• اخر المشاركات

مجموغة رائعة من أعمال الأديب العالمي جبران خليل جبران

كلمات ليست ككل الكلمات ... كلمات تنساب عبر الروح

المشرف: إدارة الموقع

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:07 pm

ھل علم زوجك باجتماعاتنا فصرت تخشین غضبھ وانتقامھ؟"فسألتھا قائلاً
إن زوجي لا یحفل بي ولا یدري كیف أصرف أیامي فھو مشغول عني بأولئك الصبایا "فأجابت
المسكینات اللواتي تقودھن الفاقة إلى أسوق النخاسین فیتعطرن ویتكحلن لیبعن أجسادھن بالخبز
."المعجون بالدماء والدموع
فقلت إذاً ما یصدك عن المجيء إلى ھذا المعبد والجلوس بجانبي أمام ھیبة الله وأشباح الأجیال؟
."ھل مللت النظر إلى خفایا نفسي فطلبت روحك الوداع والتفریق؟
لا یا حبیبي إن روحي لم تطلب فراقك لأنك شطرھا ولا ملت "فأجابت والدمع یراود أجفانھا
ولقد إذا كان القضاء قد حكم عليّ أن أسیر على عقبات الحیاة .عیناي النظر إلیك لأنك نورھما
."مثقلة بالقیود والسلاسل فھل أرضى بأن یكون نصیبك من القضاء مثل نصیبي؟
."تكلمي یا سلمى وأخبریني عن كل شيء ولا تتركیني ضائعاً بین ھذه المعمیات"فقلت
لا أقدر أن أقول كل شيء لأن اللسان الذي أخرستھ الأوجاع لا یتكلم، والشفاه التي ختم "فأجابت
علیھا الیأس لا تتحرك وكل ما أقدر أن أقولھ لك ھو أني أخاف علیك من الوقوع في شرك الذین
."نصبوا لي الحبائل واصطادوني
."ماذا تعنین یا سلمى ومن ھم الذین تخافین عليّ منھم"فقلت
إن المطران بولس غالب قد صار یعلم "فسترت وجھھا بیدھا وتأوھت ملتاعة ثم قالت مترددة
."بأنني أخرج مرة في الشھر من القبر الذي وضعني فیھ
."وھل علم المطران بأنك تلتقین بي في ھذا المكان"فقلت
ولكن الشكوك تخامره والظنون تتلاعب "لو علم بذلك لما رأیتني الآن جالسة بقربك"فأجابت
بأفكاره وقد بث عليّ العیون لترقبني وأوعز إلى خدمھ لیتجسسوا حركاتي حتى صرت أشعر بأن
للمنزل الذي أسكنھ والطرقات التي أسیر علیھا نواظر تحدق بي وأصابع تشیر إليّ وآذاناً تسمع
."ھمس أفكاري
أنا لا أخاف على نفسي لأن الغریق لا "وأطرقت ھنیھة ثم زادت والدمع ینسكب على وجنتیھا
یخشى البلل، ولكنني أخاف علیك وأنت حر كنور الشمس أن تقع مثلي في أشراكھ فیقبض علیك
ولكنني أخاف .أنا لا أخاف من الدھر لأنھ أفرغ جمیع سھامھ في صدري ..بأظافره وینھشك بأنیابھ
علیك وأنت في ربیع العمر أن تلسع الأفعى قدمیك وتوقفك عن المسیر نحو قمة الجبل حیث
."ینتظرك المستقبل بأفراحھ وأمجاده
ولكن .إن من لا تلسعھ أفاعي الأیام وتنھشھ ذئاب اللیل یظل مغروراً بالأیام واللیالي"فقلت
اسمعي یا سلمى، اسمعیني جیداً، ألیس أمامنا غیر الفراق لنتقي صغارة الناس وشرورھم؟ ھل
"سدت أمامنا سبل الحب والحیاة والحریة فلم یبق غیر الاستسلام إلى مشیئة عبید الموت؟
."لم یبق أمامنا غیر الوداع والتفرق"فأجابت بلھجة یساورھا القنوط والحسرة
لقد "فأخذت یدھا وقد تمردت روحي في داخلي وتبدد الدخان عن شعلة فتوتي فقلت متھیجاً
منذ تلك الساعة التي جمعتنا حتى الآن ونحن ننقاد ..استسلمنا طویلاً إلى أھواء الناس یا سلمى
منذ عرفتك ونحن في ید المطران بولس غالب مثل كرتین یلعب .إلى العمیان ونركع أمام أصنامھم
بنا كیفما أراد ویقذفنا حیثما شاء فھل نبقى خاضعین لدیھ محدقین بظلمة نفسھ حتى یلوكنا القبر
وتبتلعنا الأرض؟ ھل وھبنا الله نسمة الحیاة لنضعھا تحت أقدام الموت؟ وأعطانا الحریة لنجعلھا
ومن یصبر على .ظلاً للاستعباد؟ إن من یخمد نار نفسھ بیده یكون كافراً بالسماء التي أوقدتھا
وقد .الضیم ولا یتمرد على الظلم یكون حلیف الباطل على الحق وشریك السفاحین بقتل الأبریاء
فھل نرمي بكنزنا .أحببتك یا سلمى وأحببتني والحب كنز ثمین یودعھ الله النفس الكبیرة الحساسة
إلى حظائر الخنازیر لتبعثره بأنوفھا وتذریھ بأرجلھا؟ أمامنا العالم مسرحاً وسیعاً مملوءاً
بالمحاسن والغرائب فلماذا نسكن في ھذا النفق الضیق الذي حفزه المطران وأعوانھ؟
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:07 pm

الحیاة من الحریة وما في الحریة من الغبطة والسعادة فلماذا لا نخلع النیر الثقیل عن عاتقینا
ونكسر القیود الموثوقة بأرجلنا ونسیر إلى حیث الراحة والطمأنینة؟ قومي یا سلمى نذھب من ھذا
المعبد الصغیر إلى ھیكل الله الأعظم ھلمي نرحل من ھذه البلاد وما فیھا من العبودیة والغباوة إلى
تعالي نسرع إلى الشاطئ .بلاد بعیدة لا تصل إلیھا أیدي اللصوص ولا تبلغھا لھات الأبالسة
مستترین بوشاح اللیل فنعتلي سفینة تقلنا إلى ما وراء البحار وھناك نحیا حیاة مكتنفة بالطھر
لا تترددي یا سلمى فھذه .والتفاھم، فلا تنفثنا الثعابین بأنفاسھا ولا تدوسنا الطوارئ بأقدامھا
قومي نتبع عمود النور فیقودنا من .الدقائق أثمن من تیجان الملوك وأسمى من سرائر الملائكة
."ھذه الصحراء القاحلة إلى حقول تنبت الأزاھر والریاحین
فھزت رأسھا وقد شخصت عیناھا بشيء غیر منظور في فضاء ذلك الھیكل، وسالت على شفتیھا
لا لا یا حبیبي، إن "ابتسامة محزنة تعلن ما في داخل نفسھا من الشدة والألم، ثم قالت بھدوء
السماء قد وضعت في یدي كأساً مفعمة بالخل والعلقم وقد تجرعتھا صرفاً ولم یبق فیھا غیر
قطرات قلیلة سوف أشربھا متجلدة لأرى ما في قاع الكأس من الأسرار فأنا لا أستحقھا ولا أقوى
على احتمال أفراحھا وملذاتھا، لأن الطائر المكسور الجناحین یدب متنقلاً بین الصخور ولكنھ لا
یستطیع أن یسبح محلقاً في الفضاء، والعیون الرمداء تحدق بالأشیاء الضئیلة ولكنھا لا تقوى
على النظر إلى الأنوار الساطعة، فلا تحدثني عن السعادة لأن ذكرھا یؤلمني كالتعاسة، ولا تصور
أنت تعلم بأنني أحبك محبة الأم ..ولكن انظر رماد صدري ..لي الھناء لأن ظلھ یخیفني كالشقاء
ھي المحبة المطھرة بالنار التي .وحیدھا وھي المحبة التي علمتني أن أحمیك حتى ومن نفسي
توقفني الآن عن اتباعك إلى أقاصي الأرض وتجعلني أن أمیت عواطفي وأمیالي لكي تحیا أنت حراً
إن المحبة المحدودة تطلب امتلاك .نزیھاً وتظل في مأمن من لوم الناس وتقولاتھم الفاسدة
المحبة التي تجيء بین یقظة الشباب ..المحبوب، أما المحبة غیر المتناھیة فلا تطلب غیر ذاتھا
وغفلتھ تستكفي باللقاء وتقنع بالوصل وتنمو بالقبل والأعناق، أما المحبة التي تولد في أحضان
اللانھایة وتھبط مع أسرار اللیل فلا تقنع بغیر الأبدیة ولا تستكفي بغیر الخلود ولا تقف متھیبة
عندما عرفت بالأمس أن المطران بولس غالب یرید أن یمنعني عن ..أمام شيء سوى الألوھیة
الخروج من منزل ابن أخیھ ویسلبني اللذة الوحیدة التي عرفتھا منذ تزوجت، وقفت أمام نافذة
غرفتي ونظرت نحو البحر مفكرة بما وراءه من البلاد الوسیعة والحریة المعنویة والاستقلال
الشخصي، وتخیلت نفسي عائشة بقربك محاطة بخیالات روحك، مغمورة بانعطافك، ولكن ھذه
الأحلام التي تنیر صدور النساء المظلومات وتجعلھن یتمردن على التقالید الباطلة لیعشن في ظل
الحق والحریة لم تمر في خاطري حتى جعلتني أستصغر نفسي وأستضعفھا وأرى محبتنا واھیة
فبكیت بكاء ملك أضاع ملكھ وغني فقد كنزه، ولكني .محددة لا تستطیع الوقوف أمام وجھ الشمس
ما لبثت أن رأیت وجھك من خلال دموعي وأبصرت عینیك محدقتین بي فتذكرت ما قلتھ لي مرة
ھلمي یا سلمى نقف أمام الأعداء متلقین شفار السیوف بصدورنا فإن صرعنا نمنا كالشھداء )وھو
وإن تغلبنا نعش كالأبطال، لأن عذاب النفس بثباتھا أمام المصاعب والمتاعب ھو أشرف من
ھذه الكلمات قلتھا لي یا حبیبي عندما كانت أجنحة الموت ..(تقھقرھا إلى حیث الأمن والطمأنینة
ترفرف حول مضجع والدي، وقد ذكرتھا بالأمس وقد كانت أجنحة الیأس تصفق حول رأسي،
فتقویت وتشجعت وشعرت وأنا في ظلمة السجن بنوع من الحریة النفسیة التي تستھون الشدائد
وتستصغر الأحزان، ورأیت حبنا عمیقاً كالبحر، عالیاً كالنجوم، متسعاً كالفضاء، وقد جئت الیوم
إلیك وفي نفسي المتوجعة المنھوكة قوة جدیدة وھي المقدرة على الأمر العظیم للحصول على أمر
..أعظم تضحیة سعادتي بقربك لكي تبقى أنت شریفاً بعرف الناس بعیداً عن غدرھم واضطھادھم
كنت أجيء بالأمس إلى ھذا المكان والقیود الثقیلة تغل قدميّ الضعیفتین، أما الیوم فقد جئت
كنت أجيء مثل طیف طارق خائف أما الیوم فقد .شاعرة بعزم یھزأ بثقل القیود ویستقصر الطریق
جئت
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:08 pm

