• اخر المشاركات

مجموغة رائعة من أعمال الأديب العالمي جبران خليل جبران

كلمات ليست ككل الكلمات ... كلمات تنساب عبر الروح

المشرف: إدارة الموقع

مجموغة رائعة من أعمال الأديب العالمي جبران خليل جبران

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:34 pm

صورة

سيرة ذاتية



قليلون جدا من لم يسمعوا بـ "جبران" حول العالم، والأقل منهم من لم يسمعوا بكتاب "النبي". وهذا الكتاب يختصر بالفعل فلسفة جبران ونظرته إلى الكون والحياة. وقد ترجم إلى لغات العالم الحية كلها، وكانتآخرها اللغة الصينية ( هذا العام)، وقد حققت مبيعاته أرقاما قياسية بالنسبة إلى سواه من الكتب المترجمة إلى تلك اللغة.
صحيح ان معظم كتب جبران وضعت بالإنكليزية، وهذا ما ساعد كثيرا على انتشارها، ولكن جبران كتب ورسم و "فلسف" الأمور بروح مشرقية أصيلة لا غبار عليها، سوى غبار المزج بين ثقافات متعددة وعجنها ثم رقها وخبزها على نار الطموح إلى مجتمع أفضل وحياة أرقى وعلاقات بين البشر تسودها السعادة المطلقة التي لم يتمتع بها جبران نفسه. وكأن قدر كل عظماء العالم من فلاسفة ومفكرين ان يعانوا الآلام النفسية والجسدية في سبيلبلوغ الغاية القصوى واكتشاف أسرار الحياة والمعرفة.
ولد هذا الفيلسوف والأديب والشاعر والرسام من أسرة صغيرة فقيرة في بلدة بشري في 6 كانون الثاني 1883. كان والده خليل جبران الزوج الثالث لوالدته كميلة رحمة التي كان لها ابن اسمه بطرس من زواج سابق ثم أنجبت جبران وشقيقتيه مريانا وسلطانة .
كان والد جبران راعيا للماشية، ولكنه صرف معظم وقته في السكر ولم يهتم بأسرته التي كان على زوجته كميلة، وهي من عائلة محترمة وذات خلفية دينية، ان تعتني بها ماديا ومعنويا وعاطفيا. ولذلك لم يرسل جبران إلى المدرسة، بل كان يذهب من حين إلى آخر إلى كاهن البلدة الذي سرعان ما أدرك جديته وذكاءه فانفق الساعات في تعليمه الأبجدية والقراءة والكتابة مما فتح أمامه مجال المطالعة والتعرف إلى التاريخ والعلوم والآداب.
وفي العاشرة من عمره وقع جبران عن إحدى صخور وادي قاديشا وأصيب بكسر في كتفه اليسرى ، عانى منه طوال حياته.
لم يكف العائلة ما كانت تعانيه من فقر وعدم مبالاة من الوالد، حتى جاء الجنود العثمانيون يوم (1890) والقوا اقبض عليه أودعوه السجن، وباعوا منزلهم الوحيد، فاضطرت العائلة إلى النزول عند بعض الأقرباء. ولكن الوالدة قررت ان الحل الوحيد لمشاكل العائلة هو الهجرة إلى الولايات المتحدة سعيا وراء حياة أفضل.
عام 1894 خرج خليل جبران من السجن، وكان محتارا في شأن الهجرة، ولكن الوالدة كانت قد حزمت أمرها، فسافرت العائلة تاركة الوالد وراءها. ووصلوا إلى نيويورك في 25 حزيران 1895 ومنها انتقلوا إلى مدينة بوسطن حيث كانت تسكن اكبر جالية لبنانية في الولايات المتحدة. وبذلك لم تشعر الوالدة بالغربة، بل كانت تتكلم اللغة العربية مع جيرانها، وتقاسمهم عاداتهم اللبنانية التي احتفظوا بها.
اهتمت الجمعيات الخيرية بإدخال جبران إلى المدرسة، في حين قضت التقاليد بأن تبقى شقيقتاه في المنزل، في حين بدأت الوالدة تعمل كبائعة متجولة في شوارع بوسطن على غرار الكثيرين من أبناء الجالية. وقد حصل خطأ في تسجيل اسم جبران في المدرسة وأعطي اسم والده، وبذلك عرف في الولايات المتحدة باسم "خليل جبران". وقد حاول جبران عدة مرات تصحيح هذا الخطأ فيما بعد إلا انه فشل.
بدأت أحوال العائلة تتحسن ماديا، وعندما جمعت الأم مبلغا كافيا من المال أعطته لابنها بطرس الذي يكبر جبران بست سنوات وفتحت العائلة محلا تجاريا. وكان معلمو جبران في ذلك الوقت يكتشفون مواهبه الأصيلة في الرسم ويعجبون بها إلى حدان مدير المدرسة استدعى الرسام الشهير هولاند داي لإعطاء دروس خاصة لجبران مما فتح أمامه أبواب المعرفة الفنية وزيارة المعارض والاختلاط مع بيئة اجتماعية مختلفة تماما عما عرفه في السابق.
كان لداي فضل اطلاع جبران على الميثولوجيا اليونانية، الأدب العالمي وفنون الكتابة المعاصرة والتصوير الفوتوغرافي، ولكنه شدد دائما على ان جبران يجب ان يختبر كل تلك الفنون لكي يخلص إلى نهج وأسلوب خاصين به. وقد ساعده على بيع بعض إنتاجه من إحدى دور النشر كغلافات للكتب التي كانت تطبعها. وقد بدا واضحا انه قد اختط لنفسه أسلوبا وتقنية خاصين به، وبدأ يحظى بالشهرة في أوساط بوسطن الأدبية والفنية. ولكن العائلة قررت ان الشهرة المبكرة ستعود عليه بالضرر، وانه لا بد ان يعود إلى لبنان لمتابعة دراسته وخصوصا من أجل إتقان اللغة العربية.
وصل جبران إلى بيروت عام 1898 وهو يتكلم لغة إنكليزية ضعيفة، ويكاد ينسى العربية أيضا.
والتحق بمدرسة الحكمة التي كانت تعطي دروسا خاصة في اللغة العربية. ولكن المنهج الذي كانت تتبعه لم يعجب جبران فطلب من إدارة المدرسة ان تعدله ليتناسب مع حاجاته. وقد لفت ذلك نظر المسؤولين عن المدرسة، لما فيه من حجة وبعد نظر وجرأة لم يشهدوها لدى أي تلميذ آخر سابقا. وكان لجبران ما أراد، ولم يخيب أمل أساتذته إذ اعجبوا بسرعة تلقيه وثقته بنفسه وروحه المتمردة على كل قديم وضعيف وبال.
تعرف جبران على يوسف الحويك واصدرا معا مجلة "المنارة" وكانا يحررانها سوية فيما وضع جبران رسومها وحده. وبقيا يعملان معا بها حتى أنهى جبران دروسه بتفوق واضح في العربية والفرنسية والشعر (1902). وقد وصلته أخبار عن مرض أفراد عائلته، فيما كانت علاقته مع والده تنتقل من سيء إلى أسوأ فغادر لبنان عائدا إلى بوسطن، ولكنه لسوء حظه وصل بعد وفاة شقيقته سلطانة. وخلال بضعة اشهر كانت أمه تدخل المستشفى لإجراء عملية جراحية لاستئصال بعض الخلايا السرطانية. فيما قرر شقيقه بطرس ترك المحل التجاري والسفر إلى كوبا. وهكذا كان على جبران ان يهتم بشؤون العائلة المادية والصحية. ولكن المآسي تتابعت بأسرع مما يمكن احتماله. فما لبث بطرس ان عاد من كوبا مصابا بمرض قاتل وقضى نحبه بعد أيام قليلة (12 آذار 1903) فيما فشلت العملية الجراحية التي أجرتها الوالدة في استئصال المرض وقضت نحبها في 28 حزيران من السنة نفسها.
إضافة إلى كل ذلك كان جبران يعيش أزمة من نوع آخر، فهو كان راغبا في إتقان الكتابةباللغة الإنكليزية، لأنها تفتح أمامه مجالا ارحب كثيرا من مجرد الكتابة في جريدة تصدر بالعربية في أميركا ( كالمهاجر9 ولا يقرأها سوى عدد قليل من الناس. ولكن انكليزيته كانت ضعيفة جدا. ولم يعرف ماذا يفعل، فكان يترك البيت ويهيم على وجهه هربا من صورة الموت والعذاب. وزاد من عذابه ان الفتاة الجميلة التي كانت تربطه بها صلة عاطفية، وكانا على وشك الزواج في ذلك الحين (جوزيفين بيبادي)، عجزت عن مساعدته عمليا، فقد كانت تكتفي بنقد كتاباته الإنكليزية ثم تتركه ليحاول إيجاد حل لوحده. في حين ان صديقه الآخر الرسام هولاند داي لم يكن قادرا على مساعدته في المجال الأدبي كما ساعده في المجال الفني.
وأخيرا قدمته جوزفين إلى امرأة من معارفها اسمها ماري هاسكل (1904)، فخطّت بذلك صفحات مرحلة جديدة من حياة جبران.
كانت ماري هاسكل امرأة مستقلة في حياتها الشخصية وتكبر جبران بعشر سنوات، وقد لعبت دورا هاما في حياته منذ ان التقيا. فقد لاحظت ان جبران لا يحاول الكتابة بالإنكليزية، بل يكتب بالعربية أولا ثم يترجم ذلك. فنصحته وشجعته كثيرا على الكتابة بالإنكليزية مباشرة. وهكذا راح جبران ينشر كتاباته العربية في الصحف أولا ثم يجمعها ويصدرها بشكل كتب ، ويتدرب في الوقت نفسه على الكتابة مباشرة بالإنكليزية.
عام 1908 غادر جبران إلى باريس لدراسة الفنون وهناك التقى مجددا بزميله في الدراسة في بيروت يوسف الحويك. ومكث في باريس ما يقارب السنتين ثم عاد إلى أميركا بعد زيارة قصيرة للندن برفقة الكاتب أمين الريحاني.
وصل جبران إلى بوسطن في كانون الأول عام 1910، حيث اقترح على ماري هاسكل الزواج والانتقال إلى نيويورك هربا من محيط الجالية اللبنانية هناك والتماسا لمجال فكري وأدبي وفني أرحب. ولكن ماري رفضت الزواج منه بسبب فارق السن، وان كانت قد وعدت بالحفاظ علىالصداقة بينهما ورعاية شقيقته مريانا العزباء وغير المثقفة.
وهكذا انتقل جبران إلى نيويورك ولم يغادرها حتى وفاته . وهناك عرف نوعا من الاستقرار مكنه من الانصراف إلى أعماله الأدبية والفنية فقام برسم العديد من اللوحات لكبار المشاهير مثل رودان وساره برنار وغوستاف يانغ وسواهم.
سنة 1923 نشر كتاب جبران باللغة الإنكليزية، وطبع ست مرات قبل نهاية ذلك العام ثم ترجم فورا إلى عدد من اللغات الأجنبية، ويحظى إلى اليوم بشهرة قل نظيرها بين الكتب.
بقي جبران على علاقة وطيدة مع ماري هاسكال، فيما كان يراسل أيضا الأديبة مي زيادة التي أرسلت له عام 1912 رسالة معربة عن إعجابها بكتابه " الأجنحة المتكسرة". وقد دامت مراسلتهما حتى وفاته رغم انهما لم يلتقيا أبدا.
توفي جبران في 10 نيسان 1931 في إحدى مستشفيات نيويورك وهو في الثامنة والأربعين بعد أصابته بمرض السرطان. وقد نقلت شقيقته مريانا وماري هاسكل جثمانه إلى بلدته بشري في شهر تموز من العام نفسه حيث استقبله الأهالي. ثم عملت المرأتان على مفاوضة الراهبات الكرمليات واشترتا منهما دير مار سركيس الذي نقل إليه جثمان جبران، وما يزال إلى الآن متحفا ومقصدا للزائرين.


