• اخر المشاركات

سورية لوحة الفسيفساء الساحرة

أرض التاريخ و الجمال. إنها لؤلؤة الشرق

المشرف: إدارة الموقع

سورية لوحة الفسيفساء الساحرة

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يونيو 30, 2006 11:22 pm

بلد صحراوي"، "امتدادات من الرمال" – عندما طبعنا كلمة "سورية" في عمود البحث، برزت أمامنا هاتان العبارتان على شاشة الإنترنت. قدمنا إلى هنا حاملين الانطباع عن "الصحراء السورية الالأرض والتاريخ - تنوع وعراقة
"كبرى". من دروس حول بلاد الرافدين كنا قد درسناها في كتب المدرسة. كان صباحاً مشمساً مشرقاً من أحد أيام تشرين الثاني عندما قدمنا إلى هنا. أول ما صادفناه كان الريح الباردة التي تهب في وجوهنا. شمس دمشق الساطعة لم تفعل شيئاً لإبعاد تلك البرودة، وكانت تلك أول الكليشات التي انهارت. في سورية يغدو الجو بارداً جداً في الشتاء. صباح أحد أيام كانون الأول استيقظنا على ملاءة بيضاء تغطي كل ما حولنا. لقد ادّثرت دمشق بعباءة ثلجية ناصعة – المدارس أُغلقت والمكاتب استقبلت موظفيها على فترات متقطعة طوال اليوم! دمشق تحت الثلج لم تكن أبداً في دنيا الخيال قبل قدومنا إلى هنا. منذ بداية إقامتنا اكتشفنا بأن الكليشات المقولبة والتشويهات المتعمدة تنقلب باستمرار هنا. "بلاد الشام" أو "سورية الكبرى" كانت تشكل منطقة واسعة تشمل سورية الحالية والأردن ولبنان وفلسطين. كانت مملكة عربية قبل وقت طويل من ارتباط العرب بالإسلام. قبل أن تصبح عاصمة للعالم الإسلامي تحت الحكم الأموي كانت دمشق على مدى ما يقرب من 1500 سنة تتحدث وتكتب اللغة الآرامية وهي سلف العربية المعاصرة. هنالك خيط ناظم من الثقافة واللغة والتاريخ العربي يوحد البلاد وشعبها. مقابل هذه الوحدة هنالك التنوع الطبيعي لهذا البلد بدءاً من الساحل حتى الجبال والسهوب والصحراء، هذه هي أرض التنوع الطبيعي العظيم. سورية تتغير كل بضعة كيلومترات، مع بقائها على حالها.

مشهد متنوع:
خارطة البلاد تتميز بخطوط مستقيمة منتظمة رسمتها القوى الاستعمارية المغادرة موجدةً بلداً أشبه بالإسفين مغروزاً في خاصرة غرب آسيا. تمثل هذه الخطوط بلداً فيه جبال وشاطئ وسهول وصحراء. مساحة البلاد صغيرة – 185000.180 كيلومتر مربع، لكن جغرافيتها ترسم مشهداً آسراً متغيراً على الدوام.

على بعد 40 كيلومتراً من دمشق تقع الحدود مع لبنان. هنا تمتد سلسلة جبال لبنان الشرقية. أعلى قممها تبقى مكللة بالثلوج على مدار العام, وهي تدعى "جبل الشيخ" بالعربية وجبل "حرمون" في الكتاب المقدس. هذه الأيام وضعت قوات الفصل التابعة للأمم المتحدة (أندوف) أعلى مركز لها فوق جبل حرمون، و يمتد أسفل السلسلة خط الفصل بين سورية وإسرائيل في مرتفعات الجولان المحتلة عبر منطقة صخرية وعرة.

الخط الساحلي:
دمشق مدينة الجادات المشجرة والحدائق والنوافير. قالوا لنا بأن الصحراء يمكن تتشكل إذا ما تركت المدينة للإهمال. إحدى الرحلات التي قمنا بها اتجهت بنا شمالاً نحو ساحل المتوسط الذي يشكل شريطاً ساحلياً قصيراً نسبياً بطول 180 كيلومتر ممتد بين تركيا ولبنان. بعد قطعنا لبضعة كيلومترات أسفل الطريق الدولية وجدنا أنفسنا محاطين بالحقول والخضرة. الطريق من دمشق إلى الساحل هو جزء من الهلال الخصيب الكبير لسورية. المنطقة باتجاه مدينتي طرطوس واللاذقية الساحليتين هي في الواقع أرض تغطيها أشجار الزيتون والبساتين المثمرة و التي هي نتاج زراعة متقدمة في هذا البلد.

مساحات شاسعة من البيوت الخضراء وبساتين الفاكهة تمتد حتى مياه المتوسط الزرقاء اللازوردية.

في فصل الصيف تزدحم الشواطئ بالمصطافين، وعطلة نهاية الأسبوع على شاطئ البحر هي أمر لابد منه بالنسبة لمعظم العائلات. المنتجعات الشاطئية في سورية مثل رأس البسيط شمال اللاذقية هي منتجعات ساحرة جداً، كونها لم توضع بعد بكاملها قيد الاستثمار التجاري. المدن الساحلية تمتاز بشوارعها العريضة وأبنيتها متعددة الطوابق وهوائها البحري العليل، وهي تشكل ملاذاً عظيماً من حر دمشق في فصل الصيف. في طريق العودة، توقفنا لتأمل إحدى بيارات البرتقال التي تموج بالثمار الذهبية الزاهية بالقرب من الطريق. وسرعان ما تقدم منا رجلان ودعيانا لإلقاء نظرة من الداخل. اللغة لم تشكل يوماً عائقاً في سورية لأن الروح المضيافة ليست بحاجة لأي لغة. بينما كنا نهم بالمغادرة قدموا لنا عشرات الثمار المقطوفة حديثاً والتقطت لنا صورة جماعية أيضاً!.




للساحل السوري سلسلة جبال أخرى تدعى جبال اللاذقية تمتد شامخة بلا انقطاع من الشاطئ شمالاً باتجاه الجنوب. إنها سلسلة ليست بالكبيرة، لكنها تشكل موقعاً للعديد من المنتجعات الجبلية الصغيرة والجذابة التي تعج بالمصطافين أيام الصيف القائظة. الجبال الساحلية السورية توفر للعرسان الفرصة لقضاء شهر العسل في أحضان الخضرة والهواء العليل. المدن الصغيرة والجذابة مثل صلنفة ومشتى الحلو تعد من المصايف الشعبية الذائعة الصيت وهي تشع بنظافة لا تصدق. إلى جانب الفنادق النظامية، هنالك العشرات من الشقق المفروشة تدعى "شاليهات" للإيجار. هنالك أماكن إقامة تناسب كل دخل وكل نمط حياة.



- الأزرق الفسيح في رأس البسيط -
الرحلة عبر سلسلة الجبال الساحلية باتجاه مدينة حلب شمالاً أو الحدود التركية هي رحلة خلابة آسرة. هنالك الغابات اليانعة والأزهار الجميلة والجداول والبحيرات على امتداد الطريق الضيقة المتعرجة وإنما الجميلة والممهدة. هنالك عادة مسجد كبير أو كنيسة فريدة وسط كل واحدة من التجمعات السكانية الصغيرة على طول الطريق.



- يحمل التاريخ في مجراه... نهر الفرات ـ دير الزور -
بعكس سكان المدينة، يرتدي سكان الريف ملابس ملونة زاهية. من حلب إلى دمشق ومن ثم جنوباً، ومن هناك إلى بصرى نجد بأن الأرض هي أرض زراعية. أساليب الري الحديثة أدت إلى استصلاح مساحات واسعة من الأرض، ما جعل من سورية في الحقيقة لوحة خضراء رائعة وهلالاً سورياً خصيباً يطوق جيد الصحراء السورية.

الصحراء الشرقية الكبرى:
الصحراء لا تزال تحيرنا، ولكن ليس لوقت طويل، كونها تشكل حوالي 58% من الأرض السورية. السهول المتموجة، التي غالباً ما تدعى بالسهوب، تتميز بارتفاعها المتقارب عن سطح البحر والذي يتراوح بين 980-1640 قدم؛ وهي نادراً ما تقل عن 820 قدم فوق سطح البحر. المنطقة ليست صحراء رملية، وإنما منطقة تتميز بالصخور والسهوب الحصوية ؛ الواحة الرئيسية لهذه الصحراء كانت ولا تزال مدينة تدمر الغامضة والتي تحار العقول في كنهها. لقد كنا في طريقنا إليها عندما مررنا بالصحراء السورية الصخرية. على امتداد تلك الصحراء الوعرة وعلى كلا جانبي الطريق، كانت أنواع شتى من الطحالب والأشنيات قد بدأت بالتفتح. تجمعات عرضية من الأزاهير الحمراء المتألقة كانت تلوح لنا بين الفينة والأخرى متمايلة مع نسيم الصحراء المنعش. رفيقنا العالم الدكتور (ساكسينا) من إيكاردا (المركز الدولي للأبحاث الزراعية في المناطق الجافة – حلب) كان قد أطلعنا على حقيقة أن البذور يمكن أن تبقى هاجعة في تربة الصحراء لبضع سنوات قبل أن تتفتح. كمية معينة من المطر هي كل ما تحتاجه لإزالة عوائق نشاطها – بعدها بإمكانها أن تزهر وتتفتح وتكمل دورتها الحياتية. بما أن موسم الأمطار كان وفيراً هذا العام، فقد اكتست الصحراء بحلة قشيبة من الخضرة زينت إهاب الصخور والرمال.



-
إلى جانب غطائها النباتي الرقيق الزاهي، يزين الصحراء أيضاً هنا وهناك على امتداد الطريق مضارب البدو الرحل وقطعان ماشيتهم. يمكن للمرء أن يلمح خيامهم على البعد وكأنها شريط من الخطوط السوداء على لوحة الصحراء. غالباً ما تلحظ سيارة بيك آب مركونة في الجوار! كثير من البدو هذه الأيام بات لديهم مساكن في المدن وهم ميسورون مادياً تماماً. إن خضرة أشجار بساتين تدمر تسر العين.

