• اخر المشاركات

جبل من الذهب

مقالات, تحقيقات, أراء و شروحات.

المشرف: noooooooooooor

جبل من الذهب

مشاركةبواسطة noooooooooooor في السبت يوليو 09, 2011 1:14 am

جبل من الذهب



لا شيء يخلد الشعوب مثل تراثها، وأفغانستان التي عاشت كماً من الحروب والنكبات ما لم يعشه أي بلد آخر لها من التراث الذي يحتاج إلى جهود جبارة لكي يتم الحفاظ عليه. وقد بذل بعض الأفغان ما يستطيعون من اجل أن يحفظوها من عبث طالبان وغيرها من الظروف القاهرة الأخرى.

وقبل ايام افتتح معرض في المتحف البريطاني بعنوان «أفغانستان: مفترق طرق العالم القديم» ضم نفائس ثمينة تعكس العمق التاريخي لهذا البلد. وقد عثر على بعض من هذه الكنوز الثمينة في منطقة تيليا تيب، (ما يعرف بجبل الذهب في أفغانستان) في مملكة باكترين القديمة التي يمتد تاريخها إلى ألفي عام قبل ميلاد المسيح.

وفي المعرض الجديد تم عرض حوالي 200 قطعة أثرية فنية ذهبية تعود إلى آلاف السنين عثر عليها في 6 مقابر شمال أفغانستان. ومن بين القطع تاج مصنوع من الذهب لإحدى الأميرات الأفغانيات وتماثيل صغيرة وأحزمة وأساور وأباريق زجاجية مزخرفة ومنحوتات عاجية خلابة من الهند. وتدل طريقة إبداع هذه القطع الأثرية على التأثر بالفن الهندي السائد بالمنطقة في أثناء تلك الحقبة الزمنية.

ويشير التاريخ إلى انه في عام 1978 تم العثور على كنوز ثمينة في موقع يقال له "تليا تيبي" في أفغانستان. وقد نجا هذا الكنز منذ ثلاثين عاما من النهب والقصف والغارات التي شنتها طالبان. وفي هذه الأيام يسلط الضوء على جبل الذهب من خلال عرض نفائس نادرة في معرض جديد في المتحف البريطاني.

وبعيدا عن تمويل أنشطة أمراء الحرب والمتمردين عبر أفغانستان بادرت الدعوات إلى تقديم عطاءات بشأن ما لا يقل عن 128 قطعة من الفضة القديمة اليونانية والهندية وعملات برونزية، تم الحصول على بعض منها من باعة في باكستان وسنغافورة وتايلاند والولايات المتحدة. وربما كل قطعة من هذه القطع هي نتاج نهب جرى على مدى السنوات ال 20 الماضية. ولولا الحظ، لما تم التقاط حتى قطعة واحدة من عشرات الآلاف من القطع التي نهبت من مجموعات المتحف الوطني القديم لأفغانستان في كابول بين 1992 و2001. وبالنسبة لأولئك الذين لديهم جيوب عميقة، يمكنني أن أوصيهم بالتحف لأنها: "من فن الماضي الثمين " والتي يعرض منها حاليا 289 قطعة منهوبة للبيع، بما في ذلك أشكال نحتية استثنائية قديمة(جراندهاران) لهيراكليس وهو جالس وفي حالة شبه مثالية، مقابل حوالي 19 ألف جنيه إسترليني إضافة إلى الإرسال والتعبئة.

مفترق طرق الحضارات
هذه هي مخاطر العيش في "مفترق طرق الحضارات". ولا بد من القول بأن هذا النوع من المواقف النفعية إزاء تراث أفغانستان ما قبل الإسلام ليس بالشيء الجديد. ففي عام 1999، أصدر زعيم حكومة طالبان، الملا عمر، مرسوما يحظر أي ضرر لتماثيل بوذا الأثرية في باميان، على أساس أن حركة طالبان تعتبر تماثيل باميان "كمثال للمصدر الرئيسي المحتمل للدخل في أفغانستان من الزوار الأجانب ". وبصرف النظر عن القيمة الاقتصادية المحتملة حيث لم يبد تحقق أي فوائد واضحة من وجود تماثيل بوذا في باميان : لانه وكما أشار ملا عمر عندما قال "في أفغانستان لا يوجد بوذيون لعبادة التماثيل".