مؤلفات حبران خليل جبران
هذه لائحة بأشهر كتب جبران وتاريخ نشر كل منها للمرة الأولى:
بالعربية:
الأرواح المتمردة 1908
الأجنحة المتكسرة 1912
دمعة وابتسامة 1914
المواكب 1918

بالإنكليزية:
المجنون 1918
السابق 1920
النبي 1923
رمل وزبد 1926
يسوع ابن الإنسان 1928
آلهة الأرض 1931
التائه 1932
حديقة النبي 1933


1
توطئة
كنت في الثامنة عشرة من عمري عندما فتح الحب عینيَّ بأشعتھ السحریة، ولمس نفسي لأول
وكانت سلمى كرامة المرأة الأولى التي أیقظت روحي لمحاسنھا، ومشت .مرة بأصابعھ الناریة
.أمامي إلى جنة العواطف العلویة حیث تمر الأیام كالأحلام وتنقضي اللیالي كالأعراس
سلمى كرامة ھي التي علمتني عبادة الجمال بجمالھا، وأرتني خفایا الحب بانعطافھا، وھي التي
.أنشدت على مسمعي أول بیت من قصیدة الحیاة المعنویة
أي فتى لا یذكر الصبیة الأولى التي أبدلت غفلة شبیبتھ بیقظة ھائلة بلطفھا، جارحة بعذوبتھا،
فتاكة بحلاوتھا؟ من منا لا یذوب حنیناً إلى تلك الساعة الغریبة التي إذا انتبھ فیھا فجأة رأى كلیتھ
قد انقلبت وتحولت، وأعماقھ قد اتسعت وانبسطت وتبطنت بانفعالات لذیذة بطل ما فیھا من مرارة
.الكتمان، مستحبة بكل ما یكتنفھا من الدموع والشوق والسھاد
وتجعل لانفراده معنى شعریاً وتبدل وحشة .لكل فتى سلمى تظھر على حین غفلة في ربیع حیاتھ
.أیامھ بالأنس، وسكینة لیالیھ بالأنغام
كنت حائراً بین تأثیرات الطبیعة وموحیات الكتب والأسفار عندما سمعت الحب یھمس بشفتي
سلمى في آذان نفسي، وكانت حیاتي خالیة مقفرة باردة شبیھة بسبات آدم في الفردوس عندما
رأیت سلمى منتصبة أمامي كعمود النور، فسلمى كرامة ھي حواء ھذا القلب المملوء بالأسرار
حواء الأولى .والعجائب، ھي التي أفھمتھ كنھ ھذا الوجود وأوقفتھ كالمرآة أمام ھذه الأشباح
أخرجت آدم من الفردوس بإرادتھا وانقیاده، أما سلمى فأدخلتني إلى جنة الحب والطھر بحلاوتھا
واستعدادي، ولكن ما أصاب الإنسان الأول قد أصابني، والسیف الناري الذي طرده من الفردوس
ھو كالسیف الذي أخافني بلمعان حده، وأبعدني كرھاً عن جنة المحبة قبل أن أخالف وصیة،
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:35 pm

.أن أذوق طعم ثمار الخیر والشر
والیوم، وقد مرت الأعوام المظلمة طامسة بأقدامھا رسوم تلك الأیام، لم یبقى لي من ذلك الحلم
الجمیل سوى ذكریات موجعة ترفرف كالأجنحة غیر المنظرة حول رأسي، مثیرة تنھدات الأسى في
وسلمى سلمى الجمیلة العذبة قد ..أعماق صدري، مستقطرة دموع الیأس والأسف من أجفاني
ذھبت إلى ما وراء الشفق الأزرق ولم یبق من آثارھا في ھذا العالم سوى غصات ألیمة في قلبي،
فذلك القبر وھذا القلب ھما كل ما بقي لیحدث الوجود .وقبر رخام منتصب في ظلال أشجار السرو
لك السر المصون الذي أخفتھ 1غیر أن السكینة التي تخفر القبور لا تفشي .عن سلمى كرامة
الآلھة في ظلمات التابوت، والأغصان التي امتصت عناصر الجسد لا تبیح بحفیفھا مكنونات
الحفرة، أما غصات وأوجاع ھذا القلب فھي التي تتكلم وھي التي تنسكب الآن مع قطرات الحبر
.السوداء معلنة للنور أشباح تلك المأساة التي مثلھا الحب والجمال والموت
فیا أصدقاء شبیبتي المنتشرین في بیروت، إذا مررتم بتلك المقبرة القریبة من غابة الصنوبر
ادخلوھا صامتین، وسیروا ببطء كیلا تزعج أقدامكم رفات الراقدین تحت أطباق الثرى، وقفوا
ثم اذكروني بتنھدة قائلین في نفوسكم .متھیبین بجانب قبر سلمى وحیوا التراب الذي ضم جثمانھا
ھھنا دفنت آمال ذلك الفتى الذي نفتھ صروف الدھر إلى ما وراء البحار، وھھنا توارت أمانیھ :
وانزوت أفراحھ وغادرت دموعھ واضمحلت ابتساماتھ، وبین ھذه المدافن الخرساء تنمو كآبتھ مع
وفوق ھذا القبر ترفرف روحھ كل لیلة مستأنسة بالذكرى، مرددة مع .أشجار السرو والصفصاف
أشباح الوحشة ندابات الحزن والأسى، نائحة مع الغصون على صبیة كانت بالأمس نغمة شجیة
.بین شفتي الحیاة فأصبحت الیوم سراً صامتاً في صدر الأرض
أستحلفكم یا رفاق الصبا بالنساء اللواتي أحبتھن قلوبكم أن تضعوا أكالیل الأزھار على قبر المرأة
التي أحبھا قلبي فرب زھرة تلقونھا على ضریح منسي تكون كقطرة الندى التي تسكبھا أجفان
.الصباح بین أوراق الورود الذابلة
الكآبة الخرساء -
أنتم أیھا الناس تذكرون فجر الشبیبة فرحین باسترجاع رسومھ، متأسفین على انقضائھ، أما
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:37 pm