تفاخر تدمر ببعض من أفخر التمور التي تناولناها هنا. أثناء تجوالك عبر سوقها الصغير بوسعك تذوق ما شئت من التمور في أي دكان.



-
الصحراء تمتد شرقاً من تدمر باتجاه البادية. أميال وأميال من السهوب الصخرية تبدأ بالاخضرار كلما اقتربنا من مدينة دير الزور التي تبعد 600 كيلومتر عن دمشق. إنها المدينة الرئيسية على ضفاف الفرات العظيم الذي يمور بحكايا التاريخ والميثولوجيا المتدفقة مع مياهه. في سورية يتوزع النهر بشكل رائع وهو يتعرج عبر المنطقة الشرقية مزوداً إياها باحتياجاتها الماسة من الماء. إنه كان وسيبقى مصدر الحياة والأمل، وبخاصة بعد بناء السد العظيم. في المساء تهب النسائم العليلة في دير الزور حيث تعد النزهة المسائية على ضفاف النهر سيراً على الأقدام تجربة في غاية الروعة. المدينة ليست مزدحمة والنهر ينطلق بسرعة للاتحاد برفيقه دجلة في العراق. من خلال جريانه يستطيع المرء أن يتنسم عبق التاريخ الطويل لهذا الجزء من العالم.

ماض متعدد الجوانب:
قبل خمسة آلاف سنة بدأ أول ارتحال تدريجي للعموريين من الصحراء العربية إلى هذه المنطقة. كان ذلك هو العهد الذي شيدت فيه القصور العظيمة في ماري المجاورة. حوالي 2500 قبل الميلاد ظهر هنالك القائد العظيم ساراجون الأكادي Saragon of Akkad)) الذي حكم المنطقة على مدى خمسين عاماً وتمثلت أهمية حكمه في أن التاريخ القديم يقسم عادة إلى ما (قبل) وما (بعد) حقبة ساراجون. اللغة السامية هي أساس اللغات الأكادية والآشورية والبابلية والفينيقية والآرامية والعبرية والعربية. خلال هذه الحقبة تم صنع الأسلحة من البرونز وجرى اختراع القوس والعربة الحربية ذات العجلتين.

الموجة الثانية من الهجرات العربية التي قدمت من سورية كانت هجرة الكنعانيين، الذين قدموا مع بداية الألفية الثانية قبل الميلاد وسرعان ما عرفوا بالفينيقيين (تجار الأرجوان). إمبراطوريتهم كانت إمبراطورية بحرية.



- باب الصغير.. حلقة اتصال مع الماضي -
في هذا الوقت أصبحت صناعة التعدين أكثر رقياً. العلاقات مع فراعنة مصر العظام كانت على شكل تحالفات غير ثابتة. ثم بدأ الحثيون غاراتهم على المنطقة وجرى خوض حروب كبرى على هذه الأرض. الفترة 1600-1200 قبل الميلاد شهدت أيضاً نشوء مملكة أوغاريت، أم أول أبجدية مكتوبة في العالم. المسينيون (نسبة إلى مدينة مسيني جنوب اليونان) أخذوا هذه الأبجدية معهم إلى اليونان القديمة. وفي هذه الفترة أيضا قاد نبي الله موسى بني إسرائيل خارج مصر واستقروا في فلسطين.

شعب بحري غامض دحر الحثيين حوالي 1200 قبل الميلاد. حوالي 1500 قبل الميلاد ارتحل الآراميون إلى هذا الجزء من العالم. لغتهم الآرامية استخدمت من قبل السيد المسيح بعد ألف عام، ولا تزال تستخدم في بعض المناطق حول دمشق وفي الكنائس الأرثوذكسية السريانية ورعاياها. حوالي عام 800 قبل الميلاد تسلمت الإمبراطورية الآشورية مقاليد الأمور، وعلى مدى قرنين من الزمن أقاموا على إدارة سورية ولبنان. عام 612 قبل الميلاد سقطت الإمبراطورية الآشورية في أيدي البابليين مع عاصمتها نينوى، والتي سقطت بدورها في أيدي الفرس عام 539 قبل الميلاد. المستعمرات والأقاليم الفارسية كانت جيدة التحصين والحكم والإدارة، وكانت جميعها مرتبطة ببعضها البعض من خلال شبكة فاعلة من الطرق.

مرة أخرى أصبحت سورية ميداناً للمعارك عندما انطلق الإسكندر الأكبر لينتقم لشرف اليونانيين. لقد شكلت هزيمة داريوس الفارسي على يد الإسكندر بداية الحكم الغربي لسورية. الحضارة الهلينية وحدت ما بين الثقافتين الغربية والشرقية، إنما في ظل نظام اليونان وتحت إشرافهم. بعد وفاة الإسكندر، جرى تقسيم سورية الكبرى إلى إمبراطوريتين، إحداهما تحت حكم بطليموس والأخرى تحت حكم سلوقس.

سورية المعاصرة وقعت تحت حكم السلوقيين (Seleucids) الذين أنشاوا أفاميا كقاعدة عسكرية لقواتهم مستخدمين اللاذقية كميناء رئيسي لهم. عام 333 قبل الميلاد حوالي نهاية السيطرة الإغريقية قدم العرب الأنباط من الجنوب، بينما قدم الرومان من الشمال.

على الرغم من إبقاء الجنوب تحت السيطرة النبطية، أخضع الرومان وقائدهم بومبي معظم أرجاء سورية لسيطرتهم. في ظل روما، شهدت الزراعة والحضارة السورية قدراً هائلاً من التطور وبفضل شبكة الطرق عالية التنظيم أمكن للتجارة أن تزدهر ازدهاراً عظيماً. لقد شهدت هذه الفترة أوج ازدهار مملكة تدمر العظيمة في ظل قيادة الملكة زنوبيا التي فتحت معظم أرجاء مصر وآسيا الصغرى، لكنها هزمت على يد الرومان عام 272 للميلاد.



- كاتدرائية القديس سمعان الرائعة -
خلال هذه الفترة، كانت المسيحية آخذة بالانتشار بقوة عبر الإمبراطورية. في عام 324 ميلادي تسلم قسطنطين الأكبر مقاليد الحكم من ديوقليسيان وسمى القسطنطينية (استنبول) عاصمة لـه. تحت حكم قسطنطين – الذي اعتنق المسيحية – بدأت المسيحية بالازدهار في ظل الرعاية الملكية وجعل الإمبراطور ثيودوسيوس المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية. هذا التحول في العقيدة وانتقال العاصمة الرومانية من روما إلى القسطنطينية شكل بداية الإمبراطورية البيزنطية الجديدة التي كانت مزيجاً من الثقافة الإغريقية والمسيحية. لقد كان خلال هذه الفترة عندما قام شخص يدعى شاؤول (القديس بولس فيما بعد) صانع الخيام بالهروب عبر الطريق المستقيم في دمشق لاتباع السيد المسيح. هنالك العديد من الآثار والمدن المنسية شمال سورية التي تعكس مدى العبقرية المعمارية لتلك الأيام. لقد حافظت المسيحية على نفوذها ومكانتها على مدى ثلاثة قرون تقريباً.



الهروب إلى العظمة ـ القديس بولس.
في 30 آب عام 636، بعد ثلاث سنوات من وفاة الرسول محمد (ص) اتحد جيشان عربيان في دمشق وهزما الإمبراطور هرقل على ضفاف اليرموك. كان الإسلام قد وصل إلى قلب سورية وآذن بنهاية الإمبراطورية البيزنطية. بدأ الخلفاء أو أمراء المؤمنين مرحلة حكمهم الطويل من دمشق. لقد شهدت الفترة حتى تشكيل الخلاقة الأموية انتشاراً سريعاً للإسلام في المنطقة.

كما تم انتخاب خليفة لمحمد (ص). في عام 661، تسلم الأمويون مقاليد الحكم في دمشق التي أصبحت عاصمة الخلافة الإسلامية. بسط الأمويون سيطرتهم على منطقة تمتد من الأندلس في إسبانية حتى نهر الإندوس في الهند. أظهر الأمويون تسامحاً مع العقيدة المسيحية وشجعوا الثقافة والعلوم. في عام 750 م أسس العباس الخلافة العباسية في بغداد.

شهدت سورية قدراً من الإهمال خلال العصر العباسي وأصبحت بغداد عاصمة الخلافة. بعد حكم هارون الرشيد، استولى الفاطميون على جنوب دمشق عام 978 بينما حكم الحمدانيون حلب خلال القرن العاشر والحادي عشر. هذا التفتيت للعالم الإسلامي هيأ الفرصة للعالم المسيحي لشن أولى الحملات الصليبية، وكانت حرباً دامت على مدى قرنين من الزمن.

لدى وصولهم إلى سورية عام 1108 بقيادة ريموند دوسانت جيل، كونت تولوز، شق الصليبيون طريقهم عبر وادي العاصي نحو موقع يعرف اليوم بقلعة الحصن، ومنها انطلقوا للاستيلاء على القدس. تشكل القلاع والحصون التي بنيت خلال هذين القرنين بعضاً من أروع أماكن الاصطياف الجديرة بالزيارة في سورية اليوم.

أدى سقوط القدس إلى اضطرابات كبيرة في العالم الإسلامي وجرت محاولات متكررة بدءاً من العام 1110 فما بعد لتحرير الأماكن المقدسة والأقاليم المحتلة. في 25 كانون أول من ذلك العام تم الاستيلاء مجدداً على أديسا Edessa وحرر السلطان نور الدين أجزاءً من حلب. الحملة الصليبية الثانية وصلت من فرنسا وألمانيا، لكنها عجزت عن استعادة أديسا أو دمشق. خلال فترة حكمه التي امتدت من 1146 – 1174 خاض نور الدين عدة معارك ضد الصليبيين وأرسل حملة بقيادة الشاب الكردي شيركو لتحرير مصر. بعد تحرير مصر عام 1169، توفي شيركو وخلفه ابن أخيه يوسف.

