• اخر المشاركات

الدعم ...تحديّات الواقع و مسؤولية القرار ...

أخبار شاملة , استثمار , قرارات جديدة ...

المشرفون: Dr Rabie, ali

الدعم ...تحديّات الواقع و مسؤولية القرار ...

مشاركةبواسطة ali في الأحد يونيو 17, 2007 9:11 am

بقلم الدكتور الياس نجمة


شام برس -خاص

تعتزم الدولة كما يصرح بذلك عدد كبير من المسؤولين فيها - منذ عامين حتى الآن - إعادة النظر بدعم المشتقات البترولية و إعادة النظر بأسعارها، معللة ذلك بان تكاليف دعم أسعار هذه المشتقات قد تجاوز مئات المليارات ((بحدود 250 مليار حسب تصريحات بعض المسؤولين)) و الدولة لم تعد قادرة بسبب مواردها المحدودة على تحمل ذلك.كما أن دعم أسعار هذه المشتقات البترولية أدى بسبب انخفاض أسعارها قياسا بما هو قائم في البلدان المجاورة إلى تهريبها خارج الحدود حيث يذهب بذلك جزء من الدعم إلى غير السوريين، وقدر بعض المسؤولين في تصريحاتهم أن حجم التهريب يقارب 15%من مادة المازوت و غير المازوت سواء المنتج أو المستورد ويذهب البعض الأخر ليتكلم عن نسبة تفوق ذلك.كما يعرضون – أي هؤلاء المسؤولين – أن الدعم يذهب إلى غير مستحقيه، وأن المستفيدين من الدعم هم الأغنياء أكثر من الفقراء وذلك من خلال ارتفاع كمية استهلاكهم في منازلهم أو قصورهم لمادة المازوت للتدفئة، وفي سياراتهم الخاصة الفارهة لمادة البنزين. و بالتالي لا بد من تصويب الوضع من خلال إعادة النظر كليا بطريقة الدعم الحالية و اللجوء إلى طريقة أخرى، منها رفع أسعار المشتقات النفطية لتخفيض تكاليف الدعم و الحد من التهريب و محاولة إيجاد طرق لإيصال الدعم إلى مستحقيه من خلال إجراءات حكومية لازال ما ذكر حولها ضبابيا وعاما حتى الآن. إنما يقولون - أي المسؤولين - أنهم يجرون دراسات حولها ليصلوا إلى القرار الأفضل و الصيغة الأنسب.إن الاقتصاديين على العموم يكرهون الدعم وهم يعتقدون أن الدعم هو خروج عن قاعدة حقيقة السعر وهو،أي الدعم، يشوه بنية الأسعار وفقا لمفهوم التكلفة، كما يخلق الأسواق السوداء و متفرعاتها من سوء الاستخدام إلى التهريب ...و يقولون أن العالم بأكمله يتجه لتطبيق سياسات حقيقة السعر . وان اليابان لم تعرف كينز ولم تعرف ماركس بل عرفت حقيقة السعر و التي قادت بها إلى نهضتها الاقتصادية لا بل إلى أعجوبتها الاقتصادية .وأن البنك الدولي يتبنى في كل توجيهاته و نصائحه للدول التي تعاني من مصاعب إعادة الهيكلة إلغاء الدعم أو التخفيف منه على الأقل، خصوصا و أن هذا البنك وإتباعه من الاقتصاديين في العالم الثالث لا يتوقفون كثيرا أمام الجوانب السياسية و الاجتماعية لموضوع الدعم ، وقد صرح أحد أهم المسؤولين الاقتصاديين لدينا بأنه لا يرغب ولا يستطيع أن يحمّل الاجتماعي على الاقتصادي ، ثم عاد وتراجع عن هذا التصريح كما علمنا .