• اخر المشاركات

مجموغة رائعة من أعمال الأديب العالمي جبران خليل جبران

كلمات ليست ككل الكلمات ... كلمات تنساب عبر الروح

المشرف: إدارة الموقع

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:52 pm

رأیت تلك البشرة .وتحترك كأجنحة الشحرور قد غارت وجمدت واكتحلت بخیالات التوجع والألم
التي كانت بالأمس ثنایا الزنبقة البیضاء الفرحة بقبلات الشمس قد اصفرت وذبلت وتبرقعت بنقاط
رأیت الشفتین اللتین كانتا كزھرة أقاح تسیل علیھما الحلاوة قد یبستا وصارتا كوردتین .القنوط
مرتجفتین أبقاھما الخریف على طرف الغصن، رأیت العنق الذي كان مرفوعاً كعمود العاج قد
.انحنى إلى الأمام كأنھ لم یعد قادراً على حمل ما یجول في تلافیف الرأس
رأیتھا جمیعھا، ولكنھا لم تكن في نظري إلا :رأیت ھذه الانقلابات الموجعة في ملامح سلمى
إن الملامح التي تبیح أسرار الذات .كسحابة رقیقة توشح القمر فتزید منظره حسناً وھیبة
أما الوجوه التي لا .المعنویة تكسب الوجھ جمالاً وملاحة مھما كانت تلك الأسرار موجعة وألیمة
تتكلم بصمتھا عن غوامض النفس وخفایاھا فلا تكون جمیلة مھما كانت متناسقة الخطوط متناسقة
إن الكؤوس لا تستمیل شفاھنا حتى یشف بلورھا عن لون الخمر، فسلمى كرامة كانت .الأعضاء
في عشیة ذلك النھار كأس طافحة من خمرة علویة تمتزج بدقائقھا مرارة العیش بحلاوة النفس
كانت تمثل على غیر معرفة منھا حیاة المرأة الشرقیة التي لا تغادر منزل والدھا المحبوب إلا
ولا تترك ذراعي أمھا الرؤوف إلا لتعیش في عبودیة والدة .لتضع عنقھا تحت نیر زوجھا الخشن
.زوجھا القاسیة
وبقیت محدقاً بوجھ سلمى مصغیاً لأنفاسھا المتقطعة صامتاً مفكراً، شاعراً متألماً معھا ولھا، حتى
أحسست أن الزمن قد وقف عن مسیره والوجود قد انحجب واضمحل ولم أعد أرى سوى عینین
كبیرتین محدقتین بأعماقي، ولا أشعر بغیر ید باردة مرتعشة تضم یدي، ولم أفق من ھذه الغیبوبة
تعال نحاول تصویر المستقبل قبل أم .تعال نتحدث الآن یا صدیقي"حتى سمعت سلمى تقول بھدوء
لقد ذھب والدي إلى منزل الرجل الذي سیكون رفیقاً لي حتى القبر .یحمل علینا بمخاوفھ وأھوالھ
قد ذھب الرجل الذي اختارتھ السماء سبباً لوجودي لیلتقي بالرجل الذي انتقتھ الأرض سیداً على
أیامي الآتیة، ففي قلب ھذه المدینة یجتمع الآن الشیخ الذي رافق شبیبتي بالشاب الذي سیرافق ما
بقي لي من السنین، وفي ھذه اللیلة یتفق الوالد والخطیب على یوم القران الذي سیكون قریباً
في مثل ھذه اللیلة من الأسبوع ...مھما جعلاه بعیداً فما أغرب ھذه الساعة وما أشد تأثیرھا
الغابر، وفي ظلال ھذه الیاسمینة قد عانق الحب روحي لأول مرة بینما كان القدر یخط أول كلمة
وفي ھذه الساعة وقد جلس والدي وخطیبي .من حكایة مستقبلي في دار المطران بولس
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:53 pm

لیضفرا إكلیل زواجي أراك جالساً بجانبي وأشعر بنفسك متموجة حولي كطائر ظامئ یحوم مرفرفاً
."فوق ینبوع ماء یخفره ثعبان جائع مخیف فما أظلم ھذه اللیلة وما أعمق أسرارھا
سیظل ھذا "فأجبتھا وقد تخیلت القنوط شبحاً مظلماً قابضاً على عنق حبنا لیمیتھ في طفولتھ
الطائر حائما مرفرفاً فوق الینبوع حتى یضنیھ العطش فیردیھ أو یقبض علیھ الثعبان المخیف
."فیمزقھ ویلتھمھ
لیبق ھذا .لا یا صدیقي فلیبق ھذا الطائر حیاً .لا"فقالت متأثرة وصوتھا یرتجف كالأوتار الفضیة
البلبل مغرداً حتى المساء، حتى ینتھي الربیع، حتى ینتھي العالم، حتى تنتھي الدھور لا تخرصھ
."لأن صوتھ یحییني ولا توقف جناحیھ لأن حفیفھما یزیل الضباب عن قلبي
."الظمأ یقتلھ یا سلمى والخوف یمیتھ"فھمست متنھداً
إن ظمأ الروح أعذب من ارتواء "فأجابت والكلام یتدفق بسرعة من بین شفتیھا المرتعشتین
ولكن اسمع یا حبیبي اسمعني جیداً أنا واقفة .المادة وخوف النفس أحب من طمأنینة الجسد
أنا مثل عمیاء تتلمس بیدھا الجدران مخافة السقوط .الآن في باب حیاة جدیدة لا أعرف عنھا شیئاً
أنا لا أحب ھذا .أنا جاریة أنزلني مال والدي إلى ساحة النخاسین فابتاعني رجل من بین الرجال .
الرجل لأنني أجھلھ وأنت تعلم أن المحبة والجھالة لا تلتقیان ولكنني سوف أتعلم محبتھ، سوف
أطیعھ وأخدمھ وأجعلھ سعیداً سوف أھبھ كل ما تقدر المرأة الضعیفة أن تھب الرجل القوي، أما
أمامك الحیاة طریقاً وسیعة مفروشة بالأزھار والریاحین، سوف .أنت فلم تزل في ربیع العمر
تخرج إلى ساحة العالم حاملا قلبك مشعلاً متقداً، سوف تفتكر بحریة، وبحریة تتكلم وتفعل سوف
تكتب على وجھ الحیاة لأنك رجل، سوف تعیش سیداً لأن فاقة والدك لا تجعلك عبداً، وأموالھ لا
تنزل بك إلى سوق النخاسین حیث تباع البنات وتشترى، سوف تقترن بالصبیة التي تختارھا
لنفسك من بین الصبایا فتسكنھا صدرك قبل أن تسكنھا منزلك وتشاركھا بأفكارك قبل أن تساھمھا
.الأیام واللیالي
ولكن أھھنا تفرقنا سبل "وسكتت دقیقة كیما تسترجع أنفاسھا ثم زادت بصوت تتابعھ الغصات
الحیاة لتذھب بك إلى أمجاد الرجل وتسیر بي إلى واجبات المرأة؟ أھكذا ینقضي الحلم الجمیل
وتندثر الحقیقة العذبة؟ أھكذا تبتلع اللجة نغمة الشحرور وتنثر الریاح أوراق الوردة وتسحق
الأقدام كأس الخمر؟ أباطلاً أوقفتنا تلك اللیلة أمام وجھ القمر وباطلاً ضمنا الروح في ظلال
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:54 pm