جئت مثل امرأة حیة تشعر بوجوب التضحیة وتعرف قیمة الأوجاع وترید أن تحمي من تحب من
كنت أجلس حذاءك مثل ظل مرتجف وقد أتیت الیوم لأریك .الناس والأغبیاء ومن نفسھا الجائعة
أنا شجرة نابتة في الظل وقد مددت أغصاني .حقیقتي أمام عشتروت المقدسة ویسوع المصلوب
وقد جئت لأودعك یا حبیبي فلیكن وداعنا عظیماً وھائلاً مثل حبنا .الیوم لكي تنتعش ساعة النھار
." لیكن وداعنا كالنار التي تصھر الذھب لتجعلھ أشد لمعاناً
ولم تترك لي سلمى مجالاً للكلام والاحتجاج بل نظرت إليّ وقد أبرقت عیناھا فأحاطت أشعتھا
.بوجداني واتشحت ملامح وجھھا بنقاب من الھیبة والجلال فبانت كملیكة توحي الصمت والتخشع
ثم ارتمت على صدري بانعطاف كل ما عھدتھ فیھا قبل الساعة وطوقت عنقي بزندھا الأمس
وقبلت شفتي قبلة طویلة عمیقة محرقة أیقظت الحیاة في جسدي وأثارت الأسرار الخفیة في نفسي
أن تتمرد على العالم بأسره لتخضع صامتة أمام (أنا)وجعلت الذات الوضعیة التي أدعوھا
.الناموس العلوي الذي اتخذ صدر سلمى ھیكلاً ونفسھا مذبحاً
ولما غربت الشمس ولمحت أشعتھا الأخیرة تبعد عن تلك الحدائق والبساتین انتفضت سلمى
ووقفت في وسط الھیكل ونظرت طویلاً إلى جدرانھ وزوایاه كأنھا ترید أن تسكب نور عینیھا على
رسومھ ورموزه ثم تقدمت قلیلاً وجثت خاضعة أمام صورة یسوع وقبلت قدمیھ المكلومتین مرات
ھا قد اخترت صلیبك یا یسوع الناصري وتركت مسرات عشتروت "متوالیة ثم ھمست قائلة
وأفراحھا؛ قد كللت رأسي بالأشواك بدلاً من الغار، واغتسلت بدمي ودموعي بدلاً من العطور
والطیوب وتجرعت الخل والعلقم بالكأس التي صنعت للخمر والكوثر، فاقبلني بین تابعیك الأقویاء
بضعفھم وسیرني نحو الجلجلة برفقة مختاریك المستكفین بأوجاعھم المغبوطین على كآبة قلوبھم
".
سأعود الآن فرحة إلى الكھف المظلم حیث تتراكض الأشباح "ثم انتصبت والتفتت نحوي قائلة
المخیفة فلا تشفق عليّ یا حبیبي ولا تحزن من أجلي لأن النفس التي ترى ظل الله مرة لا تخشى
بعد ذلك أشباح الأبالسة، والعین التي تكتحل بلمحة واحدة من الملأ الأعلى لا تغمضھا أوجاع العالم
".
وخرجت سلمى من ذاك المعبد ملتفة بملابسھا الحریریة وتركتني حائراً ضائعاً مفكراً مجذوباً إلى
مسارح الرؤیا حیث تجلس الآلھة على العروش وتدون الملائكة أعمال البشر وتتلو الأرواح مأساة
.الحیاة وتترنم عرائس الخیال بأناشید الحب والحزن والخلود
ولما صحوت من ھذه السكرة وكان اللیل قد غمر الوجود بأمواجھ القاتمة، وجدتني ھائماً بین تلك
البساتین مسترجعاً إلى حافظتي صدى كل كلمة لفظتھا سلمى، معیداً إلى نفسي حركاتھا وسكناتھا
وملامح وجھھا وملامس یدیھا، حتى إذا ما اتضحت لي حقیقة الوداع وما سیجيء من ألم الوحشة
ومرارة الشوق جمدت فكرتي وتراخت خیوط قلبي وعلمت للمرة الأولى بأن الإنسان وإن ولد حراً
یظل عبداً لقساوة الشرائع التي سنھا آباؤه وأجداده، وأن القضاء الذي نتوھمھ سراً علویاً لھو
وكم مرة فكرت منذ تلك اللیلة إلى .استسلام الیوم إلى مآتي الأمس، وخضوع الغد إلى أمیال الیوم
وكم مرة وضعت .ھذه الساعة بالنوامیس النفسیة التي جعلت سلمى تختار الموت بدلاً من الحیاة
نبالة التضحیة بجانب سعادة المتمردین لأرى أیھما أجل وأجمل ولكنني للآن لم أفھم سوى حقیقة
واحدة وھي أن الإخلاص یجعل جمیع الأعمال حسنة وشریفة، وسلمى كرامة كانت الإخلاص
.متأنساً وصحة الاعتقاد متجسدة
المنقذ -
ومرت
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:10 pm

ومرت خمسة أعوام على زواج سلمى ولم ترزق ولداً لیوجد بكیانھ العلاقة الروحیة بینھا وبین
.بعلھا ویقرب بابتسامتھ نفسیھما المتنافرتین مثلما یجمع الفجر بین أواخر اللیل وأوائل النھار
والمرأة العاقر مكروھة في كل مكان لأن الأنانیة تصور لأكثر الرجال دوام الحیاة في أجساد الأبناء
.فیطلبون النسل لیظلوا خالدین على الأرض
إن الرجل المادي ینظر إلى زوجتھ العاقر بالعین التي یرى بھا الانتحار البطيء فیمقتھا ویھجرھا
ویطلب حتفھا كأنھا عدو غدار یرید الفتك بھ، ومنصور بك غالب كان مادیاً كالتراب وقاسیاً
كالفولاذ وطامعاً كالمقبرة وكانت رغبتھ بابن یرث اسمھ وسؤدده تكرھھ بسلمى المسكینة وتحوّل
..محاسنھا في عینیھ إلى عیوب جھنمیة
إن الشجرة التي تنبت في الكھف لا تعطي ثمراً، وسلمى كرامة كانت في ظل الحیاة فلم تثمر
وسلمى كرامة كانت .أطفالاً؛ إن البلبل لا یحوك عشاً في القفص كیلا یورث العبودیة لفراخھ
سجینة الشقاء فلم تقسم السماء حیاتھا إلى أسیرین؛ إن أزاھر الأودیة ھي أطفال یلدھا الحب
والحنو، فسلمى كرامة لم تشعر قط بأنفاس الحنو وملامس الانعطاف في ذلك المنزل الفخم النائم
على شاطئ البحر في رأس بیروت، ولكنھا كانت تصلي في سكینة اللیالي ضارعة أمام السماء
.لتبعث إلیھا بطفل یجفف بأصابعھ الوردیة دموعھا ویزیل بنور عینیھ خیال الموت من قلبھا
وقد صلت سلمى متوجعة حتى ملأت الفضاء صلاة وابتھالاً وتضرعت مستغیثة حتى بدّد صراخھا
الغیوم، فسمعت السماء ندائھا وبثت في أحشائھا نغمة مختمرة بالحلاوة والعذوبة وأعدتھا بعد
.خمسة أعوام من زواجھا لتصیّرھا أما وتمحو ذلھا وعارھا
.الشجرة النابتة في الكھف قد أزھرت لتثمر
.البلبل المسجون في القفص قد ھم لیحوك عشاً من ریش جناحیھ
القیثارة التي طرحت تحت الأقدام قد وضعت في مھب نسیم المشرق لیحرك بأمواجھ ما بقي من
.أوتارھا
.سلمى كرامة المسكینة قد مدت ذراعیھا المكبلتین بالسلاسل لتقبل موھبة السماء
ولیس بین أفراح الحیاة ما یضارع فرح المرأة العاقر عندما تھیئھا النوامیس الأزلیة لتصیرھا
أما، كل ما في یقظة الربیع من الجمال، وكل ما في مجيء الفجر من المسرة یجتمع بین أضلع
.المرأة التي أحرمھا الله ثم أعطاھا
.لا یوجد نور أشد سطوعاً وأكثر لمعاناً من الأشعة التي یبعثھا الجنین السجین في ظلمة الأحشاء
وكان نیسان قد جاء متنقلاً بین الروابي والمنحدرات عندما تمت أیام سلمى لتلد بكرھا، وكأن
الطبیعة قد وافقتھا وعاھدتھا فأخذت تضع حمل أزاھرھا وتلف بأقمطة الحرارة أطفال الأعشاب
.والریاحین
مضت شھور الانتظار وسلمى تترقب الخلاص مثلما یترقب المسافر طلوع كوكب الصباح، وتنظر
إلى المستقبل من وراء دموعھا فتراه مشعشعاً وقد طالما ظھرت الأشیاء القاتمة متلمعة من خلال
.الدموع
ففي لیلة وقد طافت أشباح الظلام بین تلك المنازل في رأس بیروت، انطرحت سلمى على مضجع
المخاض والأوجاع فانتصب الموت والحیاة یتصارعان بجانب فراشھا، ووقف الطبیب والقابلة
لیقدما إلى ھذا العالم ضیفاً جدیداً، وسكنت حركة عابري الطریق وانخفضت نغمة أمواج البحر ولم
صراخ ..یعد یسمع في ذلك الحي سوى صراخ ھائل یتصاعد من نوافذ منزل منصور بك غالب
صراخ قوة الإنسان ..صراخ محبة البقاء في فضاء اللاشيء والعدم ..انفصال الحیاة من الحیاة
:صراخ سلمى الضعیفة المنطرحة تحت أقدام جبارین .المحدودة أمام سكینة القوى غیر المتناھیة
.الموت والحیاة
عندما لاح الفجر ولدت سلمى
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:11 pm