بعد وقت طويل وجد الإسلام قائداً له مرةً أخرى في الشاب الكردي صلاح الدين الذي عاد إلى دمشق بعد وفاة نور الدين وحارب الصليبيين بلا هوادة ونجح في استعادة القدس وعكا وصيدا وبيروت عام 1187. كما خاض العديد من المعارك ضد قائد الحملة الصليبية الثالثة، ريتشارد قلب الأسد. مع ذلك، فقد كان على التحرير الشامل للبلاد الإسلامية أن يتريَّث لقرن آخر.



السمو والشموخ والعظمة ـ تمثال صلاح الدين- قلعة دمشق
بدأ المغول بغزو سورية وانحازت الدولة البيزنطية إلى جانب الحشود الغازية. في عام 1260، كان المماليك قد تسلموا مقاليد السلطة في القاهرة ودحروا المغول وجرى توحيد سورية ومصر تحت قيادتهم خلال القرنين والنصف التالية. بعد قرونٍ من النزاعات، شهدت هذه البلاد قدراً من السلام، لكن خطراً داهماً جديداً بدأ يلوح في الأفق مع قدوم العثمانيين الأتراك.

في عام 1516، تمكن السلطان سليم الأول من هزيمة المماليك والسيطرة على سورية. ثم نصّب نفسه خليفةً على المسلمين. شهدت الإمبراطورية العثمانية تحت قيادة خليفته السلطان سليمان اتساعاً امتد من الدانوب حتى النيل. في عام 1832، استولى سلطان مصر محمد علي على سورية وأرسل ولده إبراهيم باشا إلى دمشق حيث أسس المدارس وأنشأ نظام القضاء وسياسات الإصلاح الضريبي وشجع التعليم، كما وضع المسيحيين واليهود على قدم المساواة مع المسلمين.

خلال الحرب العالمية الأولى، خاضت الجيوش العثمانية الحرب إلى جانب الألمان. في 1 تشرين الأول 1918 وصل لورنس العرب – الذي كان قد تمرد ضد الأتراك - إلى دمشق مع قوات الأمير فيصل ابن الشريف حسين شريف مكة. في تشرين الثاني من ذلك العام، غادر آخر الجنود الأتراك سورية.

في عام 1918 جرى إنشاء حكومة برلمانية في دمشق، وفي عام 1920 نودي بالأمير فيصل ملكاً على سورية بحدودها الجغرافية الطبيعية آنذاك الممتدة من جبال طوروس شمالاً حتى صحراء سيناء جنوباً. اعتقد العرب بأن سورية ستكون بلداً يتمتع بالحكم الذاتي. اتفاقية سايكس بيكو السرية لم تسمح على أية حال بتحقيق ذلك. بموجب هذه الاتفاقية تم تقسيم سورية إلى أربع مناطق بين بريطانية وفرنسا حيث أخضعت سورية ولبنان الحالية للانتداب الفرنسي، بينما أخضعت فلسطين والأردن للانتداب البريطاني ونودي بالملك فيصل ملكاً على العراق. قسم الفرنسيون سورية إلى أقاليم أو ولايات منفصلة شملت حلب ودمشق واللاذقية وحوران، ثم أُتبعت حلب لاحقاً بالدولة السورية. في عام 1945، سُلّمت السلطة إلى حكومة سورية. وفي 17 نيسان، 1946، تم جلاء آخر جندي أجنبي عن أرض الوطن.

خلال العهود الأولى للتحضر الإنساني العديد من الناس من شتى أنحاء العالم مشوا فوق هذه الأرض. الشاعر اللبناني الشهير جبران خليل جبران كتب قائلاً بأن كل سوري تقريباً يتحدّر من سلالة ملكٍ أو ملكة.



الفصول الأربعة
استوطن الإنسان هذا الجزء من العالم قبل قرون عديدة، ليس فقط لموقعه الجغرافي، وإنما لتربته الخصبة ومناخه الرائع أيضاً. سورية، على غرار شمال الهند، فيها أربعة فصولٍ متميزة. فصل الصيف يبدأ حوالي نهاية حزيران ويستمر حتى أيلول. رغم الجو الحار، فالطقس الجاف ليس سيئاً إلى هذا الحد. الأمسيات هنا دائماً محببة بنسائمها الرقيقة العليلة. ويتميز فصل الصيف بثورةٍ من الألوان المتنوعة على واجهات المحال التجارية على جوانب الطرق. فما تكاد تطأ قدماك الرصيف حتى تطالعك أكوام البطيخ الأحمر والتي سرعان ما تلحق بها زميلاتها من أكوام البطيخ الأصفر. لكن احتكار هذه الثمار الصيفية للأرصفة لا يدوم طويلاً. هنالك أيضاً العديد من مطاعم الوجبات السريعة والأكشاك التي تنتشر على الأرصفة هنا وهناك. خلف الأوراق والنباتات الخضراء المحيطة غالباً بحوضٍ صغير لتربية الأسماك يزيّن الطاولة تُطالِعك أكوام صغيرة من ثمار الصبار الصحراوي لذيذة الطعم. على امتداد الطريق تتزاحم أيضاً أكشاك وخيام باعة الفستق الحلبي باحثةً عن فسحةٍ لها وسط هذا الزحام وكذلك باعة أكواز أو "عرانيس الذرة" التي تباع ساخنة والتي تشكل رفيقاً دائماً للمتنزّهين وعابري السبيل. على أية حال، تعد ثمار الصبّار أو "الصبّارة" سيدة ثمار دمشق خلال فصل الصيف ويعد تناولها تقليداً دمشقياً عريقاً ينم عن ذوق مرهف.




الصيف يعقبه خريف لطيف ومنعش تتفتح فيه أكمام الياسمين الذي تحمل عبقه نسائم المساء وتنشره في كل مكان. أما ثمار العنب والتفاح فحدث ولا حرج. بدءاً من منتصف تشرين الأول يحط الشتاء رحاله. شتاء سورية بارد وجاف وغالباً ما تشهد البلاد هطولات ثلجية في مختلف المناطق في أواخر أيامه. بعد سماء صافية على مدى ستة أشهر تقريباً خلال فصلي الربيع والصيف، يرحب الناس بمقدم الغيوم بكل حفاوة وترحاب. الشتاء يحضر معه ثمار الحمضيات كالبرتقال وأبناء عمومته من كافة الأشكال والحجوم والألوان التي تتراوح من الأصفر إلى البرتقالي. قبيل مقدم الربيع مباشرةً هنالك أمطار شتوية.

الربيع هو ذلك الفصل الممتد من آذار حتى حزيران وهو فصل لطيف فعلاً ومناسب للرحلات. الأزهار تتفتح والطقس رائع الجمال. منذ 1973، هنالك معرض دولي للزهور يقام سنوياً في دمشق على مدى خمسة عشر يوماً خلال فصل الربيع في حديقة تشرين، إحدى أكبر الحدائق العامة في دمشق، حيث تغدو الحديقة مهرجاناً رائعاً للألوان.



-
هنالك أسطورة تقول بأن اسم "سورية" مشتق من اسم الإله "شاماش" الذي يعني "الشمس" باللغة الآرامية. في الحقيقة، الاسم بالعربية هو "سورية"، وهكذا تدعى هناك. والأجانب فقط هم من يلفظها "سيريا". في الواقع هذا صحيح، فالشمس تشرق فوق سورية على مدار العام.
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يونيو 30, 2006 11:29 pm

المجتمع و الثقافـــة نـماذج معقدة
" الكواكبي" – في وسط منطقة سكنية أنيقة في دمشق، هذا الاسم ذو النكهة اليابانية قربنا كان دائماً يومئ لنا. شاب سوري وعجوز متأنق كانا يتناوبان على طاولة المحل. بينما كنا في مشوارنا المسائي الاعتيادي، بادرنا العجوز بـ "أهلاً و سهلاً" وفي سياق الحديث استوضح إن كنا نعرف العربية. لم نكن نعرفها. عرض علينا أن يعلمنا إياها. كنا بحاجة لتعلم العربية، ولكن لم نكن قادرين على الجزم بأن جارنا العجوز المتأنق هو المرشح المناسب لهذه المهمة. ومرت الأيام، وفي كل مرة كان جارنا العجوز يكرر عرضه على مسامعنا.



لقد كانت مواظبته على عرضه ما حدا بنا إلى الموافقة في نهاية المطاف. شعت عيناه بالبهجة – وكان ذلك واضحاً حتى من وراء عدستي نظارته السميكتين!. الأخاديد العميقة البادية على جبهته تعمقت أكثر بفعل الابتسامة. حضر إلى المنزل في اليوم التالي. عندما سألناه عما يريده لقاء خدماته أجابنا قائلاً: "سأعرض عليكم رقمين تاركاً لكم حرية الاختيار. ليرة سورية واحدة أو مليون ليرة سورية." لدى إحساسه بارتباكنا، بادرنا موضحاً: "أريد أن أعرف الآخرين ممن لا يعرفون لغتي بجمال هذه اللغة. لا أريد أية أتعاب لقاء خدماتي على الإطلاق."

معلمنا لم يسبق له مطلقاً أن أمتهن تدريس أي شئ بشكل رسمي قبل الآن. إنه مصور محترف، وهو يتحدث الإنكليزية بطلاقة، ولديه إلمام بالفرنسية ويعشق لغته الأم!

سورية ترحب بكم – "أهلاً و سهلاً". إنها أرض الكرم والضيافة وطيب المحفل. هيثم الكواكبي، معلمنا لمادة اللغة العربية، كان أول نافذة نطل من خلالها على هذا البلد المذهل. لقد تعرفنا من خلاله على العديد من عظماء هذا البلد. يوسف العظمة – وزير الدفاع الذي قضى وهو يذود عن حياض وطنه إلى جانب رفاقه ضد المستعمر الفرنسي في معركة ميسلون. فارس الخوري – رجل الدولة المسيحي البارز الذي شيعته كافة المساجد في منطقته. عبد الرحمن الكواكبي – المناضل الذي كافح ضد الأتراك بالسلاح الأقوى، ألا وهو الكلمة، وهو أيضاً جد معلمنا هيثم.

