• اخر المشاركات

علينا أن نتذوق.. لنفهم!

مقالات, تحقيقات, أراء و شروحات.

المشرف: noooooooooooor

علينا أن نتذوق.. لنفهم!

مشاركةبواسطة نورس في الجمعة يونيو 24, 2011 3:04 am

علينا أن نتذوق.. لنفهم!


الموسيقى التي أبدعتها الشعوب المختلفة لا تخلو من نقاط تشابه، ونقاط التشابه هذه لا تلفت إنتباهنا لأنّها ليست علامات مميّزة (بكسر الياء المشددة) إذ أنت لا تعرف الناس مما يشتركون فيه مع غيرهم وإنما تعرفهم مما يميّزهم من سواهم. ولابدّ من تدقيق في هذه النقطة.
خلافاً لأفلاطون لا يوجد "مثل" للإنسان نقيس عليه أفراد هذا النوع العيانيين، فلا يوجد غير هؤلاء الأفراد المتعينون، ومع ذلك فمن التجربة نتعود على المشترك وعلى تمييز الخصال المتفردة ضمن هذا العموم فالأوروبي متعود على رؤية لون محدد للجلد وحجم معيّن للإنسان إلى آخره، وباختصار: ما يمكن أن يكون عليه "الإنسان"، وتبدأ الدهشة حين يصطدم ابن مجتمع معيّن، هذا المجتمع مثلاً بخواص غريبة لم يرها من قبل: الجلد الأسود مثلاً في بداية عهد الإستعمار أو قبله.
والموسيقى تخضع لهذه الخواص العامة للإدراك فثمة خواص عامة للموسيقى العربية تحدد لك مثلاً "ما يمكن أن تكون عليه الموسيقى العربية" وحين تظهر خاصية لم توجد من قبل يكتشف ابن المجتمع ذلك. قلت: "الموسيقى العربية" مصطلح استخدمته لتسهيل الشرح وإلا توجب المزيد من التدقيق إذ أنّ الموسيقى الأندلسية التي هي عربية والموسيقى السودانية التي هي عربية أيضاً تختلفان كل الإختلاف عن الموسيقى المشرقية (مصر وبلاد الشام، بعض بلاد المغرب العربي، الخليج والعراق، التي غالباً ما نعنيها حين نقول "الموسيقى العربية" هل إدراك التميّز وعدم التميّز شعوري أم غير شعوري؟
عد إلى مفهومك ل: "الحصان" مثلاً وقل لي: هل تذكر متى تعلمت أن تميّز الحصان من غيره؟ أكثر من ذلك: هل تستطيع أن تعد لي الآن: ما الذي يميّز الحصان. جرب وسترى أنّ الأمر ليس بهذه السهولة فهو: حيوان (ليس تمييزاً كافياً) ذو أذنين قصيرتين (ليس كافياً أيضاً) وحجم معيّن وأكمل السلسلة لتستنتج أن جواب التلميذ في النكتة: ألم ترى في حياتك قطة يا أستاذ؟ هو الجواب الذي يخطر على البال.
نحن نميِّز إذن إستناداً إلى ذاكرة بصرية خرساء لا يسهل تحويلها إلى كلام، هذا في الحصان أما في الموسيقى فنميّز إستناداً إلى ذاكرة سمعية لا نستطيع التعبير عنها بسهولة، ويتولى علم الموسيقى تحديد مكونات الموسيقى و تيميتها ووصف بنيتها. غير أننا لا نحتاج إلى الموسيقى النظرية لمعرفة أنّ هذه الموسيقى سودانية وليست من بلاد الشام كما لا نحتاج إلى كتاب علم الحيوان لتمييز الخروف عن العنزة.
ونتابع فنقول إنّ المرء لا يحتاج إلى معرفة قواعد الموسيقى ليتذوقها، غير أنك تحتاج إلى معرفة هذه القواعد لتصف بناءها ولتستطيع تحويلها إلى رموز بحيث يعزفها حتى الذي فلم يسمعها سابقاً. وبالإستناد إلى هذه الرموز تستطيع أن تبرهن لشخص لا يتذوق الموسيقى مثلاً أنّ هذه سودانية وليست شامية (وإلا كيف ستبرهن له! فكر في هذا السؤال!).
