• اخر المشاركات

هكذا أعيش في السر

مقالات, تحقيقات, أراء و شروحات.

المشرف: noooooooooooor

هكذا أعيش في السر

مشاركةبواسطة نورس في الثلاثاء فبراير 22, 2011 12:24 am

هكذا أعيش في السر



بعد أن تم ترتيب لقاء لتناول طعام الغداء معه، أخبروني أن علي الانتظار أمام معلم بارز وفي وقت معين. كان الوقت يمر، كنت على وشك الاتصال عندما شقت سيارة طريقها بين الزحام وانطلقت باتجاهي. وفي هذه اللحظة يخرج رجل منها ويبدو مسدسه واضحا من تحت معطفه القصير، ويقول ذلك الشخص: "لويد"، أعتذر عن التأخير ثم يفتح الباب الخلفي للسيارة لينطلق زميله الذي يقود مرة أخرى وسط الزحام عبر المدينة وصولا إلى الفندق.
كانت ترافقنا في رحلتنا سيارتان فيهما عدد من رجال الشرطة وقفتا في الخارج. أُخذتُ إلى غرفة صغيرة جدرانها بيضاء وبلا نوافذ في وسطها منضدة تتسع لشخصين، وكان بحسب الاتفاق إلا يتم الإفصاح عن اسم الفندق، ولا حتى المدينة.
كان واحد من رجال الشرطة المرافقين الذي ينتظر قد أخبرني أنه قرر الانضمام إلى الدرك في مسقط رأسه صقلية لأنه لا يوجد ما يعمله الشباب، وذكر قائلا: ان بعض من أصدقائي انضموا الى الاقتصاد الأسود (وهو مصطلح يشبه مصطلح الأسواق السوداء ويطلق كنايةً عن جرائم غسيل الأموال ويصنف كأخطر الجرائم الاقتصادية وأكثرها شيوعاً في العالم) وهكذا فقد انتهى بي المطاف ضمن حرس حماية روبرتو سافيانو".

فضح لوحشية الكامورا
لقد مضت أربع سنوات منذ أن نشر روبرتو سافيانو روايته الشهيرة "غومورا" والتي وصف فيها الكاتب الذي ولد في نابولي الحياة في ظل كامورا، التي تعرف بمؤسسة الجريمة في نابولي. لقد سلّط الكاتب الإيطالي روبرتو سافيانو الضوء على المافيا الإيطالية «كامورا»، من خلال «غومورا» التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي لقي شهرة واسعة. لقد كان في جزء منه ما تناقلته الصحافة وجزء منه ريبورتاج وجزء للشخص الأول، وجزء منه سيرة ذاتية، وفي الحقيقة أن الكتاب عبارة عن خليط من كل ذلك. إضافة إلى ومضات حية للمراقبة مع صرخات شجب مريرة من القسوة واللامبالاة. ويقول فيديريكو فاريزي أستاذ علم الجريمة في جامعة أكسفورد وواحد من أبرز العلماء في الجريمة المنظمة في العالم: ان سافيانو لم يكشف فقط وحشية الكامورا، ولكن أيضا الطريقة التي غرزت بها مخالبها عميقاً في مجتمع نابولي (والى أبعد من ذلك بكثير). ويضيف:إن ما جعل للكتاب قيمة خاصة، هو الطريقة التي يظهر بها كيف أنها مفيدة لفئة من الناس: أنها توفر لهم الائتمان، وتسمح لهم بالاستثمار في تجارتها للمخدرات وغيرها من الأعمال التجارية الأخرى ومن ثم دفع الفائدة. ولم يكتب عنهم كمجرد ظاهرة محلية: بل انه أظهر كيف أنهم يرتبطون بالشبكات العالمية: انه يبين أنهم يؤثرون علي وعليكم ".
وكان الكتاب قد حقق نجاحا كبيرا، ففي إيطاليا وحدها، وهي بلد فيه جمهور من القراء قليل نسبيا، بيعت مليونا نسخة. ووصفته جريدة «نيويورك تايمز»، بأنه أفضل كتاب لعام 2007. وفي 2008 قدمت الرواية كفيلم غير عادي من إخراج ماتيو غاروني ومن بطولة سلفاتوري ابروتزيزيه، ويسمونه ساكيتينو وقد شارك فيه ممثلون هواة من نابولي، كان بعضهم مجرد أطفال. وفاز بالجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي. وما زال الإقبال عليه شديدا، بعد ترجمة الرواية من الإيطالية الى ما يزيد على ثلاثين لغة.
إن المؤلف سافيانو، لا يزال في مقتبل العمر لكنه أصبح مشهورا على الصعيد الوطني كما عرف بأنه من النوع المتعطش بكرهه للعصابات، وله رغبة قوية في إشعال شمعة ضد ظلامهم المتزايد. وفي الوقت نفسه، كان يعني ذلك أنه عليه أن يقبل بأنه هدف لانتقامهم، وأن عليه أن يتعايش مع عواقب تصرفاته.