الوحدة في التنوع:
يشكل السنة 70% من سكان سورية، وتشكل بقية الطوائف الإسلامية 16%، المسيحيون يشكلون 14%، وهنالك جالية صغيرة من اليهود. هنالك أيضاً مجموعة كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين ومجموعات من قبائل البدو الرحل. في عام 2003 بلغ عدد سكان سورية 17,57 مليون نسمة. معدل النمو السكاني يبلغ 2,45%. أكثر من 40% من السكان دون الخامسة عشرة من العمر. النسبة الإجمالية للمتعلمين تبلغ 76.9%. حالياً، 73,7% من النساء و90,3% من الرجال هم من فئة المتعلمين. تسهم الزراعة في 27% والصناعة في 23% والخدمات في 50% من إجمالي الناتج المحلي حسب إحصاء عام 2000. متوسط دخل الفرد هو 1225 دولار سنوياً، وهو من أخفض المستويات في الشرق الأوسط. مؤشر الفقر هو 22 ونسبة البطالة تبلغ 20%. سورية هي من إحدى البلدان القلائل في هذا الجزء من العالم ذات الدستور العلماني. إحدى الدراسات المنشورة في مجلة "الإيكونوميست" المرموقة في نيسان 2004 صنفت سورية في المرتبة الثامنة من بين عشرة دول على صعيد الحرية الدينية والسابعة على صعيد المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمرأة.

كان يوماً رائقاً مشرقاً عندما هبطنا في دمشق في منتصف شهر رمضان المبارك في تشرين الثاني عام 2003. عند الغروب كانت المدينة تبدو مقفرة. إنه موعد الإفطار. – الكل منشغل بالدعاء والاستعداد للإفطار. في المساء، بعد الإفطار، تعود الشوارع إلى سابق عهدها من الازدحام وتغص الأسواق والمطاعم بروادها. خلال الأسبوع الأخير من رمضان، ومع اقتراب العيد تبقى الأسواق مفتوحة حتى ساعات الصباح الأولى.

توجهنا إلى مدينة طرطوس الساحلية. في طرطوس يكتسي المتوسط حلة زرقاء داكنة. السفن ترصع صفحة المياه، لكن الشاطئ كان مقفراً. الوقت كان عند العصر وشهر الصوم مازال قائماً.



خلال رمضان بوسع جماعة من الهنود إذا ما دهمها الجوع أن تفترش لها مكاناً على شاطئ المتوسط في طرطوس وتتناول طعامها، وسط ترانيم "أهلاُ وسهلاً" من المارة.

سرعان ما حل عيد الميلاد وشرعت الأسواق تستعد لهذه المناسبة. في الشقق السكنية تبقى نجوم وأجراس الميلاد مضاءة على الشرفات حتى وقت متأخر من الليل. في عيد الفصح، قمنا بزيارة بلدة "معلولا" المسيحية بالقرب من دمشق. من خلف ديرها الشهير، دير القديسة تقلا، تبدى لنا حشد كبير من الناس. قررنا تقصي الأمر. الفالق الجبلي كان يفضي إلى وهدةٍ صغيرة وغدير رقراق في الوسط. أكثر من 150 شابة سورية كانت محتشدة في المكان. منور، فتاة محجبة بحدود الخامسة عشرة ممتلئة قليلاً، تقدمت منا وسألتنا: "من الهند؟". وما أن أومأت لها بالإيجاب حتى أحاطت بنا بقية الفتيات. هؤلاء الفتيات الشابات المتحمسات اللاتي كن في رحلة مدرسية تبين بأنهن من أكثر المحاورات إرهاقاُ واستنزافاً للشخص الذي يجرين معه حوارهن. ومن أين لك أن تجيب على سيل الأسئلة التي يطرحنها بخليط متنوع من الإنكليزية والعربية، مع أفضلية راجحة للأخيرة. الأذرع والعيون والأيدي – جميعها كانت مستنفرة لنجدة اللسان. أمطرننا بالحلويات وكافة أصناف الطعام، وسيل لا يتوقف من الأسئلة. لم تسنح لنا الفرصة للانسحاب إلا عندما لمحت منور – الفتاة ذات الخمسة عشر ربيعاً – مجموعة أخرى من السياح الأجانب. لدى الفتيات الشابات ظمأ وفضول لا ينضب حيال الأشياء المختلفة.



التسامح واحترام الفوارق والاعتزاز بالتراث الحضاري التي يلمسها المرء لدى أبناء المجتمع السوري تعزز الاعتقاد بأن سورية هي حقاً مهد الحضارات. نظراً لوقوعها على نقطة تقاطع التاريخ والجغرافيا لآلاف السنين، فإنك تجد انعكاس السمة المميزة لجميع الأقوام التي التقت على هذه الأرض في هذا المكان. الفينيقيون، العموريون، الحثيون، الإغريق، الرومان، العثمانيون، والفرنسيون – جميعهم فتحوا هذه البلاد، مكثوا فيها لبعض الوقت، أو مضوا دون أن يخلفوا أي تأثير يذكر على جوهر هذه الأرض وأهلها. إنهم شعب كان لحضارتهم وثقافتهم دور أساسي في بناء التاريخ الإنساني – لقد أعطونا القمح والموسيقى وأول أبجدية مكتوبة وارتسمت على ترابهم أثار أقدام رسل كافة الديانات الرئيسية لهذا الجزء من العالم.



السيناريو الحالي:
عندما تحررت سورية من ربقة الانتداب الفرنسي عام 1946، كانت تعاني من ذات المشكلات التي تعاني منها باقي المستعمرات بعيد تحررها من نير الاستعمار. مجتمع لا يزال مفككاً ونواة سياسية لم تتخذ بعد شكلها النهائي. مع ذلك، فإن الملامح الأولى لتشكل هوية وطنية متماسكة كانت قد بدأت تلوح في الأفق والبلاد لا تزال تحت ظل الانتداب. لقد شهدت هذه الفترة ظهور طبقة متوسطة قوامها محامون ومعلمون وطلاب وموظفون الخ. لقد شهدت فترة الثلاثينيات أيضاً ميلاد عدد من الأحزاب السياسية المطالبة بالتغييرات السياسية والاجتماعية. أحد هذه الأحزاب كان حزب البعث العربي الذي ظهر إلى حيز الوجود عام 1940. المبادئ الرئيسية التي جرى اعتناقها شملت الاستقلال الوطني، الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي وعلمنة الحياة العامة.

في عام 1954 برز حزب البعث كثالث أكبر حزب في الميثاق الوطني. بعد حل الوحدة القصيرة الأمد بين مصر وسورية عام 1961، تسلم حزب البعث مقاليد السلطة في البلاد في 8 آذار عام 1963. قوام النخبة الجديدة الحاكمة في سورية تكون بشكل أساسي من ضباط الجيش من أبناء الأرياف والنخب المثقفة للبلدات الصغيرة.

النزاعات الداخلية دفعت بوزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد إلى القيام بالحركة التصحيحية الناجحة عام 1970. وعلى مدى الثلاثين عاماً التالية حتى وفاته عام 2000، اعتمدت سورية سياسة استيراد تحت إدارة الدولة مع تشجيع القطاع الخاص والاستثمارات الخاصة في البلاد. خلال عهد الأسد تمكن النظام من الصمود في وجه تمرد عنيف قامت به عصابات الإخوان المسلمين، حركة عصيان داخلي، انهيار الاتحاد السوفييتي – حليفه، توقيع مصر والأردن والفلسطينيين لعدد من الاتفاقيات المنفردة مع إسرائيل، وبالطبع عدد من التحديات الإقليمية من جانب إسرائيل والأوضاع المستجدة في كل من العراق وإيران ولبنان.

بعيد وفاته في 10 حزيران عام 2000 تسلم ولده الدكتور بشار الأسد مقاليد السلطة في البلاد. لقد ورث بلداً كان في حاجة ماسة للإصلاح، حيث أن النظم والبنى القديمة كانت آخذة بالتداعي أو تجاوزها الزمن وسط بيئة عالمية جديدة آخذة بالتغير بوتيرة سريعة. منذ قدومه إلى السلطة سعى نظامه إلى إطلاق سلسلة من الإصلاحات في مجالات شتى. اليوم باتت سورية مجتمعاً متغيراً. هنالك قدر كبير من التغيير المتواصل.

لقد شهد القطاع الخاص ظهور المصارف الخاصة والإصلاح في مجال القانون الضريبي والسياسة النقدية وطائفة من إجراءات تحرير التجارة. على الصعيد الاجتماعي تم تأسيس الجامعة الافتراضية السورية، الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، إلى جانب ثلاث جامعات خاصة مملوكة وممولة ذاتياً. الهواتف الخلوية، الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة الخاصة وأطباق الاستقبال الفضائي (الدش) جميعها دخلت حياة المواطن السوري من أوسع أبوابها. المؤسسات غير الحكومية باتت تجد لها موطئ قدم داخل أوساط المجتمع المدني. خلال السنة الأخيرة فقط تغير خط أفق مدينة دمشق بفعل وتيرة الزحف العمراني الجديد المتسارعة. هنالك اللوحات الإعلانية الضخمة البراقة والمجمعات الاستهلاكية الجديدة وآخر صرعات الأزياء ذات الماركات العالمية وفنادق الخمسة نجوم والمطاعم الحديثة. لقد كشفت سورية عن استراتيجيتها المعلوماتية الطموحة التي تهدف إلى حث أبنائها للسير على هذا طريق.

