• اخر المشاركات

خصوصيــة الفسـاد الســـوري

مواضيع حياتية للنقاش الجاد و الصريح

المشرفون: noooooooooooor, Dr Rabie

خصوصيــة الفسـاد الســـوري

مشاركةبواسطة Dr.Bernard Soleman في الثلاثاء إبريل 12, 2005 9:04 pm

خصوصيــة الفسـاد الســـوري



يتحدد الفساد في كل المجتمعات الإنسانية بوصفه انحرافا عن معيار ما أو قيمة متفق عليها. وعلى الرغم من أن المجتمعات الانسانية جميعها وضعت ضوابطا ونظما في اتجاهين :

- الاتجاه الأول: قوانين جزائية رادعة تعمل على إخافة وتحذير من يرغب في ممارسة هذا السلوك المغاير أو اللامقبول

- الاتجاه الثاني: بناء هيكليتها الداخلية بشكل يجعلها منيعة نسبيا على اختراق الفساد لها..ابتداء من مبدأ الشفافية مرورا بمبدأ المحاسبة الذي يدفع بالفساد في حال وجوده إلى التواري أو الإختباء خشية الكشف عنه وبالتالي تعرضه إلى المبدأ الجزائي

وعلى الرغم من وجود هذه الضوابط الا انه غالبا ما يتسلل الفساد اليها عاملا على اختراقها ومتحديا لضوابطها

ومن هنا يصبح الفساد عملا محفوفا بالمخاطر يقوم به الفاعل على مسؤوليته الخاصة, وتحت طائلة العقاب.

ويعمل المجتمع أو النظم الاجتماعية على بناء المؤسسات الكفيلة بتعاضد وتكافل الاتجاهين السابقين ليكبحا معا بشكل متناسق ومساير تغلغل الفساد أو وجوده.

ولا يمكن للنظم الإنسانية والواقعية أن تكون حصينة بالمطلق لذلك فأن الفساد أول ما يتسلل من وإلى المناطق الاضعف وتحديدا تلك المناطق الملتبسة بالصياغات القانونية القابلة للتفسير أو الاجتهاد.. وهذه المفاصل غالبا ما تكون ممسوكة من الشرائح العليا في المجتمع.. وربما تكون الشرائح الواضعة لها أو الساهرة على تنفيذها هي الأقدر على فهم ثغراتها ومنافذها القابلة للاختراق.

لذلك فأن الفساد غالبا ما يتجلى أولا في تلك الشرائح أو على الأقل بمشاركة منها.

وكنوع من الحصانة الذاتية للهروب من النتائج الجزائية المترتبة يعمل الفساد على توسيع دائرته لإغراق الجهات التي يمكنها كشفه مستخدما كل الوسائل الممكنة بدءا من توريطها معه وصولا إلى إزاحتها من طريقه.

ضمن هذا المسار لا يكف الفساد عن إعادة إنتاج نفسه بشكل متواليات تتنامى في المجتمع أفقيا وعموديا. وبالتالي فإن الفساد ضمن منظوره الخاص أو تبعا لحركته لا يمكن أن يكون محدودا بسقف ما, يمكنه الاكتفاء عنده.

غير أن بنية المجتمعات المتطورة القائمة على التعددية والتنافس الحر تجعل من من حركة الفساد محدودة بجهات معينة أو بأفراد معدودين. فالفساد من شأنه أن يغير جزئيا أو كليا من التوازنات التي تقوم عليها هذه البنية وبالتالي الإضرار بمصالح العديد من الجهات الفاعلة والمالكة إمكانية الدفاع عن وجودها المصلحي لذلك فهي لن تقف مكتوفة الأيدي.

ومهما يكن فأن الفساد في هذه المجتمعات عاجز عن تبرير ذاته بغير ذاته نفسها, و التي ينص العقد الاجتماعي على رفضها أساسا. وبالتالي فإنه مهما استطاع أن يحمل من قوة وجبروت في هذه المجتمعات عاجز عن نقل القيمة السلبية التي يحملها إلى مدارج القيمة الإيجابية أو القيمة الملتبسة والتي تحتمل التأويل تحت مبررات مثل الحاجة أو الضرورة أو سواها.

الفساد في سورية: إذا كانت كل المجتمعات الإنسانية عرضة لحدوث اختراقات الفساد, فما الذي يميز الفساد في بلد مثل سورية عن سواها؟؟

من الصعب الإحاطة بملامح الفساد عموما وربما ليس هنا موضعه, غير أنه يمكننا الحديث عن الملامح الخاصة التي يتصف بها الفساد في سورية.

