• اخر المشاركات

الشاي الموريتاني.. خصوصية فريدة

مقالات, تحقيقات, أراء و شروحات.

المشرف: noooooooooooor

الشاي الموريتاني.. خصوصية فريدة

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الخميس مايو 12, 2011 10:21 pm

الشاي الموريتاني.. خصوصية فريدة






عرف عن الموريتانيين تعلقهم بالشاي الأخضر منذ دخوله إلى بلادهم قبل ما يزيد على قرن من الزمان، فأدمنوا على تناوله، وأبدعوا طرقا خاصة في تحضيره، ليصبح جزءا من حياتهم الاجتماعية، ومعبّرا في تقاليدهم عن معاني الكرم وحسن الضيافة والارتباط بالأصالة والهوية، كما يرمز أيضا لمشاعر الفرحة والتقدير للضيف في موريتانيا، ويشتهر الموريتانيون بإعدادهم للشاي الأخضر، ويسمونه محليا بـ"أتاي"، بطريقة فلكلورية خاصة، تتضمن من بين أمور أخرى استخدام كؤوس صغيرة لا يجوز ملؤها، ويكون تناول الشاي في الصباح كما في الأوقات الأخرى، على ثلاث مراحل متتابعة يتم في كل مرحلة شرب كأس واحدة من الحجم المشار إليه، وتسمى كل مرحلة "أبراد" وهي تسمية تطلق أيضا على نوع من الأباريق المستعملة في "صنع الشاي".


يتطلب إعداد مشروب الشاي الموريتاني شخصا خبيرا وحسا مرهفا، يسمى بـ"القيّام" ليختار ثلث كأس صغير من الشاي الأخضر الذي يسمونه محلياً بـ"الورقة" يتم وضعه في "براد" صغير، يصب الماء الساخن عليه ويرج جيدا لتنقيته من الشوائب والمواد الحافظة، وبعد ذلك تصب هذه الخلاصة جانبا، وتسمى هذه المرحلة «تشليله» بعدها يصب الماء الساخن مرة أخرى على الشاي، ويوضع على نار هادئة في موقد غازي صغير أو موقد للفحم يسمى «فرنة»، ويترك لدرجة تقارب الغليان، ثم يبدأ القيّام في صنع "رغوة" في الفناجين الصغيرة، وذلك برفع "البراد" عاليا وصب الشاي داخل الكؤوس حتى تتم العملية، ويفترض أن يكون ذلك العمل دقيقا بحيث لا تقطر أي قطرة من الشاي خارج الكأس، ثم تتم إعادة الإبريق للنار مرة أخرى لتسخينه فقط، بعدها يضاف النعناع والسكر، ليوزع حينها في الأكواب الصغيرة حتى المنتصف، ويقدم في صينية صغيرة تسمى «سرفايه»، وتسمى هذه الدفعة «البراد الأول» ثم تعاد نفس العملية في «الوسطاني» أي الثاني، ثم الثالث (التالي)، ومن المستحب لدى الموريتانيين لمن يتولى إعداد وتحضير الشاي أن يتذوقه قبل تقديمه للضيوف، حيث يصب قليلا منه في كأسه، ثم يرتشفه ليختبر نكهته ومذاقه، وتسمى هذه الحالة محليا (الروزة) بتفخيم الراء.

ويتعين على مُعدّ الشاي كذلك إتقان فن الإمساك بالإبريق، وطريقة إدارة الكؤوس بين الجماعة من اليمين إلى اليسار. ويفضل الموريتانيون أن يكون المشرف على إعداد الشاي، شخصا لبقا ومهذبا حلو الحديث، ومؤدبا عارفا بأدبيات صناعة الشاي أو"أتاي" كما يسمى في اللهجة الدارجة عندهم.