الیاسمینة؟ ھل تسرعنا بالصعود نحو الكواكب فكلت أجنحتنا وھبطت بنا إلى الھاویة؟ ھل فاجأنا
الحب نائماً فاستیقظ غاضباً لیعاقبنا أم ھیجت أنفسنا نسمات اللیل فانقلبت ریحاً شدیدة لتمزقنا
وتجرفنا كالغبار إلى أعماق الوادي؟ لم نخالف وصیة ولم نذق ثمراً فكیف نخرج من ھذه الجنة
إن الدقائق التي جمعتنا ھي أعظم .لا لا وألف لا ولا ..لم نتآمر ولم نتمرد فلماذا نھبط إلى الجحیم
من الأجیال، والشعاع الذي أنار نفسینا ھو أقوى من الظلام، فإن فرقتنا العاصفة على وجھ ھذا
البحر الغضوب فالأمواج تجمعنا على ذلك الشاطئ الھادئ وإن قتلتنا ھذه الحیاة فذاك الموت
إن قلب المرأة لا یتغیر من الزمن ولا یتحول مع الفصول، قلب المرأة ینازع طویلاً ....یحیینا
ولكنھ لا یموت، قلب المرأة یشابھ البریة التي یتخذھا الإنسان ساحة لحروبھ ومذابحھ، فھو یقتلع
أشجارھا ویحرق أعشابھا ویلطخ صخورھا بالدماء ویغرس تربتھا بالعظام والجماجم ولكنھا تبقى
والآن قد قضي ...ھادئة ساكنة مطمئنة، ویظل فیھ الربیع ربیعاً والخریف خریفاً إلى نھایة الدھور
الأمر فماذا نفعل؟ قل ماذا نفعل وكیف نفترق وأین ومتى نلتقي؟ ھل نحسب الحب ضیفاً غریباً أتى
المساء وأبعده الصباح، أتحسب ھذه العاطفة النفسیة حلماً أبانھ الكرى ثم أخفتھ الیقظة؟ أتحسب
.ھذا الأسبوع ساعة سكر ما لبثت أن قضت بالصحو والانتباه؟ ارفع رأسك لأرى عینیك یا حبیبي
تكلم أخبرني، حدثني ھل تذكرني بعد أن تغرق العاصفة سفینتي أیامنا؟ .افتح شفتیك لأسمع صوتك
ھل تسمع حفیف أجنحتي في سكینة اللیل؟ ھل تشعر بأنفاسي متموجة على وجھك وعنقك؟ ھل
تصغي لتنھداتي متصاعدة بالتوجع منخفضة بالمغصات؟ ھل ترى خیالي قادماً مع خیالات الظلام
مضمحلاً مع ضباب الصباح؟ قل لي یا حبیبي قل لي ماذا تكون لي بعد أن كنت نوراً لعیني
."ونغمة لأذني وجناحاً لروحي، ماذا تكون؟
."سأكون یا سلمى مثلما تریدینني أن أكون"فأجبتھا وحبات قلبي تذوب في عیني
أریدك أن تحبني مثلما یحب الشاعر .أریدك أن تحبني، أرید أن تحبني إلى نھایة أیامي"فقالت
أفكاره المحزنة، أریدك أن تذكرني مثلما یذكر المسافر حوض ماء ھادئ رأى فیھ خیال وجھھ قبل
.أن یشرب من مائھ، وأریدك أن تذكرني مثلما تذكر الأم جنیناً مات في أحشائھا قبل أن یرى النور
وأریدك أن تفتكر بي مثلما یفكر الحاكم الرؤوف بسجین مات قبل أن یبلغھ عفوه، أریدك أن تكون
لي أخاً وصدیقاً ورفیقاً وأریدك أن تزور والدي في وحدتھ وتعزیھ في انفراده لأنني عما قریب
."سأتركھ وأصیر غریبة عنھ
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:54 pm

سأفعل كل ذلك یا سلمى، سوف أجعل روحي غلافاً لروحك وقلبي بیتاً لجمالك وصدري "فأجبتھا
سوف أحبك یا سلمى محبة الحقول للربیع وسوف أحیي بك حیاة الأزاھر بحرارة .قبراً لأحزانك
الشمس، سوف أترنم باسمك مثلما یترنم الوادي بصدى رنین الأجراس المتمایلة فوق كنائس
القرى؛ سأذكرك یا سلمى مثلما یذكر الغریب المستوحش وطنھ المحبوب، والفقیر الجائع مائدة
الطعام الشھیة، والملك المخلوع أیام عزه ومجده والأسیر الكئیب ساعات الحریة والطمأنینة،
سوف أفتكر بك مثلما یفكر الزارع بأغمار السنابل وغلة البیادر، والراعي الصالح بالمروج
."الخضراء والمناھل العذبة
كنت أتكلم وسلمى تنظر إلى أعماق اللیل وتتأوه بین الآونة والأخرى ونبضات قلبھا تتسارع
غداً تصیر الحقیقة خیالاً والیقظة حلماً فھل "وتتھامل كأنھا أمواج بحربین صعود وھبوط، ثم قالت
."یكتفي المشتاق بعناق الخیال ویرتوي الظمآن من جداول الأحلام
ویسیر بي إلى .غداً یسیر بك القدر إلى أحضان العائلة المملوءة بالراحة والھدوء"فأجبتھا قائلاً
وأنا إلى مكامن أیام .أنت إلى منزل یسعد بجمالك وطھر نفسك .ساحة العالم حیث الجھاد والقتال
أنت إلى الأنس والألفة وأنا .أنت إلى الحیاة وأنا إلى النزاع .تعذبني بأحزانھا وتخیفني بأشباحھا
سأتخذ الحب .ولكنني سأرفع في وادي ظل الموت تمثالاً للحب وأعبده .إلى الوحشة والانفراد
عند الفجر سینبھني الحب من رقادي ویسیر .سمیراً وأسمعھ منشداً وأشربھ خمراً وألبسھ ثوباً
وعند الظھیرة سیقودني إلى ظل الأشجار فأربض مع العصافیر المحتمیة .أمامي إلى البریة البعیدة
وفي المساء سیوقفني أمام المغرب ویسمعني نغمة وداع الطبیعة للنور .من حرارة الشمس
وفي اللیل سیعانقني فأنام حالماً بالعوالم العلویة حیث .ویریني أشباح السكینة سابحة في الفضاء
وفي الربیع سأمشي والحب جنباً لجنب مترنمین بین التلول .تقطن أرواح العشاق والشعراء
والمنحدرات متبعین أثار أقدام الحیاة المخططة بالبنفسج والأقحوان، شاربین بقایا الأمطار
وفي الصیف سأتكئ والحب ساندین رأسینا إلى أغمار القش مفترشین .بكؤوس النرجس والزنبق
وفي الخریف سأذھب والحب إلى الكروم .الأعشاب ملتحفین السماء ساھرین مع القمر والنجوم
فنجلس بقرب المعاصر ناظرین إلى الأشجار وھي تخلع أثوابھا المذھبة متأملین بأسرار الطیور
وفي الشتاء سأجلس والحب بقرب المواقد نحكي حكایات الأجیال مرددین .الراحلة إلى ساحل
أخبار الأمم والشعوب وفي أیام الشبیبة سیكون لي الحب مھذباً وفي الكھولة عضداً
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:56 pm

الشیخوخة مؤنساً، سیظل معي یا سلمى إلى نھایة العمر، إلى أن یجيء الموت، إلى أن تجمعني
."بك قبضة الله
كانت الألفاظ تتصاعد مسرعة من أعماق نفسي كأنھا شعلات من نار تنمو وتتطایر ثم تتبدد
وتضمحل في زوایا تلك الحقیقة، وكانت سلمى مصغیة والدموع تنھمر من عینیھا كأن أجفانھا
.شفاء تجیبني بالدموع على الكلام
إن اللذین لم یھبھم الحب أجنحة لا یستطیعون أن یطیروا إلى ما وراء الغیوم لیروا ذلك العالم
السحري الذي طافت فیھ روحي وروح سلمى في تلك الساعة المحزنة بأفراحھا المفرحة بأوجاعھا
فھذه الحكایة لم تكتب لھم، فھم وإن .إن اللذین لم یتخذھم الحب أتباعاً لا یسمعون الحب متكلماً .
فھموا معاني ھذه الصفحات الضئیلة لا یمكنھم أن یروا ما یسیل بین سطورھا من الأشباح
ولكن أي بشري لم یرشف من خمرة .والخیالات التي لا تلبس الحبر ثوباً ولا تتخذ الورق مسكناً
الحب في إحدى كاساتھ؟ أیة نفس لم تقف متھیبة في ذلك الھیكل المنیر المرصوف بحبات القلوب
المسقوف بالأسرار والأحلام والعواطف؟ أي زھرة لم یسكب الصباح قطرة من الندى بین أوراقھا،
وأي ساقیة تضل طریقھا ولا تذھب إلى البحر؟
ورفعت سلمى إذا ذاك رأسھا نحو السماء المزینة بالكواكب ومدت یدیھا إلى الأمام وكبرت عیناھا
وارتجفت شفتاھا وظھر على وجھھا المصفر كل ما في نفس المرأة المظلومة من الشكوى
ماذا أتت من .ماذا فعلت المرأة یا رب فاستحقت غضبك" :ثم صرخت قائلة .والقنوط والألم
ھل اقترفت جرماً لا نھایة لفظاظتھ لیكون عقابك لھا بغیر .الذنوب لیتبعھا سخطك إلى آخر الدھور
نھایة؟ أنت قوي یا رب وھي ضعیفة فلماذا تبیدھا بالأوجاع؟ أنت عظیم وھي تدب حول عرشك
فلماذا تسحقھا بقدمیك؟ أنت عاصفة شدیدة وھي كالغبار أمام وجھك فلماذا تذریھا على الثلوج؟
أنت جبار وھي بائسة فلماذا تحاربھا؟ أنت بصیر علیم وھي تائھة عمیاء فلماذا تھلكھا؟ أنت
توجدھا بالمحبة فكیف بالمحبة تفنیھا؟ بیمینك ترفعھا إلیك وبشمالك تدفعھا إلى الھاویة وھي
.في فمھا نسمة الحیاة وفي قلبھا تزرع بذور الموت .جاھلة لا تدري أنّى ترفعھا وكیف تدفعھا
في حنجرتھا تبث نغمة الفرح .على سبل السعادة تسیرھا راجلة ثم تبعث الشقاء فارساً لیصطادھا
بأصابعك الخفیة تمنطق باللذة أوجاعھا وبأصابعك .ثم تغلق شفتیھا بالحزن وتربط لسانھا
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:57 pm