أنتم تدعون تلك السنین التي تجيء .فأذكره مثلما یذكر الحر المعتوق جدران سجنھ وثقل قیوده
بین الطفولة والشباب عھداً ذھبیاً یھزأ بمتاعب الدھر وھواجسھ ویطیر مرفرفاً فوق رؤوس
المشاعل والھموم مثلما تجتاز النحلة فوق المستنقعات الخبیثة، سائرة نحو البساتین المزھرة، أما
أنا فلا أستطیع أن أدعو سني الصبا سوى عھد آلام خفیة خرساء كانت تقطن قلبي وتثور
كالعواصف في جوانبھ، وتتكاثر نامیة بنموه ولم تجد منفذاً تنصرف منھ إلى عالم المعرفة حتى
دخل إلیھ الحب وفتح أبوابھ وأنار زوایاه، فالحب قد عتق لساني فتكلمت ومزق أجفاني فبكیت
.وفتح حنجرتي فتنھدت وشكوت
أنتم أیھا الناس تذكرون الحقول والبساتین والساحات وجوانب الشوارع التي رأت ألعابكم وسمعت
ھمس طھركم، وأنا أیضاً أذكر تلك البقیة الجمیلة من شمال لبنان، فما أغمضت عینيّ عن ھذا
المحیط إلا ورأیت تلك الأودیة المملوءة سحراً وھیبة، وتلك الجبال المتعالیة بالمجد والعظمة نحو
العلاء، ولا صممت أذني عن ضجة ھذا الاجتماع إلا وسمعت خریر تلك السواقي وحفیف تلك
ولكن ھذه المحاسن التي أذكرھا الآن وأشوق إلیھا شوق الرضیع إلى ذراعي أمھ ھي ,الغصون
التي كانت تعذب روحي المسجونة في ظلمة الحداثة مثلما یتعذب البازي بین قضبان قفصھ عندما
یرى أسراب البزاة تسبح حرة في الخلاء الوسیع وھي التي كانت تملأ صدري بأوجاع التأمل
ومرارة التفكیر، وتنسج بأصابع الحیرة والالتباس نقاباً من الیأس والقنوط حول قلبي فلم أذھب
ولا نظرت مساء إلى الغیوم المتلونة بأشعة .إلى البریة إلا وعدت منھا كئیباً جاھلاً أسباب الكآبة
الشمس إلا وشعرت بانقباض متلف ینمو لجھلي معاني الانقباض، ولا سمعت تغریدة الشحرور أو
.أغنیة الغدیر إلا وقفت حزیناً لجھلي موجبات الحزن
یقولون إن الغباوة مھد الخلود والخلود مرقد الراحة وقد یكون ذلك صحیحاً عند الذین یولدون
أمواتاً ویعیشون كالأجساد الھامدة الباردة فوق التراب، ولكن إذا كانت الغباوة العمیاء قاطنة في
والصبي الحساس .جوار العواطف المستیقظة تكون الغباوة أقصى من الھاویة وأمر من الموت
الذي یشعر كثیراً ویعرف قلیلاً ھو أتعس المخلوقات أمام وجھ الشمس لأن نفسھ تظل واقفة بین
قوة خفیة تحلق بھ السحاب وتریھ محاسن الكائنات من وراء ضباب :قوتین ھائلتین متباینتین
.الأحلام، وقوة ظاھرة تقیده بالأرض وتغمر بصیرتھ بالغبار وتتركھ ضائعاً خائفاً في ظلمة حالكة
فالوحدة حلیفة .للكآبة آیاد حریریة الملامس، قویة الأعصاب تقبض على القلوب وتؤلمھا بالوحدة
ونفس الصبي المنتصبة أمام عوامل الوحدة وتأثیرات .الكآبة كما أنھا ألیفة كل حركة روحیة
الكآبة شبیھة بالزنبقة البیضاء عند خروجھا من الكمام ترتعش أمام النسیم، وتفتح قلبھا لأشعة
الفجر وتضم أوراقھا بمرور خیالات المساء، فأن لم یكن للصبي من الملاھي ما یشغل فكرتھ، ومن
الرفاق من یشاركھ في الأمیال، كانت الحیاة أمامھ كحبس ضیق لا یرى في جوانبھ غیر أنوال
.العناكب ولا یسمع من زوایاه سوى دبیب الحشرات
أما تلك الكآبة التي اتبعت أیام حداثتي فلم تكن ناتجة عن حاجتي إلى الملاھي لأنھا كانت متوفرة
لدي، ولا عن افتقاري إلى الرفاق لأنني كنت أجدھم أینما ذھبت، بل ھي من أعراض علة طبیعیة
في النفس كانت تحبب إليّ الوحدة والانفراد وتمیت في روحي الأمیال إلى الملاھي والألعاب،
وتخلع عن كتفيّ أجنحة الصبا وتجعلني أمام الوجود كحوض میاه بین الجبال یعكس بھدوئھ
المحزن رسوم الأشباح وألوان الغیوم وخطوط الأغصان ولكنھ لا یجد ممراً یسیر فیھ جدولاً مترنماً
.إلى البحر
ھكذا كانت حیاتي قبل أن أبلغ الثامنة عشرة، فتلك السنة ھي من ماضيّ بمقام القمة من الجبل،
لأنھا أوقفتني متأملاً تجاه ھذا العالم، وأرتني سبل البشر، ومروج أمیالھم، وعقبات متاعبھم
.وكھوف شرائعھم وتقالیدھم
في تلك السنة ولدت ثانیة والمرء إن لم تحبل بھ الكآبة ویتمحض بھ الیأس، وتضعھ المحبة
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:38 pm

.مھد الأحلام، تظل حیاتھ كصفحة خالیة بیضاء في كتاب الكیان
في تلك السنة شاھدت ملائكة السماء تنظر إليّ من وراء أجفان امرأة جمیلة، وفیھا رأیت أبالسة
الجحیم یضجون ویتراكضون في صدر رجل مجرم، ومن لا یشاھد الملائكة والشیاطین في محاسن
.الحیاة ومكروھاتھا یظل قلبھ بعیداً عن المعرفة ونفسھ فارغة من العواطف
ید القضاء -
كنت في بیروت في ربیع تلك السنة المملوءة بالغرائب وكان نیسان قد أنبت الأزھار والأعشاب
وكانت أشجار اللوز والتفاح قد .فظھرت في بساتین المدینة كأنھا أسرار تعلنھا الأرض للسماء
اكتست بحلل بیضاء معطرة فبانت بین المنازل كأنھا حوریات بملابس ناصعة قد بعثت بھن
.الطبیعة عرائس وزوجات لأبناء الشعر والخیال
الربیع روح إلھ غیر معروف تتطوف .الربیع جمیل في كل مكان ولكنھ أكثر من جمیل في سوریا
وعندما تبلغ سوریا تسیر ببطء متلفتة إلى الوراء مستأنسة بأرواح الملوك .في الأرض مسرعة
مرددة مع أرز .مترنمة مع جداول الیھودیة بأناشید سلیمان الخالدة .والأنبیاء الحائمة في الفضاء
.لبنان تذكارات المجد القدیم
لأنھا تخلو فیھ من أحوال الشتاء وغبار .وبیروت في الربیع أجمل منھا في ما بقي من الفصول
الصیف وتصبح بین أمطار الأول وحرارة الثاني كصبیة حسناء قد اغتسلت بمیاه الغدیر ثم جلست
.على ضفتھ تجفف جسدھا بأشعة الشمس
ففي یوم من تلك الأیام المفعمة بأنفاس نیسان المسكرة وابتساماتھ المحییة، ذھبت لزیارة صدیق
وبینما نحن نتحدث راسمین بالكلام خطوط آمالنا وأمانینا .یسكن بیتاً بعیداً عن ضجة الاجتماع
دخل علینا شیخ جلیل في الخامسة والستین من عمره تدل ملابسھ البسیطة وملامحھ المتجعدة
حضرتھ فارس "على الھیبة والوقار، فوقفت احتراماً وقبیل أن أصافحھ مسلماً تقدم صدیقي وقال
ثم لفظ اسمي مشفوعاً بكلمة ثناء، فأحدق بي الشیخ ھنیھة لامساً بأطراف أصابعھ "أفندي كرامة
جبھتھ العالیة المكللة بشعر أبیض كالثلج كأنھ یرید أن یسترجع إلى ذاكرتھ صورة شيء قدیم
أنت ابن صدیق حبیب قدیم صرفت "مفقود، ثم ابتسم ابتسامة سرور وانعطاف واقترب مني قائلاً
."ربیع العمر برفقتھ فما أعظم فرحي بمرآك وكم أنا مشتاق إلى لقاء أبیك بشخصك
فتأثرت لكلامھ وشعرت بجاذب خفي یدنیني إلیھ بطمأنینة، مثلما تقود الغریزة العصفور إلى وكره
ولما جلسنا أخذ یقص علینا أحادیث صداقتھ لوالدي متذكراً أیام الشباب التي .قبیل مجيء العاصفة
إن ..صرفھا بقربھ تالیاً على مسامعنا أخبار أعوام قضت فكفنھا الدھر بقلبھ وقبرھا في صدره
الشیوخ یرجعون بالفكر إلى أیام شبابھم رجوع الغریب المشتاق إلى مسقط رأسھ ویمیل إلى سرد
حكایات الصبا میل الشاعر إلى تنغیم أبلغ قصائده فھم یعیشون بالروح في زوایا الماضي الغابر
.لأن الحاضر لا یمر بھم ولا یلتفت والمستقبل یبدو لأعینھم متشحاً بضباب الزوال وظلمة القبر
وبعد ساعة مرت بین الأحادیث والتذكارات مرور ظل الأغصان على الأعشاب، وقف فارس كرامة
أنا لم أر والدك " :للانصراف ولما دنوت منھ مودعاً أخذ یدي بیمینھ ووضع شمالھ على كتفي قائلاً
."منذ عشرین سنة ولكنني أرجو أن أستعیض عن بعاده الطویل بزیاراتك الكثیرة
.فانحنیت شاكراً واعداً بتتمیم ما یجب على الابن نحو صدیق أبیھ
لا أعرف " :ولما خرج فارس كرامة استزدت صاحبي من أخباره فقال بلھجة یساورھا التحذر
وھو واحد من القلیلین الذین .رجلاً سواه في بیروت قد جعلتھ الثروة فاضلاً والفضیلة
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:39 pm