أما الاقتصاديون البراغماتيون فيقولون انه بالرغم من كل ما ذكر فالدعم موجود في عدد كبير من الدول و بصيغ مختلفة . كما أن القضايا الاقتصادية ليست اقتصادية بحتة . و أن معالجة أية مسالة اقتصادية بمعزل عن الجوانب السياسية و الاجتماعية هو أمر خطير، بل إن الأخذ بهذه الجوانب أكثر أهمية من معالجة الجوانب الاقتصادية نفسها.و أن دول العالم جميعها تحمّل الاجتماعي على الاقتصادي و إن كان بنسب مختلفة .و أن دول العالم الثالث ،بالرغم من عالمية الأشياء، لا تستطيع أن تمارس ترف السياسات التي تتحكم بها النظريات أو الايدولوجيا أكثر مما ينبغي لأن اقتصادياتها تعاني من عدم الاندماج و التجانس، وتعاني من ثنائيات خطيرة و صعبة، وأن السياسات الاقتصادية لا توضع من فراغ بل في ضوء معطيات الواقع بكل جوانبه .أما تهريب مادة المازوت بسبب تدني أسعارها لدينا فلا يعتقدون أن الإجراءات الاقتصادية وحدها هي المسؤولة عن معالجته خصوصا أن التفاوت بالأسعار سيبقى قائما لفترات طويلة .بناء على كل ماسبق وجدنا أن نتقدم بمجموعة من الأفكار و أن نطرح بعض الأسئلة علّ الإجابة عليها تساعدنا في توصيف المشكلة و تحديد طبيعتها و إسقاطاتها و أثارها و أبعادها الحقيقية، للوصول إلى أفضل الحلول أو أقلها سوءا على الأقل. أولا: هل ما هو مطروح الآن هو الأخذ بمبدأ الأسعار الحقيقية على صعيد أسعار المشتقات البترولية فقط أم أنه سيكون مقدمة للأخذ بهذا المبدأ على مستوى الاقتصاد الوطني ككل ؟نحن في سورية لدينا في الحقيقة اقتصاد مدعوم، بمعنى أننا ندعم الصناعة و الاستثمار من خلال الإعفاء من أو المعاملة التفضيلية في الضرائب، و ندعم الاستهلاك من خلال التدخل بأسعار بعض المواد التموينية .و لا اعتقد أن أحدا في سوريا يفكر بشكل جدي بالتراجع عن هذه السياسات التي ترسخت في السنوات الأخيرة.كما أن أنصار رفع الدعم عن المشتقات البترولية لا يطالبون بالأخذ بمبدأ حقيقة السعر أي تكلفة الإنتاج كوننا بلدا منتجا للنفط، بل يريدون الأخذ بأسعار السوق العالمي للبترول وليس الأسعار المبنية على تكاليف الإنتاج الوطنية للبترول . وهذا أمر هام جدا أي ينادون بالأخذ بالمتناقضات داخل السوق الوطني الواحد أي تطبيق أسعار طاقة افتراضية عالمية على اقتصاد لازالت مقاييس القيم فيه محلية وطنية وخصوصا بما يتصل بمستويات الأسعار و تكاليف الإنتاج .و في نفس السياق أيضا : هل سياسة أسعار المشتقات البترولية في البلدان المنتجة للنفط هي نفسها في البلدان غير المنتجة للنفط أي المستوردة له؟ ففي مصر مثلا و هو بلد عربي شقيق له أوضاع اقتصادية قريبة لأوضاعنا و منتج للنفط بنسب مماثلة تقريبا لنا، يُمارس حتى الآن سياسة دعم أسعار المشتقات البترولية في السوق المحلية كما نمارسها نحن و ربما بنسب اكبر بالنسبة لبعض المشتقات. في حين تمارس سياسات أخرى في بلدان مجاورة كالأردن و لبنان وتركيا لسبب جوهري وهو أن هذه البلدان غير منتجة للنفط و هي مستوردة خالصة لكميات النفط المستهلك لديها

وهذا الأمر هام ولا بد من التوقف عنده لدى إجراء المقارنات الصحيحة .

