• اخر المشاركات

دمشق مهددة بالطرد من "لائحة التراث العالمي"

أخبار شاملة , استثمار , قرارات جديدة ...

المشرفون: Dr Rabie, ali

دمشق مهددة بالطرد من "لائحة التراث العالمي"

مشاركةبواسطة فادي عبود فهوم في الخميس يونيو 07, 2007 12:04 am

دمشق مهددة بالطرد من "لائحة التراث العالمي"
هو عام دمشق كعاصمة للثقافة العربية، فإن العام 2007 يستحق أن يوصف بعام معارك إبقاء دمشق على قائمة التراث الإنساني، لا سيما بعد تحذير «اليونسكو» بوضعها على لائحة التراث المهدد بالخطر. والمفارقة أن المعارك الشرسة التي ما تزال رحاها تدور على أكثر من مستوى لا تهدف الى منع سكان الأسواق القديمة من التعدي على التراث وتشويه المعمار بالهدم والمخالفات، بل هي معارك ضد المسؤولين عن حماية المدينة لكبح طموحاتهم السياحية، التي بدأت تتجاوز خطوط الأمان بمشاريع تهدف بأحسن الحالات الى تحويل منطقة شعبية تغلي بالبشر والنشاطات التجارية والصناعية إلى مجمعات تجارية حديثة، نطرب للفظها الغربي «مول» ونميل نشوة ونحن نقولها بصيغة الجمع العربية «مولات»، وكأنما تطعيم اللغة والمدن بمظاهر وألفاظ الحداثة كاف لوضعنا على مشارف الحضارة.
الجدل ابتدأ شرساً، حول مشروع إعادة تأهيل دمشق، لدى قيام بلدوزرات محافظة دمشق بإزالة منطقة السوق العتيق وميتم سيد قريش، تحت جنح الظلام أواخر العام الماضي 2006.
هذه الواقعة دقت ناقوس الخطر، واعتبر كثير من الأهالي والمثقفين والصحافيين ما جرى جريمة بحق التراث، خاصة إذا استمر زحف المشروع نحو شارع الملك فيصل، الموازي لسور المدينة من جهة الشمال حيث يمتد كمنطقة حماية عازلة، وتصل الحياة داخل سور المدينة القديمة بالحياة في توسعها خارج السور. وتقع في هذه المنطقة المهددة بالهدم عدد من أسواق دمشق العائدة للعهد المملوكي، كسوق المناخلية والنحاسين والحدادين وسوق العمارة البرانية (حي كبير شمال دمشق القديمة، داخل السور).
المشروع حسب المختصين يعتمد أساسا على مخطط وضعه المهندس المعماري الفرنسي إيكوشار عام 1968، ورأى فيه أن ما يستحق الحماية من المدينة القديمة هو فقط المساحة الممتدة داخل السور الروماني، مع تجاهل المعالم التاريخية للمدينة خارج السور، والتي توسعت ونمت في عهود المماليك والسلاجقة والأيوبيين والعثمانيين.
المدافعون عن مشروع التأهيل يقولون إنه يهدف لتجميل المنطقة الواقعة شمال سور دمشق باعتبارها منطقة تاريخية وتشكل متنفساً طبيعياً يخترقها نهر بردى وتمر بمحاذاة أبواب السلام والفراديس والفرج، والتأهيل سيزيل التعديات عن جانبي النهر للاستفادة من الفراغ الحاصل بتنفيذ طريق يربط منطقة البحصة بباب توما ويكشف عن تلك الأبواب وعن سور المدينة، كما سيوجد ذلك حلا للأزمة المرورية الخانقة.
الرافضون للمشروع، وفي مقدمتهم المتضررون من شاغلي المنطقة المهددة (تجار وصناع وسكان وحوالي 5000 أسرة تعيش من موارد السوق) بالإضافة الى مهتمين بحماية دمشق (خبراء ومختصون ومثقفون وصحافيون) اعتبروا أن الحجج التي أوردتها الإدارة المحلية بمؤازرة من وزارة الثقافة هي حجج واهية. فالأزمة المرورية الناجمة عن التزايد المفاجئ لعدد السيارات في مدينة دمشق وبما يتجاوز نصف مليون سيارة خلال العام الماضي جراء صدور قرارات جديدة لاستيراد السيارات والافتقاد