یجیئون ھذا العالم ویغادرونھ قبل أن یلامسوا بالأذى نفس مخلوق ولكن ھؤلاء الرجال یكونون
ولفارس .غالباً تعساء مظلومین لأنھم یجھلون سبل الاحتیال التي تنقذھم من مكر الناس وخبثھم
كرامة ابنة وحیدة تسكن معھ منزلاً فخماً في ضاحیة المدینة وھي تشابھھ بالأخلاق ولیس بین
النساء من یماثلھا جمالاً وھي أیضاً ستكون تاعسة لأن ثروة والدھا الطائلة توقفھا الآن على
."شفیر ھاویة مظلمة مخیفة
فارس كرامة " :لفظ صدیقي الكلمات الأخیرة وظھرت على محیاه لوائح الغم والأسف ثم زاد قائلاً
شیخ شریف القلب كریم الصفات ولكنھ ضعیف الإرادة یقوده ریاء الناس كالأعمى وتوقفھ
أما ابنتھ فتخضع ممتثلة لإرادتھ الواھنة على رغم كل ما في روحھا الكبیرة .مطامعھم كالأخرس
وقد فھم ھذا السر .من القوى والمواھب وھذا ھو السر الكریھ الكامن وراء حیاة الوالد وابنتھ
وھذا الرجل ھو مطران تسیر قبائحھ بظل .رجل یأتلف في شخصھ الطمع بالریاء والخبث بالدھاء
تخافھ الأرواح .وھو رئیس دین في بلاد الأدیان والمذاھب .الإنجیل فتظھر للناس كالفضائل
ولھذا المطران ابن أخ .والأجساد وتخر لدیھ ساجدة مثلما تنحني رقاب الأنعام أمام الجزار
تتصارع في نفسھ عناصر المفاسد والمكاره مثلما تنقلب العقارب والأفاعي على جوانب الكھوف
ولیس بعیداً الیوم الذي ینتصب فیھ المطران بملابسھ الحبریة جاعلاً ابن أخیھ عن .والمستنقعات
یمینھ وابنة فارس كرامة عن شمالھ، رافعاً بیده الأثیمة إكلیل الزواج فوق رأسیھما مقیداً بسلاسل
التكھین والتعزیم جسداً طاھراً بجیفة منتنة، جامعاً في قبضة الشریعة الفاسدة روحاً سماویة بذات
ھذا كل ما أستطیع أن أقولھ لك الآن عن فارس كرامة وابنتھ فلا ..ترابیة، واضعاً في صدر اللیل
.".تسلني أكثر من ذلك لأن ذكر المصیبة یدنیھا مثلما یقرب الموت الخوف من الموت
وحول صدیقي وجھھ ونظر من النافذة إلى الفضاء كأنھ یبحث عن أسرار الأیام واللیالي بین دقائق
.الأثیر
غداً أزور فارس كرامة قیاماً بوعدي لھ " :فقمت إذا ذاك من مكاني ولما أخذت یده مودعاً قلت لھ
."واحتراماً للذكریات التي أبقتھا صداقتھ لوالدي
فبھت بي الشاب دقیقة وقد تغیرت ملامحھ كأن كلماتي القلیلة البسیطة قد أوحت إلیھ فكراً جدیداً
ھائلاً، ثم نظر في عیني نظرة طویلة غریبة نظرة محبة وشفقة وخوف نظرة نبي یرى في
أعماق الأرواح ما لا تعرفھ الأرواح، ثم ارتعشت شفتاه قلیلاً ولكنھ لم یقل شیئاً فتركتھ وسرت
نحو الباب بأفكار متضعضعة، وقبیل أن ألتفت إلى الوراء رأیت عینیھ ما زالتا تتبعانني بتلك
النظرة الغریبة تلك النظرة التي لم أفھم معانیھا حتى عتقت نفسي من عالم المقاییس والكمیة
.وطارت إلى مسارح الملأ الأعلى حیث تتفاھم القلوب بالنظرات وتنمو الأرواح بالتفاھم
في باب الھیكل -
وبعد أیام وقد مللت الوحدة، وتعبت أجفاني من النظر إلى أوجھ الكتب العابسة علوت مركبة طالباً
منزل فارس كرامة، حتى إذا ما بلغت بي غابة الصنوبر حیث یذھب القوم للتنزه، حول السائق
وجھة فرسیھ عن الطریق العمومیة فسار خبباً على ممر تظللھ أشجار الصفصاف وتتمایل على
جانبیھ الأعشاب والدوالي المتعرشة وأزاھر نیسان المبتسمة بثغور حمراء كالیاقوت وزرقاء
.كالزمرد وصفراء كالذھب
وبعد دقیقة وقفت المركبة أمام منزل منفرد تحیط بھ حدیقة مترامیة الأطراف تتعانق في جوانبھا
.الأغصان وتعطر فضاءھا رائحة الورد والفل والیاسمین
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:40 pm

ما سرت بضع خطوات في تلك الحدیقة حتى ظھر فارس كرامة في باب المنزل خارجاً للقائي كأن
ھدیر المركبة في تلك البقعة المنفردة قد أعلن لھ قدومي فھشّ متأھلاً وقادني مترحباً إلى داخل
الدار ونظیر والد مشتاق أجلسني بقربھ یحدثني مستفسراً عن ماضيّ مستطلعاً مقاصدي في
فكنت أجیبھ بتلك اللھجة المفعمة بنغمة الأحلام والأماني التي یترنم بھا الفتیان قبل أن ..مستقبلي
للشبیبة أجنحة ذات ریش من الشعر ..تقذفھم أمواج الخیال إلى شاطئ العمل حیث الجھاد والنزاع
وأعصاب من الأوھام ترتفع بالفتیان إلى ما وراء الغیوم فیرون الكیان مغموراً بأشعة متلونة
بألوان قوس القزح ویسمعون الحیاة مرتلة أغاني المجد والعظمة، ولكن تلك الأجنحة الشعریة لا
تلبث أن تمزقھا عواصف الاختبار فیھبطون إلى عالم الحقیقة وعالم الحقیقة مرآة غریبة یرى
.فیھا المرء نفسھ مصغرة مشوھة
في تلك الدقیقة ظھرت من ستائر الباب المخملیة صبیة ترتدي ثوباً من الحریر الأبیض الناعم
وبعد أن لفظ اسمي شفعھ "ھذه ابنتي سلمى" :ومشت نحوي ببطء، فوقفت ووقف الشیخ قائلاً
إن ذاك الصدیق القدیم الذي حجبتھ عني الأیام قد عادت وأبانتھ لي بشخص ابنھ فأنا أراه " :بقولھ
فتقدمت الصبیة إليّ وأحدقت بعیني ھنیھة كأنھا ترید أن تستنطقھما عن حقیقة "الآن ولا أراه
أمري، وتعلم منھما أسباب مجیئي إلى ذلك المكان، ثم أخذت یدي بید تضارع زنبقة الحقل بیاضاً
ونعومة، فأحسست عند ملامسة الأكف بعاطفة غریبة جدیدة أشبھ شيء بالفكر الشعري عند ابتداء
.تكوینھ في مخیلة الكاتب
جلسنا جمیعاً ساكتین كأن سلمى قد أدخلت معھا إلى تلك الغرفة روحاً علویة توعز الصمت
كثیراً ما حدثني والدي عن أبیك " :والتھیب، وكأنھا شعرت بذلك فالتفتت نحوي وقالت مبتسمة
معیداً على مسمعي حكایات شبابھما، فإن كان والدك قد أسمعك بتلك الوقائع لا یكون ھذا اللقاء ھو
."الأول بیننا
إن سلمى روحیة الأمیال والمذاھب فھي ترى " :فسر الشیخ بكلمات ابنتھ وانبسطت ملامحھ ثم قال
."جمیع الأشیاء سابحة في عالم النفس
وھكذا عاد فارس كرامة إلى محادثتي باھتمام كلي، ورقة متناھیة كأنھ وجد فيّ سراً سحریاً یرجعھ
.على أجنحة الذكرى إلى ربیع أیامھ العابرة
كان ینظر إلي مثلما .كان ذلك الشیخ یحدق بي مسترجعاً أشباح شبابھ وأنا أتأملھ حالماً بمستقبلي
تخیم أغصان الشجرة العالیة المملوءة بمآتي الفصول فوق غرسة صغیرة مفعمة بعزم ھاجع
شجرة مسنة راسخة الأعراق قد اختبرت صیف العمر وشتاءه ووقفت أمام عواصف .وحیاة عمیاء
.وغرسة ضعیفة لینة لم تر غیر الربیع ولم ترتعش إلا بمرور نسیم الفجر .الدھر وأنوائھ
أما سلمى فكانت ساكتة تنظر إلي تارة وطوراً إلى أبیھا كأنھا تقرأ في وجھینا أول فصل من روایة
.الحیاة وآخر فصل منھا
قضى ذلك النھار متنھداً أنفاسھ بین تلك الحدائق والبساتین، وغابت الشمس تاركة خیال قبلة
صفراء على قمم لبنان المتعالیة قبالة ذلك المنزل، وفارس كرامة یتلو عليّ أخباره فیذھلني وأنا
أترنم أمامھ بأغاني شبیبتي فأطربھ، وسلمى جالسة بقرب تلك النافذة تنظر إلیھا بعینیھا الحزینتین
ولا تتحرك، وتسمع أحادیثنا ولا تتكلم كأنھا عرفت أن للجمال لغة سماویة تترفع عن الأصوات
لغة خالدة تضم إلیھا جمیع أنغام البشر، وتجعلھا شعوراً .والمقاطیع التي تحدثھا الشفاه والألسنة
إن الجمال .صامتاً مثلما تجتذب البحیرة الھادئة أغاني السواقي إلى أعماقھا وتجعلھا سكوتاً أبدیاً
سر تفھمھ أرواحنا وتفرح بھ وتنمو بتأثیراتھ، أما أفكارنا فتقف أمامھ محتارة محاولة تحدیده
وتجسیده بالألفاظ ولكنھا لا تستطیع ھو سیال خاف عن العین یتموج بین عواطف الناظر
الجمال الحقیقي ھو أشعة تنبعث من قدس أقداس النفوس وتنیر خارج الجسد .وحقیقة المنظور
مثلما تنبثق الحیاة من أعماق النواة وتكسب الزھرة لوناً وعطراً ھو تفاھم كلي بین
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:41 pm