زنزانة مخملية

وحينما دخل سافيانو إلى زنزانته المخملية، كان نحيفاً وحليق الرأس وحاداً ووسيم الوجه ولكنه حذر ثم جلسنا. نظرت إلى الغرفة من حولي وسألته: أهذه هي الطريقة التي تعيش بها "؟ أجاب: "هذه هي الطريقة التي أعيش بها طوال الوقت". لقد عاش هذا الوضع منذ أن نشرت روايته «غومورا» ومنذ ان قالوا الكامورا انهم سوف يقتلونه. في عام 2008 كشف مخبر اسمه كارمين شيافوني، وهو ابن عم فرانشيسكو سكيافوني، عن تفاصيل خطة لتفجير سيارة سافيانو وبينما كان في طريقه بين نابولي وروما.
 ويقر سافيانو وهو في سجنه المخملي بأن رواية "غومورا" جعلت منه رجلا غنيا وفي الوقت نفسه تقوم الدولة بتوفير مراقبة له على مدار الساعة. ومن الجمل التي كتبت في واحد من المقالات في كتابه الأخير "الجمال والجحيم"، الذي هو عبارة عن مجموعة من الانعكاسات على حياته في مخبئه الذي من المقرر أن ينشر في بريطانيا مطلع العام المقبل. وأضاف "أفكر في كافة أعياد الميلاد التي قضيتها، وأعيش قلقاً وحزيناً ووحيدا منذ أن اضطر إلى الاختباء والعيش في ظل حراسة الشرطة المشددة. انه يبتسم بحزن لان عليه الانتقال باستمرار، من شقة إلى شقة، كلما اكتشف الجيران انه هناك، فيشتكون منه ويطلبون منه المغادرة.إن الزنزانة البيضاء التي كانت محطة لتناول وجبة الغداء اللذيذة هي مكافأة وعقاب في ذات الوقت. 
ولكنه في العالم الخارجي الذي لا يمكن أن يغامر فيه بأن يكون غير محميٍّ، تمتلئ الصفحات الأولى بسافيانو: كتابه، وما تتناقله الصحافة عنه والآن في البرنامج التلفزيوني (تعالي معي) الذي يبث لمدة ساعتين، وهو برنامج يستند على مقابلة تتناول المسائل ذات الأهمية المعاصرة، تم تصويره في مكان لم يكشف عنه وتحت حراسة أمنية مشددة، ودور سافيانو الرئيسي فيه كان تقديم مونولوج لمدة ساعة ونصف تقريبا حيث يظهر مباشرة على الكاميرا حول موضوع يختاره. ويقول: "إنه نقاش بطيء لكنه بالتأكيد ليس من هذا النوع الذي اعتدت مشاهدته على شاشة التلفزيون، خاصة ليس على التلفزيون الإيطالي".
وتسببت إحدى الحلقات الأولى التي ادعى فيه أن عشائر جنوب الآن تبسط نفوذها على أجزاء كبيرة من الاقتصاد في الشمال بضجة كبيرة. وبشكل عام فقد بلغ عدد المشاهدين 8 ملايين مشاهد عند بث البرنامج لأول مرة، و9 ملايين في دورته الثانية. وقد حقق البرنامج أكبر عدد من الجمهور منذ الانطلاق في عام 1979، ومن ثم مباشرة تم تأويل هذا الإنجاز حيث قال: "لكن قد يسبب الحقد عليه! من الطبقة السياسية.إنها الكراهية التي تشاهدها في كل مكان في ايطاليا نحو أولئك الذين يحاولون الوقوف لمواجهة المناخ السائد. انها حقا الكراهية ".
وعندما سئل عما يعنيه ذلك قال: هذا هو رد الفعل الغريزي، ليس فقط من السياسيين بل من المجتمع. انظر كيف ان [جيوفاني] فالكوني و(باولو) بورسيلينو (النائبين العاملين في مكافحة المافيا قتلا على يد المافيا الصقلية في 1992) لقد ادينوا بحيث القي اللوم عليهم، كما ان أعمالهم اظهرت عدم مبالاة الطبقة السياسية بالمجتمع".