لمواقف مخصصة، بالإضافة للازدحام الناجم عن تجمع باصات السياح والمدارس، لا يحلها فتح اوتوستراد عريض يخترق قلب دمشق، ويمكن البحث عن حلول بديلة أسهل واقل كارثية. أما الحجة الأخرى وهي الكشف عن السور فقد اسقطها المختصون بالعمارة والتراث، إذ اعتبروا أن سور دمشق هو، عملياً، الحياة التي نشأت عليه على مر العقود الطويلة، وإزالة هذه الحياة لا تكشف السور بل تؤسس لانهياره. ويقول أستاذ العمارة د. طلال عقيلي في جامعة دمشق: «المشروع قاتل لدمشق القديمة، ولا يحل مشكلة المواصلات. ولا يوجد مشروع واحد في الدنيا يجمع كل المجد، ويفترض وجود عدة مشاريع للمقارنة بينها واختيار ما يراعي العناصر التراثية والبشرية والاقتصادية». المعماري الفرنسي برنار فاغون، الذي يتردد على دمشق بين فترة وأخرى، كان له رأي في المشروع وقال: «صراحةً أنا ضد الشارع الذي يخترق المدينة»، مقدماً نصيحته بوجوب تجنب «المدينة المتحف» كنموذج للسياحة الرخيصة المعتمدة على التجميل الخارجي وابتياع التذكارات. وما يجب النهوض به هو السياحة الثقافية والذكية، أي الشرح للسائح على سبيل المثال نوعية الورش والأعمال واسلوب الحياة في شارع كشارع الملك فيصل، الذي لا نرى مثيلاً له في مكان آخر. ففي فرنسا لا ترى تلك الحِرف في الطريق بل هي أسيرة المصانع. كما نصح بتقديم المالكين لبيوت كبيرة، غرفاً للسياح؛ أو ما يُطلق عليه «غرف الترحيب» التي تشكل مورداً يساعد على ترميم البيوت، وفي الوقت ذاته تتيح التعرف على الحياة الدمشقية. كما أشار المعماري فاغون الى التجربة الفرنسية بخصوص حماية المدن القديمة متحدثاً عن وزير الثقافة الفرنسية عام 1962 مالرو الذي واجه بشراسة هدم التراث بإصداره قانونا لحماية الأبنية الأثرية، تم اتباعه بقانون إسكان محفز يعتمد تخفيض الضرائب لكل شخص يرغب في السكن، مع منح مساعدات لمن يريد الترميم أو المحافظة على التراث، ضمن المخطط المقترح!
سكان وتجار شارع الملك فيصل والعمارة البرانية وباب السلام ومسجد أقصاب، الذين يشغلون المحيط الشمالي الملاصق لموقع دمشق القديمة المسجل مع محيطه تراثاً عالميا، اشتكوا في رسالة وجهت لرئيس الجمهورية من ان «المشروع المزمع تنفيذه من قبل محافظة دمشق يفتقر لأبسط قوانين حماية التراث، ورأوا ضرورة إشراك المجتمع المحلي في اقتراح الحلول، بدل بتر أشهر أسواق دمشق على الإطلاق التي يقر مركز التراث العالمي في «اليونسكو» بأنها الشاهد التاريخي على توسع المدينة خارج الأسوار.
الصحافي وعد المهنا، المتطوع لإنقاذ دمشق القديمة والذي بذل جهوداً حثيثة في معركة مشروع الملك فيصل من حيث لقاء المختصين والخبراء وتجميع وأرشفة ونشر آرائهم وطرحها على الرأي العام في أكثر من وسيلة إعلام محلية وعربية، يصف ما يجري على الأرض بـ«الصفقة المشبوهة التي تستهدف قلب دمشق»، ويقول: «يحق لي كسوري أن أحذر أن خراباً يلوح به الجاهلون، يطلّ من باب الفرج وباب الفراديس وباب السلام وصولاً إلى باب توما هذا القديس الشكاك». ويتابع المهنا: «التقيت في سوق المناخلية المتاخم لباب الفرج سائحة فرنسية فسألتها عن انطباعها إذا ما زارت هذه الأسواق مرة أخرى ولم تجدها فأجابت: «هل تريدون أن تصبحوا أوروبيين أو أميركيين وقد قررتم أن تلغوا حياتكم السورية»!! وهذا حقاً ما ينطبق تماماً على ما خلص له الكاتب الإنكليزي هيبل حين قال: «إذا أردت أن تلغي شعباً ما.. عليك بشلِّ ذاكرته، وحرق كتبه، ومحو تاريخه، ويكتب له شعبٌ آخر كتباً وثقافة وتاريخاً، فينسى هذا الشعب من كان وننساه بعد ذلك»!!