لماذا ينبغي للمسلمين البشتون ان ينتابهم أي إحساس بالمسؤولية لثقافة البوذيين القندهاريين ؟ ان عشرات المرات خلال الثلاثة آلاف سنة الماضية، تغيرت السهول والوديان حول سفوح جبال هندو كوش على أيدي الإيرانيين واليونانيين والصينيين والأتراك والهنود والسكيثيين. وتقف خارج المتحف الوطني في كابول لافتة كتب عليها التالي : "الامة تبقى حية عندما تبقى ثقافتها حية". ولا ينبغي لأي احد أن توهمه الصياغة اللطيفة - فهذه عبارة على قدر من الاستفزازية لانهم عن أي ثقافة يتحدثون؟واي أمة؟ في مارس 2001، قدم ملا عمر إجابة واحدة، وذلك بإلغاء قراره قبل عامين وأمر بتفجير تماثيل بوذا في باميان. وفي وقت واحد، تم تحطيم معظم الأشياء القليلة المتبقية من عصر ما قبل الإسلام في متحف كابول أو تم بيعها. ومن الخطأ تماما رؤية أحداث مارس 2001 كمجرد فعل تخريبي بربري (على الرغم من أنها كانت بالتأكيد كذلك). كما انها تمثل مطالبة معينة بشأن أجزاء من تاريخ أفغانستان كان يستحق المحافظة عليها كأهمية كبرى بالنسبة لطالبان، لأنها "الثقافة الوطنية" التي امتدت منذ العام 622 بعد الميلاد.

وللحصول على جردة حساب بديلة عن التاريخ الدموي في أفغانستان – كما يبدو مع ما تركه البوذيون- يمكننا النظر إلى المعرض الذي يحتضنه المتحف البريطاني. ويأمل نيل ماكجريجور مدير المتحف، أن يظهر المعرض من "اننا في لحظة فاصلة تاريخيا عندما ينظر إلى أفغانستان كبلاد منعزلة ومعزولة في حين ان علاقات أفغانستان طويلة وعميقة".

معجزة تيليا تيبي
وفي قلب المعرض توجد معجزة تيليا تيبي، "جبل الذهب" الذي هو عبارة عن مرتفع ترابي ضخم يقع إلى الغرب من مزار شريف على مسافة 80 ميلا، بين جبال هندو كوش وجداول أمو داريا. وفي وقت ما من منتصف القرن الأول، تم اختيار هذا التل من قبل الأمير البدوي كمدفن له، وفعلا دُفن الأمير في قمة التل، وتمت التضحية بحصان ليدفن معه. وفي حلقة حول قبر الأمير كانت هناك خمسة قبور لنساء وربما أنهن زوجاته الخمس، وجميعهن تم تكفينهن بملابس فاخرة وارتدين مجوهرات رائعة بشكل غير عادي.

لقد انتشل علماء الآثار أكثر من 20 ألف قطعة أثرية من هذه القبور الستة، وكانت قبور النساء هي الأغنى في المحتويات لاسيما القبرين الأقرب إلى قبر الأمير في تيليا تيبي. لقد دفنت واحدة من هاتين الأميرتين مع مرآة صينية من الفضة كانت قد سُجيَتْ على صدرها؛ وبجانبها مشط من العاج الهندي وختم من الذهب مع صورة واسم "الآلهة أثينا" في اليونان، وملاكين أوروبيين يركبان على ظهور الدلافين والأكثر روعة من الجميع عملة ذهبية من إمبراطورية طيباريوس الرومانية، والتي سكت في ليون في غال بين العامين 14 و37 بعد الميلاد.