الظاھرة ترتسم ھالات الأوجاع حول ملذاتھا، في مضجعھا تخفي الراحة والسلامة وبجانب
بإرادتك تحیي أمیالھا ومن أمیالھا تتولد عیوبھا وذلاتھا، .مضجعھا تقیم المخاوف والمتاعب
بمشیئتك تریھا محاسن مخلوقاتك وبمشیئتك تنقلب محبتھا للحسن مجاعة مھلكة، بشریعتك تزوج
أنت تسقیھا الحیاة بكأس ..روحھا من جسد جمیل وبقضائك تجعل جسدھا بعلا للضعف والھوان
أنت تملأ جوفھا من خبز .أنت تطھرھا بدموعھا وبدموعھا تذیبھا .الموت والموت بكأس الحیاة
أنت أنت یا رب قد فتحت عیني بالمحبة وبالمحبة .الرجل ثم تملأ حفنة الرجل من حبات صدرھا
أنت زرعت في قلبي وردة بیضاء وحول ھذه .أنت قبلتني بشفتیك وبیدك القویة صفعتني .أعمیتني
الوردة أنبت الأشواك والحسك، أنت أوثقت حاضري بروح فتى أحبھ وبجسد رجل لا أعرفھ قیدت
أیامي، فساعدني لأكون قویة في ھذا الصراع الممیت، وأسعفني لأبقى أمینة وطاھرة حتى الموت
."لیكن اسمك مباركاً إلى النھایة .لتكن مشیئتك یا رب ..
وسكتت سلمى وظلت ملامحھا تتكلم، ثم أحنت رأسھا وأرخت ذراعیھا وانخفض ھیكلھا كأن القوى
الحیویة قد تركتھا فبانت لناظري كغصن قصفتھ العاصفة وألقتھ إلى الحضیض لیجف ویندثر تحت
فأخذت یدھا المثلجة بیدي الملتھبة وقبلت أصابعھا بأجفاني وشفتي، ولما حاولت .أقدام الدھر
تعزیتھا بالكلام وجدتني أحرى منھا بالتعزیة والشفقة فبقیت صامتاً حائراً متأملاً شاعراً بتلاعب
.الدقائق بعواطفي مصغیاً لأنة قلبي في داخلي خائفاً من نفسي على نفسي
ولم ینبس أحدنا ببنت شفة في ما بقي من تلك اللیلة لأن اللوعة إذا عظمت تصیر خرساء فبقینا
ساكتین جامدین كعمودي رخام قبرھما الزلزال في التراب، ولم یعد أحدنا یرید أن یسمع الآخر
.متكلماً لأن خیوط قلبینا قد وھت حتى صار التنھد دون الكلام یقطعھا
انتصف اللیل ونمت رھبة السكوت وطلع القمر ناقصاً من وراء صنین وبان بین النجوم كوجھ
میت شاحب غارق في المساند السوداء بین شموع ضئیلة تحیط بنعشھ، وظھر لبنان كشیخ لوت
ظھره الأعوام وأناخت ھیكلھ الأحزان وھجر أجفانھ الرقاد فبات یساھي الدجى ویترقب الفجر كملك
إن الجبال والأشجار والأنھار تتبدد ھیئاتھا .مخلوع جالس على رماد عرشھ بین خرائب قصره
ومظاھرھا بتقلب الحالات والأزمنة مثلما تتغیر ملامح وجھ الإنسان بتغییر أفكاره وعواطفھ،
فشجرة الحور التي تتعالى في النھار كعروس جمیلة یلاعب النسیم أثوابھا تظھر في المساء
كعمود دخان یتصاعد نحو اللاشيء، والصخر الكبیر الذي یجلس عند الظھیرة كجبار قوي
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:58 pm

بعادیات الزمن یبدوا في اللیل كفقیر بائس یفترش الثرى ویلتحف الفضاء، والساقیة التي نراھا
عند الصباح متلمعة كذوب اللجین ونسمعھا مترنمة بأغنیة الخلود نخالھا في المساء مجرى دموع
یتفجر من بین أضلع الوادي ونسمعھا تندب وتنوح كالثكلى، ولبنان الذي ظھر منذ أسبوع بكل
مظاھر الجلال والرونق عندما كان القمر بدراً والنفس راضیة قد بان في تلك اللیلة كئیباً منھوكاً
.مستوحشاً أمام قمر ضئیل ناقص ھائم في عرض السماء وقلب خافق معتل داخل صدر
وقفنا للوداع وقد وقف بیننا الحب والیأس شبحین ھائلین ھذا باسط جناحیة فوق رأسینا وذاك
قابض بأظافره على عنقینا ھذا یبكي مرتاعاً وذاك یضحك ساخراً؛ ولما أخذت ید سلمى ووضعتھا
على شفتي متبركاً دنت مني ولثمت مفرق شعري ثم عادت وارتمت على المقعد الخشبي وأطبقت
."أشفق یا رب وشدد جمیع الأجنحة المتكسرة"جفنھا وھمست ببطء
انفصلت عن سلمى وخرجت من تلك الحدیقة شاعراً بنقاب كثیف یوشي مداركي الحسیة مثلما
یغمر الضباب وجھ البحیرة وسرت وخیالات الأشجار القائمة على جانبي الطریق تتحرك أمامي
كأنھا أشباح قد انبثقت من شقوق الأرض لتخیفني وأشعة القمر الضعیفة ترتعش بین الغصون
كأنھا سھام دقیقة تریشھا أرواح الجان السابحة في الفضاء نحو صدري، السكینة العمیقة تخیم
كل ما في الوجود وكل ما في الحیاة وكل .علي كأنھا أكف سوداء ثقیلة ألقتھا الظلمة على جسدي
سر في النفس قد صار قبیحاً رھیباً ھائلاً، فالنور المعنوي الذي أراني جمال العالم وبھجة الكائنات
والنغمة التي كانت تضم إلیھا أصوات .قد انقلب ناراً تحرق كبدي بلھیبھا متستر نفسي بدخانھا
المخلوقات وتجعلھا نشیداً علویاً قد استحالت في تلك الساعة إلى ضجیج أروع من زمجرة الأسد
.وأعمق من صراخ الھاویة
وظلت .بلغت غرفتي وارتمیت على فراشي كطائر رماه الصیاد فسقط بین السیاج والسھم في قلبھ
"عاقلتي تترواح بین یقظة مخیفة ونوم مزعج وروحي في داخلي تردد في الحالتین كلمات سلمى
."أشفق یا رب وشدد جمیع الأجنحة المتكسرة
أمام عرش الموت -
إنما الزیجة في أیامنا ھذه تجارة مضحكة مبكیة یتولى أمورھا الفتیان وآباء الصبایا، الفتیان
یربحون في أكثر المواطن والآباء یخسرون دائماً، أما الصبایا المتنقلات كالسلع من منزل إلى آخر
.
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:58 pm