ذلك الانعطاف الروحي .والمرأة یتم بلحظة وبلحظة یولد ذلك المیل المترفع عن جمیع الأمیال
فھل فھمت روحي روح سلمى في عشیة النھار فجعلني التفاھم أن أراھا أجمل امرأة .ندعوه حباً
أمام الشمس، أم ھي سكرة الشبیبة التي تجعلنا نتخیل رسوماً وأشباحاً لا حقیقة لھا؟ ھل أعمتني
الفتوة فتوھمت الأشعة في عیني سلمى والحلاوة في ثغرھا والرقة في قدھا، أم ھي تلك الأشعة
وتلك الحلاوة وتلك الرقة التي فتحت عیني لتریني أفراح الحب وأحزانھ؟ لا أدري ولكني أعلم
عاطفة جدیدة تمایلت حول قلبي بھدوء یشابھ .بأنني شعرت بعاطفة لم أشعر بھا قبل تلك الساعة
ومن تلك العاطفة قد تولدت سعادتي وتعاستي .رفرفة الروح على وجھ الغمر قبل أن تبتدئ الدھور
.مثلما ظھرت وتنساخت الكائنات بإرادة ذلك الروح
ھكذا انقضت تلك الساعة التي جمعتني بسلمى للمرة الأولى وھكذا شاءت السماء وعتقتني على
حین غفلة من عبودیة الحیرة والحداثة لأسیر حراً في موكب المحبة، فالمحبة ھي الحریة الوحیدة
في ھذا العالم لأنھا ترفع النفس إلى مقام سام لا تبلغھ شرائع البشر وتقالیدھم، ولا تسود علیھ
.نوامیس الطبیعة وأحكامھا
الآن وقد " :ولما وقفت للانصراف اقترب مني فارس كرامة وقال بصوت تعانقھ رنة الإخلاص
عرفت الطریق إلى ھذا المنزل یجب أن تأتي إلیھ شاعراً بالثقة التي تقودك إلى بیت أبیك وأن
"تحتسبني وسلمى كوالد وأخت لك ألیس كذلك یا سلمى؟
.فأحنت سلمى رأسھا إیجاباً ثم نظرت إليّ نظرة غریب ضائع وجد رفیقاً یعرفھ
إن تلك الكلمات التي قالھا لي فارس كرامة ھي النغمة الأولى التي أوقفتني بجانب ابنتھ أمام
ھي استھلال الأغنیة السماویة التي انتھت بالندب والرثاء ھي القوة التي شجعت .عرش المحبة
.ھي الإناء الذي شربنا فیھ الكوثر والعلقم .روحینا فاقتربنا من النور والنار
وخرجت فشیعني الشیخ إلى أطراف الحدیقة فودعتھما وقلبي یخفق في داخلي مثلما ترتعش شفتا
العطشان بملامسة حافة الكأس
الشعلة البیضاء-
وانقضى نیسان وأنا أزور منزل فارس كرامة وألتقي بسلمى وأجلس قبالھا في تلك الحدیقة متأملاً
فكل .محاسنھا، معجباً بمواھبھا، مصغیاً لسكینة كآبتھا، شاعراً بوجود آیاد خفیة تجتذبني إلیھا
زیارة كانت تبین لي معنى جدیداً من معاني جمالھا وسراً علویاً من أسرار روحھا حتى أصبحت
.أمام عینيّ كتاباً أقرأ سطوره وأستظھر آیاتھ وأترنم بنغمتھ ولا أستطیع الوصول إلى نھایتھ
إن المرأة التي تمنحھا الآلھة جمال النفس مشفوعاً بجمال الجسد ھي حقیقة ظاھرة غامضة
نفھمھا بالمحبة ونلمسھا بالطھر، وعندما نحاول وصفھا بالكلام تختفي عن بصائرنا وراء ضباب
وسلمى كرامة كانت جمیلة النفس والجسد فكیف أصفھا لمن لا یعرفھا؟ ھل .الحیرة والالتباس
یستطیع الجالس في ظل أجنحة الموت أن یستحضر تغریدة البلبل وھمس الوردة وتنھدة الغدیر؟
أیقدر الأثیر المثقل بالقیود أن یلاحق ھبوط نسمات الفجر؟ ولكن ألیس السكوت أصعب من الكلام؟
وھل یمنعني التھیب عن إظھار خیال من خیالات سلمى بالألفاظ الواھیة إذا كنت لا أستطیع أن
أرسم حقیقتھا بخطوط من الذھب؟ إن الجائع السائر في الصحراء لا یأبى أكل الخبز الیابس إذا
.كانت السماء لا تمطره المن والسلوى
وكانت .كانت سلمى نحیلة الجسم تظھر بملابسھا البیضاء الحریریة كأشعة قمر دخلت من النافذة
حركاتھا بطیئة متوازنة أشبھ شيء بمقاطیع الألحان الأصفھانیة، وصوتھا منخفضاً حلواً
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:42 pm

التنھدات فینسكب من بین شفتیھا القرمزیتین مثلما تتساقط قطرات الندى عن تیجان الزھور
ووجھھا ومن یا ترى یستطیع أن یصف وجھ سلمى كرامة؟ بأیة ألفاظ .بمرور تموجات الھواء
نقدر أن نصور وجھاً حزیناً ھادئاً محجوباً ولیس محجوباً بنقاب من الاصفرار الشفاف؟ بأیة لغة
نقدر أن نتكلم عن ملامح تعلن في كل دقیقة سراً من أسرار النفس الكبیرة المتألمة في داخل
الجسد، وتذكر الناظرین إلیھا بعالم روحي بعید عن ھذا العالم؟ إن الجمال في وجھ سلمى لم یكن
منطبقاً على المقاییس التي وضعھا البشر للجمال، بل كان غریباً كالحلم أو كالرؤیا أو كفكر علوي
جمال سلمى لم یكن في .لا یقاس ولا یحد ولا یتسخ بریشة المصور، ولا یتجسم برخام الحفار
ولم یكن في عینیھا الكبیرتین بل في النور المنبعث .شعرھا الذھبي بل في ھالة الطھر المحیطة بھ
ولا في عنقھا العاجي بل في .ولا في شفتیھا الوردیتین بل في الحلاوة السائلة علیھما .منھما
جمال سلمى لم یكن في كمال جسدھا بل في نبالة روحھا الشبیھة .كیفیة انحنائھ قلیلاً إلى الأمام
جمال سلمى كان نوعاً من النبوغ الشعري .بشعلة بیضاء متقدة سابحة بین الأرض واللانھایة
الذي نشاھد أشباحھ في القصائد السامیة والرسوم والأنغام الخالدة، وأصحاب النبوغ تعساء مھما
.تسامت أرواحھم تظل مكتنفة بغلاف من الدموع
وكانت سلمى كثیرة التفكیر قلیلة الكلام، ولكن سكوتھا كان موسیقیاً ینتقل بجلیسھا إلى مسارح
الأحلام البعیدة، ویجعلھ أن یصغي لنبضات قلبھ ویرى خیالات أفكاره وعواطفھ منتصبة أمام
.عینیھ
أما الصفة التي كانت تعانق مزایا سلمى وتساور أخلاقھا فھي الكآبة العمیقة الجارحة، فالكآبة
كانت وشاحاً معنویاً ترتدیھ فتزید محاسن جسدھا ھیبة وغرابة، وتظھر أشعة نفسھا من خلال
.خیوطھ كخیوط شجرة مزھرة من وراء ضباب الصباح
وقد أوجدت الكآبة بین روحي وروح سلمى صلة المشابھة فكان كلانا یرى في وجھ الثاني ما
یشعر بھ قلبھ ویسمع صوتھ صدى مخبآت صدره فكأن الآلھة قد جعلت كل واحد منا نصفاً للآخر
.یلتصق بھ بالطھر فیصیر إنساناً كاملاً، وینفصل عنھ فیشعر بنقص موجع في روحھ
إن النفس الحزینة المتألمة تجد راحة بانضمامھا إلى نفس أخرى تماثلھا بالشعور وتشاركھا
بالإحساس مثلما یستأنس الغریب بالغریب في أرض بعیدة عن وطنیھما فالقلوب التي تدنیھا
أوجاع الكآبة بعضھا مع بعض لا تفرقھا بھجة الأفراح وبھرجتھا، فرابطة الحزن أقوى في
النفوس من روابط الغبطة والسرور؛ والحب الذي تغسلھ العیون بدموعھا یظل طاھراً وجمیلاً
.وخالداً
العاصفة-
وبعد أیام دعاني فارس كرامة إلى تناول العشاء في منزلھ، فذھبت ونفسي جائعة إلى ذلك الخبز
العلوي الذي وضعتھ السماء بین یدي سلمى ذلك الخبز الروحي الذي نلتھمھ بأفواه أفئدتنا
فتزداد جوعاً ذلك الخبز السحري الذي ذاق طعمھ قیس العربي ودانتي الطلیاني وسافو الیونانیة
فالتھبت أحشاؤھم وذابت قلوبھم ذلك الخبز الذي عجنتھ الآلھة بحلاوة القبل ومرارة الدموع
.وأعدتھ مأكلاً للنفوس الحساسة المستیقظة لتفرحھا بطعمھ وتعذبھا بتأثیره
ولما بلغت المنزل وجدت سلمى جالسة على مقعد خشبي في زاویة من الحدیقة وقد أسندت رأسھا
فدنوت منھا .إلى عمد شجرة، فبانت بثوبھا الأبیض كواحدة من عرائس الخیال تخفر ذلك المكان
ولما حاولت الكلام وجدت .صامتاً وجلست بقربھا جلوس مجوسي متھیب أمام النار المقدسة
لساني
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:43 pm