وظيفة الترميز إذن هي وصف الأشياء وإعادة بناءها عند اللزوم والبرهان على هذا البناء عند التشكيك فيه. تأمّل فيما فعل الخليل رحمه الله في العروض.
يبرهن على أن شعره موزون إن قال له أي واحد: هذا الشعر ليس على الوزن (مثل أي واحد الآن بعد الخليل يتعلم العروض) حتى لو أن ذوقه قال له: هذا موزون.
عود إلى موضوع "التذوق والفهم":
التذوق قد يعني الإستمتاع وقد يعني مجرّد إدراك منظومة من الموجودات (البصرية أو السمعية إلى آخره) باستمتاع أو بغير استمتاع. لنسم هذه المنظومة منظومة الموجودات المحسوسة". والفهم يخص بحصر المعنى تعامل الإنسان مع اللغة أي إستخراج المدلولات من الألفاظ. وقد يعني معرفة الأسباب للنتائج الموجودة.
هل سمعت مرّة الموسيقى الصينية؟ لقد سمعتها أنا فقلت: أنا غير قادر على تذوق هذه الموسيقى. وبالإستعانة بمعلوماتي في علم الموسيقى (التي هي ليست كثيرة ولكنها مفيدة لأنها معرفة بألف باء الموسيقى) "فهمت" أنّ السبب هو بناء هذه الموسيقى على منظومة "غير ممكنة" من الإرتباطات بين الأبعاد الموسيقية. غير ممكنة في الموسيقى العربية. كأنك ترى إنساناً شعره أخضر وطوله عشرون سنتيمتراً أو ثلاث أمتار.
لابدّ لك لكي تفهم نصاً لغوياً فهماً جيِّداً من خبرة معقدة جدّاً بألفاظ اللغة ومعانيها الممكنة وإرتباطات هذه الألفاظ الممكنة ومعانيها الأصلية والمجازية إلى آخره.
ولابدّ لك لكي تتذوق الموسيقى بمعنيي التذوق المذكورين آنفاً من خبرة معقدة أيضاً مع هذه الموسيقى بإيقاعاتها الممكنة وإرتباطات أبعاد الأنغام المكونة الممكنة (المقامات). الجمل الموسيقية الممكنة.
معنى التذوق الأوّل الذي هو الاستمتاع غير ممكن لأن شرط الإستمتاع في رأيي هو رؤية نظام معيّن لما أسميته منظومة الموجودات المحسوسة ولا يمكن رؤية النظام الممكن بدون خبرة طويلة بأشكال توزع العناصر في هذه المنظومة بالعنصر نفسها (أنت تعرف مثلاً أن حرف القاف لا يوجد في اللغة الألمانية فأنت تنكر وجود أي كلمة ألمانية مزعومة تحتوي على هذا الحرف لأن عندك خبرة بالعناصر وتوزعاتها، وثمة كلمات غير ممكنة تستبعدها لمعرفتك بالقواعد إلى آخره).
كيف ستتمتع بالموسيقى الغربية وأنت تحس أنها مجرد أصوات اعتباطية لا رابط يجمعها؟
الإستمتاع بالموسيقى شرلطه الأوّل إدراك "المنظومة الممكنة" للأنغام ثمّ التذوق للجمال وهو الزيادة على الإدراك. فأنت لا تعرف جمال المرأة إن كنت لا تعرف كيف تكون النساء عموماً كشرط أوّل!
المصدر: كتاب نحو ثقافة تأصيلية "البيان التأصيلي"
صورة

صورة
صورة العضو
نورس
مشرف
مشرف
 
مشاركات: 1778
اشترك في: الجمعة إبريل 14, 2006 1:01 am

العودة إلى بشكل عام

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 7 زائر/زوار

cron