ثانيا : أن المشتقات البترولية لا تستخدم فقط في التدفئة المنزلية للأغنياء و السيارات الخاصة العائدة لهم، فما يذهب في هذا الاستخدام هو ضئيل وممكن معالجة وضعه بما يخدم مقولة إيصال الدعم لمستحقيه التي ينادي بها بعض المسؤولين لدينا، و ذلك من خلال فرض رسوم "بنزين أو مازوت" حسب الحالة على السيارات الخاصة الكبيرة و البيوت الفارهة أو القصور، وهذا ممكن ونحن نعرض هذه المسألة لإيضاح الواقع لأن الجميع يعرف بأن القسم الأكبر من استهلاك المشتقات البترولية لدينا يذهب للنقل العام وللزراعة و للصناعة و للخدمات العامة و استخدامات أصحاب الدخول المتوسطة أو الضعيفة في تدفئة منازلهم أو بترول سياراتهم الصغيرة الحجم عادة، فكل زيادة في أسعار المشتقات البترولية سينعكس حتما على تكلفة السلع و الخدمات التي تنتجها هذه القطاعات وعلى المستوى المعاشي للفئات التي ذكرت سابقا وعلى امتداد الاقتصاد الوطني ككل .


ثالثا :هل نحن في وضع تنافسي جيد من حيث الكلف و الأسعار سواء داخل الوطن في مواجهة السلع المستوردة أو في الخارج بالنسبة للصادرات السورية بحيث لا نخشى من ارتفاع الكلف لدينا و بالتالي ارتفاع أسعار منتجاتنا و خدماتنا ،و خصوصا أننا أصبحنا شريك حقيقي في منطقة التجارة العربية الحرة ،و أننا نمارس سياسة الانفتاح على الأسواق الخارجية عبر اتفاقات و معاهدات مع عدد كبير من الدول و المجموعات بعضها دخل حيز التنفيذ و بعضها الأخر قادم على الطريق !هل تساءلنا عن وضعنا التنافسي في عدد كبير من السلع الصناعية و المنتجات الزراعية و الخدمات التي ننتجها ،و آثار رفع تكلفة الإنتاج الناجمة عن رفع الدعم على الوضع التنافسي لهذه السلع و الخدمات و المنتجات !ما نقرؤه في الصحف و على لسان الرسميين و أصحاب الشأن، أن قدراتنا التنافسية لازالت ضعيفة أمام تحديات الشراكة الأوربية وأمام عدد كبير من الدول العربية و الأجنبية ،و وضعنا التنافسي الضعيف ليس في الخارج فحسب وإنما في الداخل أيضا ،بمعنى أن بعض منتجاتنا – الصناعية على وجه الخصوص – تجد صعوبة في الوقوف في وجه السلع الأجنبية في السوق المحلي فماذا إذا ازدادت التكلفة لدينا بدون أي تهيئة أو استعداد مسبق و بدون أي تدرج؟.

