• اخر المشاركات

الحق في ارتكاب المجازر!

مقالات, تحقيقات, أراء و شروحات.

المشرف: noooooooooooor

الحق في ارتكاب المجازر!

مشاركةبواسطة نورس في الثلاثاء فبراير 22, 2011 12:30 am

الحق في ارتكاب المجازر!

إن حادثة إطلاق النار على نائبة الكونجرس الأمريكي جابرييل جيفوردز وغيرها في ولاية أريزونا في الشهر الماضي كانت الأخيرة في سلسلة من حوادث إطلاق النار الجماعية في الولايات المتحدة، حيث تبين أن مرتكب الجريمة (المزعوم) كان يعاني من خلل عقلي واضح. وعلى هذا فلم يكن من المستغرب أن تستدعي حادثة أريزونا الأصوات المنادية بتغيير السياسات. ولكن ما الذي يتعين علينا أن نقوم به على نحو مختلف؟

إن الغالبية العظمى من الأفراد المصابين بخلل عقلي شديد لا يميلون إلى العنف. ويكاد يكون من المستحيل أن نتوقع العدد التقريبي من هؤلاء الذين يخلو تاريخهم من العنف والذين قد يميلون إلى العنف في المستقبل. وفي الوقت نفسه فإن المقترحات المطروحة لحماية المجتمع من المصابين بخلل عقلي خطير تثير قضايا تتعلق بالحريات المدنية.

ولقد أثار الصحفي الروسي أندريه سيتوف هذه المسألة عندما أكد في مؤتمر صحفي عقد في البيت الأبيض أن الحرية الأمريكية كانت ضالعة في حوادث إطلاق النار في أريزونا: "أما عن السبب، فإنه لا يبدو غير مفهوم إلى هذا الحد، على الأقل في نظر المراقب من الخارج. إنه الوجه الآخر للحرية. وما لم تكن لديكم الرغبة في فرض القيود، أو منح الحكومة دوراً أكبر... فهذه هي أمريكا، الديمقراطية، وحرية التعبير، وحرية التجمع، وحرية رفع المطالبات إلى الحكومة. وقد يقول العديد من المراقبين في الخارج إن حرية العقل المختل في استخدام العنف سمة أمريكية أيضا".

ولقد أجاب سكرتير الرئيس باراك أوباما الصحفي بأسلوب دفاعي مؤكداً أن القيم الأمريكية لا تؤيد العنف. وهذا صحيح، ولكنه لا يتصل بقضيتنا هذه. فالسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت القيم الأمريكية تحابي الحقوق الفردية على النحو الذي قد ييسر على نحو أو آخر وقوع حوادث مثل مأساة أريزونا. إن معدلات الإصابة بالمرض العقلي الشديد تكاد تكون ثابتة في مختلف بلدان العالم المتقدم، ولكن يبدو مع ذلك أن حالات إطلاق النار من هذه النوعية مرتفعة بشكل خاص في الولايات المتحدة مقارنة بالدول المتقدمة الأخرى.

ومن بين الاقتراحات المرتبطة بالحرية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى فرض قوانين أكثر صرامة من أجل منع الأسلحة النارية من الوصول إلى أيدي المختلين عقليا. ولكن مطلق النار المزعوم لم تشخص حالته رسمياً قط بوصفه مختلاً عقلياً، وهذا يعني أن مثل هذه القوانين المستهدفة ما كانت لتمنعه من الحصول على سلاح ناري. والواقع أن السيطرة على الأسلحة النارية عموماً تشكل أهمية بالغة، ولكن من المستبعد أن تتحقق هذه الغاية في الوقت الحالي.

وتحتاج الولايات المتحدة أيضاً إلى تيسير الوصول إلى الخدمات المرتبطة بالصحة العقلية. ورغم أن كليته تطالب بتقييم مهني قبل السماح له بالعودة، فإن المشتبه به في حوادث إطلاق النار في أريزونا لم يسع إلى الحصول على المساعدة من الخدمات المتاحة في توسكون بأريزونا. وخلافاً لهؤلاء الذين يعانون من الأمراض البدنية، فإن الأفراد المصابين بالخلل العقلي كثيراً ما ،لا يدركون ـ حتى أنهم قد ينكرون بشدة ـ أنهم يعانون من أي عِلة، وعلى هذا فإنهم ينصرفون عن العلاج ويخسرون استحقاقات العجز التي يحتاجون إليها بشدة.

إن العديد من الكليات تزيد من رصدها للسلوكيات الغريبة الصادرة عن طلابها بواسطة فرق متخصصة في تقييم التهديدات. ولكن مثل هذا الفحص الشامل غير فعال في توقع العنف، وكثيراً ما يسفر عن أعداد هائلة من التهديدات الموصوفة بشكل خاطئ. على سبيل المثال، انتهى فحص الطب النفسي لخطر الانتحار في إحدى مدارس نيويورك الثانوية إلى أن 44% من الطلاب معرضون لخطر الانتحار. وعلى نحو مماثل، أسفرت دراسة فحص للتفكير الشاذ غير المترابط عن الإشارة إلى أفراد لم يصبهم في واقع الأمر أي خلل نفسي في وقت لاحق.

في الأشهر التي سبقت إطلاق النار، كان سلوك المشتبه به يشير إلى علامات تدل على مشاكل عقلية خطيرة، بما في ذلك الارتباك في الحديث، والفوضوية في الفصل، والتخيلات الغريبة، وكل هذا كاف لإرغام أي شخص على الخضوع للتقييم النفسي.