عندما لاح الفجر ولدت سلمى ابناً، ولما سمعت إھلالھ فتحت عینیھا المغلقتین بالألم ونظرت
ولما نظرت ثانیة رأت الحیاة والموت ما زالا ..حوالیھا فرأت الأوجھ متھللة في جوانب تلك الغرفة
ولفت القابلة ."یا ولدي"یتصارعان بقرب مضجعھا فعادت وأغمضت عینیھا وصرخت لأول مرة
الطفل بالأقمطة ووضعتھ حذاء أمھ، أما الطبیب فظل ینظر بعینین حزینتین نحو سلمى ویھز رأسھ
.صامتاً بین الدقیقة والأخرى
وأیقظت نغمة الفرح بعض الجیران فجاؤوا بملابس النوم لیھنئوا الوالد بولده، أما الطبیب فبقي
.ینظر بعینین كئیبتین نحو الوالدة وطفلھا
وأسرع الخدم نحو منصور بك لیبشروه بقدوم وریثھ ویملؤوا أیدیھم من عطایاه أما الطبیب فلبث
.واقفاً ینظر بعینین یائستین إلى سلمى وابنھا
ولما طلعت الشمس قربت سلمى ولدھا من ثدیھا ففتح عینیھ لأول مرة ونظر في عینھا ثم اختلج
فدنا الطبیب وأخذه من بین ذراعیھا وانسكبت على وجنتیھ دمعتان كبیرتان .وأغمضھا لآخر مرة
"ھو زائر راحل؟"ثم ھمس في سره قائلاً
مات الطفل وسكان الحي یفرحون مع الوالد في القاعة الكبرى ویشربون نخبھ لیعیش طویلاً،
ثم تحدق ثانیة فترى "أعطني ولدي لأضمھ"وسلمى المسكینة تحدق بالطبیب وتصرخ قائلة
.الموت والحیاة یتصارعان بجانب سریرھا
.مات الطفل ورنة الكؤوس تنمو بین أیدي الفرحین بمجیئھ
...ولد مع الفجر ومات عند طلوع الشمس
ولد مع الفجر ومات عند طلوع الشمس، فأي بشري یستطیع أن یقیس الزمن لیخبرنا ماذا كانت
ھي أقصر من الدھر الذي یمر بین ظھور .الساعة التي تمر بین مجيء الفجر وطلوع الشمس
.الأمم وتواریھا
ولد كالفكر ومات كالتنھدة واختفى كالظل فأذاق سلمى كرامة طعم الأمومة ولكنھ لم یبق لیسعدھا
..ویزیل ید الموت عن قلبھا
حیاة قصیرة ابتدأت بنھایة اللیل وانقضت بابتداء النھار فكانت مثل قطرة الندى التي تسكبھا
.أجفان الظلام ثم تجفھھا ملامس النور
.كلمة لفظتھا النوامیس الأزلیة ثم ندمت علیھا وأعادتھا إلى سكینة الأبدیة
.لؤلؤة قذفھا المد إلى الشاطئ ثم جرفھا الجزر إلى الأعماق
.زنبقة ما انبثقت من كمام الحیاة حتى انسحقت تحت أقدام الموت
.ضیف عزیز ترقبت سلمى قدومھ ولكنھ ما حل حتى ارتحل وما فتح مصراعي الباب حتى اختفى
وھذه حیاة الإنسان بل حیاة الشعوب، بل حیاة الشموس :جنین ما صار طفلاً حتى صار تراباً
..والأقمار والكواكب
أعطني ابني لأضمھ "وحولت سلمى عینیھا نحو الطبیب وتنھدت بشوق جارح ثم صرخت قائلة
"..أعطني ولدي لأرضعھ ...بذراعي
قد مات طفلك یا سیدتي فتجلدي وتصبري لكي "فنكس الطبیب رأسھ وقال والغصات تخرسھ
."تعیشي بعده
فصرخت سلمى بصوت ھائل ثم سكتت ھنیھة، ثم ابتسمت ابتسامة فرح ومسرة، ثم تھلل وجھھا
."أعطني جثة ولدي، قربھ مني میتاً"وكأنھا عرفت شیئاً لم تكن تعرفھ وقالت بھدوء
فحمل الطبیب الطفل المیت ووضعھ بین ذراعیھا فضمتھ إلى صدرھا وحولت وجھھا نحو الحائط
قد جئت لتأخذني یا ولدي، قد جئت لتدلني على الطریق المؤدیة إلى الساحل، ھا "وقالت تخاطبھ
."أنذا یا ولدي فسر أمامي لنذھب من ھذا الكھف المظلم
وبعد دقیقة دخلت أشعة الشمس من بین ستائر النافذة وانسكبت على جسدین ھامدین منطرحین
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:11 pm

على مضجع تخفره ھیبة الأمومة وتظللھ أجنحة الموت
فخرج الطبیب باكیاً من تلك الغرفة، ولما بلغ القاعة الكبرى تبدلت تھالیل المھنئین بالصراخ
والعویل، أما منصور بك غالب فلم یصرخ ولم یتنھد ولم یذرف دمعة ولم یفھ بكلمة بل لبث جامداً
.منتصباً كالصنم قابضاً بیمینھ على كأس الشراب
وفي الیوم التالي كفنت سلمى بأثواب عرسھا البیضاء ووضعت في تابوت موشى بالمخمل
.الناصع، أما طفلھا فكانت أقمطة أكفانھ وتابوتھ ذراعي أمھ وقبره صدرھا الھادئ
حملوا الجثتین في نعش واحد مشوا ببطء متلف یشابھ طرقات القلوب في صدور المنازعین فسار
.المشیعون وسرت بینھم وھم لا یعرفونني ولا یدرون ما بي
.بلغوا المقبرة فانتصب المطران بولس غالب یرتل ویعزم ووقف الكھان حولھ ینغمون ویسبحون
ھذه أول مرة رأیت فیھا جسدین :قائلاً :ولما أنزلوا التابوت إلى أعماق الحفرة ھمس أحد الواقفین
."یضمھما تابوت واحد
:وقال آخر
تأملوا بوجھ منصور بك فھو ینظر إلى الفضاء بعینین زجاجیتین كأنھ لم یفقد زوجتھ وطفلھ في "
."یوم واحد
وظل الكھان یرتلون ویسبحون حتى فرغ حفار القبور من ردم الحفرة فأخذ المشیعون إذ ذاك
.یقتربون واحداً واحداً من المطران وابن أخیھ یصبرونھما ویواسونھما بمستعذبات الكلام
أما أنا فبقیت واقفاً منفرداً وحدي ولیس من یعزیني على مصیبتي كأن سلمى وطفلھا لم یكونا
.أقرب الناس إليّ
عاد المشیعون وبقي حفار القبور منتصباً بجانب القبر الجدید وفي یده رفشھ ومحفره، فدنوت منھ
:وسألتھ قائلاً
أتذكر أین قبر فارس كرامة؟"
:وقال "سلمى"فنظر إلي طویلاً ثم أشار نحو قبر
في ھذه الحفرة قد مددت ابنتھ على صدره، وعلى صدر ابنتھ مددت طفلھا وفوق الجمیع قد "
."وضعت التراب بھذا الرفش
:فأجبتھ
."فما أقوى ساعدیك ...وفي ھذه الحفرة أیضاً قد دفنت قلبي أیھا الرجل"
...ولما توارى حفار القبور وراء أشجار السرو
خانني الصبر والتجلد
"سلمى"فارتمیت على قبر
...أبكیھا
وأرثیھا
ا
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:12 pm

التذكار شكل من أشكال اللقاء
النسيان شكل من أشكال الحرية
ما أغربني عندما أشكو ألماً فيه لذتي !!
بين خيال الإنسان و إدراكه مسافة لا يجتازها سوى حنينه
بعضنا كالحبر وبعضنا كالورق
فلولا سواد بعضنا لكان البياض أصم
ولولا بياض بعضنا لكان السواد أعمى


ليست حقيقة المرء بما يظهره لك, بل بما لا يستطيع أن يظهره
لذلك إن أردت أن تعرفه, فلا تصغ إلا ما يقوله بل إلى ما لا يقوله
يجب أن تعرف الحقيقة أبداً , وتقولها بعض المرات
يحتاج الحق إلى رجلين: الأول لينطق به والآخر ليفهمه !!
ما أشبه الراغب في فهم المرأة أو تحليل العبقرية أو حل سر الصمت
بذلك الرجل الذي يفيق من حلم جميل ليأكل طعام الصباح


الألفاظ لا تتقيد بقيود الزمان
فيجدر بك إذا تكلمت أو كتبت أن تضع هذه الحقيقة نصب عينيك
الشعر حكمة تسحر القلب
والحكمة شعر يترنم بأناشيد الفكر
ولو استطعنا أن نسحر قلب الإنسان ونترنم في الوقت نفسه بأناشيد فكره
لقدرنا إذ ذاك أن نعيش في ظل الله


الرجل الذي لا يغتفر للمرأة هفواتها الصغيرة لن يتمتع بفضائلها الكبيرة
قولك إنك لا تفهمني مديح لا أستحقه, و إهانة لا تستحقها أنت
عندما وقفت أمامك مرآة نقية, تأملت ملياً فرأيت صورتك
ثم قلت لي : إني أحبك
ولكنك في الحقيقة أحببت ذاتك في

قد تنسى الذين ضحكت معهم, لكنك لن تنسى الذي بكيت معه
الفن خطوة تخطوها الطبيعة نحو الأبدية
كل فكر حبسته عن الظهور بالكلام , يجب أن أطلقه بالأعمال
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:14 pm

عندما ولدت كآبتي, أرضعتها حليب العناية, وسهرت عليها بعين الحب والحنان

فنمت كآبتي كما ينمو كل حيّ قوية جميلة تفيض بهجةً و اشراقاً

فأحببت كآبتي و أحبتني كآبتي و احبنا العالم المحيط بنا

وعندما كنا نمشي أناو كآبتي كان الناس ينظرون الينا بعيون تشع حباً

غير أن بعضهم كانوا ينظرون إلينا بعيون الحسرة, لأن الكآبة منقبة محمودة

وأنا كنت متباهياً فخوراً بها

ثم ماتت كآبتي كما يموت كل حيّ و بقيت أنا لوحدي مفكراً متأملاً

وها أنا ذا أتكلم فيثقل صوتي أذناي , و أنشد فلا يصغي أحد من جيراني لإنشادي

وأطوف في الشوارع فلا يعبأ بي أحد

غير أنني أتعزى إذا سمعت في منامي أحد يقول



هنا كان يرقد من ماتت كآبته
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:15 pm

دمعة وابتسامة
أنا لا أبدل أحزاني وأحزان قلبي بأفراح الناس
ولا ارض أن تنقلب الدموع التي تستدرها الكآبة من جوارحي وتصبح ضحكا
أتمنى أن تبقى حياتي دمعة وابتسامة
دمعة تطهر قلبي وتفهمني أسرار الحياة وغوامضها
وابتسامة تدنيني من أبناء بجدتي وتكون رمز تمجيدي
دمعة أشارك بها منسحقي القلب وابتسامة تكون عنوان فرحي بوجودي

أريد أن أموت شوقا ولا أحيا مللا
أريد أن تكون في أعماق نفسي مجاعة للحب و الجمال
لأني نظرت فرأيت المستكفين أشقى الناس وأقربهم من المادة
وأصغيت فسمعت تنهدات المشتاق المتمني
أعذب من رنات المثاني والمثالث
يأتي المساء فتضم الزهرة أوراقها و تنام معانقة شوقا
و عندما يأتي الصباح تفتح شفتيها لأقتبال قبلة الشمس
فحياة الأزهار شوق و وصال , دمعة وابتسامة .
تتبخر مياه البحر و تتصاعد ثم تتجمع و تصير غيمة وتسير فوق
التلال و الاوديه حتى إذا ما لقت نسيمات لطيفة تتساقط باكية نحو الحقول
وانضمت إلى الجداول ورجعت إلى البحر موطنها ,
حياة الغيوم فراق ولقاء , دمعة و ابتسامة .