رابعا: ما هو وضعنا التضخمي الآن ؟ ...هل نحن في وضع تضخمي مريح حيث معدل زيادات الأسعار لدينا يتراوح بين 2 و5 % فقط وهو المعدل المتسامح به اقتصاديا و اجتماعيا، أم أننا في وضع تضخمي صعب و أن زيادات الأسعار في السنتين الماضيتين تجاوزت 10و15 لا بل 20% سنويا كما يقال بصورة غير رسمية في بعض الأوساط الرسمية. وان هذه الزيادات مرشحة للاستمرار في الأجل القريب و المتوسط على الأقل بسبب الحالة التضخمية التي دخلنا بها ،و التي كان لبعض تصرفات السلطات المختصة لدينا دورا كبيرا فيها من خلال سياسات الفوائد المضطربة التي مورست كردّات فعل ، وزيادات الأسعار التي طبقتها بعض قطاعاتنا الإنتاجية العامة ،و بعد أن أفسحت وزارة المالية المجال للجميع لممارسة المضاربات العقارية من خلال التخفيضات الضريبية التي أتاحها التطبيق الفعلي للقانون 41 تاريخ 26/12/2005 الصادر حول ضريبة أرباح العقارات.و قد تخوفنا في حينه من أن يؤدي إصدار هذا القانون إلى إشعال فتيل المضاربات العقارية و ما ينجم عنه من ارتفاع الأسعار [1] و قد عبرنا عن هذه المخاوف أمام عدد من أعضاء مجلس الشعب آنذاك دون أن تتاح لنا فرصة التعبير عن ذلك أمام أصحاب الشأن في وزارة المالية لأسباب لا تتصل بنا. إذن ما هو وضعنا التضخمي الآن ؟! هل يسمَح لنا بزيادة أسعار المشتقات البترولية التي ستؤدي حتما إلى زيادة التكلفة و بالتالي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار و التضخم ،و خصوصا أن التضخم لدينا هو في تكوينه الأكبر تضخم كلفة و ليس تضخم طلب لأسباب لا تخفى على أحد . خامسا: إن فكرة الدعم قامت بالأساس للتخفيف عن الضعفاء اقتصاديا بسبب عدم عدالة توزيع الدخل القومي بين مختلف الفئات الاجتماعية و بسبب المستوى العام المنخفض للأجور لدينا،لأن توزيع الدخل القومي " الناتج المحلي الإجمالي " إذا ترك لعفويته يحابي الدخول الناتجة عن عنصر رأس المال على حساب الدخول الناتجة عن قوة العمل (الأجور) . فهل توزيع الدخل القومي لدينا الآن هو أفضل و أكثر عدالة مما كان عليه في السابق أي عندما قامت فكرة الدعم؟ و هل مستويات الأجور و قوتها الشرائية قد ازدادت عن هذا السابق؟ .يقول عدد كبير من الخبراء الاقتصاديين الجديين من خلال مشاهداتهم و بعض التحليلات و الحسابات التي يقومون بإجرائها – بسبب غياب الإحصاءات الرسمية التي تمتنع الإدارات المختصة مع الأسف عن الإفصاح عنها عمدا أو تقصيرا- بان الوضع الآن على صعيد القوة الشرائية للرواتب والأجور رغم الزيادات التي تحققت و أيضا على صعيد عدالة توزيع الدخل القومي هو أسوأ كثيرا من السابق. فماذا سيكون الوضع إذا رُفع الدعم ؟! إن رفع الدعم حتى لو عوض عنه لبعض الفئات سيؤدي حتما- كما يعترف الجميع بمن فيهم المنادين به- إلى زيادة إضافية بالأسعار أي زيادة إضافية للتضخم الذي نعاني منه بشدة هذه الأيام . والتضخم كما هو معروف وكما صرح الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران: " إنه ضريبة يدفعها الفقراء إلى الأغنياء"، و ذلك من خلال زيادة القيم العينية التي يملكها الأغنياء و تآكل و تناقص القوة الشرائية للدخول النقدية التي يتقاضاها الفقراء، وهذا سيُسبب بدوره تفاقما شديدا جديدا لسوء توزيع الدخل القومي الشديد السوء في الوقت الراهن، والذي بات يهدد الاستقرار الاجتماعي و يمس بلحمة الوحدة الوطنية التي يجب أن نصونها بتخفيف الفوارق و إزالة أسباب الغضب الناجمة عن الحرمان و التفاوت الكبير في سوء توزيع الدخل .