-
التغيير واضح هنا هذه الأيام – من شوارع دمشق إلى الطرقات في القرى والبلدات. صديقتنا "أهرام" التي تعيش في قرية صغيرة تبعد 80 كم عن مدينة حماة، تنحدر من عائلة قوامها عشر أخوة وأخوات. رغم أن والدها لا يزال مزارعاً، فكل شتلاته مثقفة وتعمل إما في التدريس أو في العمل الوظيفي. يأملون في اقتناء جهاز كومبيوتر في البيت قريباً. هي نفسها تدرِّس الفرنسية في أحد المعاهد الحكومية قرب منزلها. العربية هي واسطة التعليم، مع ذلك فإن لغة أجنبية ستدرس من الصف الأول الابتدائي فصاعدأ بدءاً من العام 2005. في سورية تقف الكنائس القديمة الجميلة والمساجد الكبيرة جنبا إلى جنب مع مدن المعارض الحديثة. في الشوارع يمكنك رؤية الناس باللباس التقليدي إلى جانب آخرين بآخر صرعات الموضة. الصوت الآخر الذي يتردد صداه في الأجواء إلى جانب الأذان التقليدي هو صوت هواتف الموبايل. في الأمسيات تحتشد العائلات في الحدائق العامة والخاصة إلى جانب شبان وفتيات يعرجون على المكان لبعض الوقت طلباً لقدر من العزلة.


المطبخ السوري:
يعد تناول الطعام خارج المنزل من الهوايات المفضلة لقضاء الوقت لدى بعض شرائح المجتمع السوري. المطبخ السوري هو مزيج من المطبخ الشرقي والمتوسطي. المقبلات التي تفترش الطاولة لحظة جلوسك في أحد المطاعم كافية لإيصال كليهما العين والمعدة إلى حد الشبع!. تشكيلة لذيذة من أنواع الحساء والمسبحة والمتبل المغطاة بزيت الزيتون، إلى جانب سلطات الفتوش والتبولة وأنواع الكبة والبطاطا المقلية والخبز التي يمكن أن تشكل بمفردها وجبة كاملة. الزيتون - الأخضر أو الأسود – يمكن أن يدخل أيضا ضمن قائمة المقبلات هذه. الوجبة السورية مصممة لأن تكون مطولة – السوريون يمكن أن يمضوا من ثلاث إلى أربع ساعات على الوجبة الواحدة! عندما يعتقد المرء بأن وقت التحرك قد حان، تصل الوجبة الرئيسية. إنها بحق عبارة عن طبق كبير من أنواع الشقف والكباب المغطاة بطبقة رقيقة من الخبز لحفظها ساخنة. الحلويات السورية اللذيذة أو فاكهة الموسم تشكل "العقبى" أو "التحلاية" التقليدية في ختام الوجبة. الفاكهة الطازجة والغضة متوفرة هنا بكثرة. البرتقال، التفاح، العنب، الكيوي، الخوخ، المشمش، وحتى الصبار – جميعها تشكل جزءاً من سلة الفاكهة السورية. ختام الوجبة هو عادة الشاي العربي – شاي أسود مع السكر.

سواء في فندق خمس نجوم، في أحد مطاعم المدينة القديمة أو أحد السناكات الطرقية – المطبخ هو ذاته في كل مكان. تنوعه الفريد يؤمن لرواده من شتى أنحاء العالم ما يروق لهم تناوله دون تردد!.

بالنسبة لأولئك الباحثين عن لقمة سريعة، فإن سندويشة شاورما لحم الدجاج أو الفروج المشوي خلف واجهات العرض متوفرة في كل مكان.

إن شيوع عادة تناول الطعام خارج المنزل تنعكس في حجم المطاعم في سورية. إن المطعم السوري العادي يمكنه استيعاب 100-150 شخص. في المنتجعات السياحية وقرب المدن الكبيرة يمكن لمصانع الطعام هذه أن تستوعب حتى 3000 شخص دفعة واحدة.

الفنون والمهن اليدوية:
تمثل سورية تشكيلة فريدة بين الأصالة والحداثة. فنونها ومهنها اليدوية تشاهد في كل مكان. سواء في مكتب محافظ دمشق أو مكتب رئيس غرفة التجارة، يذهل المرء لروعة الأثاث والتصاميم الدمشقية ودقة صنعها على الجدران والخزائن والسقوف. أسواق دمشق وحلب تقدم تشكيلة مذهلة من الصناعات اليدوية السورية التي تشمل الأثاث الخشبي المحفور والمطعم بالصدف والسجاد وصناعات يدوية مثل الخشبيات المطعمة بالفضة من طاولات النرد إلى علب المجوهرات والطاولات الصغيرة والسيوف الدمشقية ونسيج الكنفا وأغطية الطاولات والرسم على الزجاج والقفطان الصوفي والملابس الحريرية. بعض الخانات القديمة تحولت اليوم إلى أسواق للمهن اليدوية من أجل الزوار. سوق السليمانية قرب جامع التكية السليمانية في دمشق هو خير مثال عن مثل هذه الأسواق. إن جمال النسيج الملون و المطرز لأهل البدو والتطريز المعقد للأزياء الفلسطينية يسر العين ويبهج القلب.

- فن الحياكة الدمشقي الجميل -
في دمشق، تبدو الأضواء المتلألئة في قاسيون وكأنها منارات. غالباً ما نشق طريقنا إلى هناك طلباً لنسمة هواء عليل. في أمسيات الصيف المنعشة يضيق المكان بزواره وسياراتهم، ومع ذلك يبقى هنالك إحساس بالخصوصية والعزلة. حين لا يكون الناس في تلك المطاعم المضاءة المعاقة فوق الجروف الصخرية، تجدهم منتشرين فوق بسطهم وكراسيهم المتنقلة، أو فوق الصخور المشرفة على المدينة يتنسمون هواء الصيف العليل مع تدخين النرجيلة أو احتساء الشاي. النرجيلة أو "الأركيلة" هي جزء لا يتجزأ من التقاليد العربية.



- جمرات النارجيلة -
النساء والرجال، الشباب والشيوخ سواء بسواء يدخنونها في المطاعم والمقاهي وحتى على شاطئ البحر. الناس ينادون بطريقة مهذبة مرحبة عندما يلمحون أجنبياً عارضين عليه طعامهم وشرابهم ؛ ومعظمهم ملم على الأقل بأهم العبارات بالإنكليزية " أهلاً وسهلاً بكم في سورية ".


- موسيقى الصحراء -
هنا تكمن جمالية هذه البلاد وشعبها. هنا بوسع المرء ألا يحس بالوحدة أو الغربة أو الوحشة أبداً. إن ود وكرم الشعب السوري يحيط بالمرء حيثما كان
.
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الجمعة يونيو 30, 2006 11:34 pm

مـواقع تاريخية ماضية حاضرة
كانت فترة العيد، وقررنا زيارة الجامع الأموي – قلب مدينة دمشق القديمة. كانت أول زيارة لنا إلى جامع على الإطلاق، و لم يكن معنا أي مرافق محلي. تملكنا بعض التردد ونحن نطأ مكاناً لم نألفه من قبل. خلال فترة العيد يغلق الجامع بوابته الرئيسية عادةً. لكن البوابة الجانبية كانت مفتوحة. فتيان بملابس أنيقة كانوا يجوبون الشوارع القديمة حول الجامع الأموي احتفاءً بالعيد. دلفنا إلى الباحة الفسيحة الرائعة برؤوس مغطاة وأقدام حافية بعد أن وضعنا أحذيتنا في حقائب من البلاستيك حملناها معنا احتراماً لقدسية المكان. في إحدى زوايا الباحة الرحبة شد انتباهنا بناء جميل أسطواني الشكل محمول على أعمدة، تبنا فيما بعد أنه كان يستخدم كبيت للمال في تلك الأيام. تروي القصة بأن سبعة مفاتيح كانت تستخدم لفتح الخزنة، كل مفتاح مع خازن مستقل، ولكي يتم فتحها كان لابد من حضور الخزنة السبعة مجتمعين.

دخلنا إلى الجامع. إنه كبير ورائع ومترامي الأطراف. أرضية الجامع مفروشة بالسجاد بالكامل وسقفه الخشبي المنقوش مزين بأفخر أنواع الثريات. يقال بأن الجامع يستوعب 3000 مصلي دفعة واحدة وقت الصلاة.

جلسنا لبعض الوقت. مجموعة من النساء كن مجتمعات في إحدى الزوايا، وفي زاوية أخرى شاهدنا بعض الطلبة منهمكين بالدراسة وبعض الصبية يقفزون مرحاً فوق السجاد. كان هنالك شعور مطلق بالأمان والسكينة. في وسط الجامع كان يتوضع ضريح القديس يوحنا المعمدان أو النبي يحيى. يتميز البناء من الأرضية حتى منتصف الجدران والأعمدة بالطراز المعماري الروماني- الإغريقي بشكل واضح، وما فوق ذلك المستوى تتحدب الجدران على شكل قبة إسلامية. للجامع الأموي ثلاثة مآذن، أطولها هي "مئذنة عيسى" التي تعد رمزاً للعقيدة التي يحملها الإسلام والمسيحية بأن السيد المسيح سيهبط من السماء إلى الأرض عبر هذه المئذنة لمحاربة أعداء المسيح قبل يوم القيامة.

مازال موقع الجامع الأموي الحالي يعد موقعاً مقدساً منذ الألف الثاني قبل الميلاد. فقد سبق للآراميين أن بنوه معبداً في القرن التاسع قبل الميلاد ؛ ثم جاء الرومان ليحولوه إلى معبد الإله "جوبيتر" ثم حوله المسيحيون إلى كنيسة القديس يوحنا المعمدان. وفي العام 705 للميلاد بنى الخليفة الأموي السادس الوليد بن عبد الملك الجامع الحالي كتحفة معمارية ليس لها نظير.

التاريخ المخبأ في ثنايا وحنايا الجامع الأموي يتكرر في تغضنات وثنايا كافة الأوابد القديمة القائمة في سورية اليوم. إن مجرد إقامة قصيرة في سورية هي كل ما تحتاجه للتعرف إلى جانب من جوانب الحياة خلال العصر البرونزي مروراً بالحقبة الرومانية فالبيزنطية فالصليبية ثم العربية والعثمانية. بالنسبة لطالب التاريخ المتردد، فإن لوحة الحضارة السورية تجسد له قيمة التعرف إلى التاريخ وتسهل أمامه مهمة معرفة الحاضر.