أولا: العلنية , ففيما يعمد الفساد بشكل عام إلى التستر فإنه في سورية يتصف بالعلنية على اكثر من صعيد.فهو علني على مستوى لحظة الممارسة , فلم يعد يحصل في جو من التكتم والخوف وإنما بشكل سافر, ومن المألوف أن ترى مواطنا يدس في يد أو جيب أو حتى في درج الموظف ,وأحيانا بين الأوراق قطعة نقدية. وربما يطلبها الموظف جهارا أحيانا أخرى, أو يساوم عليها إن كان المبلغ قليلا,وكثيرا ما تأخذ في بعض الأمكنة شكلا أو نوعا من أنواع التسعيرة!!.

كما إنها علنية على مستوى جهر القائمين بها, فمن المألوف أيضا أن تسمع البعض وهو يجاهر في حياته الاجتماعية بممارسته لهذا الفعل غير متحرج منه وغير شاعر بالحاجة إلى تقديم أعذار أو مبررات لمستمعيه. وإن اضطر فهو غالبا يملكها!! وهذا ما سنتحدث عنه في موضوع القيمة لاحقا.

بالطبع تتجلى العلنية بشكل أوضح واكثر تكرارا في الشرائح الدنيا, وفي المبالغ الصغيرة.

فيما تأخذ شكلا مداورا نسبيا في الشرائح العليا, وتأخذ تعبيرات مغايرة نسبيا مثل ثمن فنجان قهوة, أو إننا لن ننساك, أو حصتك محفوظة. وغالبا ما تتم في جو اكثر تكتما من الشرائح الدنيا.

ثانيا: اذا كأن الفساد انحرافا فمن الطبيعي أن يكون جزئيا أو محدودا. لكن الفساد استطاع أن يتسلل إلى جميع المؤسسات والقطاعات, ولا يمكن الحديث عن أية مؤسسة من مؤسسات الدولة دون الحديث عن الفساد. ويمكننا أن نقول بامتياز أن النخر عام وشامل. وكي لا يساء الفهم فأن عمومه وشموليته لا تعني أن الجميع مشاركون أو مشتركون فيه. أو حتى راضون عنه.

والعمومية هنا صفة تشير إلى وجوده عبر أفراد في كل المؤسسات وبشكل فاعل.

ثالثا: يمكن الحديث عن الفساد في العالم بوصفه يستخدم أساليبا غير مشروعة للحصول على حق غير مشروع أو لمنع حقوق مشروعة من الوصول إلى أصحابها. إما أن يصل الفساد إلى درجة يرى المواطن نفسه مضطرا بشكل إجباري لممارسته من اجل الحصول على حقه فإن ذلك يعني أنه قد دخل في مراحل متقدمة وبات هو المهيمن على مسار الأمور وهي حالة نادرة في العالم بشكل عام.

فالمواطن السوري يجد نفسه في كثير من الأحيان مضطرا إلى استخدام الأساليب الملتوية أو غير المشروعة ليحصل على حقه ذاته. فبين القوانين المتخلفة والتعليمات التنفيذية الشديدة الالتباس والمعيقة لحركة الحياة من جهة, وبين نفسية الموظف الذي يمارس الإعاقة للوصول إلى ذات النتيجة يرزح المواطن المجبر إلى اللجوء إلى هذا الأسلوب.

وبالمقابل فأن الاضطرار إلى الدفع أو استخدام الوسائط والنفوذ أو الاضطرار ايضا إلى الاحتيال يجعل نفسية المواطن طيعة واقرب إلى فعل ذات الشيء في موقع آخر أو ربما لاحقا بدافع الاعتياد والاستسهال.

باختصار أن جملة هذه الممارسات تصب في خانة الترويض للمواطن من خلال إغراقه وجعله هو نفسه مشاركا في أحد حلقات الفساد وبتعبير آخر إشراكه في تلويث يديه.

رابعا: لا يتجلى الفساد في سورية بآلياته التي ابتدعها فقط وإنما يزيد أيضا عن كل أشقائه من أنماط الفساد المعروفة بالعالم عبر التجاهل الكلي لأجهزة الرقابة( التطنيش) وعبر الانتقائية في الحالات الخاصة التي يحاسبها, والاهم من ذلك أن الأجهزة الرقابية ذاتها غالبا ما تكون ضالعة به ومتواطئة إلى حد بعيد أو ربما قابلة للشراء.

ولهذا فأن ضحاياها إما هم مبتدئون في سلم الفساد, أصابهم الحظ العاثر, واما هم أكباش لقضايا كبيرة لا يمكن الوصول إليهم ولا يمكن ترك الملف مفتوحا بدون أضحيات.