من هؤلاء النساء؟ ما اللغة التي كانت تتكلم بها النسوة؟ ان المجوهرات من تيليا تيبي لا يوجد لها أي مثيل في أي جزء آخر من العالم من حيث الأساليب سواء في الصين أو الهند أو سيبيريا أو اليونان التي تم خلطها وصهرها معا في مشهد عظيم. والعديد من القطع رصعت بالذهب مع الأحجار الكريمة الملونة الرائعة، وفوق كل شيء رصعت بالفيروز. وبصورة خاصة احتوت أحجار الفيروز التي كانت على شكل قلوب. ومن المحتمل أن هذه القطع تجسد مكانة نبات اللبلاب عند البدو السكيثيين في آسيا الوسطى في 329 قبل الميلاد، ويذكر انه خلال رحلة الاسكندر الأكبر إلى السهول الآسيوية الوسطى، شاهد المقابر التي كانت تكللها الأشجار التي غطاها اللبلاب. وهناك أسباب أخرى للاعتقاد أن بدو" تيليا تيبي" ربما هم السكيثيين – حيث يعتبرون المصدر الرئيسي للفيروز في آسيا الداخلية التي تقع في التلال المحيطة ب"مشهد" حوالي 300 ميل إلى الغرب من "تيليا تيبي" في قلب أراضي السكيثيين في شمال شرق ايران.

السكيثيون
عموما ان السكيثيين شعب متنقل ينحدر من أصول إيرانية هاجر من وسط آسيا إلى جنوبي روسيا في القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد وتمركز فيما، يعرف اليوم بشبه جزيرة القرم (أوكرانيا حالياً). تمكن السكيثيون من تأسيس إمبراطورية غنية وقوية استمرت لقرون عديدة قبل أن يخضعوا للسارماتيين بين القرنين الرابع قبل الميلاد حتى القرن الثاني الميلادي كان السكيثيون يثيرون إعجاب وخوف جيرانهم لخفة حركتهم ولبسالتهم في الحروب والمعارك خصوصاً لمهارتهم بالفروسية حيث كانوا من أوائل الشعوب الذين تفننوا بركوب الخيل.

لم يكن السكيثيون يتميزون بقدرتهم على القتال فحسب بل أيضاً بأعمالهم ومخلفاتهم الحضرية حيث طوروا طبقة من الأرستقراطيين الأغنياء الذين شجعوا على التوسع بالمهن والحرف وتركوا لنا اليوم قطعاً فنية فريدة من الذهب ومواد أخرى نفيسة. والعديد من محاريبهم كانوا يرتدون الخوذات البرونزية ذات الطراز اليوناني والدروع المسلسلة، سلاحهم الرئيسي كان القوس ذا الحدبتين مع السهم ثلاثي الوريقات أما سيوفهم فكانت مشابهة للسيوف الفارسية. وكان لكل سكيثي تقريباً مطية شخصية وامتلك الأغنياء منهم قطعانا كبيرة من الخيول والتي غالباً ماكانت من فصيلة الخيول المنغولية.

بريق التاريخ الأفغاني
ان المعرض الذي اقيم على ارض المتحف البريطاني بعنوان «أفغانستان: مفترق طرق العالم القديم». أثبت للعالم أن هذه المنطقة تتمتع بأهمية كبرى وغنى وافر منذ آلاف السنين. ولا شك في أن بعض المعروضات كانت على قدر من الروعة والجمال، فهناك كميات كبيرة من المجوهرات الذهبية تعود إلى القرن الأول بعد الميلاد، منحوتات عاجية خلابة من الهند، وأوانٍ زجاجية صُنعت في مصر القديمة. وما يميز هذه القطع انها من تاريخ حَفَلَ بكثرة اضطراباته. فهي كنوز من المتحف الوطني في كابول نجحت الصدفة في ان تبقى صامدة رغم عقدين من النهب والقصف، فضلاً عن عمليات التخريب المتعمّدة التي مارسها أعضاء طالبان.