أعمال التنقيب الأثري في عمق الحضارة.الإنسانية - ماري -
عالم الآثار الفرنسي "أندريه باروت" قال عن ماري: " سيستغرق منا 200 عام أخرى لنستكمل اكتشاف ماري." واحد من البدو الرحل اكتشف ماري صدفةً بالقرب من مدينة دير الزور. بعد مضي 75 عاماً على ذلك الاكتشاف لا تزال الآثار الهائلة غير المكتشفة لماري تلهب على الدوام حماس وخيال المكتشفين وعلماء الآثار. حضارة منسية بالكامل يمكن الإحساس بها في هذا الموقع القديم. عندما يدخل المرء العالم السحري لهذا الموقع تقوده قدماه نحو كهف أشبه بممر غامض. في الداخل يوجد قصر الملك "زمري-ليم" الذي حكم ماري من 1782 حتى 1759 قبل الميلاد. يضم هذا القصر 300 غرفة ؛ وباحات ومخازن ومكتبة تضم حوالي عشرين ألف لوح مسماري. هنالك قصر آخر يقع أسفل هذا القصر يعود إلى ما قبل عهد ساراغون حوالي 2350 قبل الميلاد. عدد كبير من التماثيل جرى اكتشافها في هذا المكان. يوجد في المدينة شبكة ممتازة لتوزيع المياه والأبنية كانت مصنوعة من الآجر غير المشوي المغطى بطبقة رقيقة من الصلصال. إنها تجربة فريدة أن تتمشى عبر هذا الرواق الزمني الذي يعود بك إلى 5000 عام.

عندما نتقدم بضعة قرون إلى الأمام نجد أنفسنا في قلعة الحصن. على الطريق من دمشق إلى مدينة طرطوس الساحلية تشمخ أمامك قلعة صليبية مهيبة. عندما تبتعد عن دمشق يبدأ المشهد الصحراوي يتراءى أمام ناظريك. إنه مشهد صخري قاحل تتخلله رقع خضراء من أشجار الزيتون. بالوقوف على أنف الجبل في الفتحة الجبلية الاستراتيجية الوحيدة بين لبنان وتركيا تقع قلعة الحصن. بعدها، كما كانت عليه الحال في تلك الأيام، لا تزال لهذه الفتحة أهميتها الاستراتيجية حتى يومنا هذا. هذه القلعة التي يناهز عمرها 800 سنة لا تزال تقف شامخة حتى اليوم. الزائر يحتاج 4-5 ساعات لكي يستمتع حقاً بالتجوال عبر امتداداتها الفسيحة وتأمل خطوطها الدفاعية المعقدة. بالنسبة للعين الهندية المعتادة على القصور والقلاع المنقوشة والمزخرفة، تبدو هذه القلعة لأول وهلة بسيطة المظهر، لكن لخطوطها الصارمة والقوية جماليتها وهيبتها. تمشينا عبر المتاريس والتحصينات التي تظهر لنا بوضوح العمارة المميزة للبنائين الأوائل "الصليبيون"، والفاتحين "المسلمون". هذه الشبكة من الأنماط المعمارية المتميزة تتداخل في تركيبة واحدة تحافظ على الجوهر المميز لكل منها كما هو.

إن حكاية الصليبيين في سورية لا يمكن سردها دون الإتيان على ذكر صلاح الدين – البطل الإسلامي العظيم الذي هزم الصليبيين. في عام 1957، أصدرت الحكومة السورية مرسوماً ينص على تغيير اسم "قلعة صهيون" إلى "قلعة صلاح الدين" إحياءً لذكرى السيطرة على القلعة من قبل المسلمين في عام 1188. قلعة صلاح الدين تتوضع على جرفٍ صخري في أعماق الجبال جنوب مدينة اللاذقية. عندما انتزعه الصليبيون من أيدي البيزنطيين حوالي عام 1100، استكملوا بناء القلعة بخندقٍ مهيب شكل السمة الهائلة المميزة لهذه القلعة والتي تدين إليه بسمعتها كقلعةٍ حصينة. أسوار القلعة تنتصب بشكل عمودي فوق ملتقى جدولين. المنطقة حرجية كثيفة. إن زيارةً إلى هذه القلعة تعد تجربة طيبة كونها تنطوي على عملية تسلق شاقة عبر درج صخريٍ طويل يوصلك إلى برجها.

المكافأة التي تجدها بانتظارك هناك هي واحدٍ من أروع المشاهد الطبيعية لسلسلة الجبال الساحلية ولمرأى البحر عن بعد في سورية. إن عملية التسلق بين الأسوار الدفاعية للقلعة نحو السطح الأخير يوفر لك تجربةً لا تنسى من الخضرة والهواء العذب. في أعماق الغابة، بوقوفك على تلةٍ مشرفة، ترى بأن هذه القلعة التي لا تزال محافظةً على شكلها تشكل نقيضاً للمشهد الصارم والقاحل الذي تراه من قلعة الحصن.

عند هذه النقطة ينبغي علينا الانعطاف لإلقاء نظرة خاطفة على العصور الرومانية. كنا نعزف موسيقى إحدى الأفلام الهندية في الحافلة التي كانت تقلنا إلى تدمر.

"لديكم أغاني شامي كابور – سوكو سوكو!"

سأل سائقنا الأربعيني.

إن روابط بوليوود تربط ما بين الهنود والعديد من الشعوب من خلال خيوط مختلفة!

فجأةً لاحت أمامنا على البعد بقعة خضراء غنّاء عند حافة أفق الصحراء. إن أشجار البلح في الواحة التدمرية ما برحت ترحب بزوارها عبر القرون. عندما اقتربنا أكثر، تراءت لنا من وراء الأشجار الحواف العليا للحجارة الرملية الوردية تتلألأ تحت أشعة الشمس.

لقد ورد ذكر تدمر في سجلات تعود إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد. لقد جلبت التجارة معها الرخاء والازدهار وشهدت المدينة قمة مجدها من القرن الأول قبل الميلاد حتى القرن الثالث للميلاد. بعدها، وقعت المدينة فريسة الغضب الروماني لأن ملكتها الأسطورية زنوبيا تجرأت على إعلان استقلالها عن روما. إن صورة تمثال زنوبيا المهيب وآثار تدمر تزين اليوم ورقة النقد السورية من فئة الخمسمائة ليرة.

كنوز تدمر منثورة في العراء - عرضةً لعوادي الزمن عبر القرون. القوس التذكاري عند مدخل الموقع القديم هو رمز تدمر. خلفه يمتد الشارع المعمد العظيم للمدينة القديمة وأمامه يقع معبد الإله بعل.



- قوس تدمر الأثري -
بالجلوس وحيداً على أحد الأعمدة المحطمة بوسعك تأمل هذه الآبدة بشكل أفضل. عندها تستيقظ المدينة من سباتها في عقلك الباطن بضجيج أسواقها وحماماتها ومجلس شيوخها وساحتها الرئيسية.

إن خيال المدينة يبدو وكأنه يتمتم خلف كل حائط ومبنى. هنالك مدرج روماني جميل يتسع لخمسة آلاف متفرج تم إعادة ترميمه وتقام فيه اليوم المهرجانات الفنية السنوية.

إن لشواهد التاريخ القدرة على تحريك شيء ما بداخلنا – إحساس بالرهبة وإدراك بأننا ننتمي إلى مد حياتي أزلي لانهائي.

معبد الإله بعل يحتفظ لنا بأسرار تاريخ العبادة. في البداية، بعل – إله السماء – كان يعبد هناك. بعدها أصبح المعبد كنيسة ثم جامعاً. عندما أعيد اكتشاف مدينة تدمر خلال ثلاثينيات القرن الماضي، القرية برمتها كانت تعيش داخل معبد الإله بعل! المعبد يشابه في تصميمه الأديرة السامية. يوجد مذبحان في المبنى الرئيسي يواجه كل منهما الآخر. سقف أحد المذبحين يشبه سقف أي معبد هندوسي – إنه على شكل زهرة لوتس مقلوبة. تشاهد على الجدران أيضاً تصاوير واهية لأيقونات مسيحية ومحراب إسلامي. صف من الأعمدة الضخمة يحيط بالحرم المقدس. خارج أسوار المعبد كان هنالك مجموعة من الجمال والخيول المزينة مخصصة لركوب السياح. في الداخل، كانت النسائم الرقيقة تروي حكايا القرون الخوالي.

مدينة الموتى كانت تشرف على مشهد المدينة الأثرية من فوق الهضبة المجاورة. مقابر الأبراج كانت تنتصب كأعمدة مراقبة فوق التلال المحيطة. بدءاً من المستوى الرابع لمقبرة عائلة إلاحبيل (103 للميلاد) يتراءى أمامك مشهد بانورامي للأوابد والمساحة الخضراء للواحة وكأنه مشهد تراه لأول مرة.


-
لمشاهدة أثر آخر من الآثار الرومانية الآسرة، انطلقنا جنوب دمشق نحو مدينة بصرى. عند البوابة الرئيسية المؤدية إلى المدينة القديمة تجد العديد من عربات النقل الجذابة جداً ذات العجلتين التي يجرها جواد بانتظارك لتقلك عبر أزقة المدينة القديمة. من خلال تجربتنا تبينا أن التجوال في أنحاء الموقع هو أفضل طريقة للتعرف إلى النكهة الحقيقية لأي مكان مماثل.


على عكس تدمر، التي لا يكفي يوم واحد للاستمتاع بمشاهدتها، يمكن استكمال مشاهدة بصرى في نصف يوم. أول ما يشد انتباه الزائر في بصرى هو اللون الأسود للحجارة المستخدمة في بنائها والتي تضفي على المكان جواً من الجلال والسكينة. أبرز المشاهد السياحية في المدينة هو المدرج الروماني الضخم الذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي. عند دخولك القلعة المطلة على المدرج، تشعر وكأنك تدخل إلى أية قلعة عربية من قلاع العصور الوسطى. بتسلق السور الخارجي تطالعك على حين غرة هنالك في الأسفل أرتال وأرتال من الأفاريز (الأدراج) المحيطة بالمسرح. العمق والحجم الهائل للمسرح يحبس الأنفاس. يمكنك إلقاء نظرة بانورامية على مدينة بصرى من فوق متاريس المسرح. في الأمام خلف الأسوار، هنالك جامع يتألق تحت أشعة الشمس.