رغم أن كلية المشتبه به أوقفته بسبب سلوكه المهدد للغير فإنها لم تتخذ أي إجراء لاحق. وأحد الأسباب وراء ذلك هو أن قوانين الخصوصية التعليمية تقيد بشدة تبادل المعلومات، حتى مع الآباء، ناهيك عن تبادلها مع سلطات أخرى. فضلاً عن ذلك فإن الحماية الإضافية للسجلات الطبية تزيد أحياناً من صعوبة إخطار الآباء إذا كان أحد الأطفال يعاني من المتاعب.

فضلاً عن ذلك فإن الدستور الأمريكي يحظر الحبس الاحتياطي: وعلى هذا فمن غير الممكن حتى احتجاز أي شخص يعاني من خلل عقلي شديد رغماً عنه ما لم يحكم عليه بأنه يشكل خطراً داهماً على نفسه أو على آخرين. ومن الواضح أن مستشاري الكلية رأوا أن المشتبه به لم يبلغ تلك العتبة. وعلى الرغم من اضطراب المشتبه به فإنه كان قادراً على التخطيط والعمل ـ كما أظهرت الطبيعة المنضبطة للهجوم الذي شنه.

لا يجوز لنا أن نتخلى عن مثل أشكال الحماية هذه بسهولة. إن المفارقة في التعليق الذي ألقاه سيتوف هي أن المعارضين السياسيين الروس في العهد السوفييتي كانوا يخضعون للتشخيص النفسي، والإيداع بالمؤسسات النفسية، والتخدير لإخضاعهم. وفي محاولة لتمهيد الطريق أمام إضفاء الشرعية على الإساءة السياسية للمشخصين بالإصابة بمرض نفسي، قال رئيس الوزراء السوفييتي نيكيتا خروشوف: "أما هؤلاء الذين قد يشرعون في الدعوة إلى معارضة الشيوعية، فنستطيع أن نقول لهم بوضوح إن حالتهم العقلية غير طبيعية".

والواقع أن رسم الخط بين التطرف السياسي الغاضب أو غرابة الأطوار والخلل النفسي الضلالي أمر بالغ الصعوبة. فإذا تم تخفيف قيود الإيداع القسري بهدف منع الجريمة، فقد يلجأ مدعو العموم المتحمسون إلى الالتفاف حول الحريات المدنية. ولقد نشأت مثل هذه الانتهاكات عندما اجتاز الحبس الاحتياطي الفحص الدستوري، كما هي الحال مع القوانين التي استنتها بعض الولايات الأمريكية فيما يتصل بسجن "المعتادين على ارتكاب جرائم العنف الجنسية".

ماذا نستطيع أن نفعل إذن؟ إن سيتوف كان مصيباً عندما ذكر أن حوادث إطلاق النار في أريزونا ربما يسرها على الأرجح التفاعل الأمريكي الفريد بين الحماية القانونية للخصوصية الفردية والحرية، والافتقار إلى القيود والموارد المجتمعية، وسهولة الحصول على الأسلحة النارية.

ويتعين على الأمريكيين أن يقروا بأن قوانين الخصوصية التعليمية والطبية تتطلب وجود استثناءات محدودة فيما يتصل بإخطار الأسرة والسلطات عندما يبدي أحد الطلاب علامات واضحة بالإصابة بمرض عقلي، حتى يصبح بوسع الكليات والمؤسسات أن تتخذ التدابير المناسبة في الوقت المناسب.

إن خدمات الصحة العقلية الكافية، إلى جانب التواصل التعليمي، كافية لحث الشباب الذي يعاني من خلل عقلي أو نفسي على السعي إلى الحصول على المساعدة طوعا. ولعل التخفيف الحكيم لمعايير الضرر الوشيك فيما يتصل بالإيداع القسري في الحالات الواضحة للإصابة بخلل عقلي شديد يكون مفيداً أيضا.

والواقع أن الفحص، إذا تم توجيهه بدقة من أجل الحد من الأخطاء، قد يلعب دوراً كبيراً أيضا. وأخيراً لابد أن نعترف بأن تحسين عملية السيطرة على الأسلحة بحيث يصعب على المختلين عقلياً الحصول عليها أمر بالغ الأهمية.

إن مثل هذه التدابير ربما كانت لتمنع حوادث إطلاق النار في أريزونا. والواقع أن الاستجابة المجتمعية الأكثر قوة، والمدعومة باستثناءات محدودة للقيود القانونية فيما يتصل بتبادل المعلومات، ربما كانت لتسمح بالتقييم القسري للمشتبه به.

وحتى إذا رفض المشتبه به العلاج، ثم أطلِق سراحه لأنه لا يشكل تهديداً وشيكاً، فإن الخلل العقلي الشديد الذي يعاني منه كان في الإمكان تشخيصه على أقل تقدير. وكان وضعه على الفور على "قائمة مراقبة" الأسلحة ـ التي يتم تحديثها على نحو منتظم في ظل قوانين معززة ـ ليمنعه من شراء السلاح والذخيرة التي استخدمها في وقت لاحق.
صورة

صورة
صورة العضو
نورس
مشرف
مشرف
 
مشاركات: 1778
اشترك في: الجمعة إبريل 14, 2006 1:01 am

العودة إلى بشكل عام

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 6 زائر/زوار