سادسا: إن سياستنا الاقتصادية العامة ترفع شعار " تشجيع الاستثمار " وهو شعار صحيح وضروري فهل تساءلنا بأية كلفة طاقة نريد أن نقوم باستثماراتنا ؟ هذا السؤال طرح بعد الحرب العالمية الثانية عند البدء بإعمار أوربا و قد اتخذ القرار من المؤسسات المالية الدولية الممولة للإعمار آنذاك و السلطات الاقتصادية المحلية في أوروبا بضرورة اعتماد سياسة أسعار الطاقة الرخيصة، أي اعتماد أسعار طاقة رخيصة و مصادر الطاقة آنذاك كانت الفحم و البترول المستورد بكميات كبيرة من أمريكا بالذات وغيرها من البلدان .كما طرحت الجزائر على نفسها هذا السؤال بعد الاستقلال حيث أخذت بنفس السياسة رغم حاجتها الماسة لتصدير أكبر كمية من النفط إلى الخارج للحصول على موارد مالية .مصر حاليا تأخذ بنفس السياسة . فهل فكرنا نحن بهذه المسالة للأسف لدينا انطباع أنه عندما وضعت الخطة الخمسية العاشرة لم يبت بشكل جازم بهذا الموضوع، كما لم تدرس بشكل كاف أيضا الجوانب المالية للخطة وذلك لأسباب تتجاوز معرفتنا .و نعود لنتساءل انه في الوقت الذي تتخذ فيه كافة الإجراءات لتشجيع الاستثمار، أليس علينا أن نلاحظ أن أسعار الطاقة الرخيصة لدينا هي من أهم عوامل جذب الاستثمار؟ و أن زيادة أسعار المشتقات البترولية و ما سينجم عنها من زيادات في الكلف هو عامل غير مساعد لتشجيع الاستثمار وتطويره و تخفيض كلفه و هو الذي ضحينا في سبيله بالكثير من موارد الدولة الضريبية وغير الضريبية ... إلا يبدو هناك تناقض ما في هذا الموضوع؟؟؟