كذا النفس تنفصل عن الروح و تسير في عالم المادة وتمر كغيمة
فوق جبال الأحزان وسهول الأفراح فتلتقي بنسيمات الموت
فترجع إلى حيث كانت إلى بحر المحبة والجمال إلى ( الله )
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:19 pm

على هذه الشواطئ أتمشى أبدا
بين الرمل والزبد
ان المد سيمحو آثار أقدامي
وستذهب الريح بالزبد
أما البحر والشاطئ فيظلان الى الأبد


* * *
ما عييت الا أمام من سألني: من أنت


* * *
عرفت في حياتي رجلا حاد السمع ولكنه كان أبكم, فقد خسر لسانه في معركة
وانا أعرف اليوم الحروب التي حاربها هذا الرجل قبل أن يحل به قضاء الصمت العظيم
ويسرني جدا أنه مات, لأن العالم على سعته لا يكفي لنا معا


* * *
التذكار شكل من أشكال اللقاء


* * *
النسيان شكل من أشكال الحرية


* * *
نحن نقيس الزمان بمقتضى حركة الشموس التي لا تحصى
وهم يقيسون الزمان بآلات صغيرة يحملونها في جيوبهم
فقل لي -رعاك الله- كيف يمكن أن نجتمع معا في مكان واحد و في وقت واحد


* * *
ليس الفضاء فضاء بين الأرض والشمس لمن ينظر اليه من نوافذ المجرة


* * *
الانسانية نهر من النور يسير بين أودية الأزل الى بحر الأبدية



***


تحسد الأرواح القاطنة في الأثير الانسان على كآبته؟


----
اجعلني يا الله فريسة الأسد قبل أن تجعل الأرنب فريستي


----
قال لي منزلي لا تهجرني لأن ماضيك يقطن فيّ
وقالت لي الطريق هلم ورائي فأنا مستقبلك
أما أنا فأقول لمنزلي والطريق: ليس لي ماض ولا مستقبل
فإذا أقمت هنا ففي اقامتي ذهاب
واذا ذهبت فهنالك اقامة في ذهابي
فإن المحبة والموت وحدهما يغيران كل شيئ


----
كيف أخسر إيماني بعدل الحياةوأنا أعرف أن أحلام الذين ينامون على الريش
ليست بأجمل من أحلام الذين ينامون على الأرض؟


----
ما أغربني عندما أشكو ألما فيه لذتي


----
سبع مرات احتقرت نفسي
- عندما رأيتها تتلبس بالضعة لتبلغ الى الرفعة
- عندما رأيتها تقفز أمام المخلصين
- عندما خيرت بين السهل والصعب فاختارت السهل
- عندما اقترفت اثما ثم جاءت تعزي ذاتها بأن غيرها يقترف الاث مثلها
- عندما احتملت ما حل بها لضعفها, ولكنها نسبت صبرها للقوة
- عندما احتقرت بشاعة وجه ما هو عند التحقيق سوى برقع من براقعها
- عندما أنشدت أغنية ثناء ومديح, وحسبتها فضيلة


----
أنا لا أعرف الحقيقة المجردة, ولكني أركع متضعا أمام جهلي
وفي هذا فخري وأجري


----
بين خيال الانسان وإدراكه مسافة لا يجتازها سوى حنينه


----
الفردوس قائم هناك, وراء ذلك الباب في الغرفة المجاورة, ولكنني أضعت المفتاح
ولعلي لم أضعه بل وضعته في غير موضعه


----
أنت أعمى وأنا أصم أبكم, اذن ضع يدك بيدي فيدرك أحدنا الآخر


----
ليست قيمة الأنسان بما بلغ اليه, بل بما يتوق للبلوغ اليه


----
بعضنا كالحبر وبعضنا كالورق
فلولا سواد بعضنا لكان البياض أصم
ولولا بياض بعضنا لكان السواد أعمى


----
أعطني أذنا, أعطك صوتا


----
العقل اسفنجة, والقلب جدول
أفليس غريبا أن أكثرنا يؤثرون الامتصاص على الانطلاق


----
اذا فرغت كأسي رضيت بفراغها, واذا لم يكن فيها سوى النصف اعترضت على نصف امتلائها


----
ليست حقيقة الانسان بما يظهره لك, بل بما لا يستطيع أن يظهره
لذلك اذا أردت ان تعرفه, فلا تصغ الى مايقوله بل الى ما لا يقول


----
نصف ما أقوله لك لا معنى له ولكنني أقوله ليتم معنى النصف الآخر


***
أنت مدين لمن يخدمك بما هو أثمن من الذهب, فأعطه من قلبك أو فاخدمه


----
ألا اننا لم نعش عبثا أفلم يبنوا الأبراج من عظامنا


----
الأشجار أشعار تكتبها الأرض على السماء
ونحن نقطعها ونصنع الورق منها لندون فيه فراغنا وبلادتنا


----
اذا وجدت في نفسك ميلا للكتابة -ولا يعلم سر هذا الميل الا القديسون- فلتكن فيك المعرفة والفن والسحر
معرفة موسيقى الالفاظ
وفن البساطة والسذاجة
وسحر محبة قرائك


----
لو استطاعت الشجرة أن تدون ترجمة حياتها لما اختلفت ترجمتها عن تاريخ اي امة من الامم


----
لو خيرت بين القدرة على كتابة الشعر, وما في الشعر غير المكتوم من الهيام
لاخترت الهيام فهو خير من الشعر
ولكنك وجميع جيراني ومعارفي واثقون أبدا بجهلي, وبأني اختار الرديء دون الصالح


----
ليس الشعر رأيا تعبر الألفاظ عنه, بل هو أنشودة تتصاعد من جرح دامٍ أو فم باسم


----
الالفاظ لا تتقيد بقيود الزمان فيجدر بك اذا تكلمت أو كتبت أن تضع هذه الحقيقة نصب عينيك


----
الشاعر ملك خلع عن عرشه فجلس بين رماد قصره يعمل في صنع صورة من الرماد


----
انما الشعر كثير من الفرح والألم والدهشة مع قليل من القاموس


----
عبثا يحاول الشاعر ان يهتدي الى ام اناشيد قلبه


----
قلت مرة لشاعر اننا لا نعرف قيمتك حتى تموت
فاجاب قائلا: أجل, ان الموت وحده يسدل النقاب عن وجه الحقيقة
واذا كنتم تودون ان تعرفوا قيمتي عن طريق الموت فما ذلك الا لان في قلبي
أكثر مما على لساني, وفي رغباتي أكثر مما في يدي


----
اذا ترنمت باناشيد الجمال تجد من يصغي لانشادك ولو كنت في قلب الصحراء


----
كثيرا ما نغني لاولادنا لننام نحن انفسنا


----
جميع كلماتنا فتات يسقط عن مائدة الفكر


----
التفكير عقبة دائمة في سبيل الشعر


***
إنما المنشد العظيم ذلك الذي يترنم بأناشيد صمتنا


----
كيف تستطيع أن تغني اذا كان فمك ممتلئا طعاما؟
وكيف ترتفع يدك بالبركة اذا كانت ممتلئة ذهبا؟


----
العبقرية أنشودة طائر في بدء ربيع متأخر


----
المجنون موسيقي مثلك ومثلي ولكن الآلة التي يضرب عليها لا تخرج ألحانا


----
الأنشودة الكامنة في صمت قلب الأم تتردد على شفتي طفلها


----
ليس في العالم شهوة لا تتحقق


----
اذا بلغت الى قلب الحياة تجد الجمال في كل شيء ,حتى في العيون المتعامية عن الجمال


----
الجمال ضالتنا المنشودة في حياتنا كلها ,وكل ما سوى ذلك أشكال من الانتظار


----
ما أكثر النساء اللواتي يستعرن قلب الرجل
ولكن ما أقل اللواتي يحتفظن به


----
اذا شئت أن تملك شيئا فلا تدعه لنفسك


----
المحبة قناع بين محب و محب


----
كل رجل يحب امرأتين: واحدة يخلقها خياله, والثانية لم تولد بعد


----
الرجل الذي لا يغتفر للمرأة هفواتها الصغيرة لن يتمتع بفضائلها الكبيرة


----
الحب الذي لا يتجدد في كل يوم وليلة يتحول الى شكل من قوة الاستمرار وهذه في وقتها
لا تلبث أن تنقلب عبودية


----
يعانق المحبان ما بينهما أكثر مما يعانق أحدهما الآخر


----
المحبة والشك لا يجتمعان


----
المحبة كلمة من نور
كتبتها يد من نور
عل صحيفة من نور


----
الصداقة مسؤولية لذيذة أبدا
وليست الصداقة فرصة للنفعيين


----
اذا كنت لا تفهم صديقك في جميع الظروف فأنت لا ولن تفهمه


----
لن يتفق فكرك وقلبي
حتى ينقطع فكرك عن أن يعيش بالارقام
ويقف قلبي عن الحياة بالضباب


***
انك لا ترى سوى ظلك وأنت تدير ظهرك للشمس


----
أنت حر امام شمس النهار
وأنت حر أمام قمر الليل وكواكبه
وانت حر حيث لا شمس ولا قمر ولا كواكب
بل أنت حر عندما تغمض عينيك عن الكيان بكليته
ولكن انت عبد لمن تحب لأنك تحبه
وانت عبد لمن يحبك لأنه يحبك


----
جميعنا متسولون نقف على بوابة الهيكل
وكل منا ينال قسطه من عطية الملك وهو يدخل الى الهيكل ويخرج منه
ولكننا جميعا نحسد بعضنا بعضا
فنظهر بذلك تصغيرنا للملك


----
إنك لا تستطيع أن تأكل أكثر من حاجتك
فإن نصف الرغيف الذي لا تأكله يخص الشخص الآخر
ويجب أن تحفظ غيره قليلا من الخبز لضيف ربما يمر بك بغتة


----
لولا الضيوف لكانت البيوت قبورا


----
قال ذئب مضياف لحمل مسكين
هل تريد أن تشرف منزلنا بزيارة؟؟
فأجابه الحمل: كم كان فخري بزيارتك عظيما
لو لم يكن منزلك في معدتك


----
أوقفت ضيفي على عتبة بابي وقلت له
بربك لا تمسح قدميك وأنت تدخل
بل أمسحهما وأنت تخرج


----
ليس السخاء بأن تعطيني ما أنا في حاجة اليه أكثر منك
بل السخاء أن تعطيني ما تحتاج اليه أكثر مني


----
أنت رحوم اذا أعطيت
ولكن لا تنس وأنت تعطي أن تدير وجهك عمن تعطيه
لكي لا ترى حياءه عاريا أمام عينيك


----
الفرق بين أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء
يوم جوع وساعة عطش


----
نستدين في الغالب من غدنا لندفع ديون أمسنا


----
ان الذين يعطونك حية وأنت تسألهم سمكة
ربما ليس لديهم ما يعطونه غير الحيات
ولذلك يحسب عملهم أريحية وسخاء


----
ينجح الخداع حينا ولكنه يسير أبدا الى الانتحار


----
أنت بالحقيقة صفوح غفور
اذا كنت تصفح عن القتلة الذين لم يسفكوا دما
واللصوص الذين لم يسرقوا
والمنافقين الذين لم يكذبوا


----
اذا كان قلبك بركانا فكيف تتوقع أن تزهو الأزهار في يديك


----
أليس غريبا أنني كثيرا ما أحب أن يخدعني الناس ويغشوني
لكي أضحك على حساب الذين يفكرون أنني لا أعرف أنهم يخدعوني


----
ماذا أقول في المطارِد الذي يمثل دور المطارَد؟


----
أعط ثوبك لمن يمسح يديه الوسختين به
لأنه ربما يحتاج اليه, أما انت فلا تحتاج اليه


***
بربك لا تغط هفواتك الأصلية بفضائلك الاكتسابية
فأنا أتمسك بهفواتي الصغيرة فهي ملك خاص بي


----
كم من مرة عزوت لنفسي جرائم لم أرتكبها قط
لئلا أظهر أرفع ممن يجالسني من المجرمين


----
ان براقع الحياة نفسها هي براقع لسر أعمق من الحياة


----
تستطيع أن تدين الآخرين بحسب معرفتك لذاتك
فهل لك أن تقول لي من هو المجرم بيننا ومن هو البريء؟


----
إن البار بالحقيقة
هو ذلك الذي يشعر بأنه سبب لنصف الجرم الذي أجرمته أنت


----
مطاردة بعضهم وهبت قدمي السرعة


----
ليس لي أعداء يا رب
ولكن اذا كان لا بد من وجود عدو لي
فاجعل يارب قوته مضارعة لقوتي
لكي لا تكون الغلبة الا للحق


----
اذا كان كل ما يقولونه في الخير والشر حقيقيا
فإن حياتي كلها سلسلة من الجرائم


***
ليست الرحمة سوى نصف العدالة


----
ما ظلمني الا الذي ظلمت أخاه


----
اذا رأيت رجلا يقاد الى السجن فقل في قلبك:
لعله يهرب من سجن أضيق و أظلم من الذي يسير اليه
واذا رأيت سكيرا فقل قلبك:
من يدري اذا كان هذا الرجل لم يسكر لكي يتخلص مما هو شر من السكر


----
كثيرا ما حملني الدفاع عن النفس الى البغضاء
ولكن لو كنت أوفر قوة لما لجأت الى مثل هذه الوسيلة


----
ما أبلد من يرقع نظرات البغض في عينيه
بخرق ابتسامة على شفتيه


----
قولك أنك لا تفهمني مديح لا أستحقه أنا واهانة لا تستحقها أنت
----
ما أحقرني عندما تعطيني الحياة ذهبا
فأعطيك فضة ثم أحسبني سخيا


----
عندما تبلغ الى قلب الحياة تجد أنك لست أرفع من المجرمين ولا أدنى من الأنبياء


----
غريب أنك تقصر شفقتك على بطيء القدمين دون بطيء الفكر
وأعمى العينين دون أعمى القلب.