حضور بارز في حياة المجتمع


لا تطيب مجالس الموريتانيين ولا ترتاح نفوسهم إلا على تناول كؤوس الشاي، كبلسم ووقاية من مشاق الحياة ومتاعبها المختلفة، يستوي في ذلك أغنياؤهم وفقراؤهم، فالكل يشربونه بنهم وينفقون بسخاء لشرائه، مهما شحت الموارد والمداخيل، بل إنه أكثر من ذلك ذو بعد اجتماعي ملحوظ، حيث لا تكاد تلتف المحافل واللقاءات الاجتماعية إلا على صرير تعاطي كؤوسه المترعة، كما لا تطيب مجالس الأنس والطرب في المناسبات الاجتماعية، إلا على تناوله، وفي بعض الأوساط يكون من علامات رضا الفتاة بخطيبها، أن تتولى بنفسها إعداد الشاي له ولأصدقائه، وضمن مراسيم الزواج يستحسن أن يكون ضمن المهر الذي يتقدم به الزوج أدوات صناعة الشاي ومستلزماته.


ويقول محمد ولد محمد الأمين (40 سنة) إنه "كلما سافر إلى خارج البلاد يصطحب معه كمية من الشاي مع أدواته اللازمة، وفي إحدى المرات وبعد مكوثه في إحدى الدول المغاربية لأكثر من اسبوع نفد الشاي الذي كان بحوزته، ولم يتسن له من مكان إقامته التواصل مع الجالية الموريتانية في تلك الدولة من أجل الحصول على الشاي، مما جعله يمضي بقية إقامته لعدة أيام وهو فاقد للتوازن ويعاني من تغير كبير في المزاج، مما أثر في كل نشاطاته ومهامه، وهو ما دفعه في النهاية للإسراع في العودة إلى بلاده للحصول على الشاي حتى يعود إلى صحته الطبيعية".


أثار دخول الشاي الأخضر لموريتانيا جدلا فقهيا بين من رأوا جواز استعماله كنوع من الترفيه، وبين من رأوا فيه إسرافا وتبذيرا ولهوا دفعت بالبعض منهم إلى أن يفتوا بحرمته، إلا أن ذلك الجدل لم يلبث أن تلاشى ليفسح المجال واسعا أمام حضور قوي لظاهرة الشاي في الحياة الاجتماعية والثقافية للموريتانيين، وقد تغنى شعراء موريتانيا بجلسات الشاي وأدبياتها.


وترى الكاتبة والباحثة الاجتماعية الموريتانية تربة بنت عمار أن العولمة وتأثيراتها " لم تستطع تغيير نمط الشاي الموريتاني الأصيل ولم تكدر صفوه مظاهر التمدن، وظل يتربع على سلطة ذوقنا الجمعي منذ ما يناهز قرنين من الزمن.. مما يجعله مصدر إلهام الشعراء ومقصدا من مقاصد الطرب والنشوة، وتضيف بنت عمار "أن الشاي عند الموريتانيين ما زال ذا أهمية قصوى مع أن كثرته ساهمت بشكل لا إرادي في اختفاء مكامن الجمال التي هي مصدر إلهام الشعراء المبدعين والتي خلقت ثقافة خاصة به ومصطلحات ودلالات تحمل ثقافة ما هي إلا جزء من الثقافة الصحراوية البسيطة".

وفي فتراته الأولى ظل الشاي محتكرا على الأمراء ومجالسهم مما خلق عند المحرومين نوعا من أدب الحرمان، وقد لجأ بعض المتعلقين به إلى استخدام الصمغ العربي وكذلك بعض الأعشاب نظرا لندرته، وأصبح "للسكاكه" أي المتطفلين لتناوله سلوك خاص وظلت المرأة مبعدة منه مثلما أبعدت عن أشياء أهم، وقد أدى ذلك الحرمان إلى أن سما بعض الشعراء بالشاي إلى أن جعله توأما للعلم حيث قال:


فلا عيش يطيب بغير علم
وكأس لها في العظام دبيب
فلولا الكأس ما شرحت صدور
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

العودة إلى بشكل عام

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 5 زائر/زوار

cron