سابعا: ما هو وضعنا البترولي الحقيقي على صعيد الإنتاج الوطني ؟ و ما هي الأرقام الحقيقية للدعم؟ إن الإجابة الدقيقة و الموثوقة عن هذين السؤالين أمر هام جدا و أساسي للخروج بحلول وأجوبة مقنعة على هذا الموضوع الذي نحن يصدده . فالتصريحات التي أطلقها عدد من المسؤولين الاقتصاديين لدينا حول أرقام إنتاج البترول و حول الاحتياطي النفطي تتباين كثيرا،حيث تعلن أوساط وزارة النفط أن إنتاجنا لا زال جيدا وانه يتجاوز 420 ألف برميل يوميا أي أكثر ب40% من الاستهلاك الداخلي و سوف يستمر لسنوات أخرى طويلة و قد تزداد هذه السنوات إذا اكتشفنا احتياطات جديدة، وان مناطق الأمل ،كما يسمونها بتروليا، واعدة جدا، و أن عدد عقود الاستكشاف التي أبرمتها وزارة النفط مع عدد من الشركات الأجنبية يدلل على ذلك. في حين يتكلم مسؤولون يشغلون مواقع اقتصادية رفيعة عن التراجع الحاد بإنتاجنا النفطي و قرب نفاذه، وأن ميزاننا النفطي المالي أصبح عاجزا و يقدمون أرقاما تهويلية تتجاوز مئات المليارات التي ترصد للدعم . صحيح نحن تستورد حاليا بحدود 3.5 مليون طن مازوت و لكننا نصدر في مقابلها 3.5 مليون طن بترول خام كان من الممكن أن تكرر محليا لو كان لدينا مصاف كافية، إذا ما نخسره جراء استيراد المازوت هو الفرق بين سعر المازوت كمشتق بترولي و سعر البترول الخام و هذا الفرق هو بحدود 100 دولار للطن و ربما أكثر من ذلك بقليل، و بالتالي خسارتنا بهذا الشأن حوالي 350 إلى 400 مليون دولار و ليس مئات المليارات[2] و هي مع الأسف بسبب إهمالنا لإقامة طاقة تكريرية كافية طالبنا بها منذ أكثر من عشر سنين . إذا نحن بحاجة إلى أرقام موثقة صحيحة مقنعة حول موضوع كلفة الدعم الحقيقية و بجميع مراحلها ومستوياتها و طريقة حسابها حتى يقتنع بها المواطن، لأنه لا يجوز للحكومة أن تعطي أرقاما إعلامية لتبرير سياسيات و إجراءات خطيرة وهامة جدا حتى لا نقول شيئا أخر أو نردد ما يقال في الشارع. و هنا يجب أن نتوقف و نطرح السؤال الحقيقي: هل المشكلة لدينا هي الأخذ بمبدأ حقيقة السعر لنتخلص من الآثار السلبية لسياسة الدعم و قد ذكرناها سابقا، أم أن المسالة الحقيقية هي أن الدولة تريد رفع أسعار المشتقات البترولية لأنها تواجه قصورا كبيرا في مواردها العامة و أن المسالة أساسا هي مسالة موارد ؟؟؟ وبدلا من العمل على زيادة الموارد تلجا الدولة إلى تخفيض النفقات . حتى ستينات القرن الماضي [3] كان أكثر من 90% من مواردنا العامة تأتي من الضرائب، و لكن بسبب إتباع سياسة الحلول السهلة في الإيرادات العامة بدأنا نعتمد رويدا رويدا على الاستدانة من المصرف المركزي عبر الإصدار النقدي وعلى فوائض القطاع العام و على موارد النفط اعتبارا من النصف الثاني من الثمانينيات حتى أصبحت الموارد النفطية تتجاوز 50% من الإيرادات العامة في الموازنات السابقة و قد بلغت 40% في موازنة 2005 و ما بعد. و لم تتراجع هذه الموارد كثيرا في السنوات التالية رغم انخفاض إنتاجنا النفطي وذلك بسبب ارتفاع أسعار البترول عالميا و ذلك رغم كل ما يزعم حول هذا الموضوع . فإذا كانت أرقام وزارة النفط عن إنتاجنا النفطي صحيحة إذن المسالة مسالة موارد فهل فكرنا بسياسات موارد ضريبية و غير ضريبية جدية وفعالة تحقق العدالة في التوزيع و الوفرة في الموارد؟ هل فكرنا بسياسات حازمة و موضوعية يعرفها أهل العلم تساعد على زيادة الموارد دون إحداث اعوجاجات أو اختناقات اقتصادية ؟ إن نظامنا الضريبي الحالي غير مقنع بسبب عدم عدالته ،و غير فعال حاليا بسبب تخلف و قدم ضرائبه و عدم عصرنته قياسا على الأنظمة الضريبية الموجودة في الدول العربية المجاورة كتركيا و مصر و الأردن و تونس . فجميع التعديلات التي أجريت عليه مؤخرا كانت هامشية و لا تمس بنيته[4] و لم تؤدي إلى زيادة فعلية حقيقية بموارده، و كانت مع الأسف استرضائية للبعض مما أوقعه في تناقضات كبيرة عند تكليف الأجور و الأرباح. كما أن إصدار تشريعات ضريبية ثم تجميد العمل ببعض نصوصها، أو العودة عنها بعد فترة قصيرة ثم تعديلها من جديد احدث اضطرابا شديدا يتنافى مع مبدأ الاستقرار التشريعي الذي يصر عليه كبار الفقهاء الماليين و الذين يمارسون العمل المالي نظرا لخطورة و أهمية هذا الموضوع. فإصدار التشريع الضريبي ثم العودة عنه بصورة سريعة و متكررة ،كما يباهي بذلك أحد أهم المسؤولين الماليين لدينا بحجة أن العودة عن الخطأ خير من التمادي فيه، هو اعتراف ضمني بعدم الأخذ بالقواعد الأصيلة للتشريع المالي ،و يعني بكل بساطة أننا قصرنا و لم ندرس كفاية هذا التشريع قبل صدوره ،أو أننا كنا مخطئين في إصداره، أو حين تعديله إذا تم التعديل خلال فترة وجيزة لم تقع فيها أحداث مستجدة تسوغ التعديل. و حسب علمنا في جميع الدول لا أحد يتسامح مع الأخطاء التي يرتكبها الشخص العام.