والجهاز الرقابي نفسه مؤسسة من هذه المؤسسات التي نتحدث عنها والتي هي بالمجمل خاضعة لسلالم ارتباطاتها بمناطق النفوذ وبشخصياته الكبيرة. وأن استقلالها المفترض لا يعدو كونه شكليا.

خامسا:إن اخطر سمات الفساد في سورية هي تعبيراته الاجتماعية التي قلبت مفهوم القيمة الاجتماعية لممارسيه . فبدل النظر إليهم في سياق موقعهم من خريطة الفساد كمنحرفين فأنهم لا يتمتعون بالوجاهة فحسب,بل أنهم تعبير عن النجاح وفق مفاهيم جديدة تأخذ شكلها بتعبيرات مثل حلال ع الشاطر, ومثل أنه محظوظ ومرضي الوالدين وسواه من المفاهيم التي بدأت تتفشى والتى يمكن أن نطلق عليها اصطلاحا أيديولوجيا الفساد.

وبالمقابل فإن اللوحة المعاكسة يمكن أن تكون اكثر إفصاحا وذلك بوصف ووسم الشخص النزيه بألقاب مثل مغفل أو حمار أو غبي. وهذا يدل على عمق تبدل النظرة تجاه الفساد والرشوة واستغلال النفوذ في وعي المواطن, حيث يصبح الفساد في هذا النسق رغبة أو امنية يحاول الجميع تحقيقها أو الوصول إليها أو على الأقل المشاركة فيها.

إن تبدل القيمة هو دليل مهم جدا في خصوصية الفساد السوري, وينم عن امتلاكه لأهم مفاصل الفعل في الشارع السوري, وعن كونه معبرا وحيدا لممارسة أي نشاط حيوي. فكأنما لا يمكن التحرك الا من خلاله أو عبره.

إن تبدل القيمة هذا يجعل من الإصلاح الإداري الذي تتبناه الحكومة عملا قليل الجدوى ولن يستطيع أن يأتي ثماره لأن المشكلة قد تفاقمت إلى حد الايمان بالفكرة ذاتها.

إن اعتلاء الفساد إلى سدة الفكرة في أذهان المواطنين يحتاج إلى عمل مضاد من نفس النوعية, يحتاج إلى الفكرة المعاكسة إلى إيمان معاكس.

ولا اقصد هنا الوعظ الأخلاقي أو الخطب الطنانة التي تحاول نزع هذه الفكرة من الأذهان لأن ذلك عمل لا طائل منه وتحديدا في مثل هذه الظروف.

يحتاج الأمر إلى خلق الوعي البديل من اجل الكف عن التصرف بثروات الوطن كأنها غنيمة مستباحة أو لقية لا صاحب لها ويأخذها من يسبق إليها.

ولا يمكن لهذ الوعي البديل أن ينشأ الا بازالة الظروف التي أنشأت نقيضه. إنها بالتحديد ظروف الاحتكار وسياسة الوصايةمن جانب والتهميش من جانب آخر.

إن إشراك المواطن نفسه في عملية البناء والقرار وإشعاره أنه غير مقصي أو مستبعد عن دائرة الفعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي من شأنه أن يعزز هذا الإيمان الذاتي ويدفع بفكرة الفساد المكافئة لفكرة النجاح الشخصي إلى التراجع من خلال إحساسه بأنه صاحب المصلحة الحقيقية في الغاء الرشوة والهدر والتسيب والمحسوبيات والواسطة والتمييز والعرقلة وسواه من دلالات الفساد كما إن هذا الاشراك من شأنه أن يرفع لديه الحس بالمسؤولية الحقيقية, بالاضافة ايضا الى تفعيل المحاسبة والقضاء والاعلام.

ومن جهة ثانية فإن هذا الإشراك ينزع القيود المفروضة على الشرفاء ويحرر إمكانياتهم, و يتيح للأفراد وللمفاصل الوطنية النزيهة أن تتحرك لمجابهة الفساد بشكل فعلي عوضا عن المجابهة الاسمية التي سرعان ما يمتصها بفعل وحدانيته أو بفعل استناده إلى تغطية التطنيش.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الإشراك لا يلغي أو يؤجل السير قدما باتجاهات أخرى كالإصلاح الإداري والاقتصادي وزيادة الأجور. اللهم إلا إذا كان العقل العربي أو المجتمعات العربية غير مهيأة بعد إلا لسياسة الخطوة خطوة, أو للإصلاح الأحادي بالتتابع.



الكاتب: محمد صارم المصدر: كـلـنــــا شركاء في الوطـــن
Dr.Bernard Soleman
عضو فعال
عضو فعال
 
مشاركات: 29
اشترك في: الأربعاء مارس 16, 2005 8:59 pm
مكان: طرطوس - بديرة

العودة إلى بصراحـــة

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 8 زائر/زوار

cron