لقد اختفى نحو 70% من مجموعة هذا المتحف خلال عشرين سنة من الحرب وحكم طالبان. لكن مجموعة من أفضل القطع فيه نجت بأعجوبة. فكان بعضها بما فيها مجموعة التحف القيّمة والمذهلة التي عُثر عليها في منطقة "تيليا تيبي" مخبأة في خزنة تحت القصر الرئاسي ولم يُعاود الظهور إلا عام 2004، في حين استُعيد من باعة السوق السوداء بعض من القطع التي نُهبت.

وإذا تأمّلنا في التاريخ السحيق لهذه القطع ، نُلاحظ أنها تروي قصة حضارة من الاندماج والاحتكاك. وقلما نرى أدلة واضحة إلى هذا الحد تؤكد قدمها وتُضاهي بأهميتها ما يُدعى كنز باغرام. لقد كانت باغرام، التي تحوّلت راهناً إلى قاعدة أميركية ضخمة، مدينة في الماضي القديم. في ثلاثينيات القرن العشرين، عثر علماء الأثار الفرنسيون على كنز رائع في هذه المنطقة. وقد رجحوا أن تكون غنيمتهم هذه كنزاً ملكياً خُبّئ في وقت عصيب أو مخزن تاجر كان يبيع القطع الفنية في القرون الأولى بعد الميلاد. وبين هذه التحف عثروا على لعبة رومانية لها شكل حوض أسماك تسبح فيه أسماك معدنية تهز زعانفها عندما يُملأ بالماء.

وقد ضمّ هذا الكنز أيضاً أواني زجاجية تحمل شخوصاً تشبه ما يظهر في جداريات بومبي. ولعل الأبرز بين هذه التحف والأجمل بالتأكيد مجموعة من المنحوتات العاجية التي تُشبه ما اعتمد في جنوب الهند. ولا شك في أن تماثيل النساء العاريات الصدر اللواتي يهززن خصورهن كانت ستؤول إلى الهلاك لو أن أعضاء طالبان علموا بأمرها.

وتبرهن كنوز باغرام أن أفغانستان كانت نقطة تبادل حضاري امتزجت فيها تيارات من الهند، أوروبا، الصين، إيران، آسيا الوسطى، والشرق الأوسط. والمذهل حقاً من الناحية التاريخية كنز آي خانوم، مستعمرة يونانية أسسها قرابة 300 بعد الميلاد أحد القادة الذين خلفوا الإسكندر الكبير. فبعد فتوحات هذا القائد، شملت الإمبراطورية اليونانية طوال أكثر من قرن معظم مناطق أفغانستان اليوم. لذلك، يضم هذا المعرض قطعاً هندسية ومنحوتات كلاسيكية تتوقّع مشاهدتها في اليونان أو إيطاليا.

ويحتوي هذا المعرض أيضاً على قطع عثر عليها في تيليا تيبي علماء أثار روس وأفغانيون عام 1978 قبيل الغزو السوفياتي. تشمل هذه عدداً من حلي البدو من سهول آسيا دُفن في شمال أفغانستان قبل ألفي عام. والملاحظ ان هذه التحف تتسم بجودتها العالية، ولعل أبرزها تاج ذهبي متقن الصنع وأساور ومشابك وقلادات تظهر عليها رموز وشخصيات خرافية من اليونان وإيران.

ومن الصعب المبالغة في أهمية اكتشافات منطقة " تيليا تيبي" لان البدو هم بالاساس "شعب بلا تاريخ"، لان خيم البدو عادة لا تترك أي آثار لاسترداد الآثار. وهذه المدافن هي الأدلة الوحيدة التي لدينا عن الحقبة البدوية الطويلة في التاريخ الأفغاني بين سقوط المملكة اليونانية في باكتريا سنة 145 قبل الميلاد وصعود دولة كوشان في أواخر القرن الأول الميلادي. والأهم من ذلك، فأيا كان هؤلاء البدو قد اثبتوا وبشكل واضح انهم كانوا موجودين عند تقاطع طرق التجارة القديمة الثلاثة في آسيا. عموما ان المقتنيات الموجودة في المعرض تعكس التبادل الحضاري والعمق التاريخي لأفغانستان.

(عن
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

العودة إلى بشكل عام

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 7 زائر/زوار

cron