وأخيرا، إن قرار رفع أسعار المشتقات البترولية في جميع الأزمان و في جميع الدول هو قرار غير شعبي مهما كانت مسوغاته، و خصوصا إذا مس مصالح الفئات الفقيرة و زاد من حدة التضخم و التفاوت في الثروة و الدخول. فهل نحن في وضع اجتماعي و شعبي نستطيع فيه أن نمارس سياسة القرارات غير الشعبية في هذا الظرف الذي يتطلب تعبئة كل الجهود و رص الصفوف و تمتين أواصر الوحدة الوطنية ؟ وهل نكافئ الولاء العالي الذي تبديه الجماهير في كل موقعة من مواقع الوطن بعدم الاكتراث بحقوقها ؟!

علينا أن نطرح هذا السؤال على أنفسنا بكثير من الحس بالمسؤولية و بالحرص على وطننا و خصوصا أن البعد الاجتماعي و السياسي هامين جدا في أي قرار اقتصادي، و خصوصا أيضا أن الحلول السحرية المقترحة لإيصال الدعم لمستحقيه نخشى أن تكون حلولا غير ناجحة و بيروقراطية و عقيمة ومكلفة نضطر للعودة عنها بعد وقت قصير ولكن بعد فوات الأوان . في ضوء كل ما تقدم هل نستطيع اتخاذ القرار الأقل سوءا إذا تعذر علينا ،لظروف موضوعية، اتخاذ القرار الأكثر نجاعة ؟؟.




.. استاذ جامعي وسفير سابق









--------------------------------------------------------------------------------



1-

صرح السيد وزير المالية في المركز الثقافي في المزة بتاريخ 22/5/2007 أن وزارة المالية قامت بإعادة تقييم قطعة أرض من 500 مليون إلى 1000 مليون ليرة و ذلك خلال أربعة أشهر بسبب ارتفاع الأسعار
2 - رغم كل شيء لاتزال لدينا فوائض نفطية ،إذ بلغت الفوائض النفطية في الموازنة العامة للدولة 177 مليار ليرة سنة 2006 و من المنتظر أن تكون 246.5 مليار ليرة عام 2007 كما جاء في محاضرة السيد وزير المالية في المركز الثقافي في المزة بتاريخ 22/5/2007. 3

- المصدر : كتاب الاقتصاد المالي لمؤلفه الدكتور كمال غالي – جامعة دمشق 1968.
4-

لازال النظام الضريبي السوري يعتمد على الضرائب النوعية قي تكليف الدخول و هي ضرائب قديمة غير فعالة ولا تسمح بتحقيق التصاعدية الحقيقية و قد تم التراجع عنها في كل دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية و تم التراجع عنها منذ 25 عاما في عدد كبير من الدول العربية كالأردن ومصر و الجزائر و المغرب و تركيا إلى أخره ... كما أننا لازلنا مترددين في تطبيق ضريبة المبيعات المطبقة في كل مكان . كما أن العبء الضريبي لدينا لازال ضعيفا و ضعيفا جدا إذا ما قورن بالبلدان المتطورة أو البلدان المجاورة أو المماثلة لنا اقتصاديا كمصر . وان الزيادات المتحققة بالإيرادات الضريبية في السنوات الأخيرة رغم ارتفاع وتيرة النشاط الاقتصادي و زيادة الاستيراد و التي أعلن عنها السيد وزير المالية في محاضرته في المركز الثقافي في المزة بتاريخ 22/5/2007 إذا أخذت بالأسعار الثابتة تكاد تكون معدومة و إذا أخذت بالأسعار الجارية فهي لازالت ضعيفة بجميع المقاييس خصوصا إذا ما عرفت أسبابها الظرفية.




"قد أختلف معك في الرأي لكني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً في سبيل حريتك في التعبير عن رأيك" فولتير.
ali
مشرف
مشرف
 
مشاركات: 767
اشترك في: الثلاثاء مارس 06, 2007 4:51 pm

العودة إلى أخبار بلدنا الحبيب سوريا.

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار

cron