خلال ستة أشهر من الجدل، قامت محافظة دمشق في أبريل (نيسان) الماضي بتمرير المخطط التوجيهي للمدينة القديمة، في مجلس محافظة دمشق، لتتم الموافقة عليه بغياب أغلبية الأعضاء. و«للحقيقة والتاريخ» كتب عضو مجلس محافظة دمشق المهندس، مهنا جبارة، مقالاً في صحيفة «صوت الشعب» وضح فيه كيف مرر المخطط، وما جرى في المجلس أثناء مناقشته أمام الجميع، حيث رفضت إعادة المناقشة رغم أهمية المخطط وأهمية الملاحظات التي وضعت عليه، التي أجملها جبارة بعدة نقاط أهمها مخالفته للشروط الفنية الموضوعة من قبل لجنة فنية مكلفة من المحافظ!!
كلام المهندس جبارة أكد الشكوك في غايات وأهداف المشروع، حيث شكلت أساساً لإشاعات كثيرة تحدثت عن تجارة عقارات، واستقدام استثمارات عربية لبناء فنادق ومجمعات تجارية، وهو ما أثار حفيظة أهالي المنطقة، ليرفضوا بشكل قاطع إخلاء منطقتهم وأن يحل بدلاً عنهم مستثمرون غرباء، لا يربطهم بالمنطقة سوى مصالح اقتصادية لا تشكل عامل حماية حقيقي. فمن نافلة القول إن الشركات الاستثمارية ليست على استعداد للبقاء لحظة واحدة في أي منطقة في حال تعرضها لخطر يصرف عنها السياح، وقلب بيروت نموذج، حيث لم تحتمل الشركات المستثمرة، وهربت مع نصب أول خيمة للمعارضة. من هنا أكد أهالي شارع الملك فيصل أنهم لا يأملون بالحصول على تعويضات «لأن تراث دمشق لا يعوض بثمن»، وأبدوا استعداداً لتحمل مسؤولية المشاركة في حماية وإعادة تأهيل منطقتهم تحت إشراف المحافظة وجميع الخبرات المحلية والعالمية ولا سيما «اليونسكو» التي اقترحت المساعدة وإعادة دراسة شارع الملك فيصل بكافة مراحله. وقد سبق ان قاموا عام 1990 بتجديد سوق المناخلية القديم وسوق العمارة وتوابعها بإشراف محافظة دمشق، ودشنها المحافظ عام 1993 لتكون متناسقة مع النسيج العمراني للمدينة القديمة.
وحسماً للجدل فإن الجمعية البريطانية السورية بالتعاون مع برنامج تحديث الإدارة البلدية الـMAM، أقامت ورشة عمل بداية أبريل (نيسان) الماضي بمشاركة مجموعة من الخبراء، ورئيس الحكومة وعدد من الوزراء، وبغياب وزير الثقافة ومدير الآثار.
خرجت الورشة بجملة توصيات أهمها «الوقف الفوري للمشروع» وجاءت مدعومة برسالة مدير التراث العالمي فرانسيسكو باندارين ارسلها بعد قيام بعثة من خبراء «اليونسكو» بزيارة الى دمشق جاء فيها: «مهم التذكير بأن المنطقة المعنية بأعمال البنية التحتية تشكل امتداداً للنسيج التاريخي القديم لموقع التراث العالمي وأن ملاصقتها للمدينة داخل السور يعطيها بشكل غير قابل للاخذ والرد دور المنطقة العازلة الضرورية لحماية كامل الموقع». وحث باندارين في رسالته الحكومة السورية على الأخذ توصيات الجمعية السورية ـ البريطانية وكذلك مشروع الـ MAM والتخلي عن تنفيذ المشروع. وعاد باندارين وذكر الحكومة السورية بأن لجنة التراث العالمي ستعيد النظر وتسجل دمشق على لائحة التراث المهدد بالخطر.
ورغم كل ذلك الرفض أصرت محافظة دمشق على أن المنطقة المحمية مقتصرة على المدينة القديمة وشرائح بسيطة محددة خارج السور.