----
تقضي الحكمة على الأعرج ألا يكسر عكازه على رأس عدوه


----
ما أعمى الذي يعطيك من جيبه ليأخذ من قلبك


----
الحياة موكب عظيم
ينظر اليه بطيء الخطى فيحسبه سريعا جدا, ولذلك يهرب منه
وينظر اليه سريع الخطى, فيحسبه بطيئا ويهرب منه


----
اذا كان لابد من وجود الخطيئة
فان فريقا منا يرتكبونها بالتفاتهم الى الوراء لاقتفاء خطوات آبائنا وجدودنا
ويقترفها الفريق الآخر بتحديقهم الى الأمام للمبالغة في السيادة على أبنائنا


----
الصالح هو ذلك الذي لا يفصل ذاته عن جميع الذين يحسبهم العالم أشرارا


----
جميعنا سجناء ولكن بعضنا في سجون ذات نوافذ
وبعضنا في سجون بدون نوافذ


----
عجيب غريب أننا ندافع عن خطئنا بأكثر قوة مما ندافع عن صوابنا


----
لو اعترفنا بعضنا لبعض بخطايانا لضحكنا جميعا بعضنا على بعض
لشدة فقرنا الى الابتكار
ولو أظهرنا جميعنا فضائلنا بعضنا لبعض لأغربنا في الضحك
للسبب عينه


----
يظل الفرد فوق الشرائع البشرية
حتى يقترف اثما ضد المجامع البشرية
وبعد ذلك لا يكون فوق أحد ولا دون أحد


----
الحكومة اتفاق بينك وبيني
وأنت وأنا في الغالب على ضلال


***
الجريمة اسم من اسماء الحاجة أو مظهر من مظاهر المرض


----
هل هناك خطأ أعظم من الشعور بخطأ الآخرين


----
اذا ضحك امرؤ منك تستطيع أن تشفق عليه, ولكن اذا ضحكت عليه فربما لن تستطع أن تصفح عن نفسك
واذا أساء امرؤ اليك فأنت تقدر أن تنسى الاساءة, وكن اذا أسأت اليه فأنت ذاكر اساءتك الى الأبد
لذلك ثق بأن هذا الشخصالثاني هو ذاتك الأكثر احساسا ولكن في جسد غير جسدك


----
ما أحمقك وأنت تطلب الى الناس أن يطيروا بجناحيك ولكنك لا تقدر ان تعطيهم ريشة


----
البغض جثة راقدة فمن منكم يريد ان يكون قبرا


----
حسب القتيل فخرا أنه ليس بالقاتل


----
منبر الانسانية قلبها الصامت لا عقلها الثرثار


----
يحسبونني مجنونا لأنني لا أبيع أيامي بدنانيرهم
وأحسبهم مجانين لأنهم يظنون أن أيامي تباع بالدنانير


----
يبسطون أمامنا ثروتهم من الذهب والفضة
ونبسط أمامهم القلوب والأرواح
ومع ذلك يحسبون نفوسهم المضيفين ويحسبوننا الأضياف


----
أحب أن أكون الأصغر بين ذوي الأحلام, الراغبين في تحقيق أحلامهم
ولا أكون الأعظم بين من لا أحلام ولا رغبات لهم


----
أدعى الناس الى الشفقة, ذلك الذي يحول أحلامه الى الفضة والذهب
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:21 pm

يوم مولدي


في مثلِ هذا اليوم وَلَدَتْنِي أُمّي.

في مثلِ هذا اليوم منذ خمس وعشرين سنة

وَضَعَتْنِي السَّكِينَةُ بين أيدي هذا الوجود المملوء بالصراخِ والنزاعِ والعراك.

... قد سرت خمسًا وعشرين مرة مع الأرض والقمر والشمس والكواكب

حول الناموسِ الكلّي الأعلى، ولكن:

هوذا نفسي تهمس الآن أسماء ذلك الناموس

مثلما ترجّع الكهوفُ صَدَى أمواجِ البحر...

منذ خمسٍ وعشرين سنة خَطَّتْنِي يَدُ الزَّمان كَلِمةً

في كتاب هذا العالم الغريب الهائل. وهاأنذا كلمة مبهمة،

ملتَبِسَةُ المعاني، تَرْمُزُ تارَةً إلى لا شيء وطورًا إلى أشياءَ كثيرة.

... في هذا اليوم تنتصب أمامي معاني حياتي الغابرة،

كأنَّها مرآة ضئيلة أنظر فيها طويلاً فلا أَرَى سِوَى أوجُهِ

السّنينَ الشاحبة، وملامحِ الآمالِ والأحلامِ والأماني

المتجعِّدة كملامِحِ الشيوخ. ثم أغمض عيني وأنظر ثانية

في تلك المرآة فلاَ أرى غيرَ وجهي. ثم أُحدِّق إلى وجهي

فلا أرى فيه غيرَ الكآبة. ثم أستنطِقُ الكآبة فَأَجِدُهَا خرساء

لا تتكلَّم. ولو تكلّمَتِ الكآبة لكانت أكثَرَ حَلاَوَة من الغبطة.

في الخمس والعشرين سنة الغابرة قد أحببت كثيرًا.

وكثيرًا ما أحببتُ ما يكرهُه الناس وكرِهْتُ ما يستحسنونه.

والذي أَحْبَبْتُه عندما كنتُ صَبِيًّا ما زلت أحبُّه الآن.

والذي أحبُّه الآن سأحبُّه إلى نهاية الحياة.

فالمَحَبَّةُ هي كل ما أستطيع أن أحصل عليه

ولا يقدر أَحَدٌ أَنْ يُفْقِدَني إِيَّاه....

أحببتُ الحرِّيَّة فكانت محبتي تنمو بِنُمُوِّ معرِفَتِي عبودِيَّةَ الناس للمجد

والهوان، وتتَّسِعُ باتِّساعِ إدراكي خُضُوعَهُم

للأصنامِ المخيفة التي نَحَتَتْهَا الأجيالُ المظلمة،

ونَصَبَتْهَا الجَهَالة المستَمِرّة،

ونَعَّمَتْ جَوَانِبَهَا ملامِسُ شِفَاهِ العبيد،

لكنَّني كنتُ أحبُّ هؤلاءِ العبيد بمحَبَّتي الحرية،

وأُشفِقُ عَلَيهم لأنّهم عميان يُقَبِّلونَ أحناك

الضواري الدامية ولا يبصرون، ويمتصُّون

لهاث الأفاعي الخبيثة ولا يشعرون، ويَحْفِرُون

قبورَهُمْ بأظافِرِهِم ولا يعلمون.

أَحْبَبْتُ الحرّيَّة أكثرَ من كلِّ شيء لأنَّني وجدتُهَا فتاة

قد أضناها الانفراد، وأَنْحَلَهَا الاعتزال... حتى صارت

خيالاً شَفَّافًا يَمُرُّ بين المنازِلِ،

ويَقِفُ في منعَطَفَاتِ الشَّوارع،

وينادي عابِرِي الطريق... فلا يسمعون ولا يلتفتون.

في الخمسِ والعشرين سنة أحببتُ السعادة... لكنني

لم أجدها... ولما انفَرَدْتُ بطلبها سمعت نفسي تهمس في أذني قائلة:

السعادة صَبِيَّةٌ تولَدُ وتحيا في أعماق القلب ولن

تجيء إليه من محيطه. ولمَّا فَتَحْتُ قلبي لكي أرى السعادة

وجدت هناك مرآتها وسريرها وملابسها، لكنني لم أجدها.

وقد أحببت الناس. أحببتهم كثيرًا.

والناس في شرعي ثلاثة:

واحد يلعن الحياة،

وواحد يباركها،

وواحد يتأمل بها.

فقد أحببت الأول لتعاسته، والثاني لسماحته، والثالث لمداركه...

واليوم... أقف بجانب نافذتي،... ثم أنظر مُتَأَمِّلاً بما وراءَ المدينة، فأرى

البرِّيَّةَ بكلِّ ما فيها من الجمال الرهيب...

ثم أنظر متأمِّلاً بما وراءَ البحر فأرى الفضاءَ غيرَ المُتَنَاهِي

بكلّ ما فيه من العوالِمِ السَّابِحة،

والكواكبِ اللاَّمِعَة،

والشموسِ والأقمارِ والسيَّاراتِ والثَّوابِتِ وما بينها

من الدوافِعِ والجواذِبِ المتسالمة المتنازعة، المتولَّدة، المتحوِّلة،

المُتَمَاسِكَة بِناموسٍ لا حدَّ له ولا مدى...

أنظُرُ وأتأمَّل بجميعِ هذه الأشياء... فأنسى الخمس

والعشرين... ويظهر لي كِيَانِي ومحيطي بكلِّ ما أخفاه

وأعلَنَهُ كَذَرَّةٍ من تنهُّدَةِ طفلٍ ترتجف في خلاء أَزَليِّ

الأعماق، سرمديِّ العُلُوّ، أبديّ الحدود. لكني أشعر

بكيانِ هذه الذرة، هذه النفس، هذه الذات التي أدعوها

أنا... وبصوتٍ مُتَصَاعِدٍ من قُدْسِ أقْدَاسِهَا تصرخ:

سلام أيتها الحياة.

سلام أيتها اليقظة.

سلام أيتها الرؤيا.

سلام أيها النهار الغامِرُ بنورِكَ ظلمَةَ الأرض.

سلام أيها الليل المظهِّر بظلمتِكَ أنوارَ السماء.

سلام أيتها الفصول.

سلام أيها الربيع المُعِيدُ شَبِيبَةَ الأرض.

سلام أيها الصيف المذيعُ مجدَ الشمس.

سلام أيها الخريف الواهبُ ثمارَ الأتعاب وإلَّةَ الأعمال.

سلام أيها الشتاء المُرجعُ بثوراتك عزمَ الطبيعة.

سلام أيتها الأعوام الناشِرَة ما أخفته الأعوام.

سلام أيتها الأجيال المُصلِحَة ما أفسدته الأجيال.