يستضيف المسرح اليوم عروض فرق الأوبرا والموسيقى والرقص المحلية والعربية والعالمية خلال أشهر الصيف. عند الستارة الخلفية الأنيقة المضاءة للمسرح، ومع أنغام الموسيقى المرحة الصادحة، يمكنك أن تنسى بسهولة أنك في القرن الحادي والعشرين. المسرح مصمم بطريقة لا تحتاج معها لأية مكبرات صوت، حتى أمام جمهور من عشرين ألف متفرج متكئين على المقاعد الحجرية ونسائم الصيف تنساب من حولهم.

تقول الرواية بأن النبي محمد (ص) كان قد قدم إلى مدينة بصرى بصحبة عمه أبي طالب خلال إحدى الرحلات التجارية لقوافل قريش قبل البعثة وكان عمره ثلاث عشرة سنة، ويقال بأن أحد الرهبان المسيحيين في بصرى ويدعى "الراهب بحيرة" تنبأ لأبي طالب بعد أن رأى علامات النبوة على الفتى، بأن ابن أخيه محمد هو النبي "أحمد" الذي بشر به عيسى طالباً منه العودة به سريعاً إلى مكة قبل أن يكتشف اليهود أمره ويقتلوه.

خارج هذه القلعة والمسرح توجد المدينة القديمة ببواباتها ومساجدها وبقايا كاتدرائيتها القديمة. الشيء الملفت للنظر أكثر من غيره هو أن القرويين لا يزالون يعيشون داخل هذه الأوابد، وأن آثار بصرى آلت إلى مساكن لقاطنيها الحاليين، وبإمكان المرء رؤية الملابس المنشورة ترفرف مع النسيم وهوائيات أطباق الاستقبال ترصع أسطح المباني القديمة.

لقد شهدت الحقبة الرومانية ظهور وأفول العديد من المدن الهامة. لقد أدى استخدام طريق تدمر من قبل الرومان إلى بروز مدينة حلب كمدينة بالغة الأهمية.

بتوضعها إلى الشمال من دمشق، يتوجب على قاصد حلب المرور بمدينة حماة. على بعد حوالي 160 كم عن دمشق، يحيط حوض العاصي الأخضر الخصب بالطريق الدولية. يجري نهر العاصي عبر وسط مدينة حماة التي تبعد عن مدينة حمص حوالي 40 كم. لابد لك من انعطافة عن الطريق الدولية نحو هذا الفردوس الأخضر الجميل. أجمل ما في هذا الوادي هو نهر العاصي ذاته الذي يجري عبر وسط المدينة تتخلله النواعير القديمة الضخمة والتي يبلغ قطر الواحدة منها حوالي العشرين متراً. تم بناء هذه النواعير في القرن الرابع عشر لتسخير مياه النهر لأغراض السقاية ضمن حدود المدينة. إن صوت أنين أو "عنين" هذه النواعير هو أشبه بصوت عربة ثيران ضخمة يتردد صداها في أنحاء المدينة. وقد تم الإبقاء على بعض هذه النواعير قيد العمل من أجل الزوار، فهي تمثل أعجوبة هندسية تستخدم طاقة المياه نفسها للدوران وصب المياه في الصناديق الخشبية التي تسكبها بدورها في أقنية خاصة مبنية في الأعلى. هنالك حديقة عامة تحيط بالنواعير والعديد من المطاعم المطلة على النهر الجميل بمعجزاته القديمة.

.
ثمار السقاية تبدو ظاهرة للعيان على مجمل المساحة الممتدة بين حماة وحلب. في حلب هنالك القلعة الشهيرة الرابضة كالحارس فوق تلة صغيرة، مواظبة على مراقبة هذه المدينة خلال الخمسة آلاف سنة الماضية. القلعة محاطة بخندق عميق. خط الدفاع الأول عن القلعة يؤدي إلى تحصينات عظيمة ومنيعة عند المدخل. الزوايا التي بنيت عليها البوابات تشكل بحد ذاتها آليات دفاعية. أبواب المداخل ذاتها صماء، لكنها مزخرفة بأناقة. رؤوس المسامير مصممة على شكل أفاعي متشابكة ونضوات خيل وأسود مبتسمة أو باكية، وبالطبع عبارات دينية. في الداخل، بوسع المرء أن يشاهد آثار وبقايا العديد من الحكام والغزاة. المسرح في الداخل أعيد بناؤه لإقامة الأمسيات الثقافية. أكثر ما يشد الانتباه داخل القلعة القديمة هو أثر معاصر. غرفة العرش للقصر الملكي التي بنيت في القرن الثالث عشر تم ترميمها وتزيينها بواجهات الخشب المطعم بالصدف والثريات الفريدة والأعمال الخشبية المنجزة في هذه الأيام. وهي الآن تستخدم كصالة للولائم والحفلات الرسمية. ما يزال هنالك الكثير من الأسرار غير المكتشفة داخل القلعة والتي تنتظر وصول عمليات التنقيب إليها.



دورا يوروبوس - بوابة آسيا وأوروبا


- بوابة القلعة.. إيقونة حلب -
لعل السلوقيين هم أول من بنى أول قلعة في هذه الموقع، لكنها لم تصل إلى قمة مجدها إلا في العهد البيزنطي والصليبي. الإغريق أيضاً كانوا فاتحين وبنائين عظاماً. عند هذه النقطة دعونا نعود في الزمن إلى أيام دورا يوروبوس. بفضل وسائل الري الحديثة، أصبحت الطريق الواصلة بين دير الزور ومدينة البوكمال شرق سورية طريقا ممتعة جداً للقيادة. على بعد حوالي 40 كم من دير الزور يشد الانتباه مجموعة من الآثار. إلى اليمين من ضفة الفرات العظيم مباشرة تهجع مدينة قديمة. في موقعها المشرف على النهر الذي يقع أسفل منها بتسعين متراً أسس نيكاتور، أحد ضباط الاسكندر، هذه المدينة التي استخدمت كخط دفاعي متقدم بالغ الأهمية حتى في العصور الرومانية. دمرها الساسانيون عام 256 للميلاد، ثم أعيد اكتشافها عام 1921 من خلال بعض اللوحات الريفية التي وجدت هناك. وهي الآن أحد المواقع التاريخية الهامة في سورية. للمدينة أسوار محيطة واسعة و16 موقعاً دينياً لعقائد مختلفة وقلعة ومسرح وسوق وحمامات وعدد من الكتابات بلغات مختلفة كالبارثية والتدمرية واللاتينية. بالوقوف على هذه الآثار والفرات العظيم يتلوى ويتموج قربك يدرك المرء أهمية هذه الموقع كنقطة تقاطع ومرفأ نهري ومحطة استراحة للقوافل.


آثار أفاميا، هي موقع سلوقي هام آخر أسسه الملك سلوقس الأول نيكاتور أوائل القرن الثالث قبل الميلاد يقع على مسافة 250 كم من دمشق إلى جهة الشمال. تم إطلاق أسم "أفاميا" على هذه المدينة تكريماً لزوجته الفارسية أفاميا.

اختار السلوقيون الموقع بعناية. إنه تضاد دراماتيكي بين الحجر الرمادي والمروج الخصبة الخضراء والمعالم البعيدة لسلسلة جبال العلويين. بتوضعها وسط سهول العاصي الغناء، تتخذ هذه الآثار لنفسها موقعاً مميزاً.

.
أصبحت أفاميا أحد المراكز الرئيسية الأربعة لدولة سورية السلوقية – المركز الرئيسي إلى جانب كونها قاعدة عسكرية استراتيجية على عقد المواصلات الرئيسية الشرقية/الغربية والشمالية/لجنوبية. أراضيها الغنية الخصبة كانت توفر الكلأ والمرعى لخيول الملك. في العام 64 قبل الميلاد فتح الرومان بقيادة بومبي المدينة. لعبت المدينة تحت حكم الرومان دوراً أساسياً كقاعدة عسكرية هامة. عدد سكانها آنذاك كان يقارب 117000 ألف نسمة. لقد وصلت شهرة كاهنها ومعبدها (معبد الإله بعل) حتى جنوب فرنسا وكانت تشتهر أيضاً بشكل خاص بمزج خمورها بالعسل! في أعقاب زلزال مدمر ضرب المدينة عام 115 ميلادي، أمر الإمبراطور الروماني "تراجان" بإعادة بناء المدينة. القرن الثاني الميلادي كان فترة ازدهار بالنسبة لأفاميا، ومعظم الآثار التي نشاهدها اليوم – المسرح، الحمامات، المعابد والفيلات – جرى بناؤها خلال هذه الفترة.

على امتداد الطريق نحو الآثار يشاهد المرء نواعير صغيرة تزين نهر العاصي. قبل الانعطاف نحو الموقع يوجد جامع الفسيفساء. خان عثماني قديم جرى تحويله إلى متحف. الخان بحد ذاته يعد أنموذجاً رائعاً عن الطراز المعماري للقرن السادس عشر. كان بمثابة محطة استراحة هامة للحجاج المتوجهين إلى مكة. عندما يكون القائم على المكان في مزاج رائق يمكن أن يفتح جميع الأبواب أمام الزوار، وإلا يكتفي الزائر باستراق النظر من وراء الشبك الحديدي والاستمتاع بمشاهدة بلوحات الفسيفساء الضخمة والجميلة التي جرى انتزاعها من موقع أفاميا التاريخي. عدد من المشغولات الجنائزية معروضة هناك أيضاً.