وبدا ان نتائج الورشة رغم أهميتها ووضوحها، لم تحسم المعركة لصالح الفريق الرافض للمشروع، وقامت وزارة الثقافة بداية شهر مايو (أيار) الحالي بتشكيل لجنة فنية من عشرة خبراء سوريين في مجال الآثار والعمارة، بغية توصيف دمشق القديمة وتصنيف مكوناتها والتفريق بين ما هو جزء من «النسيج العمراني» وما هو «مخالفة أو تشويه»!!
المفارقة أن التعديات والتشوهات أكثر من تحصى، سواء داخل أو خارج سور المدينة، ومجرد شيوع تلك المخالفات على نحو مدمر، يضع القائمين على منح تراخيص البناء والترميم وافتتاح المطاعم ومحلات السياحة أمام مسؤولياتهم عن تخريب دمشق القديمة، بل يفضح وبشكل صارخ فسادهم الذي لن ولا يستره مشروع تجميلي جاهل يقوم على الهدم والإزالة. فالمنطقة تتعرض لعمليات تخريب، تعكس الذهنية الثقافية والحضارية للأوصياء على المدينة. فحتى المطاعم والمرافق السياحية التي تنتشر كالفطر داخل السور، غالبيتها إن لم نقل جميعها، مخالف لشروط تطوير المدن القديمة وتنتهك التراث. فعدا كثافة المطاعم في منطقة تتهالك بنيتها التحيتة، نلاحظ غزو النمط الغربي للبيوت الدمشقية العربية، وتحولها إلى نسيج مهجن ملتبس الهوية، كل شبر في شوارعه مبلط ومرمم على مزاج شاغلي المحلات، وبما يتناسب مع نموذجهم المفضل بالعمارة. وفي شارع الملك فيصل وسوق المناخلية يقف المرء حائراً في ماهية ما آل إليه، فهو خليط عجيب من المحال الحديثة بواجهات بلورية مرتفعة باتت مسنودة على جدران متداعية، نبش الزمن بطانتها وابقى على أبواب خشبية عتيقة. وعند السور حيث يعبر بردى، الذي غنته فيروز بأجمل قصائد سعيد عقل، لن يتمكن المرء من الوقوف لحظة واحدة على أطلال طاحونة أو جامع ما تزال حجارتها تئن. فرائحة النتن المنبثة من النهر وسريره المبلط ستتكفل بمنع دموع التحسر من السيلان.
فثمة مشاعر من الغضب والقرف ستتأجج مع رؤية كتل إسمنتية قبيحة هنا، وبقايا أعمدة أثرية كسرت عمداً لتوسيع زقاق أو تبليط جزء منه يمر أمام مطعم، فيما تتدلى كابلات كهرباء بكامل بشاعتها وخطورتها على رؤوس المارة، ليغدو الموزاييك الدمشقي ـ عنوان الذوق والفن السوري ـ خليطاً من الفوضى، كل مستثمر يغني فيه على ليلاه. والحصيلة نسيج معماري وبشري مزر، متروك نهباً للإهمال والفساد وسوء الإدارة والتنظيم، في حال لا يمكننا حياله سوى التعجب من هؤلاء الذين يطرحون بوقاحة مشاريع تجميلية، فيما هم يستحقون المحاكمة على سماحهم بارتكاب هذا الحجم الهائل من المخالفات، وترك رؤوس الأموال للعبث بها وتحويل دمشق العريقة، إلى مدينة ملفقة، جل طموحها التحول إلى متحف بارد يفتح صيفاً ويغلق شتاء، تستورد بضائعه السياحية من الصين وشرق آسيا تيمناً بمدننا العربية التاريخية منها والسياحية، لتباع في دمشق تماثيل نفرتيتي من صنع الصين ومن القاهرة أغباني دمشقي صنع الهند!! في غفلة من زمن أغبر، من المفترض أن تكون فيه دمشق وغيرها، من مدن عربية تاريخية، سيدات عواصم التراث العالمي، وليست مدناً مهددة بالخطر.

أنا سوري آه يا نيالي ..


صورة
صورة العضو
فادي عبود فهوم
مشرف
مشرف
 
مشاركات: 455
اشترك في: السبت يناير 01, 2005 11:21 pm

العودة إلى أخبار بلدنا الحبيب سوريا.

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 5 زائر/زوار

cron