سلام أيها الزمن السائرُ بنا نحو الكمال.

سلام أيها الروح الضابطُ أعنَّةَ الحياة.

والمحجوبُ عنا بِنِقَابِ الشَّمْس .

باريس، 6 كانون الثاني 1908
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:22 pm

النبي

بماذا أجيب على كلماتك بشأن كتاب "النبي " ؟ ماذا أقول لك؟

ليس هذا الكتاب سوى القليل من الكثير الذي رأيته وأراه في كل يوم في قلوب الناس الصامتة وفي أرواحهم المشتاقة إلى البيان . لم يقم في الأرض من استطاع أن يأتي بشيء من عنده كفرد واحد منفصل عن الناس كافة . وليس بيننا اليوم من يقدر على أكثر من تدوين ما يقوله الناس له على غير معرفة منهم.

إنما النبي يا مي أول حرف من كلمة ..توهمت في الماضي أن هذه الكلمة لي وفيّ ومني ، لذلك لم أستطع تهجئة أول حرف من حروفها وكان عدم استطاعتي سبب مرضي بل وكان سبب ألم وحرقة في روحي ...

وبعد ذلك شاء الله وفتح عيني فرأيت النور ..ثم شاء الله وفتح أذني فسمعت الناس يلفظون هذا الحرف الأول ، شاء الله وفتح شفتي فرددت لفظ الحرف : رددته مبتهجا فرحا لأنني عرفت للمرة الأولى أن الناس هم هم كل شيء وأنني بذاتي المنفصلة لست شيئا . وأنتِ أعرف الناس بما كان في ذلك من الحرية والراحة والطمأنينة، أنتِ أعرف الناس بشعور من وجد نفسه فجأة خارج حبس ذاتيته المحدودة

وأنتِ يا مي ، أنت صغيرتي الكبيرة ، تساعدينني الآن على الإصغاء إلى الحرف الثاني وسوف تساعدينني على لفظه ، وستكونين معي دائما .

قربي جبهتك يا مريم ، قربيها ففي قلبي زهرة بيضاء أريد أن أضعها على جبهتك . ما أعذب المحبة عندما تقف مرتعشة مخجولة أمام نفسها .

والله يباركك . الله يحرس صغيرتي المحبوبة ، والله يملأ قلبها بأناشيد ملائكته
جبران
3 كانون الأول 1922

رسالة جبران لمي زيادة يحدثها عن كتابه "النبي"


_______________________


و ظل المصطفى , المختار الحبيب , الذي كان فجراً لذاته , يترقب عودة سفينته في مدينة اورفيليس اثنتي عشرة سنة ليركبها عائداً إلى الجزيرة التي ولد فيها .
و في السنة الثانية عشرة, وفي اليوم السابع من أيلول شهر الحصاد صعد إلى قمة إحدى التلال القائمة وراء جدران المدينة و ألقى نظرة عميقة إلى البحر, فرأى سفينته تمخر عباب البحر مغمورة بالضباب
فاختلج قلبه في أعماقه, وطارت روحه فوق البحر فرحاً , فأغمض عينيه , ثم صلىّ في سكون نفسه .
غير أنه ما هبط عن التلة حتى فاجأته كآبة صماء, فقال في قلبه: كيف انصرف من هذه المدينة بسلام, وأسير بالبحر من غير كآبة ؟ كلا ! إنني لن أبرح هذه الأرض حتى تسيل الدماء من جراح روحي
فقد كانت أيام كآبتي طويلة ضمن جدرانها , وأطول منها كانت ليالي وحدتي و انفرادي , ومن ذا يستطيع أن ينفصل عن كآبته ووحدته من غير أن يتألم قلبه ؟
كثيرة هي أجزاء روحي التي فرقتها في هذه الشوارع و كثير هم ابناء حنيني الذين يمشون عراة بين التلال فكيف أفارقهم من غير أن اثقل كاهلي و أضغط روحي !
فليس ما أفارقه بالثوب الذي انزعه عني اليوم ثم ارتديه غدا , بل هو بشرة أمزقها بيدي
كلا و ليس فكراً أخلفه ورائي بل هو قلب جمّلته مجاعتي و جعله عطشي رقيقاً خفوقاً
بيد أني لا أستطيع أن أبطئ في سفري
فإن البحر الذي يدعو كل الأشياء إليه يستدعيني فيجب عليّ أن أركب سفينتي و أسير في الحال إلى قلبه
ولو أقمت الليلة ههنا فإنني مع أن ساعات الليل ملتهبة أجمد و أبلور و أتقيد بقيود الأرض الثقيلة
و إنني أود لو يتاح لي أن يصحبني جميع الذين ههنا ولكن أنى يكون لي ذلك ؟
فإن الصوت لا يشتطيع أن يحمل اللسان و الشفتين اللوتي تسلحن بجناحيه و لذلك فهو وحده يخترق حجب الفضاء
أجل و النسر يا صاح لا يحمل عشه بل يطير وحده محلقا في عنان السماء

وعندما بلغ المصطفى سفح التلة التفت ثانية "إلى البحر فرأى سفينته تدنو من المرفأ و أبناء بلاده يروحون ويجيئون على نقدّمها
فهتف لهم من صميم فؤاده و قال :
يا أبناء أمي الاولى أيها الراكبون متون الأمواج المذللون مدها و جزرها كم من مرة أبحرتم في أحلامي ! و ها قد أتيتم و رأيتكم في يقظتي لتي هي أعمق أحلامي .
إنني على اتم الأهبة للإبحار و في اعماقي شوق عظيم يترقب هبوب الريح على القلوع بفارغ الصبر
و لكنني أود أن اتنفس مرة واحدة في هذا الجو الهادئ و أن ابعث بنظرة عطف واحدة إلى الوراء
و حينئذ أقف معكم ملاحا بين الملاحين
أما انت أيها البحر العظيم أيها الأم الهاجعة
أنت أيها البحر العظيم الذي فيك وحدك يجد النهر و الجدول سلامهما و حريتهما
فاعلم أن هذا الجدول لن يدور إلا دورة واحدة بعد و لن يسمع أحد خريره على هذا المعبر اليوم و حينئذ آتي إليك نقطة طليقة إلى اوقيانوس طليق
و فيما هو ماش رأى عن بعد رجالاً و نساء يتركون حقولهم و كرومهم و يهرولون إلى أبواب المدينة
وسمعهم يصرخون بعضهم ببعض من حقل إلى حقل مرددين اسمه وكل منهم يحدث رفيقه بقدوم سفينته.
وسمعهم يصرخون بعضهم ببعض من حقل إلى حقل مرددين اسمه وكل منهم يحدث رفيقه بقدوم سفينته
فقال في نفسه:
أيكون يوم الفراق يوم الاجتماع ؟
أم يجري على الأفواه أم مسائي كان فجراً لي ؟
وماذا يجدر بي أن أقدم للفلاح الذي ترك سكته في نصف تلمه و للكرّام الذي أوقف دولاب معصرته ؟
أيتحول قلبي إلى شجرة كثيرة الأثمار فأقطف منها و أعطيهم ؟
أم تفيض رغباتي كالينبوع فأملأ كؤوسهم ؟
هل أنا قيثارة فتلامسني يد القدير أم أنا مزمار فتمر بي أنفاسه ؟
أجل إنني هائم أنشد السكينة و لكن ماهو الكنز الذي وجدته في السكينة لكي أوزعه بطمأنينة ؟
و إن كان هذا اليوم يوم حصادي ففي أية حقول بذرت بذاري و في أي فصل من الفصول المجهولة كان ذلك ؟
و إن كانت هذه هي الساعة التي يجدر بي أن أرفع فيها مصباحي واضعا إياه على منارتي فإن النور الذي يتصاعد منه ليس مني
لأنني سأرفع مصباحي فارغا مظلما
و لكن حارس الليل سيملأ ه زيتا و سينيره أيضا
قال هذا معبرا عنه بالألفاظ ولكن كثيرة مثل هذا حفظه في قلبه من غير أن يعلنه لأنه نفسه لم يقدر أن يوضح سره العميق
و عندما دخل المدينة استقبله الشعب بأسره و كانوا يهتفون له مرحبين به بصوت واحد
فوقفه شيوخ المدينة وقالوا له: بربك لا تفارقنا هكذا سريعا, فقد كنت ظهيرة في شفقنا, وقد أوحى شبابك الأحلام في نفوسنا
و أنت لست غريب بيننا كلا و لا أنت بالضيف بل أنت ولدنا و قسيم أرواحنا الحبيب
فلا تجعل عيوننا تشتاق إلى رؤية وجهك

ثم قال له الكهان و الكاهنات:
لا تأذن لأمواج البحر أن تفصل بيننا فتجعل الأعوام التي قضيتها بيننا نسياً منسياً, فقد كنت فينا روحا محيية, وكان خيالك نورا يشرق على وجوهنا وقد عشقتك قلوبنا و علقتك أرواحنا
ولكن محبتنا تقنعت بحجب الصمت فلم نستطيع أن نعبر عنها, بيد أنها تصرخ إليك الآن بأعلى صوتها و تمزق حجبها لكي تظهر لك حقيقتها
فإن المحبة منذ البدء لا تعرف عمقها إلا ساعة الفراق
ثم جاء إله كثيرون متوسلين متضرعين فلم يرد على أحد جوابا ولكنه كان يحني رأسه وكان الواقفون حوله ينظرون عبراته تتساقط بغزارة على وجنتيه وصدره
وظل يمشي مع الشعب حتى وصلوا إلى الساحة الكبرى أمام الهيكل.

المطرة

وحدث إذ ذاك أم امرأة عرافة خرجت من المقدس اسمها المطرة فنظر إليها نظرة ملؤها الحي و الحنان لأنها كانت أول من سعى إليه و آمن به مع أنه لم يكن له إلا ليلة و ضحاها في مدينتهم
فحيته باحترام و قالت له : يا نبي الله قد طالما كنت تسعى وراء ضالتك المنشودة مفتشاً عن سفينتك التي كانت بعيدة عنك
وها قد وصلت سفينتك و لم يبق من بد لسفرك
عظيم هو حنينك إلى أرض أحلامك و تذكاراتك و مواطن الفائقات من رغباتك و لذلك فإن محبتنا لا تقيدك و حاجتنا إليك لا تمسك بك و لكننا واحدة نسألك قبل أن تفارقنا :
أن تخطب فينا و تعطينا من الحق الذي عندك , ونحن نعطيه لأولادنا و أولادنا لأولادهم و حفدتهم و هكذا يثبت كلامك فينا على مر العصور
ففي وحدتك كنت ترقب أيامنا و في يقظتك كنت تصغي إلى بكائنا و ضحكنا في غفلتنا
لذلك نضرع إليك أن تكشف مكنوناتنا لذواتنا و تخبرنا بكل ما أظهر لك من أسرار الحياة من المهد إلى اللحد
فأجاب قائلا :
با أبناء اورفيليس بماذا أحدثكم إن لم أظهر لكم ما يختلج في نفوسكم و تتحرك به ضمائركم حتى في هذه الساعة ؟