أعلى الطريق الجبلية إلى اليسار تقع قلعة المضيق، التي هي قلعة أفاميا. كانت هذه القلعة قيد الاستخدام بدءاً من العهد السلوقي وكانت بمثابة حصن دفاعي للعرب في وجه الفرنجة. اليوم تشغل قرية صغيرة عصرية معظم أرجاء القلعة. من فوق المتاريس على الجهة الجنوبية من القلعة يستمتع المرء بمشهد بانورامي للحجارة الرمادية للآثار على خلفية المروج الخضراء اليانعة.

أعلى الطريق الجبلية نأتي إلى نقطة تقاطع الشارع العظيم. شارع طويل معمد يمتد على كلا جانبي الطريق الرئيسي الحديث. اللون الرمادي للحجارة يضفي إحساساً بالمهابة على الآثار. يستغرق منك حوالي ساعتين للتجوال على كلا جانبي الطريق المعمد. الطريق ممتد على مسافة 1,85 كم، وهو محاط ببقايا أبنية ذات أهمية مدنية ودينية. الشارع الذي يبلغ عرضه 37,5 متراً والمزود بطريق للعربات بعرض 20,5 متراً كان يستخدم طريقاً للعربات والمركبات ذات العجلات، التي لا تزال آثارها بادية على الحجارة في بعض الأماكن. الأغنام ترعى في المساحات العشبية الخضراء وسط الآثار. كثير من أبناء المنطقة يخرجون للتنزه بين الآثار وغالباً ما يدعونك لتناول كوب من الشاي العربية أو المكسرات، وهم يرغبون في أن تلتقط لهم الصور ويدعونك بحفاوة إلى بيوتهم داخل القلعة على التلة المقابلة. كذلك يشاهد على كلا جانبي الأعمدة بعضاً من بقايا هذه المدينة العظيمة. الساحة العامة، الحمامات، المعبد، والكنائس المتأخرة. السير عبر الشارع المرصوف بالحجارة المحاط بالأعمدة الضخمة أشبه بالسير عبر دهليز من السرمدية، فهو يبدو بلا نهاية نوعاً ما. على البعد، الجبال والخضرة المحيطة والنسائم الرقيقة وسط هذا الصمت والسكينة الرزينة للحجارة الرمادية تمنح العقل الفسحة اللازمة لتأمل كيف كانت عليه هذه المدينة قبل آلاف السنين.

بالعودة إلى الطريق الحديثة بوسع المرء إذا ما ارتقى أكثر قليلاً نحو الأعلى مشاهدة العديد من الأبنية التي تعود إلى العصرين الروماني والبيزنطي.

أهم هذه الأبنية هي الكاتدرائية المشرقية، التي تعد واحدة من أهم الصروح المعمارية في الشرق المسيحي وتعود إلى العام 533 ميلادي. في هذه الاتجاه توجد أيضاً بقايا ثلاث منازل رومانية، جرى من بينها ترميم بيت المؤاساة. الأثر الهام الآخر الجدير بالمشاهدة هو المسرح الذي يمكن رؤيته على طريق العودة باتجاه القلعة والذي يعود تاريخه مبدئياً لأواخر القرن الثاني الميلادي. لعله كان أحد أكبر المسارح في العالم الروماني بقطر يبلغ 139 متراً وواجهة بعرض 145 متراً.

بصفتها نقطة تقاطع شرقية، درجت أفاميا على استقبال العديد من ضيوف التاريخ الكبار أمثال كليوباترا، سيبتيموس سيفيروس، والإمبراطور كراكالا. أصبحت المدينة فيما بعد مركزاً هاماً من مراكز التوحيد – حيث أن العقيدة المسيحية كانت تنكر الطبيعة الازدواجية للسيد المسيح.

هنالك العديد من المواقع في سورية مرتبطة بالمسيحية الأولى. القديس بولس كان قد التجأ إلى أحد البيوت في دمشق القديمة (الآن أصبح كنيسة). القديس سمعان أمضى 42 عاماً من حياته على رأس عمود حجري قرب حلب. رفات القديسة تقلا، إحدى أول شهيدات الكنيسة، مدفونة على مسافة 50 كم من دمشق في بلدة فريدة من نوعها تدعى معلولا. بلدة صغيرة اتخذت من موقع جميل متميز في سلسلة جبال القلمون معقلاً لها. فجأة، من الأركان والزوايا المتعددة للقرية تعبر بشكل مفاجئ نحو السماء. البلدة شهيرة ببيوتها المبنية على شكل أقراص العسل. البيوت معلقة على جوانب الجروف الصخرية. العديد منها مطلي باللون الأبيض والبنفسجي الزاهي. الألوان إجمالاً مغايرة للون الرمادي القاتم المائل إلى الصفرة الذي يميز القرى السورية.


بالانعطاف يميناً عند أسفل الجبل نصل إلى دير القديسة تقلا. تقول الأسطورة بأن القديسة تقلا كانت من المعتنقين الأوائل للمسيحية وأحد أتباع القديس بولس. كانت قد فسخت خطوبتها لتكرس نفسها لعبادة الله. خطيبها أراد الانتقام منها بالسعي لقتلها بشتى الوسائل، لكن محاولته كانت تبوء بالفشل في كل مرة نتيجة تدخل العناية الإلهية.

بالتالي، يعتقد بأنها لابد وأن تكون قد اختبأت في أحد الجروف المجاورة حيث جرى بناء الدير الحديث. رفاتها مدفونة في الدير. إنه بناء متعدد المستويات. كنيسة الدير حديثة نوعاً ما وهي جميلة وتحتوي العديد من الرسوم على الجدران الداخلية للقبة. الدرج يؤدي إلى مكان استراحة القديسة تقلا. في هذا الدير نبع ماء مقدس حتى عند المسلمين. يقال بأن لمياه هذا النبع القدرة على شفاء العديد من الأمراض. الراهبات باللباس الأسود يطفن في أنحاء المكان كأنهن أطياف صامتة داخل هذا الدير الذي يستحوذ عليه جو من السكينة التامة.

الدير الشهير الآخر هو دير القديسين سيرجيوس وباخوس ويقع إلى يسار الشعب عند سفح الجبل. لقد أطلق عليه هذا الاسم تيمناً بالقديس سركيس (سيرجيوس)، وهو فارس سوري استشهد خلال حكم الملك مكسيموس عام 297. أبناء المنطقة يطلقون عليه اسم مار سركيس. القبة الزرقاء أعلى الجبل تدل على المكان. الدير مبنى من الحجر. في داخله هنالك لافتة على الباب تقول: "كنيسة". الكنيسة التي يناهز عمرها 1700 سنة تحتوي على عدد من الأيقونات البيزنطية الجميلة. مذبح الكنيسة على غرار المذابح الوثنية، ولكن من دون تلك الفتحة التي يتدفق منها دم القرابين. (أبونا الذي في السموات) قال الكاهن توفيق عيد، ثم رتل الصلاة الإلهية بالآرامية. وسط صمت الكنيسة المهيب تناهت النغمات الرنانة للآرامية إلى أسماعنا وكأنها ترانيم الفيدا (ترانيم دينية مقدسة عند الهندوس). معلولا هي آخر معاقل اللغة الآرامية – لغة السيد المسيح. بلدة معظم أبنائها من الكاثوليك الإغريق، وقد حافظ أبناؤها على تقليد الآرامية حياً على مر الزمن. علماً أن أبناء الطائفة السريانية الأرثوذكسية يتحدثون ويصلّون بالآرامية الغربية.

وراء جبال هذه البلدة المقدسة تنبسط بساتين الفاكهة وكروم العنب. من غير العسير معرفة سبب بقاء الآرامية لغة السيد المسيح حية في هذه المنطقة المنعزلة. بانزوائها في أحضان هذه الجبال، حافظت معلولا على لغتها ونقائها من عبث الغزاة والطامعين.

لغة السيد المسيح كانت قد نشأت من أول أبجدية مسمارية مكتوبة مستخدمة في سورية. أوغاريت أو رأس شمرا كانت مدينة هامة على ساحل المتوسط منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد. عصرها الذهبي كان بين القرن السادس عشر حتى القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

في هذه الفترة كان القصر الملكي في أوغاريت واحداً من أكثر الصروح المعمارية شهرة وعظمة في غرب آسيا. المدينة كان فيها مكتبة، وهي المكان الذي عثر فيه على الرقم الفخارية المكتوبة. الكتابة على هذه الرقم معترف بها على أنها اقدم أبجدية معروفة. اعتمدت من قبل الإغريق ثم الرومان، ومنها اشتقت كافة الأبجديات المعروفة اليوم. هذا الموقع الهام قرب الساحل لم يعد لديه الكثير مما يقدمه على صعيد البناء والعمائر الأثرية. ما يشاهده المرء في هذا الموقع هو أساسات الأبنية القديمة – المدينة برمتها يمكن تخيلها من قواعد الحجارة والصخور المتبقية. إذا لم يكن المرء مهتماً أو متحمساً لرؤية الصخور المتناثرة هنا وهناك،


.
فلعله يجد العزاء في إمتاع ناظره بمشهد الزهور والرياحين المتفتحة المتراقصة مع النسيم وسط الموقع. أوغاريت اليوم هي أشبه ببستان من الرياحين يوشح خلفيته مشهد الصخور المتناثرة. بيارات البرتقال وحقول الزيتون تحيط بالموقع من كل حدب وصوب. الحياة تعود لتضج في أسماعنا ونحن ننحني إجلالاً لأسلافنا الذي منوا علينا بنعمة الكلمة المكتوبة.



في سورية هنالك حوالي خمسة عشر ألف موقع مصنفة على أنها مواقع تاريخية ذات قيمة أرشيفية. بالنتيجة، حيثما جالت عين المرء في هذا الجزء من العالم لابد وأن تقع على شاهد من شواهد التاريخ! هذه المواقع والأماكن التي لا حصر لها تعطينا تصوراً لطبيعة الحياة التي عاشها أسلافنا: رؤاهم، أفكارهم، انتصاراتهم، مخاوفهم، وأخطاؤهم، من خلال بصماتهم التي حفظتها لنا آثارهم.

صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني


العودة إلى أهلا بكم في سوريا الحضارة

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 3 زائر/زوار

cron