فتزول بھجتھن ونظیر الأمتعة العتیقة یصیر نصیبھن زاویا حیث الظلمة والفناء البطيء
إن المدینة الحاضرة قد أنمت مدارك المرأة قلیلاً ولكنھا أكثرت أوجاعھا بتعمیم مطامع الرجل،
كانت المرأة بالأمس خادمة سعیدة فصارت الیوم سیدة تعیسة، كانت بالأمس عمیاء تسیر في نور
كانت جمیلة بجھلھا فاضلة ببساطتھا قویة بضعفھا .النھار فأصبحت مبصرة تسیر في ظلمة اللیل
فصارت قبیحة بتفننھا سطحیة بمداركھا بعیدة عن القلب بمعارفھا، فھل یجيء یوم یجتمع في
المرأة الجمال بالمعرفة والتفنن بالفضیلة وضعف الجسد بقوة النفس؟ أنا من القائلین إن الارتقاء
الروحي سنّة في البشر والتقرب من الكمال شریعة بطیئة لكنھا فعالة، فإذا كانت المرأة قد ارتقت
بشيء وتأخرت بشيء آخر فلأن العقبات التي تبلغنا قمة الجبل لا تخلو من مكامن اللصوص
وكھوف الذئاب؛ ففي ھذا الجبل الشبیھ بالغیبوبة التي تتقدم الیقظة في ھذا الجبل القابض بكفیھ
على تراب الأجیال الغابرة وبذور الأجیال الآتیة في ھذا الجبل الغریب بأمیالھ وأمانیھ لا تخلو
مدینة من امرأة ترمز بوجودھا عن ابنة المستقبل، وسلمى كرامة كانت في بیروت رمز المرأة
الشرقیة العتیدة، ولكنھا كالكثیرین الذین یعیشون قبل زمانھم قد ذھبت ضحیة الزمن الحاضر
.ونظیر زھرة اختطفتھا تیار النھر قد سارت قھراً في مركب الحیاة نحو الشقاء
وتزوج منصور بك من سلمى فسكنا معاً في منزل فخم قائم على شاطئ البحر في رأس بیروت
حیث یقطن وجھاء القوم والأغنیاء، وبقي فارس كرامة وحده في ذلك البیت المنفرد بین الحدائق
والبساتین انفراد الراعي بین أغنامھ، ومضت أیام العرس وانقضت لیالي الأفراح ومر الشھر الذي
یدعوه الناس عسلاً تاركاً وراءه شھور الخل والعلقم مثلما تترك أمجاد الحروب جماجم القتلى في
البریة البعیدة، إن بھرجة الأعراس الشرقیة تصعد بنفوس الفتیان والصبایا صعود النسر إلى ما
وراء الغیوم ثم تھبط بھم ھبوط حجر الرحى إلى أعماق الیم، بل ھي مثل آثار الأقدام على رمال
.الشاطئ لا تلبث أن تمحوھا الأمواج
وذھب الربیع وتلاه الصیف وجاء الخریف ومحبتي لسلمى تتدرج من شغف فتى في صباح العمر
بامرأة حسناء إلى نوع من تلك العبادة الخرساء التي یشعر بھا الصبي الیتیم نحو روح أمھ
الساكنة في الأبدیة، فالصبابة التي كانت تمتلك كلیتي قد تحولت إلى كآبة عمیاء لا ترى غیر
وأنھ .والولع الذي كان یستدر الدموع من عیني قد انقلب ولھاً یستقطر الدم من قلبي .نفسھا
الحنین التي كانت تملأ ضلوعي أصبحت صلاة عمیقة تقدمھا روحي في السكینة أمام السماء
مستمدة السعادة لسلمى والغبطة لبعلھا والطمأنینة لولدھا، ولكن باطلاً كنت أشفق وأبتھل وأصلي
لأن تعاسة سلمى كانت علة في داخل النفس لا یشفیھا سوى الموت، أما بعلھا فكان من أولئك
الرجال الذین یحصلون بغیر تعب على كل ما یجعل الحیاة ھنیئة ولا یقنعون بل ویطمحون دائماً
إلى ما لیس لھم وھكذا یظلون معذبین بمطامعھم إلى نھایة أیامھم؛ وباطلاً كنت أرجو الطمأنینة
لفارس كرامة لأن صھره لم یستلم ید ابنتھ ویحصل على أموالھا حتى نسیھ وھجره بل صار یطلب
.حتفھ توصیلاً إلى ما بقي من ثروتھ
كان منصور بك شبیھاً بعمھ المطران بولس غالب وكانت أخلاقھ ونفسھ صورة مصغرة لنفسھ ولم
یكن الفرق بینھما إلا بما یفرق الریاء عن الانحطاط، كان المطران یبلغ أمانیھ مستتراً بأثوابھ
البنفسجیة وبشبع مطامعھ محتمیاً بالصلیب الذھبي المعلق على صدره، أما ابن أخیھ فكان یفعل
كان المطران یذھب إلى الكنیسة في الصباح ویصرف ما بقي من النھار .كل ذلك جھراً وعنوة
منتزعاً الأموال من الأرامل والیتامى وبسطاء القلب، أما منصور بك فكان یقضي النھار كلھ متبعاً
ملذاتھ ملاحقاً شھواتھ في تلك الأزقة المظلمة حیث یختمر الھواء بأنفاس الفساد، كان المطران
یقف یوم الأحد أمام المذبح ویعظ المؤمنین بما لا یتعظ بھ ویصرف أیام الأسبوع مشتغلاً بسیاسة
أما
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:59 pm

أما ابن أخیھ فكان یصرف جمیع أیامھ متاجراً بنفوذ عمھ بین طالبي الوظائف ومریدي .البلاد
كان المطران یسیر مختبئاً بستائر اللیل، أما منصور بك فكان یمشي بشجاعة في نور .الوجاھة
.النھار
كذا تبید الشعوب بین اللصوص والمحتالین مثلما تفني القطعان بین أنیاب الذئاب وقواطع
الجزارین، وھكذا تستسلم الأمم إلى ذوي النفوس المعوجة والأخلاق الفاسدة فتتراجع إلى الوراء
...ثم تھبط إلى الحضیض فیمر الدھر ویسحقھا بأقدامھ مثلما تسحق مطارق الحدید آنیة الفخار
وماذا یا ترى یجعلني الآن أن أشغل ھذه الصفحات بالكلام عن أمم بائسة یائسة وأنا قد خصصتھا
لتدوین حكایة امرأة تاعسة وتصویر خیالات قلب وجیع لم یلمسھ الحب بأفراحھ حتى صفعھ
بأحزانھ؟ لماذا تراود الدموع أجفاني لذكر شعوب خاملة ومظلومة وأنا قد وقفت دموعي على
ذكرى أیام امرأة ضعیفة لم تعانق الحیاة حتى احتضنھا الموت ولكن ألیست المرأة الضعیفة ھي
رمز الأمة المظلومة؟ ألیست المرأة المتوجعة بین أمیال نفسھا وقیود جسدھا ھي كالأمة المتعذبة
أولیست العواطف الخفیة التي تذھب بالصبیة الجمیلة إلى ظلمة القبر ھي .بین حكامھا وكھانھا
كالعواطف الشدیدة التي تغمر حیاة الشعوب بالتراب؟ إن المرأة من الأمة بمنزلة الشعاع من
.السراج وھل یكون شعاع السراج ضئیلاً إذا لم یكن زیتھ شحیحاً
مضت أیام الخریف وعرت الریاح الأشجار متلاعبة بأوراقھا الصفراء مثلما تداعب الأنواء زبد
البحر، وجاء الشتاء باكیاً وأنا في بیروت ولا رفیق لي سوى أحلام تتصاعد بنفسي تارة فتبلغھا
.الكواكب وتنخفض بقلبي طوراً فتلحده بجوف الأرض
إن النفس الكئیبة تجد راحة بالعزلة والانفراد فتھجر الناس مثلما یبتعد الغزال الجریح عن سربھ
...ویتوارى في كھفھ حتى یبرأ أو یموت
ففي ذات یوم سمعت باعتلال فارس كرامة، تركت وحدتي وذھبت لعیادتھ ماشیاً على ممر منفرد
بین أشجار الزیتون المتلمعة أوراقھا الرصاصیة بقطرات المطر، متنحیاً عن الطریق العمومیة
.حیث تزعج ضجة المركبات سكینة الفضاء
بلغت منزل الشیخ ودخلت علیھ فوجدتھ ملقى على فراشھ مضنى الجسد، شاحب الوجھ أصفر
اللون، وقد غرقت عیناه تحت حاجبیھ فباتتا كھوتین عمیقتین مظلمتین تجول فیھما أشباح السقم
والألم، فالملامح التي كانت بالأمس عنوان البشاشة والانبساط قد تقلصت واكفھرت وأصبحت
والیدان اللتان كانتا مغلفتین .كصحیفة رمادیة متجعدة تكتب علیھا العلة سطوراً غریبة ملتبسة
باللطف واللدانة قد نحلتا حتى بدت عظام أصابعھما من تحت الجلد كقضبان عاریة ترتعش أمام
.العاصفة
ولما دنوت منھ سائلاً عن حالھ، حوّل وجھھ المھزول نحوي وظھر على شفتیھ المرتجفتین خیال
اذھب اذھب یا بني "ابتسامة محزنة، وبصوت ضعیف خافت خلتھ آتیاً من وراء الجدران قال
."إلى تلك الغرفة وامسح دموع سلمى وسكّن روعھا ثم عد بھا إليّ لتجلس بجانب فراشي
دخلت الغرفة المحاذیة فوجدت سلمى منطرحة على مقعد وقد غمرت رأسھا بزندیھا وأغرقت
وجھھا بالمساند وأمسكت أنفاسھا كیلا یسمع والدھا نحیبھا، فاقتربت منھا ببطء ولفظت اسمھا
بصوت أقرب إلى التنھد منھ إلى الھمس فاحتركت مضطربة ونظرت إلي بعینین شاخصتین
.جامدتین كأنھا رأت شبحاً في عالم الرؤیا ولا تصدق حقیقة وجودي في ذلك المكان
وبعد سكوت عمیق أرجعنا بتأثراتھ السحریة إلى تلك الساعات التي سكرنا فیھا من خمرة الآلھة
أرأیت كیف تبدلت الأیام؟ أرأیت كیف أضلنا "مسحت سلمى دموعاً بأطراف بنانھا وقالت متحسرة
الدھر فسرنا مسرعین إلى ھذه الكھوف المفزعة؟ في ھذا المكان جمعنا الربیع في قبضة الحب
وفي ھذا المكان یجعلنا الآن الشتاء أمام عرش الموت فما أبھى ذلك النھار وما أشد ظلمة ھذا
."اللیل
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:00 pm