المحبة

حينئذ قالت له المطرة : هات لنا خطبة في المحبة
فرفع رأسه و نظر إلى الشعب نظرة محبة وحنان فصمتوا جميعهم خاشعين فقال لهم بصوت عظيم :
إذا أشارت المحبة إليكم فاتبعوها , و إن كانت مسالكها صعبة متحدرة
و إذا ضمتكم جناحيها فأطيعوها , و إن جرحكم السيف المستور بين ريشها
و إذا خاطبتكم المحبة فصدقوها , و إن عطل صوتها أحلامكم و بددها كما تجعل الريح الشمالية البستان قاعا صفصفاً
لآنه كما أن المحبة تكللكم فهي أيضا تصلبكم , وكما تعمل على نموكم هكذا تعلمكم و تستأصل الفاسد منكم
و كما ترتفع إلى أعلى شجرة حياتكم فتعانق أغصانها اللطيفة المرتعشة أمام وجه الشمس ,
هكذا تنحدر إلى جذورها الملتصقة بالتراب و تهزها في سكينة الليل
المحبة تضمكم إلى قلبها كأغمار الحنطة
و تدرسكم على بيادرها لكي تظهر عريكم
و تغربلكم لكي تحرركم من قشوركم
و تطحنكم لكي تجعلكم أنقياء كالثلج و تعجنكم بدموعها حتى تلينوا
ثم تعدكم لنارها المقدسة لكي تصيروا جبزاً مقدساً يقرب على مائدة الرب المقدسة
كل هذا تصنعه المحبة بكم لكي تدركوا أسرار قلوبكم فتصبحوا بهذا الادراك جزءاً من قلب الحياة
غير أنكم إذا خفتم و قصرتم سعيكم على الطمأنينة و اللذة في المحبة فلأجدر بكم أن تستروا عريكم و تخرجوا من بيدر المحبة إلى العالم البعيد حيثما تضحكون ولكن ليس كل ضحككم ولكن ليس كل ما في مآقيكم من الدموع
المحبة لا تعطي إلا نفسها , ولا تأخذ إلا من نفسها
المحبة لا تملك شيئا و لا تريد أن يملكها أحد
لأن المحبة مكتفية بالمحبة
أما أنت إذا أحبتت فلا تقل : " إن الله في قلبي " بل قل بالأحرى : " أنا في قلب الله "
و لا يخطر لك البتة أنك تستطيع أن تتسلط على مسالك المحبة لأن المحبة إن رأت فيك استحقاقاً لنعمتها تتسلط هي على مسالكك
و المحبة لا رغبة لها إلا في أن تكمل نفسها
و لكن إذا أحببن و كان لا بد من أن تكون لك رغبات خاصة بك فلتكن هذه رغباتك :
أن تذوب و تكون كجدول متدفق يشنف آذان الليل بأنغامه
أن تخبر الآلام التي في العطف المتناهي
أن يجرحك إدراكك الحقيقي للمحبة في حبة قلبك و أن تنزف دماؤك و أنت راض مغتبط
أن تنهض عند الفجر بقلب مجنح خفوق فتؤدي واجب الشكر ملتمسا يوم محبة آخر
أن تستريح عند الظهيرة وتناجي نفسك بوجد المحبة
أن تعود إلى منزلك عند المساء شاكراً :
فتنام حينئذ و الصلاة لآجل من أحببت تتردد في قلبك و أنشودة الحمد و الثناء مرتسمة على شفتيك.
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:23 pm

الزواج

ثم قالت له المطرة ثانية : وما رأيك في الزواج أيها المعلم ؟
فأجاب قائلاً :
قد ولدتم معا و ستظلون معا إلى الأبد
و ستكونون معا عندما تبدد أيامكم أجنحة الموت البيضاء أجل وستكونون معا حتى في سكون تذمارات الله
ولكن فليكن بين وجودكم معا فسحات تفصلكم بعضكم عن بعض حتى ترقص أرياح السموات فيما بينكم
احبوا بعضكم بعضا ولكن لا تقيدوا المحبة بالقيود بل لتكن المحبة بحرا متموجا بين شواطئ نفوسكم
ليملأ كل واحد منكم كأس رفيقه ولكن لا تشربوا من كأس واحدة أعطوا من خبزكم كل واحد لرفيقه ولكن لا تأكلوا من الرغيف الواحد
غنوا ارقصوا معا وكونوا فرحين ابدا ولكن فليكن كل منكم على حده
كما أن واتار القيثارة يقوم كل منها وحده ولكنها جميعا تخرج نغما واحدا
ليعط كل منكم قلبه لرفيقه ولكن حذار أن يكون هذا العطاء لأجل الحفظ لأن يد الحياة وحدها تستطيع أن تحتفظ بقلوبكم
قفوا معا ولكن لا يقرب احدكم من الاخر كثيرا لن عمودي الهيكل يقفان منفصلين
و السنديانة والسروة لا تنمو الواحدة منهما في ظل رفيقتها

العطاء

ثم قال له رجل غني : هات حدثنا عن العطاء
فأجاب قائلا:
إنك إذا اعطيت فإنما تعطي القليل من ثروتك
و لكن لا قيمة لما تعطيه ما لم يكن جزءاً من ذاتك لأنه أي شيء هي ثروتك ظ
ألبست مادة فانية تخزنها في خزائنك و تحافظ عليها جهدك خوفا من أن تحتاج إليها غدا ؟
و الغد , ماذا يستطيع الغد أن يقدم للكلب البالغ فطنة الذي يطمر العظام في الرمال غير المطروقة و هو يتبع الحجاج إلى المدينة المقدسة ؟
أو ليس الخوف هو الحاجة هو الحاجة بعينها ؟
أو ليس الظمأ الشديد للماء عندما تكون بئر الظامئ ملآنة هو العطش الذي لا تروى غلته ؟
من الناس من يعطون قليلاً من الكثير عندهم وهم يعطونه لأجل الشهرة و رغيتهم الخفية في الشهرة الباطلة تضيع الفائدة من عطاياهم
و منهم من يملكون قليلاً و يعطونه بأسره
ومنهم المؤمنون بالحياة و بسخاء الحياة هؤلاء لا تفرغ صناديقهم و خزائنهم ممتلئة ابدا
ومن الناس من يعطونه بفرح و فرحهم مكافأة
و منهم من يعطونه بألم و ألمهم معمودية لهم
و هنالك الذين يعطون ولا يعرفون معنى الألم في عطائهم و لا يتطلبون فرحا و لا يرغبون في إذاعة فضائلهم هؤلاء يعطون مما عندهم كما يعطي الريحان عبيره العطر في ذلك الوادي
بمثل أيدي هؤلاء يتكلم الله و من خلال عيونهم يبتسم على الأرض
جميل أن تعطي من يسألك ما هو في حاجة إليه
ولكن أجمل من ذلك أن تعطي من لا يسألك و أنت تعرف حاجته
فإن من يفتح يديه و قلبه للعطاء يكون فرحه بسعيه إلى من يتقبل عطاياه و الاهتداء إليه أعظم منه بالعطاء نفسه
وهل في ثروتك شي تقدر أن تستبقيه لنفسك ؟
فإن كل ما تملكه اليوم سيفترق ولا شك يوما ما , ذلك أعط منه الآن ليكون فصل العطاء من فصول حياتك أنت دون ورثتك
وقد طالما سمعتك تقول متبجحاً : إنني أحب أن أعطي و لكن المستحقين فقط
فهل نسيت يا صاح أن الأشجار في بستانك لا تقول قولك و مثلها القطعان في مراعيك ؟
فهي تعطي لكي تحيا لأنها إذا لم تعط عرضت حياتها للتهلكة
الحق أقول لك إن الرجل الذي استحق أن يقتبل عطية الحياة و يتمتع بأيامه و لياليه هو مستحق لكل شيء منك
و الذي استحق أن يشرب من أوقيانوس الحياة يستحق أن يملأ كأسه من جدولك الصغير
لأنه أي صحراء أعظم من الصحراء ذات الجرأة و الجسارة على قبول العطية بما فيها من الفضل و المنة ؟
و أنت من أنت حتى أن الناس يجب أن يمزقوا صدورهم و يحسروا القناع عن شهامتهم و عزة نفوسهم لكي ترى جدارتهم لعطائك عارية و أنفتهم مجردة عن الحياء ؟
فانظر أولا هل أنت جدير بأن تكون معطاء و ألة عطاء
لأن الحياة هي التي تعطي الحياة في حين أنك و أنت الفخور بأن قد صدر العطاء منك لست بالحقيقة سوى شاهد بسيط على عطائك
أما أنتم الذين يتناولون العطاء و الإحسان و كلكم منهم فلا تتظاهروا بثقل واجب معرفة الجميل لئلا تضعوا بأيدكم نيراً ثقيل الحمل على رقابكم و رقاب الذين أعطوكم
بل فلتكن عطايا المعطي أجنحة ترتفعون بها معه
لأنكم إذا أكثرتم من الشعور بما أنتم عليه من الدين فإنكم بذلك تظهرون الشك و الريبة في أريحية المحسن الذي أمة الأرض السخية و أبوه الرب الكريم .

الغذاء

و بعد ذلك جاء إليه فندقي شيخ و قال له: هات حدثنا عن المأكل و المشرب
فأجاب قائلا: أود لو أنك تقدر أن تعيش على عبير الأرض تكتفي بالنور كنباتات الهواء
غير أنك مضطر أن تقتل لتعيش و أن تسرق المولود الصغير من حضن أمه مختطفا حليبها لتبريد ظمأك
لذلك فليكن عملك مظهرا من مظاهر العبادة
ولتكن مائدتك مذبحا تقرب عليه التقادم التقية الطاهرة من الحقول و السهول ضحية لما هو أكثر منها نقاوة في أعماق الإنسان
و إذا ذبحت حيوانا فقل له في قلبك:
إن القوة التي أمرت بذبحك ستذبحني نظيرك
و عندما تحين ساعتي سأحترق مثلك
لأن الشريعة التي أسلمتك إلى يدي ستسلمني إلى يدي من هو أقوى مني
وليس دمك ودمي سوى عصارة قد أعدت منذ الأزل غذاء لشجرة السماء

وإذا نهشت تفاحة بأسنانك فقل لها في قلبك:
إن بذورك ستعيش في جسدي, والبراعم التي ستخرج منها في الغد ستزهر في قلبي
و سيتصاعد عبيرك مع أنفاسي , وسأفرح معك في جميع الفصول
و إذا قطفت العنب من كرومك في أيام الخريف و حملته إلى المعصرة فقل له في قلبك:
أنا كرمة مثلك و ستجمع أنماري و تحمل إلى المعصرة و سيضعونني كالخمر الجديدة في زقاق جديدة
و عندما تستقي الخمرة في زقاقها أيام الشتاء أنشد في قلبك أنشودة لكل كأس تشربها
و ليكن لك من أناشيدك أجمل التذكارات لأيام الخريف و للكرمة و المعصرة
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:24 pm

العمل

ثم جاء إليه فلاح وقال له: هات حدثنا عن العمل
فأجاب قائلاً:
إنكم تشتغلون لكي تجاروا الأرض و نفس الأرض في سيرها
لأن الكسول غريب عن فصول الأرض و هائم لا يسير في موكب الحياة السائرة بعظمة و جلال في فضاء اللانهاية إلى غير المتناهي
فإذا استغلت فما أنت سوى مزمار تختلج في قلبك مناجاة الأيام فتتحول إلى موسيقى خالدة
ومن منكم يود أن يكون قصبة خرساء صماء و جميع ما حولها يترنم معا بأنغام متفقة ؟
قد طالما أخبرتم أن العمل لعنة والشغل نكبة ومصيبة
أما أنا فأقول لكم إنكم بالعمل تحققون جزءاّ من حلم الأرض البعيد جزءاً خصص لكم عند ميلاد ذلك الحلم
فإذا واظبتم على العمل النافع تفتحون قلوبكم بالحقيقة لمحبة الحياة
لأن من أحب الحياة بالعمل النافع تفتح له الحياة أعماقها و تدنيه من أبعد الأسرار