لا يجد نفسه إلا في الكتابة

وبالنسبة لسافيانو، أن بغضه للجريمة المنظمة هو مكمن غضبه عن موضوع بورسيلينو الذي اشار له في خطابه في جنازة فالكوني "بذاءة التسوية المعنوية واللامبالاة والتواطؤ ".هي التي تدور يقول سافيانو انه تكتيك القوة "لإضفاء الشرعية على الذين يتفقون على تشجيع أو حتى الشروع في طريقة عمل' آلة الطين 'لأولئك الذين يهددون سلطتهم".
وبدا على سافيانو انه يعاني من الاكتئاب، كما أن أسلوبه في الحياة يكثف لديه هذا الشعور.إن شهرته وشجاعته التي أبداها فتحت الأبواب له وقدمته إلى الإيطالية والعالم والنخبة الثقافية: ولكنها أيضاً سرقته من الأنشطة العادية لأي شاب. ويتحدث، كما فعل في الماضي، حينما ترك ايطاليا بحثا عن مكان أكثر أمنا، بحيث ان "آلة الطين" لن تلوثه. وسألته عما إذا كان سوف يدخل السياسة، كما تشير بعض التكهنات، قال: كلا، بالتأكيد كلا. ليس لأنني أعتقد أن كلا من السياسة والسياسيين فاسدون: وبالتأكيد، ان البعض منهم فاسد ولكن أعرف العديد من الذين يعملون كل ما في وسعهم لتحسين الوضع في البلاد. ولكني أجد نفسي في الكتابة".

يساري ولكن
ومع ذلك فهو يعترف أنه قد تمت استمالته من قبل اليسار الايطالي: فبرنامجه على قناة يسارية، كما أن الكثير من مقابلاته في الصحافة لصالح صحيفة (لا ريبوبليكا اليومية) التي تصنف ضمن يسار الوسط. ومع ذلك فهو ليس طبيعيا أو أيديولوجيا من اليساريين. ومن بين التأثيرات عليه، فهو يذكر في أحاديثه انه درس الفلسفة في الجامعة، وقراءاته واسعة ولا يبتعد عن الكتب كثيرا، ممثلة بالكاتب ايريكو مالاتيستا ؛ لكنه يعتقد ان الكتّاب الجنوبيين أهملوا ظلما، مثلما هو حال المناهضين للفاشيين غايتانو سالفيميني ووجويستينو فورتوناتو ؛ والكاتب الالماني المحافظ كارل شميت وارنست جونغر، وحتى الكتاب الموالين للفاشية مثل عزرا باوند والايطالي يوليوس ايفولا. ولكنه يصف نفسه بأنه ليبرالي، وفي الوقت نفسه يعترف بأن موقف الليبراليين في إيطاليا ضعيف وهش، انه اصطدم بين القوتين الكبيرتين ممثلتين بالديمقراطية المسيحية والشيوعية".

ويقول: لقد عرف منذ سن مبكر انه كان علي أن أكتب، وان أدلي بشهادتي عن الجريمة. كانت تربيته في نابولي في أسرة من الطبقة المتوسطة، التي يرأسها والده لويجي الطبيب، وأمه اليهودية مريام. ومع ذلك كان كل شيء بالنسبة له كامورا، تلك القبيلة المترامية الأطراف التي تمتد جذورها الى ما لا يقل عن 200 سنة. وفي الحقيقة أنهم يسيطرون على صناعات الحليب والسمك، وتجارة القهوة، وأكثر من 2500 من المخابز في المدينة. كما انهم يسيطرون على إدارة النفايات وهناك معارك للسيطرة على هذه التجارة المربحة التي شهدت وبشكل متقطع أكوام القمامة في شوارع نابولي على مدى السنوات الثلاث الماضية.
في سن المراهقة، شاهد سافيانو والده يتعرض للضرب المبرح لمساعدة ضحايا كامورا "والقاعدة تقول إنه ينبغي أن يترك مثل هذا الشخص للموت. ومع ذلك فإن والده الذي يعلن احترامه لرجال السلطة، كان يقدم المشورة لابنه ان يكون قويا مثل الرؤساء كامورا. وقد يكون الأكثر تأثيرا هو الكاهن المناهض للكامورا، "دون ببينو" الذي يتناوله على مدى فصل في غامورا، وقد قتل على يد أولئك الذين كان يندد بأعمالهم. ويتذكر سافيانو الكاهن كيف يخبره ان من يعارض العوائل يجب إما أن يكون هناك ليشهد أو ليتهم. 
وقد اتبع سافيانو هذه النصيحة وأعطته شهرته الاستثنائية. كان هناك بقوة في كل شيء انه يكتب، وحتى الآن، فهو لا يزال اكثر قوة في برنامجه التلفزيوني. ويضيف "اعتقد ان الكتابة في مثل هذا النوع يجب أن تعطي انطباعا لأنها السرد، الذي ينشغل الناس به. ان القصة لا تتم فقط من خلال سرد الحقائق. يجب أن يكون هناك الأدب، فضلا عن الحقيقة".