قالت ھذه الكلمات وقد ابتلعت الغصات أواخرھا ثم عادت وسترت وجھھا بیدیھا كأن ذكرى
تعالي یا "الماضي قد تجسدت ووقفت أمامھا فلم تشأ أن تراھا، فوضعت یدي على شعرھا قائلاً
ھلمي نقف كالجنود أمام الأعداء متلقین شفار .سلمى تعالي ننتصب كالأبراج أمام الزوبعة
إن عذاب ...فإن صرعنا نموت كالشھداء وإن تغلبنا نعیش كالأبطال .السیوف بصدورنا لا بظھورنا
النفس بثبات أمام المصاعب والمتاعب لھو أشرف من تقھقرھا إلى حیث الأمن والطمأنینة
فالفراشة التي تظل مرفرفة حول السراج حتى تحترق ھي أسمى من الخلد الذي یعیش براحة
والنواة التي لا تحتمل برد الشتاء وثورات العناصر لا تقوى على شق .وسلامة في نفقھ المظلم
ھلمي نسیر یا سلمى بقدم ثابتة على ھذه الطریق الوعرة ...الأرض ولن تفرح بجمال نیسان
رافعین أعیننا نحو الشمس كیلا نرى الجماجم المطروحة بین الصخور، والأفاعي المنسابة بین
الأشواك، فإن أوقفنا الخوف في منتصف الطریق أسمعتنا أشباح اللیل صراخ الاستھزاء
.والسخریة، وإن بلغنا قمة الجبل بشجاعة فترنم معنا أرواح الفضاء بأنشودة النصر والاستظھار
خففي عنك یا سلمى وجففي دموعك واخفي ھذه الكآبة الظاھرة على محیاك وقومي نجلس بجانب
.فراش والدك لأن حیاتھ من حیاتك وشفاءه بابتسامتك
أتطلب مني الصبر والتجلد وفي "فنظرت إليّ نظرة ملؤھا الحنان والرأفة والانعطاف ثم قالت
عینیك معنى الیأس والقنوط؟ أیعطي الفقیر الجائع خبزه إلى الجائع الفقیر أو یصف العلیل دواء
."لعلیل آخر وھو أحرى بالدواء؟
.ثم وقفت وسارت أمامي منحنیة الرأس إلى غرفة والدھا
جلسنا أمام مضجع الشیخ العلیل وسلمى تتكلف الابتسام وھدوء البال وھو یتكلف الراحة والقوة،
فكانا مثل قوتین متضارعتین .وكل منھما شاعر بلوعة الآخر عالم بضعفھ سامع غصات قلبھ
تفنیان بعضھم بعضاً في السكینة، والد دنف یذوب ضنى لتعاسة ابنتھ وابنة محبة متوجعة بعلة
نفس راحلة ونفس یائسة تتعانقان أمام الحب والموت وأنا بینھما أتحمل ما بي وأقاسي ما .والدھا
بھما؛ ثلاثة جمعتھم ید القضاء ثم قبضت علیھم بشدة حتى سحقتھم؛ شیخ یمثل بیتاً قدیماً ھدمھ
الطوفان وصبیة تحاكي زنبقة قطع عنقھا حد المنجل، وفتى یشابھ غرسة ضعیفة لوت قامتھا
.الثلوج، وجمیعنا مثل ألعوبة بین أصابع الدھر
وتحرك الشیخ إذا ذاك بین اللحف ومد یده النحیلة نحو سلمى وبصوت أودعھ كل ما في قلب الأب
."ضعي یدك في یدي یا سلمى" :من الرقة والرأفة وكل ما في صدر العلیل من السقم والألم قال
قد .لقد شبعت من السنین یا ولدي"فمدت یدھا وألقتھا بین أصابعھ فضمھا بلطف ثم زاد قائلاً
قد لاحقت .عشت طویلاً وتلذذت بكل ما تثمره الفصول وتمتعت بكل ما تبرزه الأیام واللیالي
فقدت ...الفراش صبیاً وعانقت الحب فتىً وجمعت المال كھلاً وكنت في ھذه الأدوار سعیداً مغبوطاً
أمك یا سلمى قبل أن تبلغي الثالثة ولكنھا أبقتك لي كنزاً ثمیناً فكنت تنمین بسرعة نمو الھلال،
وتنعكس على وجھك ملامح أمك مثلما تنعكس أشعة النجوم في حوض ماء ھادئ، وتظھر أخلاقھا
ومزایاھا بأعمالك وأقوالك ظھور الحلي الذھبیة من وراء النقاب الرقیق، فتعزیت بك یا ولدي لأنك
والآن قد صرت شیخاً طاعناً وراحة الشیوخ بین أجنحة الموت ...كنت مثلھا جمیلة وحكیمة
إن .الناعمة، فتعزي یا ولدي لأنني بقیت لأراك امرأة كاملة وافرحي لأني سأبقى بك حیاً بعد موتي
ذھابي الآن مثل ذھابي غداً أو بعده، لأن أیامنا مثل أوراق الخریف تتساقط وتتبدد أمام وجھ
."..الشمس، فإن أسرعت بي إلى الأبدیة فلأنھا علمت بأن روحي قد اشتاقت إلى لقاء أمك
لفظ الكلمات الأخیرة بنغمة مفعمة بحلاوة الحنین والرجاء ولاحت على وجھھ المنقبض أشعة
ثم مد یده بین المساند المحیطة برأسھ وانتشل .شبیھة بذلك النور الذي ینبثق من أجفان الأطفال
صورة صغیرة قدیمة یمنطقھا إطار من الذھب قد نعمت حدوده ملامس الأیدي ومحت نقوشھ قبل
اقتربي یا سلمى اقتربي مني یا ولدي لأریك خیال "ثم قال بدون أن یحول عینیھ عن الرسم .
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:02 pm