لأن من أحب الحياة بالعمل النافع تفتح له الحياة أعماقها و تدنيه من أبعد أسرارها
ولكن إذا كنتم وأنتم في الآلام تدعون الولادة كآبة و دعامة الجسد لعنة مكتوبة على جباهكم فإنني الحق أقول لكم إنه ما من شيء يستطيع أن يمحو هذه الكتابة و يغسل جباهكم من آثارها سوى سعيكم و جهادكم و قد ورثتم عن جدودكم القول إن الحياة ظلمة فرحتم في عهد مشقتكم ترددون ما قاله قبلكم جدودكم المزعجون
فالحق أقول لكم إن الحياة تكون بالحقيقة ظلمة حالكة إذا لم ترافقها الحركة
و الحركة تكون عمياء لا بركة فيها إن لم ترافقها المعرفة
و المعرفة تكون عقيمة سقيمة إن لم يرافقها العمل
و العمل يكون باطلاً و بلا ثمر إن لم يقترن بالمحبة لأنكم إذا اشتغلتم بمحبة فإنما تربطون أنفسكم و أفرادكم بعضها ببعض و يرتبط كل واحد منكم بربه
وما هو العمل المقرون بالمحبة ؟
هو أن تحوك الرداء بخيوط مسحوبة من نسيج قلبك مفكراً أن حبيبك سيرتدي ذلك الرداء
هو أن تبني البيت بحجارة مقطوعة من مقلع حنانك و إخلاصك مفكراً أن حبيبك سيقطن في ذلك البيت
هو أن تبذر البذور بدقة وعناية و تجمع الحصاد بفرح و لذة كأنك تجمعه لكي يقدم على مائدة حبيبك
هو ان تضع في كل عمل من أعمالك نسمة من روحك , وتثق بأن جميع الأموات الأطهار محيطون بك يراقبون ويتأملون
و كثيراً ما كنت أسمعكم تناجون أنفسكم كأنكم في نوم عميق قائلين : إن الذي يشتغل بنحت الرخام فيوجد مثالاً محسوساً لنفسه من الحجر الأصم هو أشرف من الفلاح الذي يحرث الأرض
و الذي يستعير من قوس قزح ألواناً يحول بها قطعة من النسيج الحقيرة إلى صورة إنسان هو أفضل من الاسكافي الذي يصنع الأحذية لأقدامنا "
ولكني أقول لكم لا في نوم الليل بل في يقظة الظهيرة البالغة إن الريح لا تخاطب السنديانة الجبارة بلهجة أحلى من اللهجة التي تخاطي بها أحقر أعشاب الأرض
والعظيم العظيم ذلك الذي يحول هيمنة الريه إلى أنشودة تزيدها محبته حلاوة و عذوبة
أجل إن العمل هو الصورة الظاهرة للمحبة الكاملة
فإذا لم تقدر أن تشتغل بمحبة و كنت متضجرا ملولاً فلأجدر بك أن تترك عملك و تجلي على درجات الهيكل تلتمس صدقة من العملة المشتغلين بفرح وطمأنينة
لأنك إذا خبزت خبزاً و انت لا تجد لك لذة في عملك فإنما أنت تخبز علقماً لا يشبع سوى نصف مجاعة الإنسان
و إذا تذمرت و أنت تعصر عنبك فإن تذمرك يدس لك سماً في الخمرة المستقطرة من ذلك العصير
و إن أنشدت أناشيد الملائكة و لم تحب أن تكون منشداً فإنما أنت تصم آذان الناس بأنغامك عن الإصغاء إلى أناشيد الليل و النهار
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:25 pm

الفرح والترح

ثم قالت له امرأة : هات لنا شيئاً عن الفرح و الترح
إن فرحكم هو ترحكم ساخرا...
و البئر الواحدة التي تستقون منها ماء ضحككم قد طالما ملئت بسخين دموعكم
وهل في الإمكان أن يكون الحال على غير هذا المنوال ؟
فكما أعمل وحش الحزن أنيابه في أجسادكم تضاعف الفرح في اعماق قلوبكم
لأنه أليست الكأس التي تحفظ خمرتكم هي نفس الكأس التي أحرقت في أتون الخراف قبل أن بلغت إليكم؟
أم ليست القيثارة التي تزيد طمأنينة أرواحكم هي نفس الخشب الذي قطع بالمدى والفؤوس؟
فإذا فرحتم فتأملوا ملياً في أعماق قلبوكم تجدوا أم ما أحزنكم قبلا يفرحكم الآن و إذا احاطت بكم جيوش الكآبة ببصائركم ثانية إلى أعماق قلوبكم و تأملوا جيدا تروا هنالك بالحقيقة أنكم تبكون لما كنتم تعتقدون أنه غابة مسراتكم على الأرض
و يخيل إلي أن فريقاً منكم يقول : " إن الفرح أعظم من الترح " فيعارضه فريق آخر : " كلا , بل الترح أعظم من الفرح "
أما أنا فالحق أقول لكم : انهما توأمان لا ينفصلان يأتيان معاً و يذهبان معاً فإذا جلس احدهما منفرداً إلى مائدتكم فلا يغرب عن أذهانكم أن رفيقه يكون حينئذ مضطجعاً على أسرتكم
أجل إنكم بالحقيقة معلقون ككفتي الميزان بين ترحكم وفرحكم و أنتم بينهما متحركون أبداً و لا تقف حركتكم إلا إذا كنتم فارغين فب أعماقكم
فإذا جاء أمين خزائن الحياة يرفعكم لكي يزن ذهبه وفضته فلا ترتفع كفة فرحكم و لا ترجح كفة ترحكم بل تثبتان على حالة واحدة


المساكن

حينئذ دنا منه بناء وقال له : هات حدثنا عن البيوت

فأجاب وقال :
ابن من خيالك مظلة في الصحراء قبل أن تبني في داخل أسوار المدينة لأنه كما كان لك بيتاً مقبلا في شفق حياتك كذلك للغريب الهائم فيك بيت كبيتك
إن بيتك هو جسدك الأكبر
ينمو في حرارة الشمس وينام في سكينة الليل و كثيرا ما ترافق نومه الأحلام أفلا يحلم بيتك و هل يترك الحلم المدينة و يسير إلى الغابة أم إلى رأس التلة ؟
أواه لو أستطيع أن أجمع بيوتكم بيدي فأبددها في الأحراج و الرياض كما يبذر الزارع في الحقول
أود لو كانت الأودية شوارع لكم و مسالك التلال الخضراء أزفة تطرقها أقدامكم عوضاً عن أزقتكم و شوارعكم القذرة و ياليتكم تنشدون بعضكم بعضا بين الدوالي و الكروم ثم تعودون حاملين عطر الأرض في طيات أثوابكم
و لكن هذه جميعها تمنيات لم تحن ساعتها بعد
لأن آبائكم و جدودكم إذ خانوا عليكم الضياع و الضلال جمعوكم معا لكي تكونوا قريبين من بعض و سبقى هذا الخوف مجمعا لكم زمنا بعد و ستظل أسوار المدينة فاصلة مواقدكم عن حقولكم ولكن إلى حين
بربكم أخبروني يا أبناء اورفيليس ماذا تملكون في هذه البيوت و أي شيء تحتفظون به في داخل هذه الأبواب الموصدة؟
هل عندكم السلام و هو القوة الصامتة التي تظهر ذاتكم الشديدة العزم المستترة في اعماقكم ؟
هل عنكم التذكارات و هي القناطر اللامعة التي تصل قنن الفكر الانساني بعضها ببعض ؟
هل عندكم الجمال الذي يرتفع بالقلب من مصنوعات الخشب والحجارة إلى الجبل المقدس ؟
بربكم اخبروني هل عندكم كل هذا في بيوتكم ؟
أم عندكم الرفاهية فقط و التحرق للرفاهية الممزوج بالطمع الرفاهية التي تدخل البيت ضيفا ثم لا تلبث أن تصير مضيفا فسيداً عاتياً عنيفاً
ثم تتحول إلى رائض جبار يتقلد السوط بيمينه و الكلاب بيساره متخذا ورغباتكم الفضلى ألعوبة يتلهى بها
ومع أن بنان هذه الرفاهية حريري الملمس فإن قلبها حديدي صلد فهي تهدىء من حدتكم لكي تناموا ثم تقف أمام أسرتكم هازئة بكم و بجلال أجسادكم
تضحك من حواسكم المدركة و تطرح بها بين الأشواك كأنها أوعية سهلة الانكسار لأن التحرق للرفاهية ينحر أهواء النفس في كبدها فيرديها قتيلة ثم يسير في جنازتها فاغرا شدقيه مرغياً مزبداً
أما انتم يا ابناء الفضاء العائيشين في الراحة والنعيم غير المستريحين فإنكم لن تؤخذوا بالأشراك ولن يقدر رائض على ترويضكم لأن بيتكم لن يكون مرساة و ثكنة سيكون سارية
كلا و لن يكون غشاء براقا تغطى به الجراح بل جفنا تحفظ به العين و انتم لن تطووا أجنحتكم لكي تستطيعوا أن تدخلوا من الأبواب و لن تحنوا رؤوسكم لئلا تنطح السقف كلا و لن تخشى أن تتنفسوا خوفا من أن تقوض أساسات الجدران و تسقط على الأرض
أجل و لن تقطنوا في القبور التي بناها أبناء الموت لأبناء الحياة
ومع كل ما يزين مناولكم من الجلال و الجمال فإنها لن تستطيع أن تحتفظ بسركم أو أن تؤوي حنينكم لأن غير المحدود فيكم يقطن من منزل السماء الذي بوابته سحابة الصباح و نوافذه سكون الليل و أناشيده

الثياب

ثم قال له الحائك : هات حدثنا عن الثياب
فأجاب قائلاً :
إن ثيابكم تحجب الكثير من جمالكم ولكنها لا تستر غير الجميل و مع أنكم تنشدون بثيابكم حرية التستر و الانفراد , فإنها تفسدكم و تستعبدكم
ويا ليت في وسعكم أن تستقبلوا الشمس و الريح بثياب بشرتكم عوضاً عن ثياب مصانعكم
لأن أنفاس الحياة في أشعة الشمس , ويد الحياة تسير مع مجاري الرياح
يقول بعضكم : " إن الريح الشمالية دون غيرها قد حاكت الثياب التي نلبسها."
أنا أقول لكم : " نعم إن الريح الشمالية قد فعلت ذلك , ولكن العار كان نولاً لها , و لدونة العضلات كانت لها خيطاً .
وعندما فرغت من عملها ضحكت منكم و هي تعصف في قلب الغاب
ولكن لا يغرب عن اذهانكم أن الحشمة هي ترس منيع متين للوقاية من عيون المدنسين
فإذا زال المدنسون من الجود , أفلا تصير الحشمة قيداً للفكر و تلويثاً له في حمأة العبودية ؟
لذلك ضعوا نصب عيونكم أن الأرض تبتهج بملامسة أقدامكم العاية . و الرياح تتوق إلى ملاعبة شعوركم المسترسلة.
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

السابقالتالي

العودة إلى منتدى الشعر والنثر والأدب

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 5 زائر/زوار

cron