منذ تستقبلهم وتحملهم على أن يتهيبوك دائمًا فهم معظم العامة المنقادون الذين يكونون آلات في أيدي ذوي النفوذ والجاه، وهم الذين تعرب ملامحهم ومظاهرهم جليًا عن صغر نفوسهم وأدمغتهم وإرادتهم. ويكادون لا يحسنون عملاً بلا مدرّب يدربهم.
هذا بيان إجمالي لطبقات الناس ينسبه بعضهم إلى بعض من حيث التهيب. على أن الأفراد يتنازعون النفوذ والهيبة، وأقواهم جنانًا أسبقهم إلى الفوز والتسديد والنفوذ
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

السابقالتالي

العودة إلى منتدى الشعر والنثر والأدب

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 6 زائر/زوار

cron