."أمك، تعالي وانظري ظلھا على صفحة من الورق
فدنت سلمى ماسحة الدموع من مقلتیھا كیلا تحول بین ناظرھا والرسم الضئیل، وبعد أن أحدقت بھ
طویلاً كأنھ مرآة تعكس معانیھا وشكل وجھھا، قربتھ من شفتیھا وقبلتھ بلھفة مراراً متوالیة ثم
ولم تزد على ھذه الكلمة بل عادت ووضعت الرسم على "یا أماه، یا أماه، یا أماه"صرخت قائلة
.شفتیھا المرتعشتین كأنھا ترید أن تثبت فیھ الحیاة بأنفاسھا الحارة
كلمة صغیرة كبیرة (یا أمي)وأجمل مناداة ھي (الأم)إن أعذب ما تحدثھ الشفاه البشریة ھو لفظة
الأم ھي .مملوءة بالأمل والحب والانعطاف وكل ما في القلب البشري من الرقة والحلاوة والعذوبة
كل شيء في ھذه الحیاة، ھي التعزیة في الحزن، والرجاء في الیأس، والقوة في الضعف، ھي
ینبوع الحنو والرأفة والشفقة والغفران، فالذي یفقد أمھ یفقد صدراً یسند إلیھ رأسھ ویداً تباركھ
.وعیناً تحرسھ
كل شيء یرمز ویتكلم عن الأمومة فالشمس ھي أم ھذه الأرض ترضعھا حرارتھا وتحضنھا
بنورھا ولا تغادرھا عند المساء إلا بعد أن تنومھا على نغمات أمواج البحر وترنیمة العصافیر
والسواقي، وھذه الأرض ھي أم للأشجار والأزھار تلدھا وترضعھا ثم تفطمھا والأشجار والأزھار
وأم كل شيء في الكیان ھو الروح .تصیر بدورھا أمھات حنونات للأثمار الشھیة والبذور الحیة
.الكلیة الأزلیة الأبدیة المملوءة بالجمال والمحبة
وسلمى كرامة لم تكن تعرف أمھا لأنھا ماتت وھي طفلة وقد شھقت متأثرة عندما رأت رسمھا
أسرت إرادتھا لأن لفظة الأم تختبئ في قلوبنا مثلما تختبئ النواة في قلب "یا أماه"ونادتھا
الأرض وتنبثق من بین شفاھنا في ساعات الحزن والفرح كما یتصاعد العطر من قلب الوردة في
.الفضاء الصافي الممطر
كانت سلمى تحدق برسم أمھا ثم تقبلھ بلھفة ثم تلزه صدرھا الخفوق ثم تتأوه متنھدة ومع كل
تنھدة تفقد جزءاً من قواھا حتى إذا ماوھت الحیاة في جسدھا النحیل ھوت وسقطت بجانب سریر
قد أریتك یا ولدي شبح أمك على صفحة من الورق "فوضع كلتا یدیھ على رأسھا قائلاً .أبیھا
."فاصغي إلي لآسمعك أقوالھا
فرفعت سلمى رأسھا مثلما تفعل الفراخ في العش عندما تسمع حفیف أجنحة العصفورة بین
القضبان، ونظرت إلیھ مصغیة صاغرة كأن ذاتھا المعنویة قد استحالت إلى أعین محدقة وآذان
.واعیة
كنت طفلة رضیعة عندما فقدت أمك والدھا الشیخ فحزنت لفقده وبكت بكاء حكیم "فقال والدھا
متجلد ولكنھا لم تعد من جانب قبره حتى جلست بجانبي في ھذه الغرفة وأخذت یدي براحتیھا
إن القلب بعواطفھ المتشبعة .قد مات والدي یا فارس وأنت باقي لي وھذه ھي تعزیتي)وقالت
یماثل الأرزة بأغصانھا المتفرقة فإذا ما فقدت شجرة الأرز غصناً قویاً تتألم ولكنھا لا تموت بل
تحوّل قواھا الحیویة إلى الغصن المجاور لینمو ویتعالى ویملأ بفروعھ الغضة مكان الغصن
ھذا ما قالتھ والدتك یا سلمى عندما مات أبوھا وھذا ما یجب علیك أن تقولیھ عندما .(المقطوع
."یأخذ الموت جسدي إلى راحة القبر وروحي إلى ظل الله
فقدت أمي والدھا فبقیت أنت لھا فمن یبقى لي إذا فقدتك یا والدي؟ مات "فأجابت سلمى متفجعة
والدھا وھي في ظلال زوج محب فاضل أمین مات والدھا فبقیت لھا طفلة تغمر رأسھا الصغیر
بثدییھا وتطوق عنقھا بذراعیھا فمن یبقى لي إذا فقدتك یا والدي؟ أنت أبي وأمي ورفیق حداثتي
."ومھذب شبیبتي فبمن أستعیض إذا ما ذھبت عني؟
لیس لي غیر ھذا "قالت ھذا وحولت عینیھا الدامعتین نحوي وأمسكت بیمینھا طرف ثوبي وقالت
فھل أتعزى بھ وھو متعذب مثلي؟ ھل یتعزى .الصدیق یا والدي ولن یبقى لي سواه إذا ما تركتني
كسیر القلب بالقلب الكسیر؟ إن الحزینة لا تتصبر بحزن جارتھا كما أن الحمامة لا تطیر بأجنحة
ھو رفیق لنفسي ولكنني قد أثقلت
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:03 pm

ھو رفیق لنفسي ولكنني قد أثقلت عاتقھ بأشجاني حتى لویت ظھره وسملت عینیھ ..مكسورة
ھو أخ أحبھ ویحبني مثل جمیع الأخوة یشترك بالمصیبة ولا .بعبراتي فلم یعد یرى غیر الظلمة
."یخففھا ویساعد بالبكاء فیزید الدمع مرارة والقلب احتراقاً
كنت أسمع سلمى متكلمة وعواطفي تنمو وصدري یضیق حتى شعرت بأن أضلعي تكاد تتفجر
أما الشیخ فكان ینظر إلیھا وجسده المھزول یھبط ببطء بین الوسائد والمساند .حناجر وفوھات
دعیني أذھب "ثم بسط ذراعیھ وقال بھدوء .ونفسھ المتعبة ترتجف كشعلة السراج أمام الریح
دعیني أطیر فقد ..لقد لمحت عیناي ما وراء الغیوم فلن أحولھما نحو ھذه الكھوف .بسلام یا ولدي
ھا قد طاب الریح ..لقد نادتني أمك یا سلمى فلا توقفیني .كسرت بأجنحتي قضبان ھذا القفص
وتبدد الضباب عن وجھ البحر فرفعت السفینة شراعھا وتأھبت للمسیر فلا توقیفھا ولا تنزعي
دعي جسدي یرقد مع الذین رقدوا، ودعي روحي تستیقظ لأن الفجر قد لاح والحلم قد ..دفتھا
ولا تسكبي قطرة من مرارة الحزن على جسدي لئلا تمنع ..قبلیني قبلة رجاء وأمل ..انتھى
ولا تذرفي دموع الیأس على یدي لأنھا تنبت شوكاً ..الأعشاب والأزھار عن امتصاص عناصره
ولا ترسمي بزفرات الأسى سطراً على جبھتي لأن نسیم البحر یمر ویقرؤه فلا یجمل .على قبري
قد أحببتك بالحیاة یا ولدي وسوف أحبك بالموت فتظل ...غبار عظامي إلى المروج الخضراء
."روحي قریبة منك لتحمیك وترعاك
والتفت الشیخ إليّ وقد انطبقت أجفانھ قلیلاً فلم أعد أرى سوى خطین رمادیین مكان عینیھ ثم قال
كن قریباً منھا .أما أنت یا بني فكن أخاً لسلمى مثلما كان والدك لي"وسكینة الفناء تسترق ألفاظھ
ولا تدعھا تحزن لأن الحزن على الأموات غلطة .في ساعات الشدة وكن صدیقاً لھا حتى النھایة
بل أتل على مسمعیھا أحادیث الفرح وأنشدھا أغاني الحیاة فتسلوا .من غلطات الأجیال العابرة
سلھ فیخبرك عن مآتي أیامي عندما كان الشباب یحلق بنا الغیوم ..قل لأبیك أن یذكرني ..وتتناسى
."..فقل لھ إنني أحببتھ بشخص ابنھ في آخر ساعة من حیاتي ..
وسكت دقیقة وظلت أشباح ألفاظھ تدب على جدران الغرفة ثم عاد فنظر إلي وإلى سلمى بوقت
لا تدعوا طبیباً لیطیل بمساحیقھ ساعات سجني لأن أیام العبودیة قد مضت "واحد وقال ھمساً
لا تكفر عني "تعازیمھ"ولا تدعوا كاھناً إلى جانب فراشي لأن ...فطلبت روحي حریة الفضاء
إن إرادة البشر لا تغیر مشیئة الله ...ذنوبي إن كنت خاطئاً ولا تسرع بي إلى الجنة إن كنت باراً
أما بعد الموت فلیفعل الأطباء والكھان ما شاؤوا ...كما أن المنجمین لا یحولون مسیر النجوم
."..فاللجة تنادي اللجة أما السفینة فتظل سائرة حتى تبلغ الساحل
عندما انتصف اللیل المخیف فتح فارس كرامة عینیھ الغارقتین في ظلمة النزاع فتحھا لآخر مرة
وحولھما نحو ابنتھ الجاثیة بجانب مضجعھ، ثم حاول الكلام فلم یستطع لأن الموت كان قد
..وجاء الصباح ..ھا قد ذھب اللیل"تشرب صوتھ فخرجت ھذه الألفاظ لھاثاً عمیقاً من بین شفتیھ
."..سلمى ..یا ..یا سلمى
.ثم نكس رأسھ وابیضّ وجھھ وابتسمت شفتاه واسلم الروح
ومدت سلمى یدھا ولمست ید والدھا فوجدتھا باردة كالثلج فرفعت رأسھا ونظرت إلیھ فرأت وجھھ
مبرقعاً بنقاب الموت فجمدت الحیاة في جسدھا وجفت الدموع في محاجرھا فلم تتحرك ولم تصرخ
ولم تتأوه بل بقیت محدقة بھ بعینین جامدتین كعیني التمثال، ثم تراخت أعضاؤھا مثلما تتراخى
أشفق یا رب وشدد "طیات الثوب البلیل، وھبطت حتى لمست جبھتھا الأرض ثم قالت بھدوء
."جمیع الأجنحة المتكسرة
مات فارس كرامة وعانقت الأبدیة روحھ واسترجع التراب جسده واستولى منصور بك على أموالھ
.وظلت ابنتھ أسیرة تعاستھا ترى الحیاة مأساة تمثلھا المخاوف أمام عینیھا
أما أنا فكنت ضائعاً بین أحلامي وھواجسي، تتناوبني الأیام واللیالي مثلما تتناوب النسور
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:04 pm