ميت لكن ليس جسدياً

لقد أوصلته كتاباته إلى الطبقة الارستقراطية العليا حيث التقى سافيانو في حفل اقيم قبل عامين في لجنة نوبل في ستوكهولم بكاتب مثير للجدل اخبره بأن عليه في الوقت المناسب أن يغادر سجنه المخملي على الرغم من المخاطر وقال له: "سيكون أعداؤك قد حققوا أهدافهم، هدفهم في أن تكون ميتا. وسوف تكون قد مت – ولكن ليس جسديا بل ذهنيا وأخلاقيا. لا يمكنك أن تفعل ما يحلو لك، ولا تستطيع عيْشَ الحياة بشكل كامل. لقد مارسوا القتل عليك. ويستذكر سافيانو هذه الكلمات ويقول: " كان هذا بوحا بالنسبة لي وبعد ذلك يعترف: كان على حق ولقد علمت أنه على حق ".
ومع ذلك فأن سافيانو يواصل وضع الملح في جروح أعدائه بقوة، من خلال إصراره وقوته الشخصية. وفي الوقت نفسه فانه يعاني ليس فقط من الخبث من أولئك الذين يعملون أو الذين تزل خطاهم نحو "آلية الطين"، ولكن أيضا من جبن هؤلاء الذين يتمنون له التوفيق.
ويتحدث سافيانو عن المنازل الآمنة التي كان لا بد من التخلي بسبب الاحتجاجات من الجيران الذين يصيبهم الخوف (فضلا عن الشجاعة من الأصدقاء أو حتى الغرباء المجهولين الذين مدوا يد الضيافة) ويقول انه له أعداء في اليسار كما في اليمين، الذين يعتبرون كتاباته وحملاته وموقفه المناهض للمافيا بانه "مفرط"بل انه مناهض للوطنية.


جذور المافيا

يرجع تاريخ كلمة المافيا إلى القرن الثالث عشر مع الغزو الفرنسي لصقلّية في العام ١٢٨٢، وتكوّنت في هذه الجزيرة منظّمة سرّيّة لمكافحة الغزاة كان شعارها «موت الفرنسيين صرخة إيطاليا»، واختصارها «مافيا». ويذكر بعض زعماء المافيا وعلى رأسهم غوبونانو (أبوعين)، أن بداية المافيا كانت تتويجاً للتمرّد والعصيان الذي ظهر في صقلية عقب خطف أحد الفرنسيين فتاة في ليلة زفافها، في العام ١٢٨٢، فأراد الإيطاليون الانتقام، وتنقّل الغضب من مدينة إلى أخرى، وقتل جرّاء ذلك عدد كبير من الفرنسيين ثأراً للشرف، وكان الشعار في ذلك الوقت هو الصرخة الهستيرية التي صارت تردّدها أم الفتاة وهي تجري وتبكي في الشوارع كالمجنونة. ومن أشهر فرق المافيا فرقة صقلية التي نشأت في منتصف القرن التاسع عشر، وأصبحت بحلول الربع الأخير من القرن القوّة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المسيطرة على غرب الجزيرة، قامت بداية على أعمال الحماية والابتزاز في منطقة بالرمو ومحيطها وضمت بعض أفراد العائلات الارستقراطية الحاكمة، حيث انقسم المجتمع في بداية الدولة الإيطالية الناشئة إلى الساسة وأصحاب الأراضي، ودخلت المافيا بين هذين الفريقين.
عن الفاينانشيال تايمز
صورة

صورة
صورة العضو
نورس
مشرف
مشرف
 
مشاركات: 1778
اشترك في: الجمعة إبريل 14, 2006 1:01 am

العودة إلى بشكل عام

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 5 زائر/زوار

cron