منعقداً وشفتي جامدتین فاستأنست بالسكوت لأن الشعور العمیق غیر المتناھي یفقد شیئاً
ولكنني شعرت بأن سلمى كانت تسمع في .من خاصتھ المعنویة عندما یتجسم بالألفاظ المحدودة
.السكینة مناجاة قلبي المتواصلة، وتشاھد في عیني أشباح نفسي المرتعشة
وبعد ھنیھة خرج فارس كرامة إلى الحدیقة ومشى نحونا مرحباً بي كعادتھ باسطاً یده إلي كأنھ
ھلما یا ولديّ )یرید أن یبارك بھا ذلك السر الخفي الذي یربط روحي بروح ابنتھ ثم قال مبتسماً
فقمنا وتبعناه وسلمى تنظر إلى من وراء أجفان مكحولة بالرقة (إلى العشاء فالطعام ینتظرنا
قد أیقظت في داخلھا شعوراً جدیداً عذباً یكتنف محبتھا لي مثلما "یا ولدي"والانعطاف كأن لفظة
.تحتضن الأم طفلھا
جلسنا إلى المائدة نأكل ونشرب ونتحدث جلسنا في تلك الغرفة نتلذذ بألوان الطعام الشھیة
وأنواع الخمور المعتقة، وأرواحنا تسبح على غیر معرفة منا في عالم بعید عن ھذا العالم، وتحلم
ثلاثة أشخاص تختلف أفكارھم باختلاف .بمآتي المستقبل ونتأھب للوقوف أمام مخاوفھ وأھوالھ
مقاصدھم من الحیاة وتتفق سرائرھم باتفاق قلوبھم بالمودة والمحبة، ثلاثة من الضعفاء الأبریاء
شیخ جلیل شریف .یشعرون كثیراً ویعرفون قلیلاً وھذه ھي المأساة المستتبة على مرسح النفس
یحب ابنتھ ولا یحفل بغیر سعادتھا وصبیة في العشرین من عمرھا ترى المستقبل قریباً بعیداً
وتحدق بھ لترى ما یخبئ لھا من الغبطة والشقاء وفتى كثیر الأحلام والھواجس لم یذق بعد خمر
یحرك جناحیھ لیطیر سابحاً في فضاء المحبة والمعرفة ولكنھ لا یستطیع النھوض .الحیاة ولا خلھا
ثلاثة جالسون حول مائدة أنیقة في منزل منفرد عن المدینة تخیم علیھ سكینة الدجى .لضعفھ
ثلاثة یأكلون ویشربون وفي أعماق صحونھم وكؤوسھم قد أخفى القدر .وتحدق بھ عیون السماء
.المرارة والأشواك
في الباب " :ولم ننتھ من العشاء حتى دخلت علینا إحدى الخادمات وخاطبت فارس كرامة قائلة
."رجل یطلب مقابلتك یا سیدي
فسكت دقیقة ."أظنھ خادم المطران یا سیدي" :فأجابت ."من ھو ھذا الرجل"فسألھا بسرعة
ثم التفت نحو .وأحدق بعیني ابنتھ نظیر نبي ینظر إلى وجھ السماء لیرى ما تخبئھ من الأسرار
."دعیھ یدخل"الخادمة وقال
فعادت الخادمة وبعد ھنیھة ظھر رجل بأثواب مزركشة وشارب معكوف الطرفین فسلم منحنیاً
قد بعثني سیادة المطران بمركبتھ الخصوصیة لأطلب إلیك أن تتكرم "وخاطب فارس كرامة قائلاً
."بالذھاب إلیھ فھو یرید أن یباحثك بأمور ذات أھمیة
فانتصب الشیخ وقد تغیرت ملامحھ وانحجبت بشاشة وجھھ وراء نقاب من التأمل والتفكیر ثم
أرجو أن أعود وألقاك ھنا، فسلمى ستجد بك "اقترب مني وقال بصوت تساوره الرقة والحلاوة
ثم التفت نحو ابنتھ "مؤنساً یبعد بأحادیثھ وحشة اللیل، ویزیل بأنغام نفسھ تأثیر الوحدة والانفراد
."ألیس كذلك یا سلمى؟"وزاد مبتسماً
سوف "فأحنت الصبیة رأسھا وقد توردت وجنتاھا قلیلاً وبصوت یضارع نغمة الناي رقة قالت
."أجھد النفس لكي أجعل ضیفنا مسروراً یا والدي
وخرج الشیخ مصحوباً بخادم المطران، وظلت سلمى واقفة تنظر من النافذة نحو الطریق حتى
اختفت المركبة عن بصرھا وراء ستائر الظلام، واضمحل ارتجاج الدوالیب بتباعد المسافة
وتشرب السكون حرتقة سنابك الخیل ثم جلست قبالتي على مقعد موشى بنسیج من الحریر
.الأخضر فبانت بأثوابھا الناصعة كزنبقة لوت قامتھا نسمات الصباح على بساط من الأعشاب
ولكن ھل ھو الكلام الذي یحدث .ومرت دقائق وكلانا صامت حائر مفتكر یترقب الآخر لیبدأ بالكلام
التفاھم بین الأرواح المتحابة؟ ھل ھي الأصوات والمقاطیع الخارجة من الشفاه والألسنة التي
تقرب بین القلوب والعقول؟ أفلا یوجد شيء أسمى مما تلده الأفواه وأطھر مما تھتز بھ أوتار
الحناجر؟
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:44 pm

ألیست ھي السكینة التي تحمل شعاع النفس إلى النفس وتنقل ھمس القلب إلى القلب؟
ألیست ھي السكینة التي تفصلنا عن ذواتنا فنسبح في فضاء الروح غیر المحدود مقتربین من
الملأ الأعلى شاعرین بأن أجسادنا لا تفوق السجون الضیقة وھذا العالم لا یمتاز عن المنفى
البعید؟
تعال نخرج إلى "ونظرت سلمى إلي وقد باحت أجفانھا بسرائر نفسھا ثم قالت بھدوء سحري
."الحدیقة ونجلس بین الأشجار لنرى القمر طالعاً من وراء الجبل
ألیس الأفضل أن نبقى ھھنا یا سلمى حتى یطلع القمر وینیر الحدیقة؟ "فوقفت مطیعاً وقلت ممانعاً
إذا حجب الظلام "أما الآن فالظلام یحجب الأشجار والأزھار فلا نستطیع أن نرى شیئاً فأجابت
."الأشجار والریاحین عن العین فالظلام لا یحجب الحب عن النفس
قالت ھذه الكلمات بلھجة غریبة ثم حولت عینیھا ونظرت نحو النافذة فبقیت أنا صامتاً مفكراً
ثم عادت وأحدقت بي كأنھا ندمت على ما .بكلماتھا مورداً لكل مقطع معنى راسماً لكل معنى حقیقة
ولكن سحر تلك الأجفان لم یسترجع تلك .قالت فحاولت استرجاع كلماتھا من أذني بسحر أجفانھا
الألفاظ إلا لیعیدھا إلى أعماق صدري أكثر وضوحاً وأشد تأثیراً ولیبیقھا ھناك ملتصقة بقلبي
.متوجة مع عواطفي إلى آخر الحیاة
.كل شيء عظیم وجمیل في ھذا العالم یتولد من فكر واحد أو من حاسة واحدة في داخل الإنسان
كل ما نراه الیوم من أعمال الأجیال الغابرة كان قبل ظھوره فكراً في عاقلة رجل أو عاطفة لطیفة
الثورات التي أجرت الدماء كالسواقي وجعلت الحریة تعبد كالآلھة كانت فكراً ..في صدر امرأة
الحروب الموجعة التي ثلت .خیالیاً مرتعشاً بین تلافیف دماغ رجل فرد عاش بین ألوف من الرجال
التعالیم السامیة التي غیرت .العروش وخربت الممالك كانت خاطراً یتمایل في رأس رجل واحد
فكر واحد .مسیر الحیاة البشریة كانت میلاً شعریاً في نفس رجل واحد منفصل بنبوغھ عن محیطھ
أقام الأھرام وعاطفة واحدة خربت طروادة وخاطر واحد أوجد مجد الإسلام وكلمة واحدة أحرقت
.مكتبة الإسكندریة
نظرة واحدة من أطراف .فكر واحد یجیئك في سكینة اللیل ویسیر بك إلى المجد أو إلى الجنون
كلمة واحد تخرج من بین شفتي رجل تصیرك غنیاً بعد .أجفان امرأة تجعلك أسعد الناس أو أتعسھم
كلمة واحد لفظتھا سلمى كرامة في تلك اللیلة الھادئة أوقفتني بین ..الفقر أو فقیراً بعد الغنى
كلمة واحدة معنویة قد أیقظتني .ماضيّ ومستقبلي وقوف سفینة بین لجة البحار وطبقات الفضاء
من سبات الحداثة والخلو وسارت بأیامي على طریق جدیدة إلى مسارح الحب حیث الحیاة والموت
.
خرجنا إلى الحدیقة وسرنا بین الأشجار شاعرین بأصابع النسیم الخفیة تلامس وجھینا وقامات
الأزھار والأعشاب اللدنة تتمایل بین أقدامنا، حتى إذا ما بلغنا شجرة الیاسمین جلسنا صامتین
على ذلك المقعد الخشبي نسمع تنفس الطبیعة النائمة ونكشف بحلاوة التنھد خفایا صدرینا أمام
.عیون السماء الناظرة إلینا من وراء زرقة السماء
وطلع القمر إذا ذاك من وراء صنین وغمر بنوره تلك الروابي والشواطئ فظھرت القرى على
وبات لبنان جمیعھ من تحت تلك الأشعة الفضیة كأنھ .أكتاف الأودیة كأنھا قد انبثقت من اللاشيء
.فتى متكئ على ساعده تحت نقاب لطیف یخفي أعضاءه ولا یخفیھا
لبنان عند شعراء الغرب مكان خیالي، قد اضمحلت حقیقتھ بذھاب داود وسلیمان والأنبیاء مثلما
ھو لفظة شعریة لا اسم لجبل لفظة ترمز عن عاطفة في .انحجبت جنة عدن بسقوط آدم وحواء
النفس وتستحضر إلى الفكر رسوم غابات من الأرز یفوح منھا العطر والبخور، وأبراج النحاس
والرخام تتعالى بالمجد والعظمة، وأسراب من الغزلان تتھادى بین الطلول والأودیة، وأنا قد رأیت
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:46 pm