لحم الفریسة، فكم حاولت أن أفقد ذاتي بین صفحات الكتب لعلني استأنس بخیالات الذین طواھم
الدھر، وكم جربت أن أنسى حاضري لأعود بقراءة الأسفار إلى مسارح الأجیال الغابرة فلم یجدني
كل ذلك نفعاً بل كنت كمن یحاول إخماد النار بالزیت، لأنني لم أكن أرى من مواكب سوى أشباحھا
السوداء ولا أسمع من أنغام الأمم غیر الندب والنواح، فسفر أیوب كان عندي أجمل من مزامیر
داود، ومراثي أرمیا كان أحب لدي من نشید سلیمان ونكبة البرامكة أشد وقعاً في نفسي من عظمة
العباسیین وقصیدة ابن زریق تأثیراً من رباعیات الخیام وروایة ھملت أقرب إلى قلبي من كل ما
.كتبھ الإفرنج
كذا یضعف القنوط بصیرتنا فلا نرى غیر أشباحنا الرھیبة وھكذا یصم الیأس آذاننا فلا نسمع غیر
.طرقات قلوبنا المضطربة
بین عشتروت والمسیح -
بین تلك البساتین والتلول التي تصل أطراف بیروت بأذیال لبنان یوجد معبد صغیر قدیم محفور في
قلب صخرة بیضاء قائمة بین أشجار الزیتون واللوز والصفصاف ومع أن ھذا المعبد لا یبعد أكثر
من نصف میل عن طریق المركبات فقد قل من عرفھ من محبي الآثار والخرائب القدیمة، فكأن
الإھمال قد أبقاه محجوباً عن عیون الآثریین لیجعلھ خلوة لنفوس المتعبین ومزاراً للمحبین
.والمستوحشین
والداخل إلى ھذا المعبد العجیب یرى على الجدار الشرقي منھ صورة فینیقیة الشواھد والبیئات
وھي تمثل .محفورة في الصخر قد محت أصابع الدھر بعض خطوطھا ولونت الفصول معالمھا
عذارى عاریات واقفات 7عشتروت ربة الحب والجمال جالسة على عرش فخم ومن حولھا
بھیئات مختلفة، فالواحدة منھن تحمل مشعالاً والثانیة قیثارة والثالثة مبخرة والرابعة جرة من
الخمر والخامسة غصناً من الورد والسادسة إكلیلاً من الغار والسابعة قوساً وسھاماً وجمیعھن
.ناظرات إلى عشتروت وعلى وجوھھن سیماء الخضوع والامتثال
وعلى الجدار الثاني صورة أخرى أحدث عھداً وأكثر ظھوراً تمثل یسوع الناصري مصلوباً وإلى
وھذه الصورة البیزنطیة الأسلوب .جانبھ أمھ الحزینة مریم المجدلیة وامرأتان ثانیتان تنتحبان
.والقرائن تدل على كونھا حفرت في القرن الخامس أو السادس للمسیح
وفي الجدار الغربي كوتان مستدیرتان یدخل منھما شعاع الشمس عند أصیل النھار وینسكب على
.الصورتین كأنھما طلیتا بماء الذھب
وفي وسط المعبد حجر من الرخام مربع الشكل على جوانبھ نقوش ووسامات قدیمة الطراز قد
انحجب بعضھا تحت كتلات متحجرة من الدماء تدل على أن الأقدمین كانوا ینحرون ذبائحھم على
.ھذا الحجر ویصبون فوقھ قرابین الخمر والعطر والزیت
ولم یكن في ھذا المعبد الصغیر شيء آخر سوى سكینة عمیقة تعانق النفس وھیبة سحریة تبیح
بتموجاتھا أسرار الآلھة وتتكلم بلا نطق عن مآتي الأجیال الغابرة ومسیر الشعوب من حالة إلى
وتستمیل الشاعر إلى عالم بعید عن ھذا العالم وتقنع الفیلسوف بأن .حالة ومن دین إلى دین
الإنسان مخلوق دیّن یشعر بما لا یراه ویتخیل ما لا تقع علیھ حواسھ فیرسم لشعوره رموزاً تدل
بمعانیھا على خفایا نفسھ ویجسم خیالھ بالكلام والأنغام والصور والتماثیل التي تظھر بأشكالھا
.أقداس أمیالھ في الحیاة وأجمل مشتھیاتھ بعد الموت
في ھذا الھیكل المجھول كنت ألتقي بسلمى كرامة مرة في الشھر فنصرف الساعات الطوال
ناظرین
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:05 pm

ناظرین إلى الصورتین الغریبتین مفكرین بفتى الأجیال المصلوب فوق الجلجلة، مستحضرین إلى
مخیلتینا أشباح الفتیان والصبایا الفینیقیین الذین عاشوا وعشقوا وعبدوا الجمال بشخص
عشتروت فحرقوا البخور أمام تماثیلھا وھرقوا الطیوب على مذابحھا ثم طوتھم الأرض فلم یبقى
.منھم سوى اسم تردده الأیام أمام وجھ الأبدیة
كم یصعب عليّ الآن أن أدوّن بالكلام ذكرى تلك الساعات التي كانت تجمعني بسلمى تلك
الساعات العلویة المكتنفة باللذة والألم والفرح والحزن والأمل والیأس وكل ما یجعل الإنسان
ولكن كم یصعب عليّ أن أذكرھا ولأرسم بالكلام الضئیل خیالاً من .إنساناً والحیاة لغزاً أبدیاً
.خیالاتھا لیبقى مثلاً لأبناء الحب والكآبة
كنا نختلي في ذلك الھیكل القدیم فنجلس في بابھ ساندین ظھرینا إلى جداره مرددین صدى ماضینا
ثم نتدرج إلى إظھار ما في أعماق نفسینا فیشكو كل .مستقصیین مآتي حاضرنا خائفین مستقبلنا
منا لوعتھ وحرقة قلبھ وما یقاسیھ من الجزع والحسرة، ثم یصبّر واحدنا الآخر باسطاً أمامھ كل
ما في جیوب الأمل من الأوھام المفرحة والأحلام العذبة فیھدأ روعنا وتجف دموعنا وتنفرج
ملامحنا ثم نبتسم متناسیین كل شيء سوى الحب وأفراحھ منصرفین عن كل أمر إلا النفس
ثم تقبل سلمى مفرق شعري بطھر وانعطاف فتملأ قلبي .ثم نتعانق فنذوب شغفاً وھیاماً .وأمیالھا
شعاعاً وأقبل أطراف أصابعھا البیضاء فتغمض عینیھا وتلوي عنقھا العاجي وتتورد وجنتاھا
ثم نسكت وننظر طویلاً نحو .باحمرار لطیف یشابھ الأشعة الأولى یلقیھا الفجر على جباه الروابي
.الشفق البعید حیث الغیوم المتلونة بأنوار المغرب البرتقالیة
ولم تكن اجتماعاتنا مقتصرة على مبادلة العواطف وبث الشكوى بل كنا ننتقل على غیر معرفة بنا
إلى العمومیات فنتبادل الآراء والأفكار في شؤون ھذا العالم الغریب ونتباحث في مرامي الكتب
التي كنا نقرؤھا ذاكرین حسناتھا وسیئاتھا وما تنطوي علیھ من الصور الخیالیة والمبادئ
الاجتماعیة، فتتكلم سلمى عن منزلة المرأة في الجامعة البشریة وعن تأثیر الأجیال الغابرة على
أخلاقھا ومیولھا وعن العلاقة الزوجیة في أیامنا ھذه وما یحیط بھا من الأمراض والمفاسد وإني
إن الكتّاب والشعراء یحاولون إدراك حقیقة المرأة ولكنھم للآن لم یفھموا أسرار "أذكر قولھا مرة
قلبھا ومخبآت صدرھا لأنھم ینظرون إلیھا من وراء نقاب الشھوات فلا یرون غیر خطوط جسدھا
."أو یضعونھا تحت مكبرات الكره فلا یجدون فیھا غیر الضعف والاستسلام
في قلب "وقولھا لي مرة أخرى وقد أشارت بیدھا إلى الرسمین المحفورین على جدران الھیكل
ھذه الصخرة قد نقشت الأجیال رمزین یظھران خلاصة أمیال المرأة ویستجلیان غوامض نفسھا
المتراوحة بین الحب والحزن بین الانعطاف والتضحیة بین عشتروت الجالسة على العرش
إن الرجل یشتري المجد والعظمة والشھرة ولكن ھي المرأة التي .ومریم الواقفة أمام الصلیب
."تدفع الثمن
ولم یدر باجتماعاتنا السریة أحد سوى الله وأسراب العصافیر المتطایرة بین تلك البساتین، فسلمى
كانت تجيء بمركبتھا إلى المكان المدعو بحدیقة الباشا ثم تسیر الھوینى على الممرات المنفردة
حتى تبلغ المعبد الصغیر فتدخلھ مستندة على مظلتھا وعلى وجھھا لوائح الأمن والطمأنینة
.فتجدني منتظراً مترقباً مشتاقاً بكل ما في الشوق من الجوع والعطش
ولم نخف قط عین الرقیب ولا شعرنا بوخز الضمیر لأن النفس إذا تطھرت بالنار واغتسلت
بالدموع تترفع عما یدعوه الناس عیباً وعاراً وتتحرر من عبودیة الشرائع والنوامیس التي سنتھا
.التقالید لعواطف القلب البشري وتقف برأس مرفوع أمام عروس الآلھة
إن الجامعة البشریة قد استسلمت سبعین قرناً إلى الشرائع الفاسدة فلم تعد قادرة على إدراك
معاني النوامیس العلویة الأولیة الخالدة، قد تعودت بصیرة الإنسان النظر إلى ضوء الشموع
لقد توارثت الأجیال الأمراض والعاھات النفسیة .الضئیلة فلم تعد تستطیع أن تحدق بنور
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 9:06 pm

بعضھا عن بعض حتى أصبحت عمومیة بل صارت من الصفات الملازمة للإنسان فلم یعد الناس
ینظرون إلیھا كعاھات وأمراض بل یعتبرونھا كخلال طبیعیة نبیلة أنزلھا الله على آدم فإذا ما ظھر
.بینھم فرد خال منھا ظنوه ناقصاً محروماً من الكمالات الروحیة
أما الذین سیعیبون سلمى كرامة محاولین تلویث اسمھا لأنھا كانت تترك منزل زوجھا الشرعي
لتختلي برجل آخر فھم السقماء الضعفاء الذین یحسبون الأصحاء مجرمین وكبار النفوس متمردین
بل ھم كالحشرات التي تدب في الظلمة وتخشى الخروج إلى نور النھار كیلا تدوسھا أقدام .
.العابرین
إن السجین المظلوم الذي یستطیع أن یھدم جدران سجنھ ولا یفعل یكون جباناً وسلمى كرامة كانت
سجینة مظلومة ولم تستطع الانعتاق فھل تلام لأنھا كانت تنظر من وراء نافذة السجن إلى الحقول
الخضراء والفضاء الوسیع، ھل یحسبھا الناس خائنة لأنھا كانت تجيء من منزل منصور بك
غالب لتجلس بجانبي بین عشتروت المقدسة والجبار المصلوب؟ لیقل الناس ما شاؤوا فسلمى قد
اجتازت المستنقعات التي تغمر أرواحھم الذئاب وبلغت ذلك العالم الذي لا یبلغھ عوي الذئاب
ولیقل الناس ما أرادوا عني فالنفس التي شاھدت وجھ الموت لا تذعرھا وجوه .وفحیح الأفاعي
اللصوص، والجندي الذي رأى السیوف محتبكة فوق رأسھ وسواقي الدماء تحت قدمیھ لا یحفل
.بالحجارة التي یرشقھ بھا صبیان الأزقة
التضحیة -
ففي یوم من أواخر حزیران وقد ثقلت وطأة الحر في السواحل وطلب الناس أعالي الجبال سرت
كعادتي نحو ذلك المعبد واعداً نفسي بلقاء سلمى حاملاً بیدي كتاباً صغیراً من الموشحات الأندلسیة
.التي كانت في ذلك العھد ولم تزل إلى الآن تستمیل روحي
بلغت المعبد عند الأصیل فجلست أرقب الطریق المناسبة بین أشجار اللیمون والصفصاف، وأنظر
من وقت إلى آخر إلى وجھ كتابي ھامساً في مسامع الأثیر أبیات الموشحات التي تستھوي القلب
برشاقة تراكیبھا ورنة أوزانھا وتعید إلى النفس ذكرى أمجاد الملوك والشعراء والفرسان الذین
ودعوا غرناطة وقرطبة وأشبیلیة تاركین في قصورھا ومعاھدھا وحدائقھا كل ما في أرواحھم من
.الآمال والأمیال ثم تواروا وراء حجب الدھر والدمع في أجفانھم والحسرة في أكبادھم
وبعد ساعة التفت فإذا بسلمى تمیس بقدھا النحیل بین الأشجار المحتبكة وتقترب نحوي مستندة
على مظلتھا كأنھا تحمل كل ما في العالم من الھموم والمتاعب ولما بلغت باب الھیكل وجلست
بقربي نظرت إلى عینیھا الكبیرتین فرأیت فیھما معاني وأسراراً جدیدة غریبة توحي التحذر
.والانتباه وتثیر حب الاستطلاع والاستقصاء
وشعرت سلمى بما یجول في خاطري فلم تشأ أن یطول الصراع بین ظنوني وھواجسي فوضعت
اقترب مني، اقترب مني یا حبیبي اقترب ودعني أزود نفسي منك فقد "یدھا على شعري وقالت
."دنت الساعة التي تفرقنا إلى الأبد
.ماذا تقولین یا سلمى وأیة قوة تستطیع أن تفرقنا إلى الأبد؟"فصرخت قائلاً
القوة الخرساء التي تتخذ الشریعة .إن القوة العمیاء التي فرقتنا بالأمس ستفرقنا الیوم"فأجابت
.البشریة ترجماناً عنھا قد بنت بأیدي عبید الحیاة حاجزاً منیعاً بیني وبینك
القوة التي أوجدت الشیاطین وأقامتھم أولیاء على أرواح الناس قد حتمت عليّ، أن لا أخرج من
."ذلك المنزل المبني من العظام والجماجم
."
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

السابقالتالي

العودة إلى منتدى الشعر والنثر والأدب

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 8 زائر/زوار

cron