لبنان في تلك اللیلة مثل فكر شعري خیالي منتصب كالحلم بین الیقظة والیقظة
كذا تتغیر الأشیاء أمام أعیننا بتغییر عواطفنا، وھكذا نتوھم الأشیاء متشحة بالسحر والجمال
.عندما لا یكون السحر والجمال إلا في نفوسنا
والتفتت إليّ سلمى وقد غمر نور القمر وجھھا وعنقھا ومعصمیھا فبانت كتمثال من العاج نحتتھ
لماذا لا تتكلم لماذا لا تحدثني عن ماضي حیاتك؟"أصابع متعبد لعشتروت ربة الحسن والمحبة
".
ألم تسمعي متكلماً مذ "فنظرت إلى عینیھا المنیرتین ومثل أخرس فاجأ النطق شفتیھ أجبتھا قائلاً
جئت إلى ھذا المكان أو لم تسمعي كل ما قلتھ مذ خرجنا إلى الحدیقة؟ إن نفسك التي تسمع
."ھمس الأزھار وأغاني السكینة تستطیع أن تسمع صراخ روحي وضجیج قبلي
سمعت صوتاً صارخاً ..نعم سمعتك .قد سمعتك"فحجبت وجھھا بیدیھا ثم قالت بصوت متقطع
."خارجاً من أحشاء اللیل وضجة ھائلة منبثقة من قلب النھار
فقلت بسرعة وقد نسیت ماضي حیاتي ونسیت كیاني ونسیت كل شيء ولم أعرف سوى سلمى ولا
وأنا قد سمعتك یا سلمى سمعت نغمة عظیمة محییة جارحة تتموج لھا "أشعر بغیر وجودھا
."دقائق الفضاء وتھتز بارتعاشھا أسس الأرض
قد "فأغمضت سلمى أجفانھا وظھر على شفتیھا القرمزیتین خیال ابتسامة محزنة ثم ھمست قائلة
عرفت الآن بأنھ یوجد شيء أعلى من السماء، وأعمق من البحر، وأقوى من الحیاة والموت
."قد عرفت الآن ما لم أكن أعرفھ بالأمس ولا أحلم بھ .والزمن
صارت .منذ تلك الدقیقة صارت سلمى كرامة أعز من صدیق وأقرب من الأخت وأحب من الحبیبة
.فكراً سامیاً یتبع عاقلتي وعاطفة رقیقة تكتنف قلبي وحلماً جمیلاً یجاور نفسي
إن .ما أجھل الناس الذین یتوھمون أن المحبة تتولد بالمعاشرة الطویلة والمرافقة المستمرة
المحبة الحقیقیة ھي ابنة التفاھم الروحي وإن لم یتم ھذا التفاھم بلحظة واحدة لا یتم بعام ولا بجیل
.كامل
"ورفعت سلمى رأسھا ونظرت نحو الأفق البعید حیث تلتقي خطوط صنین بأذیال الفضاء ثم قالت
أما الآن فقد .لقد كنت لي بالأمس مثل أخ اقترب منھ مطمئنة وأجلس بجانبھ في ظلال والدي
.قد شعرت بعاطفة غریبة مجردة من كل علاقة .شعرت بوجود أقوى وأعذب من العلاقة الأخویة
."عاطفة قویة عمیقة مخیفة لذیذة تملأ قلبي حزناً وفرحاً
ألیست ھذه العاطفة التي نخافھا ونرتجف لمرورھا في صدورنا جزءاً من الناموس الكلي "فأجبتھا
."الذي یسیّر القمر حول الأرض والأرض حول الشمس والشمس وما یحیط بھا حول الله؟
فوضعت یدھا على رأسي وغرست أصابعھا بشعري وقد تھلل وجھھا وترقرقت الدموع في عینیھا
مَن من البشر یصدق حكایتنا "مثلما تلمع قطرات الندى على أطراف أوراق النرجس ثم قالت
مَن منھم یصدق بأننا في الساعة التي تجيء بین غروب الشمس وطلوع القمر قد قطعنا العقبات
مَن منھم یعتقد بأن نیسان الذي جمعنا لأول مرة ھو .واجتزنا المعابر الكائنة بین الشك والیقین
."الشھر الذي أوقفنا في قداس أقداس الحیاة؟
قالت ھذه الكلمات ویدھا ما برحت على رأسي المنحني ولو تخیرت في تلك الدقیقة لما فضلت
إن البشر "تیجان الملوك وأكالیل الغار على تلك الید الحریریة المتلاعبة بشعري ثم أجبتھا قائلاً
لا یصدقون حكایتنا لأنھم لا یعلمون بأن المحبة ھي الزھرة الوحیدة التي تنبت بغیر معاونة
ولكن ھل ھو نیسان الذي جمعنا لأول مرة وھل ھي ھذه الساعة التي أوقفتنا في قدس .الفصول
أقداس الحیاة؟ أما جمعت روحینا قبضة الله قبل أن تصیرنا الولادة أسیري الأیام واللیالي؟ إن حیاة
الإنسان یا سلمى لا تبتدئ في الرحم كما أنھا لا تنتھي أمام القبر، وھذا الفضاء الوسیع المملوء
."بأشعة القمر والكواكب لا یخلو من الأرواح المتعانقة بالمحبة والنفوس المتضامنة بالتفاھم
ورفعت
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:47 pm

ورفعت سلمى یدھا بلطف عن رأسي تاركة بین مغارس الشعر تموجات كھربائیة یتلاعب بھا نسیم
فأخذت تلك الید براحتي نظیر متعبد یتبرك بلثم المذبح ووضعتھا على .اللیل فیزیدھا نمواً وحراكاً
شفتي الملتھبتین وقبلتھا قبلة طویلة عمیقة خرساء تذیب بحرارتھا كل ما في القلب البشري من
.الإحساس، وتنبھ بعذوبتھا كل ما في النفس الإلھیة من الطھر
ومرت علینا ساعة كل دقیقة منھا شغف ومحبة تساورنا سكینة اللیل وتغمرنا أشعة القمر وتحیط
بنا الأشجار والریاحین حتى إذا ما بلغنا تلك الحالة التي ینسى فیھا الإنسان كل شيء سوى حقیقة
الحب سمعنا وقع حوافر وھدیر مركبة تقترب منا مسرعة فانتبھنا من تلك الغیبوبة اللذیذة وھبطت
بنا الیقظة من عالم الأحلام إلى ھذا العالم الواقف بمسیره بین الحیرة والشقاء فعرفنا بأن الوالد
.الشیخ قد عاد من دار المطران فنھضنا وسرنا بین الأشجار ننتظر وصولھ
وبلغت المركبة مدخل الحدیقة فترجل فارس كرامة وسار نحونا منحني الرأس بطيء الحركة
ونظیر متعب رازح تحت حمل ثقیل تقدم نحو سلمى ووضع كلتا یدیھ على كتفیھا وأحدق بوجھھا
ثم انسكبت دموعھ على وجنتیھ .طویلاً كأنھ یخاف أن تغیب صورتھا عن عینیھ الضئیلتین
عما قریب یا سلمى، عما "المتجعدتین وارتجفت شفتاه بابتسامة محزنة وقال بصوت مخنوق
عما قریب تسیر بك سنة الله من ھذا .قریب تخرجین من بین ذراعي والدك إلى ذراع رجل آخر
المنزل المفرد إلى ساحة العالم الوسیع فتصبح ھذه الحدیقة مشتاقة إلى وطء قدمیك ویصیر والدك
."غریباً عنك، لقد لفظ القدر كلمتھ یا سلمى فلتباركك السماء وتحرسك
سمعت سلمى ھذه الكلمات فتغیرت ملامحھا وجمدت عیناھا كأنھا رأت شبح الموت منتصباً أمامھا
ثم شھقت وتململت متوجعة كعصفور رماه الصیاد فھبط على الحضیض مرتجفاً بآلامھ .
ماذا تقول؟ ماذا تعني؟ إلى أین ترید أن تبعث بي؟"وبصوت تقطعھ الغصات العمیقة صرخت قائلة
".
وبعد دقیقة مثقلة بعوامل .ثم شخصت بھ كأنھا ترید أن تزیل بنظراتھا الغلاف عن مخبآت صدره
إن ...قد عرفت كل شيء ...قد فھمت الآن"ذلك السكون الشبیھ بصراخ القبور قالت متأوھة
المطران قد فرغ من حبك قضبان القفص الذي أعده لھذا الطائر المكسور الجناحین فھل ھذه ھي
."إرادتك یا والدي؟
.فلم یجبھا بغیر التنھدات العمیقة ثم أدخلھا الدار وأشعة الحنو تنسكب من ملامحھ المضطربة
.فبقیت أنا واقفاً بین الأشجار والحیرة تتلاعب بعواطفي مثلما تتلاعب العواصف بأوراق الخریف
ثم اتبعتھما إلى القاعة وكي لا أظھر بمظھر طفیلي یمیل إلى استطلاع الخصوصیات أخذت ید
ثم خرجت دون أن .الشیخ مودعاً ونظرت إلى سلمى نظرة غریق تلفت نحو نجم لامع في قبة الفلك
یشعروا بخروجي ولكنني ما بلغت أطراف الحدیقة حتى سمعت صوت الشیخ منادیاً فالتفت وإذا بھ
سامحني یا بني فقد "یتبعني فعدت إلى لقائھ، ولما دنوت منھ أمسك بیدي، وقال بصوت مرتعش
ألا تزورني عندما .جعلت ختام لیلتك مكتنفاً بالدموع، ولكنك سوف تجيء إليّ دائماً ألیس كذلك
یصیر ھذا المكان خالیاً إلا من الشیخوخة المحزنة؟ إن الشباب الغض لا یستأنس بالشیخوخة
الذابلة كما أن الصباح لا یلتقي المساء أما أنت فسوف تجيء إليّ لتذكرني بأیام الصبا التي
ألیس ..صرفتھا بقرب أبیك، وتعید على مسمعي أخبار الحیاة التي لم تعد تحسبني من أبنائھا
"كذلك؟ ألا تزورني عندما تذھب سلمى، وأصبح وحیداً منفرداً في ھذا المنزل البعید عن المنازل؟
لفظ الكلمات الأخیرة بصوت منخفض متقطع، ولما أخذت یده وھززتھا صامتاً أحسست بقطرات
الدموع السخینة قد تساقطت على یدي من أجفانھ، فارتعشت نفسي في داخلي وشعرت نحوه
بعاطفة بنویة عذبة محزنة تتمایل بین ضلوعي وتتصاعد كاللھاث إلى شفتي ثم تعود كالغصات إلى
أعماق قلبي ولما رفعت رأسي ورأى أن دموعھ قد استدرت الدموع من أجفاني انحنى قلیلاً
..مساء الخیر "ولمس بشفتیھ المرتجفتین أعالي جبھتي، ثم قال محولاً وجھھ نحو باب المنزل
.
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:48 pm

."مساء الخیر یا بني
إن دمعة واحدة تتلمع عن وجنة شیخ متجعدة لھي أشد تأثیراً في النفس من كل ما تھرقھ أجفان
.الفتیان
أما دموع الشیوخ فھي من .إن دموع الشباب الغزیرة ھي مما یفیض من جوانب القلوب المترعة
ھي بقیة الحیاة في الأجساد الواھنة، الدموع في أجفان الشبیبة .فضلات العمر تنسكب من الأحداق
أما الدموع على وجنة الشیخوخة فأشبھ بأوراق الخریف .كقطرات الندى على أوراق الوردة
.المصفرة التي تنثرھا الأریاح وتذریھا عندما یقترب شتاء الحیاة
واختفى فارس كرامة وراء مصارع الباب وخرجت أنا من تلك الحدیقة وصوت سلمى یتموج في
خرجت من ذلك .أذني وجمالھا یسیر كالخیال أمام عیني ودموع والدھا تجف ببطء على یدي
. .المكان خروج آدم من الفردوس ولكن حواء ھذا القلب لم تكن بجانبي لتجعل العالم كلھ فردوساً
خرجت شاعراً بأن تلك اللیلة التي ولدت فیھا ثانیة ھي اللیلة التي لمحت فیھا وجھ الموت لأول
.مرة
بحیرة النار -
الكلمات التي تھمسھا .كل ما یفعلھ الإنسان سراً في ظلمة اللیل یظھره الإنسان علناً في نور النھار
الأعمال التي نحاول الیوم إخفاءھا .شفاھنا في السكینة تصیر على غیر معرفة منا حدیثاً عمومیاً
.في زاویا المنازل تتجسم غداً، وتنتصب في منعطفات الشوارع
كذا أعلنت أشباح الدجى مقاصد المطران بولس غالب من اجتماعھ بفارس كرامة، وھكذا حملت
.دقائق الأثیر أقوالھ وأحادیثھ إلى أحیاء المدینة التي بلغت مسمعي
ما طلب المطران بولس غالب مقابلة فارس كرامة في تلك اللیلة المقمرة لیفاوضھ بشؤون الفقراء
والمعوزین أو یخابره بأمور الأرامل والأیتام، بل أحضره بمركبتھ الخصوصیة الفخمة لیطلب منھ
.ابنتھ سلمى عروساً لابن أخیھ منصور بك غالب
كان فارس كرامة رجلاً غنیاً ولم یكن لھ وریث سوى ابنتھ سلمى، وقد اختارھا المطران زوجة
لابن أخیھ لا لجمال وجھھا ونبالة روحھا بل لأنھا غنیة موسرة تكفل بأموالھا الطائلة مستقبل
.منصور بك، وتساعده بأملاكھا الوسیعة على إیجاد مقام رفیع بین الخاصة والأشراف
إن رؤساء الدین في الشرق لا یكتفون بما یحصلون علیھ من المجد والسؤدد بل یفعلون كل ما في
وسعھم لیجعلوا أنسباءھم في مقدمة الشعب ومن المستبدین بھ والمستدرین قواه وأموالھ، إن
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:50 pm

مجد الأمیر ینتقل بالإرث إلى ابنھ البكر بعد موتھ أما مجد الرئیس الدیني فینتقل بالعدوى إلى
الإخوة وأبناء الأخوة في حیاتھ، وھكذا یصبح الإنسان كأفاعي البحر التي تقبض على الفریسة
.بمقابض كثیرة وتمتص دماءھا بأفواه عدیدة
عندما طلب المطران بولس ید سلمى من والدھا لم یجبھ ذلك الشیخ بغیر السكوت العمیق والدموع
السخینة، وأي والد لا یشق علیھ فراق ابنتھ حتى ولو كانت ذاھبة إلى بیت جاره أو إلى قصر
ملك، أي رجل لا ترتعش أعماق نفسھ بالغصات عندما یفصلھ ناموس الطبیعة عن الابنة التي
إن كآبة الوالدین لزواج الابنة تضارع فرحھم بزواج .لاعبھا طفلة وھذبھا صبیة ورافقھا امرأة
.الابن لأن ھذا یكسب العائلة عضواً جدیداً أما ذاك فیسلبھا عضواً قدیماً عزیزاً
أجاب الشیخ طلب المطران مضطراً وانحنى أمام مشیئتھ قھراً عما في نفسھ من الممانعة وكان قد
اجتمع بابن أخیھ منصور بك وسمع الناس یتحدثون عنھ فعرف خشونتھ وطمعھ وانحطاط أخلاقھ،
لكن أي مسیحي یقدر أن یقاوم أسقفاً في سوریا ویبقى محسوباً بین المؤمنین؟ أي رجل یخرج عن
طائعة رئیس دینھ في الشرق ویظل كریماً بین الناس؟ أتعاند العین سھماً ولا تفقد أو تناضل الید
سیفاً ولا تقطع؟ وھب أن ذلك الشیخ كان قادراً على مخالفة المطران بولس والوقوف أمام مطامعھ
فھل تكون سمعة ابنتھ في مأمن من الظنون والتآویل، وھل یظل اسمھا نقیاً من أوساخ الشفاه
.والألسنة؟ أو لیست جمیع العناقید العالیة حامضة في شرع بنات آوى
وھكذا .ھكذا قبض القدر على سلمى وقادھا عبدة ذلیلة في موكب النساء الشرقیات الناعسات
سقطت تلك الروح النبیلة بالحبائل بینما كانت تسبح لأول مرة على أجنحة الحب البیضاء في
.فضاء تملؤه أشعة القمر وتعطره رائحة الأزاھر
تلك الخزائن الوسیعة التي یملؤھا .إن أموال الآباء تكون في أكثر المواطن مجلبة لشقاء البنین
ذلك الإلھ العظیم الذي یعبده .نشاط الوالد وحرص الأم تنقلب حبوساً ضیقة مظلمة لنفوس الورثة
وسلمى كرامة ھي كالكثیرات من .الناس بشكل الدینار ینقلب شیطاناً یعذب النفوس ویمیت القلوب
فلو لم یكن فارس كرامة رجلاً .بنات جنسھا اللواتي یذھبن ضحیة ثروة الوالد وأماني العریس
.غنیاً لكانت سلمى الیوم حیة تفرح مثلنا بنور الشمس
مر أسبوع وحب سلمى یجالسني في المساء منشداً على مسمعي أغاني السعادة وینبھني عند
حب علوي لا یعرف الحسد لأنھ غني ولا یوجع الجسد .الفجر لیریني معاني الحیاة وأسرار
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الأربعاء يوليو 18, 2007 8:51 pm

عاطفة .میل قوي یغمر النفس بالقناعة، مجاعة عمیقة تملآ القلب بالاكتفاء .لأنھ في داخل الروح
فكنت أسیر .تولد الشوق ولكنھا لا تثیره، فتون جعلني أرى الأرض نعیماً والعمر حلماً جمیلاً
صباحاً في الحقول وأرى في یقظة الطبیعة رمز الخلود، وأجلس على شاطئ البحر وأسمع من
أمواجھ أغاني الأبدیة وأمشي في شوارع المدینة وأجد في طلعات العابرین وحركات المشتغلین
.محاسن الحیاة وبھجة العمران
تلك الأیام مضت كالأشباح واضمحلت كالضباب ولم یبق لي منھا سوى الذكرى الألیمة فالعین
.التي كنت أرى بھا جمال الربیع ویقظة الحقول لم تعد تحدق بغیر غضب العواطف ویأس الشتاء
والنفس .والأذن التي كنت أسمع بھا أغنیة الأمواج لم تعد تصغي لغیر أنة الأعماق وعویل الھاویة
التي كانت تقف متھیبة أمام نشاط البشر ومجد العمران لم تعد تشعر بغیر شقاء الفقراء وتعاسة
وفي .فما أحلى أیام الحب وما أعذب أحلامھا، وما أمرّ لیالي الحزن وما أكثر مخاوفھا .الساقطین
نھایة الأسبوع وقد سكرت نفسي بخمرة عواطفي سرت مساء إلى منزل سلمى كرامة ذلك
الھیكل الذي أقامھ الجمال وقدسھ الحب لتسجد فیھ النفس مصلیة ویركع القلب خاشعاً ولما
بلغتھ ودخلت إلى تلك الحدیقة الھادئة أحسست بوجود قوة تستھویني وتستمیلني وتبعدني عن ھذا
العالم وتدنیني ببطء إلى عالم سحري خال من العراك والجھاد، ومثل متصوف جذبتھ السماء إلى
مسارح الرؤیا وجدتني سائراً بین تلك الأشجار المحتبكة والزھور المتعانقة، حتى إذا ما اقتربت
من باب الدار التفت وإذا سلمى جالسة على ذلك المقعد بظلال شجرة الیاسمین حیث جلسنا منذ
أسبوع في تلك اللیلة التي اختارتھا الآلھة من بین اللیالي وجعلتھا بدء سعادتي وشقائي فدنوت
منھا صامتاً فلم تحترك ولم تتكلم كأنھا علمت بقدومي قبل قدومي، ولما جلست بجانبھا أحدقت
بعینيّ دقیقة وتنھدت تنھدة طویلة عمیقة ثم عادت ونظرت إلى الشفق البعید حیث تعبث أوائل
اللیل بأواخر النھار، وبعد ھنیھة مملوءة بتلك السكینة السحریة التي تضم نفوسنا إلى مواكب
الأرواح غیر المنظورة، حولت سلمى وجھھا نحوي وأخذت یدي بید مرتعشة باردة، وبصوت
أنظر إلى وجھي یا صدیقي، أنظر إلى وجھي جیداً "یشابھ تأوه جائع لا یقوى على الكلام قالت
أنظر ...أنظر إلى وجھي یا حبیبي ...وتأملھ طویلاً واقرأ فیھ كل ما ترید أن تفھمھ مني بالكلام
."...جیداً یا أخي
فنظرت إلى وجھھا نظرت طویلاً فرأیت تلك الأجفان التي كانت منذ أیام قلیلة تبتسم
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

التالي

العودة إلى منتدى الشعر والنثر والأدب

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 6 زائر/زوار

cron